HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٦٥

وحدثني عمرو الناقد. حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ. فَوَقَعْنَا، أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ. الثُّومِ. وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا. ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّيحَ. فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ. حُرِّمَتْ. فَبَلَغَ ذَاكَ، النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله لي. ولكنها شجرة أكره ريحها».
ج ١ ص ٣٩٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٤٦٦
وقوله: (فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا) وفي نسخة: «فلا يغشانا في المسجد»، قال في «الفتح»: قوله: «فلا يغشانا» كذا فيه بصيغة النفي التي يراد بها النهي، قال الكرمانيّ: أو على لغة من يُجرِي المعتلَّ مُجرَى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فظُنّ أنَّها ألف، والمراد بالغشيان: الإتيان، أي فلا يأتينا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه في توجيه إثبات ألف «يغشانا»؛ إذ الأصل أن تُحذف للجازم، إما أن نقول: إن «لا» هنا للنفي، لا للنهي، فليست جازمة، ويكون المراد بالنفي النهيَ المؤكّد، وإما أن نقول: هي ناهية، والفعل مجزوم، وإنما ثبتت الألف على لغة من يُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فيحذف الحركة المقدّرة، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا وقوله: إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ وذكر السيوطيّ -﵀- في «همع الهوامع» أنه لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ بإثبات ياء ﴿يَتَّقِى﴾، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾. ويَحْتَمِل أن تكون الألف تولّدت من إشباع الفتحة، والوجه الثاني هو الأولى؛ لأن تخريج القراءة المذكورة على اللغة أولى، فتبصّر. والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٠] (٥٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرِّيحَ، فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ»، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكَرَهُ رِيحَهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم في الباب. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضم الجيم مصغّرًا- هو: سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ، مشهور بكُنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو نضرة علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، ثم رقّيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ قد اختلط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفًا، إلَّا أن الراوي عنه ابن عُليّة، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، وإلى ذلك أشرت في «عمدة المحتاط» حيث قلتُ: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُريعٍ أَعْلَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الجريريّ، عن أبي نضرة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، زاد في نسخة: «الْخُدريّ»، أَنه (قَالَ: لَمْ نَعْدُ) بفتح النون، وسكون العين المهملة، مضارع عدا، يقال: عدوتُ الشيء أعدوه، من باب «قال»: إذا تجاوزته إلى غيره، وعدّيته وتعدّيته بالتشديد فيهما كذلك ، وقوله: (أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ) «أن» مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ «نَعْدُ»، أي لم نتجاوز فتح خيبر، ولم يطل زمن فتحها حتى وقعنا في أكل الثوم، وفي نسخة: «لَمْ يَعْدُ» بالياء، وعليها يكون المصدر المؤوّل فاعلًا، أي لم يتجاوز فتحُ خيبر، وقوعنا، ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير الوقوع المفهوم من السياق، والمصدر مفعولًا، أي لم يتجاوز وقوعنا في الأكل فتح خيبر، واللَّه تعالى أعلم. (فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بنصب أصحاب على الاختصاص، أي أخصّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» حيث قال: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ «يَا». . كَـ «أَيُّهَا الْفَتَى» بِإِثْرِ «ارْجُونِيَا» وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ «أَيٍّ» تِلْوَ «أَل» … كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ» (فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ) هي كلّ نبات اخضرّت به الأرض، كما تقدّم، وقوله: (الثُّومِ) بضمّ المثلّثة بدل من «الْبَقْلة» (وَالنَّاسُ جِيَاعٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وفيه بيان سبب وقوعهم في أكلها مع خُبث رائحتها (فَأَكَلْنَا مِنْهَا) أي من تلك البقلة (أَكَلًا شَدِيدًا) المراد كثرة أكلهم منها (ثُمَّ رُحْنَا) بضمّ الراء، يقال: راح يروح، كقال يقول رَوَاحًا: إذا سار في وقت الرَّوَاح، وهو الْعَشيّ، أو من الزوال إلى الليل، أفاده في «القاموس» . (إِلَى الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ (فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرِّيحَ) أي ريح البقلة التي أكلوها (فَقَالَ) -ﷺ- («مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ) أي المستكرَهَة، والْمُنْتِنَ ريحُهَا، قال النوويّ -﵀-: سمّاها خبيثةً؛ لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه، من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى . وقوله: (شَيْئًا) نكّره ليعمّ القليل والكثير (فَلَا يَقْرَبَنَّا) بتشديد النون كما تقدّم، وهي نون التوكيد مدغمة في نون«نا»الضمير، ووقع في بعض النسخ بتخفيفها، وعليها يكون الفعل غير مؤكّد بالنون (فِي الْمَسْجِدِ«) تقدّم أن »أل« هنا للجنس، فيشمل المسجد النبويّ وغيره، ويؤيّده رواية: »في مساجدنا« بالجمع. قال القاضي عياض -﵀-: وفي اختصاصه النهي عن دخول المساجد إباحة دخول الأسواق وغيره بها، وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد، ولا هي محلّ الملائكة، ولأنه إن آذى به أحدًا في سوقه تنحّى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ولا يُمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره الصلاة، وإن خرج فاتته الصلاة. انتهى . (فَقَالَ النَّاسُ) أي الصحابة الذين سمعوا منه -ﷺ- كلام الكلام (حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول، وكُرّر للتوكيد، والضمير للبقلة، والمعنى أنهم لَمّا سمعوا النبيّ -ﷺ- نهى من أكل منها أن يقرب المسجد، ظنّوا أنه يريد تحريمها، ولا سيّما وقد سمّاها الشجرة الخبيثة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]. وقال القرطبيّ -﵀-: لَمَّا سَمِع الصحابة -﵃- هذا الذّمّ ظنّوا أنَّها قد حُرِّمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فَهِموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها من أنهم قد سَمِعوا من قول اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فبيَّن لهم النبيّ -ﷺ- أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يُراد به ما لا يوافق عادةً واستعمالا، وعند هذا لا يصحّ للشافعيّ الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يُستَخبَثُ عادةً، كالحشَرَات وغيرهما؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادةً، وإلى مستخبث شرعًا، ومراده تعالى في الآية المستخبثات الشرعيّة؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنَّها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير، وإن كان قد يُستطاب، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: من هنا يتبيّن أن من يستدلّ على تحريم شرب الدخان (السجارة) بهذه الآية غير مصيب؛ لأن الخبث لا يدلّ على التحريم؛ إذ ليس كلّ خبيث حرامًا، كما بيّن النبيّ -ﷺ- أن خُبْث هذه الشجرة لا يجعلها حرامًا، وإنما يصحّ الاستدلال على النهي عن شرب الدخان من جهة الطبّ؛ إذ هو مناف للصحّة، كما أثبت ذلك الأطبّاء، ففيه إلقاء النفس إلى التهلكة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وأيضًا هو متلف للمال بدون ضرورة. والحاصل أن كلّ حرام خبيثٌ وليس كلُ خبيث حرامًا، فتنبّه، لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ -ﷺ-) أي قولهم: «حُرّمت حُرّمت» (فَقَالَ) -ﷺ- («أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي) يعني أنه -ﷺ- لا يجوز له أن يُحَرِّم شيئًا مما أحلّ اللَّه تعالى له دون أن يأتيه الأمر من اللَّه -﷿- بتحريمه، فإن التحريم والتحليل للَّه -﷿-، وإنما النبيّ -ﷺ- مبلّغ عنه (وَلَكِنَّهَا) أي البقلة التي أكلوها (شَجَرَةٌ أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهت الأمرَ أَكْرَهه، من باب تَعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، أكرهه: ضدّ أحببته، فهو مكروه . (رِيحَهَا) يعني أن سبب
مصادر المؤلف (٩)

١. وفي نسخة:«عن أبي سعيد الخدريّ».

٢. وفي نسخة: «فلا يَقْرَبَنَا» مخففًا.

٣. وقولي «وإسماعيل»: هو ابن عليّة، و«سفيان»: هو الثوريّ، و«حماد» الأول: هو ابن سلمة، والثاني: ابن زيد، و«بشر»: هو ابن المفضّل، و«الثقفيّ» هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و«ابن زُريع»: هو يزيد. راجع الشرح «عدة أولي الاعتباط» (ص ٣٢ - ٣٤).

٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٧.

٥. راجع: «القاموس المحيط» ١/ ٢٢٥.

٦. «شرح النوويّ» ٥/ ٥٠.

٧. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٩.

٨. «المفهم» ٢/ ١٦٨.

٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢.