HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٧٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عَنْ أَبِي إِسْحَاق. قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجْمِ. فَسَجَدَ فِيهَا. وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ. غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ الله: لقد رأيته، بعد، قتل كافرا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص88
ج ١ ص ٤٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص١٤
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال ابن هشام في «مغني اللبيب»: «رُبّ» حرف جرّ، خلافًا للكوفيين في دعوى اسميّتها، وإذا زيدت «ما» بعدها فالغالب أن تكفّها عن العمل، وتُهيّئها للدخول على الجملة الفعليّة، وليس معناها التقليل دائمًا خلافًا للأكثرين، ولا التكثير دائمًا خلافًا لجماعة. انتهى. وقوله: (فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ) أي بآية السجدة. وقوله: (فَيَسْجُدُ بِنَا) أي يسجد هو، ونسجد نحن معه -ﷺ-. وقوله: (حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ) أي لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقوله: (حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا) أي بعضنا، كما سبق في الرواية الماضية، وليس المراد منه كلَّ واحد، ولا واحدًا معيّنًا، قاله في «العمدة» . وقوله: (مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ) وفي نسخة: «مكانًا يسجد عليه»، والجملة في محلّ نصب صفة لـ «مكانًا». وقوله: (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) يعني أن ذلك السجود ليس من سجود الصلاة، وإنما هو سجود خارج الصلاة لأجل التلاوة. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٠] (٥٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل حديث. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصري المعروف بغُندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الناقد الحافظ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، يُدلّس، واختلط بآخره [٣] (١٢٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٦ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مخضرم، مكثرٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، إلا في شعبة. ٥ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن الأسود، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعيَّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ) بن يزيد النخعي، فيه تصريح أبي إسحاق بالسماع، وهو مدلّس، فأُمن من التدليس، على أن الراوي عنه هنا شعبة، وهو لا يروي عن المدلّسين إلا ما صرّحوا بسماعه، وقد سبق عنه أنه قال: كَفَيتكم شرّ تدليس ثلاثة: أبي إسحاق، وقتادة، والأعمش (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾) أي سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾، وفي رواية البخاريّ: «قرأ النبيّ -ﷺ- النجم بمكة» (فَسَجَدَ) -ﷺ- أي بعدما قرأ قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ (فِيهَا) أي بسبب قراءته الآية المذكورة، فـ «في» بمعنى الباء السببيّة، كما في حديث: «دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها. . .» الحديث، متّفقٌ عليه (وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) أي مع النبيّ -ﷺ-، وكلمة «من» موصولة بمعنى الذين. وقال النوويّ -﵀-: معنى قوله: «وسجد من كان معه»: من كان حاضرًا قراءته من المسلمين، والمشركين، والجنّ، والإنس، قاله ابن عباس -﵄- وغيره حتى شاع أن أهل مكة أسلموا ، وانصرف من كان هاجر إلى الحبشة لذلك. قال القاضي عياض -﵀-: وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود -﵁- أنها أوّلُ سجدة نزلت، قال القاضي -﵀-: وأما ما يرويه الأَخباريُّون والمفسَّرون أن سبب ذلك ما جَرَى على لسان رسول اللَّه -ﷺ- من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل، لا يصحّ فيه شيءٌ، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غيرِ اللَّه تعالى كُفْرٌ، ولا يصح أن ينزل على النبيّ -ﷺ- كفرٌ، ولا أن يقول النبيّ -ﷺ- ذلك من قِبَل نفسه مُداراةً لهم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه -ﷺ-؛ إذ لا يصحّ أن يقول على النبيّ -ﷺ- شيئًا خلاف ما هو عليه، فقد قال -ﷺ- لمن رآه في المنام: «فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بصورتي»، فكيف في طريق القرآن، وما هو كفر، ولا يصح تسلُّط الشيطان على ذلك؛ لأنه يدعو إلى الشكّ في المعجزة، وصدق النبيّ -ﷺ-، وكلُّ هذا لا يصحّ. انتهى كلام القاضي بتصرّف . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي القاضي عياض من تفنيده ما اشتهر من قصّة الغرانيق هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقده، وإن حاول بعض العلماء في تصحيح حديث، كما يظهر من كلام الحافظ، فمما لا يُلتفت إليه، وقد ذكرت ما قاله المحقّقون في هذه المسألة في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد علمًا . ثم رأيت الشيخ الألبانيّ -﵀-، أجاد في هذا الموضوع، وألّف فيه رسالة سمّاها «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق»، فأحسن وأفاد، فعليك بمراجعتها، فإنها قد استوفت الموضوع، وحقّقته تحقيقًا بليغًا، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (غَيْرَ) وفي رواية البخاريّ: «غيرَ شيخ أخذ كفًّا»، و«غيرَ» منصوب على الاستثناء، كما قال في «الخلاصة»: وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِـ «غَيْرٍ» مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِـ «إِلَّا» نُسِبَا (أَنَّ شَيْخًا) وقع تسميته عند البخاريّ في «تفسير سورة النجم» من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق بأنه أمية بن خَلَف، قال في «الفتح»: ووقع في «سيرة ابن إسحاق» أنه الوليد بن المغيرة. وفيه نظر؛ لأنه لم يُقْتَل، وفي «تفسير سُنيد»: الوليد بن المغيرة، أو عُتبة بن ربيعة بالشك، وفيه نظرٌ؛ لما أخرجه الطبرانيّ من حديث مَخْرَمة بن نوفل، قال: «لَمّا أظهر النبي -ﷺ- الإسلام، أسلم أهل مكة، حتى إنه كان ليقرأ السجدة فيسجدون، فلا يقدر بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قَدِم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وغيرهما، وكانوا بالطائف، فرجعوا، وقالوا: تَدَعُون دين آبائكم». لكن في ثبوت هذا نظرٌ؛ لقول أبي سفيان في الحديث الطويل: إنه لم يَرْتَدّ أحدٌ ممن أسلم. ويمكن أن يُجْمَع بأن النفي مُقَيَّد بمن ارتَدّ سُخطًا لا بسبب مراعاة خاطر رؤسائه. ورَوَى الطبريّ من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أن الذي رفع التراب فسجد عليه، هو سعيد بن العاص بن أمية، أبو أُحيحة، وتبعه النَّحّاس، وذكر أبو حيان شيخ شيوخنا في «تفسيره» أنه أبو لهب، ولم يذكر مُستنده. وقال في «الفتح» في «كتاب التفسير» عند شرح قوله: «وهو أمية بن خلف» ما خلاصته: لم يقع ذلك في رواية شعبة، وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عند الإسماعيليّ، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، قال: وقيل: سعيد بن العاص بن أمية، قال: وقال بعضهم: كِلاهما جميعًا. وجزم ابن بطال في «باب سجود القرآن» بأنه الوليد، وهو عجيب منه مع وجود التصريح بأنه أمية بن خلف، ولم يُقْتَل ببدر كافرًا من الذين سُمُّوا عنده غيره. ووقع في «تفسير أبي حيّان » أنه أبو لهب، وفي «شرح الأحكام لابن بزيزة» أنه منافق، ورُدّ بأن القصة وقعت بمكة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر بعدُ. وقد جزم الواقديّ بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة خَرَجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا، فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية. ويَحْتَمِل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما اطَّلع عليه، كما قلته في المطلب، لكن لا يُفسَّر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأمية؛ لما ذكرته. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن ظاهر الحديث، وإن دلّ على أن الذي لم يسجد رجل واحدٌ فقط، وهو الذي رفع كفًّا من حصى، فقال: يكفيني هذا، لكن جاء في الأحاديث ما يدلّ على عدم سجود غيره أيضًا، كما سبق آنفًا. ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن أبي هريرة -﵁-: «سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشُّهْرة». ومنه ما أخرجه النسائيّ من حديث المطَّلِب بن أبي وَدَاعة، قال: «قرأ رسول اللَّه -ﷺ- النجم، فسجد، وسجد مَن معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن الْمُطَّلب يومئذ أسلم»، زاد في رواية أحمد: «وكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا قرأها إلا سجد»، وفي رواية: «قال المطّلب: فلا أدع السجود فيها أبدًا». ويُجاب بأن ابن مسعود -﵁- لعله لم ير غير ذلك الرجل، فاقتصر عليه، أو خَصّه بالذكر؛ لاختصاصه بأخذ الكفّ من التراب دون غيره، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (أَخَذَ كَفًّا) جملة في محلّ رفع خبر «أن»، وقوله: (مِنْ حَصًى) بيان لـ «كفًّا»، والمعنى أنه أخذ ملأ كفّ من حصًى (أَوْ) للشكّ من الراوي (تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ) أي الكفّ (إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) أي عن السجود على الأرض، وإنما قال ذلك تكبّرًا وتعاظمًا على اللَّه تعالى، وقيل: قاله ظنًّا منه أن المقصود منه التواضع، والانقياد للَّه تعالى بوضع أشرف الأعضاء على الأرض، وقد حصل بالتراب، والوجه الأول هو الصواب؛ إذ ظاهر السياق يدلّ عليه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ذلك الوقت، وفي رواية البخاريّ: «فرأيته بعد ذلك»، وكان قتله يوم بدر (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (كَافِرًا) منصوب على الحال، وذلك لشؤم تكبّره عن السجود الذي اشترك فيه المسلمون والمشركون، إلا هو، فآل به الأمر أن قُتل كافرًا. [تنبيه]: أخرج البخاريّ -﵀- في «التفسير» من «صحيحه» من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق: أول سورة أنزلت فيها سجدةٌ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، قال في «الفتح»: واستُشكِل هذا بأن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أول السُّوَر نزولًا، وفيها أيضًا سجدةٌ، فهي سابقة على النجم. وأجيب: بأن السابق من ﴿اقْرَأْ﴾ أوائلها، وأما بقيتها فَنَزَل بعد ذلك بدليل قصّة أبي جهل في نهيه للنبيّ -ﷺ- عن الصلاة. ويَحْتَمل أن تكون الأولية مُقَيَّدةً بشيء محذوف بيَّنَته رواية زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عند ابن مردوبه، بلفظ: «إن أول سورة استَعْلَن بها رسول اللَّه -ﷺ-: والنجم»، وله من رواية عبد الكبير بن دينار، عن أبي إسحاق: «أول سورة تلاها على المشركين. . .»، فذكره. فيُجْمَع بين الروايات الثلاث بأن المراد أول سورة فيها سجدةٌ تلاها جهرًا على المشركين. انتهى . [تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ -﵀- عن ابن عباس -﵄-: «أن النبيّ -ﷺ- سجد بالنجم ، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس». قال في «الفتح»: كأن ابن عبّاس -﵄- استَنَد في ذلك إلى إخبار النبيّ -ﷺ- إما مشافهةً له، أو بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصّ؛ لصغره، وأيضًا فهو من الأمور التي لا يَطّلع عليها الإنسان إلا بتوقيف، وتجويز أنه كُشف له عن ذلك بعيدٌ؛ لأنه لم يحضرها قطعًا . وإنما أعاد ذكر الجن والإنس مع دخولهم في المسلمين؛ لنفي توهم اختصاص ذلك بالإنس، قال الكرمانيّ: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت فارادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم. قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًّا مِن حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٠/ ١٣٠٠] (٥٧٦)، و(البخاريّ) في «سجود القرآن» (١٠٦٧ و١٠٧٠) و«مناقب الأنصار» (٣٨٥٣) و«التفسير» (٣٨٦٣) و«المغازي» (٣٩٧٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٤٠٦)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (٢/ ١٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٨ و٤٠١ و٤٣٧ و٤٤٣ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٦٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٩٥٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٧٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة السجود في تلاوة القرآن. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة السجود أيضًا لسامع القرآن، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن المفصّل لا سجود فيه للتلاوة، وعلى من قال: إن «النجم» لا سجود فيها، وردٌّ أيضًا لقول ابن القصّار -﵀- إن الأمر بالسجود في «النجم» ينصرف إلى الصلاة، لا إلى سجود التلاوة؛ لأن هذا الحديث صريحٌ في كونه -ﷺ- سجد هو ومن معه؛ لأجل تلاوته، كما يؤيّده سجود المشركين معه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وغيرها من «المفصَّل»: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في السجود في «النجم»، فكان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر -﵃- يسجدون في «النجم»، وسئل علي بن أبي طالب -﵁- عن عزائم السجود، فذكر «النجم». وممن رأى السجود في «النجم» سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب طائفة إلى أنه ليس في «المفصَّل» سجود، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك: ابن عباس، وأُبيّ بن كعب، والحسن البصري، وسعيد بن المسبِّب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، -﵃-. قال ابن المنذر -﵀-: ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه سجد في المفصَّل في غير سورة منه، وبذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر -﵀- هو الحقّ عندي؛ للأحاديث الصحيحة التي ثبت أنه -ﷺ- سجد فيها. وقال النوويّ -﵀-: احتج بهذا الحديث مالك، ومن وافقه، في أنه لا سجود في المفصّل، وأن سجدة «النجم»، و«إذا السماء انشقت»، و«اقرأ باسم ربك» منسوخات بهذا الحديث -يعني زيد بن ثابت -﵁- الآتي بعد هذا- وبحديث ابن عباس -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تحوّل إلى المدينة»، وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة -﵁-، أنه قال: سجدنا مع النبيّ -ﷺ- في «إذا السماء انشقت»، و«اقرأ باسم ربك». رواه مسلم، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة -﵁- كان سنة سبع من الهجرة، فدلّ على السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس -﵄- فضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به، وأما حديث زيد -﵁- فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنَّه سنة ليس بواجب، ويُحتَاج إلى هذا التأويل، للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة -﵁-، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو كلام نفيسٌ. وقال الحافظ -﵀- عند قول الإمام البخاريّ -﵀-: «باب من قرأ السجدة، ولم يسجد» ما حاصله: يشير بذلك إلى الردّ على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكيّة، أو أن «النجم» بخصوصها لا سجود فيها، كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدلّ على تركه مطلقًا، لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك، إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعيّ؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك. وأما ما رواه أبو داود وغيره من طريق مَطَرٍ الْوَرَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄- «أن النَّبيّ -ﷺ- لم يسجد في شيء من»المفصل«منذ تحول إلى المدينة»، فقد ضعَّفه أهل العلم بالحديث؛ لضعفٍ في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فرواية من أثبت ذلك أرجح؛ إذ المثبت مقدَّم على النافي، فسيأتي في حديث أبي هريرة -﵁- ثبوت السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]. ورَوَى البزار، والدارقطني، من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- «أن النَّبيّ -ﷺ- سجد في سورة النجم، وسجدنا معه». والحديث رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في «التفسير» بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه رأى أبا هريرة -﵁- سجد في خاتمة «النجم»، فسأله، فقال: إنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- يسجد فيها، وأبو هريرة -﵁- إنما أسلم بالمدينة.
مصادر المؤلف (١١)

١. «عمدة القاري» ٧/ ١١٣.

٢. «عمدة القاري» ٧/ ١٥٤.

٣. «إكمال المعلم» ٢/ ٥٢٥.

٤. «ذخيرة العقبى» ١٢/ ٢٠٦ - ٢٠٩.

٥. وقع في النسخة «ابن حبّان»، وهو غلط، والصواب «أبي حيّان» كما بينه في «كتاب الصلاة»، فتنبّه.

٦. «الفتح» ٨/ ٤٨١ - ٤٨٢ «كتاب التفسير» رقم (٤٨٦٣).

٧. «الفتح» ٢/ ٦٤٢.

٨. زاد الطبراني في «الأوسط»: «بمكة»، فأفاد اتّحاد قصّة ابن عبّاس وابن مسعود -﵃-، قاله في «الفتح».

٩. «الفتح» ٢/ ٦٤٥ «كتاب سجود القرآن» رقم (١٠٧١).

١٠. «الفتح» ٨/ ٤٨١.

١١. «شرح النووي» ٥/ ٧٦ - ٧٧.