HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٨٨

وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ. يَقُولُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. وَمِنْ عَذَابِ القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن شر فتنة المسيح الدجال».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص93
ج ١ ص ٤١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص١٢٥
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي بعد حديث، أخّرتها إلى هناك؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٧] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). [تنبيه]: كذا وقع في النسخ الموجودة عندي كلِّها تقديم حديث أبي هريرة هذا على حديث عائشة الآتي بعده، وكان الأولى تأخيره عنه؛ ليتوالى حديثاها، ولعله من تصرّف النسّاخ، واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِي) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (ابْنُ نمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذكر في السند الماضي. ٥ - (وَكِيع) بن الجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٧ - (حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) الْمُحاربيّ مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٤]. رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم. قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقةٌ. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريًّا. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيدًا باللَّه، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال الجُوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقةٌ. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر اللَّه حتى تغيب الشمس. وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وذكره البخاريّ في «الأوسط» في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) المدني مولى بني أُميّة، سكن دِمَشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازيّ ليس به بأس [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلّى مع النبيّ -ﷺ-، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن. ورَوَى عنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في «الثقات». وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث. انتهى. قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمٌ في ذكر الرواة عنه، ؤذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو. انتهى. أخرج له البخاري في «جزء القراءة» حديثًا واحدًا، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: «ذهب أصحاب الدُّثُور بالأُجُور، يصلّون كما نصلي. . .» في الذكر عقب الصلاة، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ١٠ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخيه: نصرًا، وأبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة دون واسطة، وقد جمعتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأَصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينِ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: حسّان، عن محمد بن أبي عاشة. ٥ - (ومنها): أن للأوزاعيّ فيه سندان: حسّان، عن محمد بن أبي عائشة، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فقوله: «وعن يحيى. . . إلخ» عطف على قوله: «عن حسّان. . . إلخ». ٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم الذين جمعهم الحافظ العراقيّ -﵀- في قوله: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمٌ وقد تقدّموا أيضًا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية الوليد، عن الأوزاعيّ الآتية:«إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر. . . «ومعناه آخر الصلاة، فيَشْمَل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة -﵂- المذكور بعده:«أن النبيّ -ﷺ- كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. . . »، فَبَيَّن في هذا الحديث أن التعوذ يكون في آخر الصلاة. وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوّذ أيضًا في التشهّد الأول. قال النوويّ -﵀-: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يُسْتَحَبُّ في الأول، وهكذا الحكم؛ لأن الأوّل مبنيّ على التخفيف. انتهى . (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاووس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، كما سيذكره المصنّف آخر الباب، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادَّعَى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر. قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته؛ لما عرّفناك في شرحه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ -﵀- هو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ أَرْبَعٍ) أي من أربع خصال، قال في «المرعاة»: ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوّذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة -﵂- الآتي بعد هذا . وقوله: (يَقُولُ) تفسير لتلك الخصال الأربع، مع بيان الصيغة التي تقال (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) قال ابن الأثير -﵀-: هي لفظة أعجميّة، اسم لنار الآخرة، وقيل: هي عربيّة، وسُمّيت بها لبعد قعرها، ومنه: ركِيّةٌ جِهِنَّامٌ -بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر، وقيل: تعريب كِهِنَّام بالعِبرانيّ. انتهى . وإنما قُدِّم التعوذ من عذاب جهنم؛ لكونه أشدّ وأبقى (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) هو ضرب من لم يُوَفَّق للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، فقد أخرج الشيخان عن أنس -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «العبد إذا وُضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد -ﷺ-؟ فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنة، قال النبيّ -ﷺ-: فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ، ثم يُضْرَب بِمِطرَقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين». وقال الإمام أحمد في «مسنده» (١٠٦١٧): حدّثنا أبو عامر، حدثنا عَبّاد -يعني ابن راشد- عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: شهدت مع رسول اللَّه -ﷺ- جنازةً، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أيها الناس إن هذه الأُمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفن، فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مِطراق فاقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فهذا منزلك، فَيُفْتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن، ويُفْسَح له في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا، يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ولا اهتديت، ثم يُفْتَح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فان اللَّه ﷿ أبدلك به هذا، ويُفْتَح له باب إلى النار، ثم يَقْمَعه قمعة بالْمِطْرَاق، يسمعها خلق اللَّه كلهم غير الثقلين»، فقال بعض القوم: يا رسول اللَّه ما أحدٌ يقوم عليه ملك في يده مِطْراق إلا هُبِلَ عند ذلك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى. وغير ذلك من أنواع العذاب، كشدّة الضغط، فقد ورد أنه يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه . (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يُكره. انتهى. وتُطلَق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك. و«المحيا» بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالْمَمَات من الموت، والمراد: الحياة والموت، ويَحْتَمِل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك مِحنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ -﵀-. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: فتنة المحيا ما يَعرِض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ باللَّه- أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ -يعني في حديث أسماء الآتي في «الكسوف»: «ولأنه قد أُوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا، أو مثل فتنة المسيح الدجّال»، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّرًا مع قوله: «عذاب القبر»؛ لأن العذاب مترتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الْحَيْرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجّال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل «من ربّك» تراءى له الشيطان، فيُشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: «كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في القبر أن يقولوا: اللَّهم أعذه من الشيطان»، قاله في «الفتح». (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ») قيل: أَخَّره؛ لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة. قال القاري -﵀-: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيمانًا، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه. انتهى. و«المسيح»-بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة- يُطْلَق على الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ﵇ ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد به. وقال أبو داود في«السنن»:«الْمِسِّيح» مثقّلًا: الدجّال، ومخففًا: عيسى، والمشهور الأول. وأما ما نقل الفِرَبْرِيّ في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث. وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونُسِب قائله إلى التصحيف. واختُلِف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يَمْسَح الأرض إذا خرج. وأما عيسى ﵇ فقيل: سُمّي بذلك لأنه خَرَج من بطن أمّه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يَمسح ذا عاهة إلّا برئ، وقيل: لأنه كان يَمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ماشيخا، فَعُرِّب المسيحَ، وقيل: المسيح الصدّيق، وذكر صاحب «القاموس» أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولًا، أوردها في «شرح المشارق». و«الدّجّال»: الخَدّاع الكَذّاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذّاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلُّ مفسد مضلّ. والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يَظْهَر على يديه من الخوارق للعادة التي يُضِلّ بها مَن ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يَظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه آمين.
مصادر المؤلف (٥)

١. «شرح النوويّ»٥/ ٨٧ - ٨٨.

٢. «المرعاة»٣/ ٢٩٤.

٣. «النهاية»١/ ٣٢٣.

٤. أي سقط، ووقع من الرعب والخوف.

٥. حديث صحيح أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة من حديث البراء -﵁- الطويل.