HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٧٠

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعرج، عن عبد الله بن بُحَيْنَةَ؛ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. قَبْلَ التَّسْلِيمِ. ثُمَّ سَلَّمَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص82
ج ١ ص ٣٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٥٥٢
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٣] (٥٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: ابن مالك بن الْقِشْب الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب المعروف بابن بُحَينة ، وهي أمه، صحابيّ معروفٌ، مات -﵁- بعد (٥٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٦/ ١١١٠. [تنبيه]: بُحَينة -بالتصغير- أم عبد اللَّه، وهي: بنت الحارث بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فينبغي كتابة «ابن بُحينة» بالألف؛ لئلا يلتبس بالأب، وإذا نُسب إليهما، كما في السند الثالث، كتب: عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بُحَينة، بتنوين مالكٍ، وبالألف في «ابن بُحينة»؛ ليندفع الوهم، ويُعرَف أن «ابن بُحينة» نعتٌ لعبد اللَّه، لا لمالك، وهكذا ينبغي أن تُحفظ هذه القاعدة، فيما أشبه هذا، مثل محمد ابن الحنفية، وإسماعيل ابن عُليّة، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم . والباقون تقدّموا أول الباب، والأعرج في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ) وفي رواية البخاري: حدثني عبد الرحمن بن هُرمز مولى بني عبد المطلب، وقال مرة: مولى ربيعة بن الحارث. انتهى. قال في «الفتح»: ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن عبد المطلب، فذكره أوّلًا بجدّ مواليه الأعلى، وثانيًا بمولاه الحقيقي. انتهى. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وفي رواية للبخاري: «أن عبد اللَّه ابن بحينة، وهو من أَزْدَ شَنُوءة، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- (قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي دخل في الصلاة (رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) هي الظهر، لما في الرواية التالية من طريق الليث، عن ابن شهاب:»قام في صلاة الظهر، وعليه جلوسٌ«(ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ) أي في الركعة الثانية، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن الأعرج الآتية:»قام في الشفع الذي يُريد أن يَجلِس في صلاته«، وزاد في رواية ابن خزيمة:»فسبّحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته»، وفي حديث معاوية عند النسائيّ، والبيهقيّ، وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقيّ جميعًا نحو هذه القصّة بهذه الزيادة، وفيه دليلٌ على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) أي إلى الثالثة؛ اتّباعًا لفعله -ﷺ-، وفيه دليلٌ على وجوب متابعة الإمام حيث ترك القعود الأول وتشهُّده (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي فرغ منها وأتمّها، وقد استُدلّ به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يُسلم تمّت صلاته، وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الحنفيّة، كما سيأتي. وتُعُقّب بأن السلام لَمّا كان للتحلّل من الصلاة كان المصلّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج: «حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يُسلّم»، فدلّ على أن بعض الرواة حذف الاستثناء؛ لوضوحه، والزيادة من الثقات الحفاظ مقبولة، كذا في «الفتح». وقيل: معناه: قارب الفراغ من الصلاة، وقال الباجيّ -﵀-: ويَحْتَمِل أن يُراد بالصلاة الدعاء، والصلاة على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فيكون لفظ «قَضى» على حقيقته. انتهى. (وَنَظَرْنَا) أي انتظرنا (تَسْلِيمَهُ) لظنّهم أنه لا يسجد للسهو؛ لعدم تقدّم علمهم بذلك (كبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي للسهو بعد التشهّد، وفي رواية الليث التالية: «فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، يُكبّر في كلّ سجدة»، وفي رواية لأحمد: «فكبّر فسجد، ثم كبّر فسجد، ثمّ سلّم»، قال في «الفتح»: وفي رواية الأوزاعيّ: «فكبّر ثم سجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم كبّر فسجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم سلّم»، أخرجه ابن ماجه، واستُدلّ به على مشروعيّة التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة، وأن بينهمما جلسة فاصلةً. انتهى. (وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة (قَبْلَ التَّسْلِيمِ) زاد في رواية الليث: «وسجدهما الناس معه مكان ما نَسِيَ من الجلوس» (ثُمَّ سَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: «ثم سلّم بعد ذلك»، أي سلّم للانصراف من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه ابن بُحينة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٧٣ و١٢٧٤ و١٢٧٥] (٥٧٠)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٢٩) و«السهو» (١٢٢٤ و١٢٣٠) و«الأيمان والنذور» (٦٦٧٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٣٤ و١٠٣٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩١)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في «السهو» (١١٧٧ و١١٧٨ و١٢٢٢ و١٢٢٣ و١٢٦١) وفي «الكبرى» (٧٦٥ و٧٦٦ و١١٤٥ و١١٤٦ و١١٨٤)، و(مالك) في «الموطأ» (٨١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣٤٤٩ و٣٤٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٠)، و(الحميدي) في «مسنده» (٩٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٩٩) و(٥/ ٣٤٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٥٠٧ و١٥٠٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٠٢٩ و١٠٣٠ و١٠٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٣٨ و١٩٣٩ و١٩٤١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٩٠٨ و١٩٠٩ و١٩١٠ و١٩١١ و١٩١٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٥٠ و١٢٥١ و١٢٥٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٣٣٣ و٣٣٤ و٣٤٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧٥٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة سجود السهو في الصلاة. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم -﵀-: كان سهوه -ﷺ- في الصلاة من تمام نعمة اللَّه على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في «الموطّأ»: «إنما أَنْسَى، أو أُنَسَّى لأَسُنَّ» ، وكان -ﷺ- ينسى، فيترتّب على سهوه أحكام شرعيّةٌ تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان أن ترك التشهّد الأول لا يبطل الصلاة، قال الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» بعد إخراج الحديث ما نصّه: في قيام الناس خلف المصطفى -ﷺ- عند قيامه من موضع جلسته الأولى، وتركه الإنكار عليه ذلك أبينُ البيان على أن القعدة الأولى في الصلاة غير فرض. انتهى . وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن سجود السهو قبل السلام، قال في «الفتح»: ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يُرَدُّ به على من زعم أن جميعه بعد السلام، كالحنفيّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك، فلا تكن من الغافلين. ٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: «مَكَان ما نَسِيَ من الجلوس» على أن السجود خاص بالسهو، فلو تَعَمَّد ترك شيء مما يُجْبَر بسجود السهو لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزالي، وناس من الشافعية. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يَسْهُ المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنَى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها، فسجد، وتحقَّقَ المأموم أن الإمام لم يَسْهُ فيما سجد له، وفي تصويرها عُسْرٌ، وما إذا تبين أن الإمام مُحْدِث، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المأموم أيضًا، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه الاستثناءات محل نظر، لمن تأمل، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن سجود السهو لا تشهُّد بعده إذا كان قبل السلام. ٨ - (ومنها): أن من سها عن التشهّد الأول حتى قام إلى الثالثة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سَبَّحُوا به -ﷺ-، فلم يرجع، فلو تعمَّد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي، خلافًا للجمهور. ٩ - (ومنها): أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما طريقه التشريع. ١٠ - (ومنها): أن محلّ سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهّد ساهيًا أعاد عند من يوجب التشهُّد الأخير، وهم الجمهور، وهو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهُّد الأول: قال الإمام البخاريّ -﵀-: «باب من لم يَرَ التشهُّد الأول واجبًا؛ لأن النبيّ -ﷺ- قام من الركعتين، ولم يرجع». انتهى. قال الزين ابن المُنَيّر -﵀-: ذَكَرَ في هذه الترجمة الحكم ودليله، ولم يَبُتَّ الحكم مع ذلك، كأن يقول: باب لا يجب التشهُّد الأول، وسببه ما يَطْرُق الدليلَ المذكور من الاحتمال. انتهى. وقال الحافظ -﵀-: ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبًا لرجع إليه لَمّا سَبَّحُوا به بعد أن قام. وقال ابن بطال -﵀-: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نَسِي تكبيرة الإحرام لم تُجْبَر، فكذلك التشهُّد، ولأنه ذِكْرٌ لا يُجْهَر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتَجَّ غيره بتقريره -ﷺ- الناس على متابعته بعد أن عَلِمَ أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث، وإسحاق، وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعيّ، وفي رواية عند الحنفية. واحتَجَّ الطبري لوجوبه بأن الصلاة فُرِضت أوّلًا ركعتين، وكان التشهّد فيها واجبًا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلةً لذلك الواجب. وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يَحْتَمِل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدهما، ويؤيِّده استمرار السلام بعد التشهّد الأخير كما كان. واحتَجَّ أيضًا بأن من تعمَّد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته، وهذا لا يَرِدُ؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه. انتهى ما في «الفتح» ملخصًا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجَّح عندي ما ذهب إليه من قال بوجوب التشهّد الأول؛ للأمر به في حديث رفاعة بن رافع -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال للمسيء صلاته: «فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهّد»، رواه أبو داود، والأمر للوجوب، ولمواظبته -ﷺ- عليه، ؤلحديث ابن مسعود -﵁-: «كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهّد. . .» الحديث، متّفقٌ عليه. والحاصل أن التشهُّد الأول واجب كالأخير؛ للأدلّة المذكورة، فتبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد للسهو إن تركه سهوًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن نَسِيَ التشهد الأول: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀- في كتابه «الأوسط»: الذي عليه أكثر أهل العلم اتَّبَاع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلِّي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوي قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو. وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود -﵃-. وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك: فقالت طائفة: إذا ذَكَرَ، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعيّ، ورُوي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعيّ يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة، والأوزاعيّ: لا يسجد. وقالت طائفة: إن ذَكَر ساعةَ يقومُ جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة. وقالت طائفة: إن المصلِّي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، وناء للقيام مَضَى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك بن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مَضَى. وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم؛ لصحة حديث عبد اللَّه ابن بحينة -﵁- المذكور في الباب في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. قال ابن المنذر -﵀-: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائما، فجلس: فرأت طائفة أن يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية -﵁- مرفوعًا: «من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين»، رواه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٠٠ بإسناد حسن. فقوله: «شيئًا» نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ، حَلِيفِ بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ) بسكون السين المهملة، ويقال فيه: الأزديّ، كما ذكره في الرواية الأخرى، والأَزْدُ والأَسْدُ بإسكان السين: قبيلة واحدةٌ، وهما اسمان مترادفان لها، وهم أَزْدَ شَنُوءَةَ، قاله النوويّ -﵀- . وقوله: (حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قال النوويّ -﵀-: كذا هو في نسخ صحيح البخاريّ ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السِّيَر والتواريخ أنه خَلِيِف بني المطَّلِب، وكان جدّه حالف المطلب بن عبد مناف. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٩)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة.

٣. بضمّ الموحّدة، مصغّرًا.

٤. راجع: «المرعاة» ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.

٥. هذا أحد الأحاديث الأربعة المنقطعة التي لا توجد موصولة لا في «الموطأ»، ولا في غيره، كما قاله الحافظ ابن عبد البرّ -﵀-.

٦. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٥/ ٢٦٦.

٧. يقال: ناء ينوء، كقال يقول: إذا نهض، قاله من «المصباح» ٢/ ٦٣٢.

٨. وفي نسخة: «ويكبر».

٩. «شرح النووي» ٥/ ٥٩.