HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٦١

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ، فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ (يَعْنِي الثُّومَ) فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ». قَالَ زُهَيْرٌ: فِي غَزْوَةٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص79
ج ١ ص ٣٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٤٤٠
(١٧) - (بَابُ نَهْي مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، أَوْ كُرَّاثًا، أَوْ نَحْوَهَا، مِمَّا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَةٌ أَنْ يَحْضُرَ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٥٢] (٥٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْوةِ خَيْبَرَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ» ، قَالَ زُهَيْرٌ: «فِي غَزْوَةٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القطان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٥. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرَن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْو خَيْبَرَ) هي البلدة المعروفة، في جهة الشام تبعد عن مدينة النبيّ -ﷺ-، نحو ثلاثة أيّام، وغزوتها كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ «قال». وقال في «الفتح»: قوله: «قال في غزوة خيبر» قال الداوديّ: أي حين أراد الخروج، أو حين قَدِمَ، وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك، وهو في الغَزَاة نَفْسِها، قال: ولا ضرورة تمنع أن يُخبرهم بذلك في السفر. انتهى. فكأن الذي حَمَل الداوديّ على ذلك قوله في الحديث: «فلا يقربنّ مسجدنا»؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة، فلهذا حَمَل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر، أو الرجوع إلى المدينة، لكن حديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم دالّ على أن القول المذكور صدر منه -ﷺ- عقب فتح خيبر، فعلى هذا فقوله: «مسجدنا» يريد به المكان الذي أُعِدّ ليصليَ فيه مُدّة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي فلا يقربنّ مسجد المسلمين، ويؤيِّده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: «فلا يقربنّ المساجد»، ونحوه لمسلم -يعني هذا الحديث-. وهذا يَدْفَع قولَ من خص النهي بمسجد النبيّ -ﷺ- كما سيأتي، وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم، ووهّاه، وفي «مُصَنَّف عبد الرزاق»، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصّة، أو في المساجد؟ قال: لا، بل في المساجد. انتهى. («مَنْ) شرطيّة جوابها»فلا يأتينّ«(أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) قيل: فيه إطلاق الشجرة على الثوم، وهو مجازٌ؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فَسَّر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾، ومن أهل اللغة من قال: كُلُّ ما ثبتت له أرُومة أي أصلٌ في الأرض يُخْلِف ما قُطِع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ. وقال الخطابيّ -﵀-: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثُّوم، والعامة لا تعرف الشجر إلَّا ما كان له ساق. انتهى. ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوصٌ، فكلُّ نجم شجرٌ، من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل نخل شجرٌ، من غير عكس، قاله في«الفتح». وقال في«المصباح»: الشَّجَرُ: ما له ساقٌ صُلْبٌ يقوم به، كالنخل وغيره، الواحدة شجرةٌ، ويُجمع على شجرات، وأشجار. انتهى . وقال في«القاموس»: الشَّجَر، والشِّجَرُ، والشَّجْراءُ، كجبَلٍ، وعِنَبٍ، وصَحْراء، والشِّيَرُ بالياء، كعِنَبٍ من النبات: ما قام على ساقٍ، أو ما سما بنفسه، دَقَّ أو جلَّ، قاوم الشتاء، أو عجز عنه، الواحدة بهاء. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وفي عامّة هذه الأحاديث تسمية الثُّوم شجرةً، قال الخطّابيّ: فيه أنه جعل الثُّوم من جملة الشجر، والعامّة إنما تُسمّي الشجر ما كان له ساقٌ يَحْمِل أغصانه دون غيره، وعند العرب أن كلَّ ما بقيت له أُرومة في الأرض تَخْلُف ما قُطع فهو شجرٌ، وما لا أُرومة له، فهو نجمٌ، فالقطن شجر يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجلٌ على شيء من الأشجار، فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذَكرتُ، وفي العرف ما تعارفه الناس. انتهى. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات: ١٤٦] فلا يَرِد على ما ذكره، فإنها شجرة مقيّدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «فلا يرد إلخ» فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الآية فيها إطلاق اسم الشجر على اليقطين، فكيف يستقيم قوله: «فأما اليقطين فليس بشجر»، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) قال الحافظ -﵀-: لم أعرف القائل: «يعني»، ويَحْتَمِل أن يكون عبيد اللَّه بن عمر، فقد رواه السَّرّاج من رواية يزيد بن الهادي، عن نافع بدونها، ولفظه: «نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن أكل الثوم يوم خيبر». انتهى. وزاد في الرواية التالية من طريق ابن نُمَير، عن عبيد اللَّه: «حتى يَذْهَب ريحُها». [فائدة]: قال في «القاموس المحيط»: «الثُّوم» -بالضم- بُسْتَانيّ، وبَرّيّ، ويُعرَف بثوم الحيَّة، وهو أقوي، وكلاهما مُسَخّن، مُخرِجٌ للنفخ والدود، مُدِرٌّ جِدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جَيِّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعَال الْمُزْمِن، والطِّحَال، والخاصرة، والْقَوْلَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجِعِ الْوَرِك، والنِّقْرِسِ، ولَسْعِ الْهَوَامّ والحيّات والعقارب، والكَلْبِ الْكَلِب، والعطشِ البَلْغَميّ، وتقطيرِ البول، وتصفيةِ الحلق، باهِيٌّ، جَذّابٌ، ومَشْويّه لوجع الأسنان المتأكِّلة، حافظٌ صحَّةَ الْمَبْرُودِينَ والمشايخ، رديءٌ للبواسير، والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدِّقِّ، والْحَبَالَي، والمرضعات، والصُّداع، إصلاحه سَلْقُه بماء ومِلْح، وتطجينه بدُهْن لَوْز، وإتباعه بِمَصّ رُمّانة مِزَّةٍ، والثُّومَةُ واحدته. انتهى . (فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ») فيه بيان أن النهي عامّ في المساجد كلّها، ففيه ردّ على من خصّه بالمسجدّ النبويّ، ووقع في بعض النسخ:«المسجد»، بالإفراد، وهو بمعناه؛ لأن«أل»فيه للاستغراق، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (فِي غَزْوَةٍ) مقول القول (وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ) هذا بيان لاختلاف ألفاظ الشيوخ، وهو من ورع المصنّف -﵀-، واحتياطه، وتحرّيه في أداء الألفاظ، وإن لم يختلف به المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره، حتى قدّموه على البخاريّ في هذا، كما أشار إليه بعضهم بقوله [من الطويل]: تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ … لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في«شرح المقدّمة»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٢ و١٢٥٣] (٥٦١)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٨٥٣) و«المغازي»(٤٢١٥)، و(أبو داود) في«الأطعمة»(٣٨٢٥)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(١٠١٦)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٢/ ٥١٠ و٨/ ٣٠٢)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ١٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٠٨٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٢٢١)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٢٢٧)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٤/ ٢٣٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٣/ ٧٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن دخول المسجد لمن أكل الثوم، وكذا كلّ ما له رائحة كريهة، حتى يذهب ريحها. قال النوويّ -﵀- في«شرحه»: قوله -ﷺ-:«من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن المساجد»هذا تصريح بنهي مَن أَكَل الثوم ونحوه عن دخول كلّ مسجد، وهذا مذهب العلماء كافّة إلَّا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاصّ في مسجد النبيّ -ﷺ-؛ لقوله -ﷺ- في بعض روايات مسلم:«فلا يقرَبَنَّ مسجدنا»، وحجة الجمهور:«فلا يَقرَبَنَّ المساجد». انتهى. ٢ - (ومنها): أنه وقع في حديث أنس -﵁- الآتي بعد حديث بلفظ:«من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنّا، ولا يُصلّي معنا». قال في«الفتح»: وليس في هذا تقييدُ النهي بالمسجد، فيُستَدَلّ بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمُصَلَّى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسكُ بهذا العموم أولى، ونظيره قوله:«وليقعد في بيته»، لكن قد عُلِّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كلٌّ منهما جزءَ علة اختَصَّ النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعمَّ النهيُ كلَّ مجمع كالأسواق، ويؤيِّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب:«من أكل من هذه الشجرة شيئًا، فلا يقربنا في المسجد»، قال القاضي ابن العربيّ: ذكر الصفة في الحكم يدلّ على التعليل بها، ومِن ثَمَّ رُدَّ على المازريّ حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يَختَصّ بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنعُ من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده. انتهى . ٣ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين. قال ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث صريح في التخلّف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور؛ لأن اللازم من منعه أحدُ أمرين: إما أن يكون أكلُ هذه الأمور مباحًا، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو حرامًا، فتكون صلاة الجماعة فرضًا، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين. وتقريرُه أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائزٌ، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تعقّب هذا التقرير العلامة عبد العزيز بن باز -﵀- فيما علّقه على «الفتح»، فقال: ليس هذا التقرير بجيّد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أن حضور الطعام يُسوّغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك مباحًا. وخلاصة الكلام أن اللَّه -﷿- يسّر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عُذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعيّة، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلةً لترك الجماعة حرُم عليه ذلك. انتهى كلامه -﵀-، وهو تعقّب حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن ابن دقيق العيد -﵀- قال: ونُقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثُّوم؛ بناءً على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان. وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان، ولا تتمّ إلَّا بترك أكل الثُّوم؛ لهذا الحديث، وما لا يتمّ الواجب إلَّا به، فهو واجبٌ، فترك أكل الثوم واجب، فيكون حرامًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا النقل عن أهل الظاهر غير صحيح، فقد صرّح ابن حزم -﵀- بخلافه، قال في «الفتح» بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصّه: وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صَرّح ابن حزم منهم بأن أكلها حلالٌ، مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفَصَل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مُخْتَصّ بمن عَلِمَ بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يَحْرُم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حزم: هو الصواب؛ لموافقته للنصوص الواردة في هذا الباب. وحاصله أن صلاة الجماعة فرض، وأن أكل هذه الأشياء مباحٌ، وأنه يُسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة حتى تزول رائحتها. ومنه يتبيَّن أن قول الخطّابيّ -﵀-: توهَّم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلّف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله؛ إذ حُرِم فضل الجماعة. انتهى. غير سديد، بل الصواب أنه عذرٌ في التخلُّف عنها؛ لظاهر النصّ؛ لأن من فعل ما أُبيح له لا يُعِاقب على فعله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ المهلَّب بقوله -ﷺ-: «فإني أناجي من لا تناجي» على أن الملائكة أفضل من الآدميين. وتُعُقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس، وهذه المسألة قد تقدّم البحث فيها مستوفًى، وباللَّه تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أنه اختُلِف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبيّ -ﷺ- أم لا؟ والراجح الحلّ؛ لعموم قوله -ﷺ-: «وليس بمحرَّم»، فقد أخرج ابن خزيمة: عن أبي أيوب الأنصاريّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بصل، أو كُرّاث، فلم ير فيه أثر رسول اللَّه -ﷺ-، فأبى أن يأكله، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: «ما منعك أن تأكل؟»، فقال: لم أر أثرك فيه يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بِمُحَرَّم» ٧ - (ومنها): أن ابن التين عن مالك قال: الفُجْل إن كان يَظهَر ريحه فهو كالثوم، وقيَّده عياض بالْجُشَاء. قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير، عن جابر -﵁- التنصيص على ذكر الفُجْل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف. قال: وألحق بعضهم بذلك مَن بفيه بَخَرٌ، أو به جُرْحٌ له رائحة، وزاد بعضهم، فالحق أصحاب الصنائع، كالسمّاك، والعاهات، كالمجذوم، ومَن يُؤدِّيَ الناس بلسانه. وأشار ابن دقيق العيد: إلى أن ذلك كلَّهُ توسع غير مرضيّ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد -﵀- هو الحقّ، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأنَّها كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يَرِد النصّ بنهي أصحابها عن دخول المسجد مع وجود الحاجة إلى بيان حكمها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في «الفتح»: حُكم رَحْبة المسجد وما قَرُب منها حكمه، ولذلك كان -ﷺ- إذا وَجَد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وُجدت منه إلى البقيع، كما سيأتي في حديث عمر -﵁-. انتهى. [تنبيه آخر]: وقع في حديث حذيفة -﵁- عند ابن خزيمة: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة، فلا يقْرَبَنَّ مسجدنا ثلاثًا»، وبَوَّب عليه: «توقيتُ النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم». وتعقّبه الحافظ -﵀-، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون قوله: «ثلاثًا» يتعلَّق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجودُ الرائحة، وهي لا تستمرّ هذه المدة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ -﵀- حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا»، يَعْنِي الثُّومَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون تقدّموا في الباب الماضي، و«ابن نمير» هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير المذكور بعد التحويل، والثلاثة الباقون في السند الماضي. وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ) بفتح الموحدة، وسكون القاف: واحد البَقْل، وهو: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأبقلت الأرض: أنبتت البَقْلَ، فهي مُبْقلةٌ على القياس، وجاء باقلةٌ على غير قياس، أفاده الفيّوميّ . وقوله: (فَلَا يَقْرَبَنَّ) بفتح أوله، وثاللَّه، ويُضمّ أيضًا، قال الفيّوميّ: قَرِبتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتِلَ قِرْبَانًا بالكسر: فَعَلته، أو دانيته، من الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ومن الثاني: «لا تقرَبِ الْحِمَى» -﵀-، أي لا تدنُ منه، وقال أيضًا: قَرُب الشيءُ منَّا قُربًا، وقَرَابَةً،
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «أخبرنا».

٢. وفي نسخة: «المسجد».

٣. يعني الحديث الآتي في هذا الباب بعد سبعة أحاديث بلفظ:«لَمْ نَعْدُ أن فُتحت خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول اللَّه -ﷺ- في تلك البقلة الثوم. . . »الحديث.

٤. «الأَرومة» بفتح الهمزة، وتُضمّ: الأصل، أفاده في «القاموس».

٥. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٥.

٦. «القاموس المحيط» ٢/ ٥٦.

٧. «شرح البخاري» لابن رجب ٨/ ٩.

٨. «القاموس المحيط»٤/ ٨٦.

٩. «الفتح» ٢/ ٣٩٩.

١٠. وفي نسخة: «مسجدنا».

١١. «المصباح المنير» ١/ ٥٨.