HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٦٠

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيل) عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ؛ قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا. وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً. وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ. فَقَالَتْ له عائشة: مالك لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ. هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ. قَالَ فغضب القاسم وَأَضَبَّ عَلَيْهَا. فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أتي بها قام. قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي. قَالَتْ: اجْلِسْ. قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ! إِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأخبثان».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص78
ج ١ ص ٣٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٤٢٩
قال: «إذا كان أحدكم عند الطعام، فلا يَعْجَلنّ عنه حتى يَقضِيَ حاجته، وإن أقيمت الصلاة». انتهى. وأما رواية ابن جُريج، فساقها أبو عوانة في «مسنده» أيضًا (١/ ٣٥٩)، فقال: (١٢٩٤) حدّثنا يزيد بن سِنَان، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا قُرِّب إلى أحدكم العشاء، فلا يَعْجَل عنه». انتهى. وقال أيضًا (١/ ٣٦٠): (١٢٩٥) حدّثنا أبو حميد المصيصيّ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يُقَدَّم إليه الطعام، وقد نودي لصلاة المغرب، ثم تقام، وهو يَسْمَع، فلا يترك عَشاءه، ولا يعجل حتى يقضيَ عَشاءه، ثم يخرج فيصلِّي، وقد كان يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدِّم إليكم». انتهى. وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٥٧٧٢) حدّثنا عَفّان، حدّثنا وُهيبٌ، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «إذا وُضع العَشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء»، قال: ولقد تعشى ابن عمر مرّة، وهو يسمع قراءة الإمام. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٥٠] (٥٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقِ، قَالَ: تَحَدثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ -﵂- حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً ، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (يَعْقُوب بْنُ مُجَاهِدٍ) القُرشيّ أبو حَزْرَة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي- المدني القاصّ، مولى بني مخزوم، يقال كنيته أبو يوسف، وأبو حَزْرة لقبٌ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمه الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعبد اللَّه بن أبي عَتِيق بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو أكبر منه، وحنظلة بن عمرو الرَّقِّيّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد القطان، وصفوان بن عيسي، وغيرهم. قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات بالإسكندرية سنة خمسين ومائة، أو سنة تسع وأربعين ومائة، وكان يَقُصّ، وفي سنة تسع أرّخه ابن سعد، وقال: كان قليل الحديث، وقال العُقيليّ: ثنا محمد بن عيسي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن ابن معين، قال: أبو حَزْرة صويلح الحديث، سمع القاسم بن محمد. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٦٠)، وحديث (٣٠١٤): «من انظر معسرًا، أو وضع عنه أظلّه اللَّه. . .» الحديث الطويل الآتي في «كتاب الزهد والرقائق». ٤ - (ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق المعروف بابن أبي عَتِيق، أبو بكر المدنيّ، صدوق فيه مِزَاحٌ [٣]. رَوَى عن عمة أبيه عائشة، وعن ابن عمر، وعامر بن سعد. وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، ومحمد، وخالد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إسحاق، وأبو جَزْرة يعقوب بن مجاهد المدنيّ، وغيرهم. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال مصعب الزبيريّ: كان امرءًا صالحًا، وكان فيه دُعابةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الزبير بن بكار: قد سمع من عائشة، ودخل عليها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال: كيف أصبحتِ؛؟ جعلني اللَّه فداك، فقالت: أصبحت ذاهبةً، قال: فلا إذًا، قال الزبير: وأخبرني عبد اللَّه بن كثير بن جعفر أن عائشة رَكِبت بغلةً، وخرجت تُصلح بين غلمان لها ولابن عباس، فأدركها ابن أبي عتيق، فقال: يُعتَقُ ما تَمْلِك إن لم ترجعي، فقالت: ما حملك على هذا؟ قال: ما انقضى عنا يومُ الجمل حتى يأتينا يومُ البغلة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه. ٥ - (عَائِشَةُ) -﵂- تقدّمت قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فمكيّ، ثمّ بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) بفتح العين المهملة، وكسر المثنّاة التحتانيّة: هو عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا) أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكن عطف الظاهر على الضمير المتّصل، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَالْقَاسِمُ) هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ الثقة المثبت، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الطبقة الثالثة، مات سنة (١٠٦) على الصحيح، تقدّمت ترجمته في «الحيض» ٣/ ٦٩٥٠ (عِنْدَ عَائِشَةَ -﵂- حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً) بفتح اللام، وتشديد الحاء المهملة: أي كثير اللحن، قال القاضي عياض -﵀-: قوله: «رَجُلَا لَحّانةً» كذا للسمرقنديّ، وهذا اللفظ استعملته العرب للمبالغة، قالوا: لَحّانةٌ لكثير اللحن، وعلّامةٌ لكثير العلم، ووقع للعذريّ، وابن أبي جعفر: «لُحْنَةً»، بضمّ اللام، وسكون الحاء، وهو بمعناه، أي يَلْحَن في كلامه، ويُلَحِّنه الناس، وباب فُعْلَةٍ -بضمّ الفاء، وسكون العين- للذي يَرَى الناس منه ذلك، كخُدْعَةٍ للذي يُخْدَعُ، وهُزْأَةٍ للذي يُهْزَأ به، وباب فُعَلَةٍ بفتح العين بضدّه، فهو الذي يَفْعَل ذلك بغيره، كما يقال: صُرَعَةٌ للذي يَصْرَعُ الناس، وهُزَأَةٌ للذي يَهْزَأُ بهم، وخُدَعَةٌ للذي يَخْدَعُهُم. انتهى . (وَكَانَ) أي القاسم (لِأُمِّ وَلَدٍ) قال ابن سعد في «الطبقات»: أمه أم ولد يقال لها: سَوْدَةُ. انتهى . وجملة «وكان لأم ولد» بيان لسبب كثرة لحنه في كلامه، فكأنه قال: وإنما كان لحّانةً؛ لكون أمه أعجميّة لا تُحسن العربيّة، فتعلّم منها، كما بيّنته عائشة -﵄- في كلامها الآتي. (فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ) -﵂- (مَا لَكَ) «ما» استفهاميّة، أي أيُّ شيء ثبت لك؟ (لَا) نافية (تَحَدَّثُ) بفتح التاء، أصله تتحدّث بتاءين حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» (كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا) تعني ابنَ أبي عتيق، جعلته ابن أخيها مجازًا؛ لأنه ولد محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، فهو حفيد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه مثل «ألا» (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟) أي من أيّ شيء أصابك اللحن وعدم الفصاحة مثله (هَذَا) أي ابن أبي عتيق (أَدَّبَتْهُ) بتشديد الدال؛ للمبالغة، قال الفيّوميّ -﵀-: أَدَبْتُهُ أَدْبًا، من باب ضَرَبَ: علّمتُهُ رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأدَبُ يقع على كلّ رياضة محمودة، يَتَخَرَّج بها الإنسان في فَضِيلة من الفضائل، وقال الأزهريّ نحوه، فالأدب اسم لذلك، والجمع أَداب، مثلُ سَبَبٍ وأَسباب، وأدّبته تأديبًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، ومنه قيل: أدّبته تأديبًا: إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سببٌ يدعو إلى حقيقة الأدب. انتهى . (أُمُّهُ) هي رُمَيثةُ بنت الحارث بن حُذيفة بن مالك بن ربيعة، من بني فِرَاس بن غَنْم بن مالك بن كنانة ، والمعنى: أن كثرة لحنك إنما أتاك من قبل تعليم أمك لك؛ لأنَّها أعجميّة (وَأَنْتَ) تعني القاسم (أَدَّبَتْكَ أمّكَ) أي وهي فصيحة، فأتته الفصاحة منها. وحاصل ما أشارت إليه عائشة -﵂- في كلامها هذا أن القاسم لَمّا لم تكن أمه عربيّة فصيحةَ، وتربّى عندها لم يكن فصيحًا، بل كان لحّانةً، وأما ابن أبي عتيق فلَمّا كانت أمه عربيّة فصيحة؛ لأنَّها من بني فِرَاس بن غنم كما أسلفناه آنفًا، وربّته على فصاحتها كان فصيحًا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) ابن أبي عَتيق (فَغَضِبَ) بكسر الضاد المعجمة (الْقَاسِمُ) بن محمد (وَأَضَبَّ عَلَيْهَا) بفتح الهمزة، والضاد المعجمة، وتشديد الباء الموحّدة: أي حَقَد، قال الفيّوميّ: الضبّ: الْحِقْدُ ، وقال في «القاموس»: و«الضَّبّ»: الغيظ، والحِقْد، ويُكسر. انتهى . فأفاد أن ضاده مفتوحة، ويجوز كسرها، فافهمه (فَلَمَّا رَأَى) أي القاسم (مَائِدَةَ عَائِشَةَ) -﵂-، قال الفيّوميّ -﵀-: «المائدة»: مشتقّة من ماد يَمِيد: إذا أعطي، وهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن المالك مادها للناس: أي أعطاهم إيّاها، وقيل: مشتقّةٌ من ماد يَمِيد: إذا تحرّك، فهي اسم فاعل على الباب. انتهى. (قَدْ أُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي جيء (بِهَا) أي بالمائدة (قَامَ) أي لئلا يأكل طعامها؛ غضبًا عليها (قَالَتْ) عائشة -﵂- (أَيْنَ؟) أي إلى أي مكان تقوم من مكان المائدة؟ (قَالَ) القاسم (أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي) كرّره؛ لاشتداد غضبه عليها (قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة، وهو بحذف حرف النداء، أي يا غادر، قال أهل اللغة: الغَدْر: ترك الوفاء، ويقال لمن غَدَر: غادرٌ، وغُدَرٌ، وأكثر ما بُسْتَعْمَل في النداء بالشتم، كما قال في «الْخُلاصة»: وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ … وَلَا تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ قال النوويّ -﵀-: وإنما قالت له: غُدَرُ؛ لأنَّه مأمور باحترامها؛ لأنَّها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحةٌ له، ومؤدِّبةٌ، فكان حقُّهُ أن يَحْتَمِلَها، ولا يَغْضَبَ عليها. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: «غُدَرُ» معناه: يا غادر، وعُدِل به عنه؛ لزيادة معنى التكثير، ونسبتُهُ للغدر؛ لما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة -﵂- للقاسم إنما كان منها لإنهاض همّته، وليحرص على التعلّم، وعلى تثقيف لسانه. انتهى . ثم علّلت نهيها له عن الصلاة في ذلك المكان، بقولها: (إِني) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا) نافية للجنس تعمل عمل»إنَّ«، كما قال في»الخلاصة«: عَمَلَ«إِنَّ»اجْعَلْ لِـ«لَا»فِي النَّكِرَهْ … مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ واسمها قوله: (صَلَاةَ) فهو مبنيّ؛ لتركّبه معها، وهذا مذهب البصريين، وعند الكوفيين منصوبٌ، سقط تنوينه للتخفيف، وقوله: (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) متعلّق بـ«لا»، وفي نسخة:«بحضرة طعام»بالتنكير. وفي رواية أبي داود:«لا يُصَلَّى بحضرة الطعام»، وقال في«المنهل»: أي لا صلاة بحضرة طعام تتعلّق به النفس إلَّا بعد الأكل، وأخذ النفس حاجتها من الطعام، والنفي هنا بمعنى النهي للتنزيه عند الجمهور، وللتحريم عند الظاهريّة، وابن حزم، وأبي ثور، وجماعة، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمت، والطعام المتيسّر عن قريبٍ كالحاضر. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«والطعام المتيسّر كالحاضر»فيه نظر لا يخفى؛ إذ قوله:«إذا قُرّب»، وكذا«إذا قُدّم»والألفاظ الأخرى تردّه، فالصواب تقييده بما حضر؛ عملًا بظواهر الألفاظ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: وهذا ما لم يَضِق الوقتُ بحيث يُخاف خروج وقت الصلاة، وإلا صلّى وجوبًا، ولا يؤخّرها؛ محافظةً على حرمة الوقت، هذا ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء عن جابر -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال:«لا تؤخّروا الصلاة لطعام ولا لغيره»، رواه البغويّ في«شرح السنّة». قال ابن الملك: يُحمَلُ هذا الحديث على ما إذا كان متماسكًا في نفسه، لا يُزعجه الجوع، أو كان الوقت ضيّقًا، يُخاف فوته؛ توفيقًا بين الأحاديث. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث جابر -﵁- المذكور أخرجه أيضًا أبو داود في«سننه»، وهو ضعيفٌ، فلا يُحتجّ به ، فتنبّه. (وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) أي ولا صلاةَ في حالة مدافعة الأخبثين، تثنية الأخبث، أي البول والغائط. قال الطيبيّ -﵀-: قوله:«ولا هو يُدافعه الأخبثان»قال الأشرف: هذا التركيب لا أُحقّقه، وأقول: يمكن أن يقال: إن«لا»الأولى لنفي الجنس، و«بحضرة الطعام»خبرها، و«لا»الثانية زائدة للتأكيد، وعُطِفت الجملةُ على الجملة، وقوله:«هو»مبتدأ، و«يُدافعه»خبره، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، ويجوز أن تُحمَلَ المدافعة على الدفع مبالغةً، ويجوز أن يُحذف اسم«لا»الثانية وخبرها، وقوله:«هو يدافعه»حالٌ، أي ولا صلاةَ للمصلّي، وهو يُدافعه الأخبثان، ويؤيّده رواية:«لا يُصلّي الرجل، وهو يُدافع الأخبثين»، ويجوز مثل هذا الحذف. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقال في«المرعاة»: والمدافعة إما على حقيقتها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى الدفع مبالغةً، وهذا مع المدافعة، وأما إذا لم يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه، ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهًا؛ لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدّم التبرّز، وإخراج الأخبثين قدّم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، وُششحبّ إعادتها، ولا تجب عند الجمهور، كمال قال النوويّ، وعن الظاهريّة أنَّها باطلة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الظاهريّة لا يخفى رُجحانه؛ لظواهر النصوص، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقال في «المنهل»: وما قيل: إن في هذا تقديم حقّ العبد على حقّ اللَّه تعالى مردود بأنه ليس كذلك، وإنما فيه صيانة حقّ اللَّه تعالى؛ ليدخل العبد في العبادة بقلب خاشع غير مشغول . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا صلاة بحضرة الطعام إلخ» ظاهر هذا النصِّ نفي الصحّة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأوّل بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شَغَلَهُ حتى لا يدري كيف صلّى؟ فهو الذي يُعيد قبلُ وبعدُ ، وأما إن شغَلَه شُغْلًا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضامًّا بين وركيه، فهذا يُعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا، وذهب الشافعيّ والحنفيّ في مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلّهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يَعقِل به صلاته، ولا يضبط حُدودها أنَّها لا تجزئه، ولا يَحلّ له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٥٠ و١٢٥١] (٥٦٠)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣ و٥٤ و٧٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٧٣ و٢٠٧٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ١٦٨)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٩٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٢٥ و١٢٢٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٧١ و٧٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٨٠١ و٨٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، قال الخطّابيّ -﵀-: إنما أمر النبيّ -ﷺ- أن يبدأ بالطعام؛ لتأخذ النفس حاجتها منه، فيدخل في صلاته، وهو ساكن الجأش، لا تنازعه نفسه شهوة الطعام، فيُعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها، وإيفاء حقوقها، وكذلك إذا دافعه البول والغائط، فإنه يضيع به نحوُ من هذا، وهذا إذا كان في الوقت متّسعٌ، فإن لم يكن بدأ بالصلاة. انتهى . ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حمل الصلاة في قوله -ﷺ-: «إذا وُضح عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعَشاء» على العموم أولى؛ لأن لفظ «صلاة» في هذا الحديث نكرة في سياق النفي، ولا شكّ أنها من صيغ العموم؛ ولأن لفظ الطعام مطلقٌ غير مقيّد بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس -﵁- الماضي من التنصيص على بعض أفراد العامّ، وليس بتخصيص، واللَّه تعالى أعلم . ٣ - (ومنها): النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين: البول والغائط، وكذا يُلحق ما في معناه مما يَشغَل القلب، ويُذهب كمال الخشوع في الصلاة، قال الإمام ابن حبّان -﵀-: المرء مزجور عن الصلاة عند وجود البول والغائط، والعلّة المضمرة في هذا الزجرِ هي أن يستعجله أحدهما حتى لا يتهيّأ له أداء الصلاة على حسب ما يجب من أجله، والدليل على هذا تصريح الخطاب: «ولا هو يدافعه الأخبثان»، ولم يقل: ولا هو يَجِد الأخبثين، والجمع بين الأخبثين قصد به وجودهما معًا، وانفراد كلّ واحد منهما، لا اجتماعهما دون الانفراد. انتهى كلامه -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ حُجْرِ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و«أبو حَزْرَة القاصّ» هو يعقوب بن مجاهد المذكور هناك، ويقال: أبو حَزْرة لقبه، وكنيته أبو يوسف. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث حاتم بن إسماعيل، يعني أن إسماعيل بن جعفر حدّث عن أبي حَزْرَة، يعقوب بن مجاهد بمثل ما حدثّ حاتم بن إسماعيل عنه. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ) ببناء «يَذْكُر» للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن جعفر. [تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر التي أحالها المصنّف على رواية حاتم بن إسماعيل ساقها الحافظ أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) فقال: (١٢٢٦) حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا عليّ بن حجر (ع) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن العباس، ثنا عبد الرحمن بن واقد، قالا: ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا أبو حَزْرَة القاصّ، عن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «لا يُصَلِّيَنّ أحدكم، وهو بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. وفي نسخة: «وهو».

٢. وفي نسخة: «لُحْنَةً».

٣. وفي نسخة: «بحضرة طعام».

٤. راجع: «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٥، و«المفهم» ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.

٥. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٢٠.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٩.

٧. «تهذيب الكمال» ١٦/ ٦٥.

٨. «المصباح» ٢/ ٣٥٧.

٩. «القاموس المحيط»١/ ٩٥.

١٠. «شرح النوويّ»٥/ ٤٧.

١١. «المفهم»٢/ ١٦٥.

١٢. «المنهل العذب المورود»١/ ٢٩٦.

١٣. راجع:«ضعيف الجامع الصغير»رقم (١٠٧١).

١٤. أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (٥/ ٤٢٨) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يصل أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان».

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١٢٩.

١٦. «المرعاة» ٣/ ٤٩٣.

١٧. «المنهل العذب المورود» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.

١٨. أي قبل خروج الوقت، وبعد خروجه.

١٩. «المفهم» ٢/ ١٦٥.

٢٠. «المنهل العذب المورود» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.

٢١. راجع: «المرعاة» ٣/ ٤٩٢.

٢٢. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١.

٢٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».