HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٩٥

حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح قَالَ وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ. كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ (وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ) أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي. وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ. وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ» قَالُوا: بَلَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا. فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فقال رسول الله ﷺ «ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يَشَاءُ». وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ: قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ: وَهِمْتَ. إِنَّمَا قَالَ «تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ. قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ. فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص97
ج ١ ص ٤١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٢٠٥
وقوله: (وَكَانَ يَذْكُرُ. . . إلخ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير لعبد اللَّه بن الزبير -﵁-. [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الإمام الشافعيّ في كتابه «الأمّ» (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، ونصّه: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعيّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٥٠] (٥٩٥) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ، أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً»، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ»، وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ إِنَّمَا قَالَ : «تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ»، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَيِ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن معتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن محمد بن جعفر الطرسوسيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وجعفر بن محمد الفريابيّ، والحسن بن أحمد بن الليث الرازيّ، والحسن بن علي المعمريّ، والفضل بن العباس فَضْلَك الرازيّ، وموسى بن هارون الحمال، ويعقوب بن سفيان، وعليّ بن سعيد بن بشير الرازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو معلى، وغيرهم. ذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدجنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت هـ ١٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٧ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في «الصلاة» ١٨/ ٩١٨. ٨ - (أَبُو صَالِح) ذَكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وملتقى الإسنادين هو سُميّ، فكلّ من عبيد اللَّه، وابن عجلان يرويان عن سُميّ، فمرجع في قوله: «كلاهما» عبيد اللَّه وابن عجلان. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عاصم، كما أسلفته آنفًا، وابن عجلان علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه وابن عجلان، والباقون بصريّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن رواية عبيد اللَّه وابن عجلان عن سُميّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وهو من السادسة. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ سُمَيٍّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، بصيغة التصغير- مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، قال الحافظ -﵀-: لم أقف لِسُمَيّ على رواية عن أحد من الصحابة، فتكون رواية عبيد اللَّه عنه من رواية الكبير عن الصغير. انتهى . (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، وقوله: (وَهَذَا حَدِيث قُتَيْبَةَ) يعني سياق المتن لشيخه قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وأما رواية عاصم، عن المعتمر، عن عبيد اللَّه، فهي رواية بالمعنى. [تنبيه]: رواية عاصم، عن المعتمر، أخرجها ابن حبّان في «صحيحه»، فقال: (٢٠١٤) أخبرنا عُمر بن محمد الهمدانيّ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، قالا: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت عبيد اللَّه بن عمر، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء الفقراء إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: «أفلا أدلكم على أمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهريه، إلا أحد عمل بمثل أعمالكم؟، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين». انتهى . (أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرينَ) قال ابن الملقّن -﵀-: هو من باب «مسجد الجامع»، و«صلاة الأولى»، مما أُضيف فيه الموصوف إلى صفته، وكان الأصل: الفقراءَ المهاجرين، كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. انتهى . وقال في «الفتح»: سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، أبو ذرّ الغفاريّ، أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في «كتاب الذكر» له من حديث أبي ذرّ نفسِهِ، وسُمِّي منهم أبو الدرداء عند النسائيّ وغيره، من طُرُق عنه، ولمسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنهم قالوا: يا رسول اللَّه. . . فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم. وفي رواية النسائيّ عن زيد بن ثابت، قال: أَمَرنا أن نُسَبِّح. . . الحديث كما سيأتي لفظه، وهذا يمكن أن يقال فيه: إن زيد بن ثابت كان منهم. ولا يعارضه قوله في رواية مسلم هنا: «جاء فقراء المهاجرين»؛ لكون زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال التغليب. انتهى . (أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ) وفي نسخة: «قد ذهب» (أَهْلُ الدُّثُورِ) -بضم الدال المهملة، والثاء المثلّثة-: جمع دَثْرٍ -بفتح، فسكون- هو المال الكثير، وكذا الكثير من كلّ شيء. وقال القرطبيّ -﵀ -: «الدُّثُور»: واحد الدّثْر، وهو المال الكثير، وكذا الدِّبْرُ، بكسر الدال، وبالباء الموحّدة، قال ابن السّكّيت: الدِّبر: المال الكثير، ووقع في السير في خبر النجاشيّ: «دَبْر من ذهب» بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال: دَبْرَى، وهو الجبل بلغة الحبشة، وقال الهرويّ: يقال: مالٌ دَثْرٌ، ومالان دَثْرٌ، وأموالٌ دَثْرٌ، وحكى أبو عمر المطرّز أن الدَّثْر بالثاء يثنّى ويُجمع. انتهى . ولفظ البخاريّ: «ذَهَب أهلُ الدثور من الأموال»، فمِن في قوله: «من الأموال» للبيان. ووقع عند الخطابيّ: «ذهب أهل الدُّور من الأموال»، وقال: كذا وقع «الدُّور»، جمع دار، والصواب: «الدُّثُور». انتهى. وذكر صاحب «المطالع» عن رواية أبي زيد المروزيّ أيضًا: «الدور». (بِالدَّرَجَاتِ) الباء للتعدية، وقال الطيبيّ -﵀-: الباء بمعنى المصاحبة، وهو أولى وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمّنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومَضَوا بها، ولم يتركوا لنا شيئًا منها، فما حالنا يا رسول اللَّه؟، ولو قيل: أذهب أهل الدثور الدرجات العلى، أي أزالوها لم يكن بذاك، هذا مذهب المبرّد، وصاحبُ «الكشّاف»، نصّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] على هذا المعنى، ومن لم يقف على سرّ المعاني من النحاة تكلّم عليه، وقد أجبنا عن ذلك في «فتوح الغيب» مستقصًى، وهذا الحديث من أقوى الدليل على ما قصدناه. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . (الْعُلَى) -بضم العين-: جمع الْعَلْياء، وهي تأنيث الأعلى. قال ابن الملقّن -﵀-: «الدرجات» يجوز أن تكون حسيّةً على ظاهرها من دَرَج الجنّات، ويجوز أن تكون معنويّةً: أي علا قدرهم عند اللَّه تعالى، وارتفعت درجاتهم عنده، من قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك، ونحو ذلك. انتهى . (وَالنَّعِيمِ) هو: ما يُتنعّم به، من ملبس ومطعم، أو منكح، أو منظر، أو من علوم، ومعارف، أو غير ذلك (الْمُقِيمِ) هو الذي لا ينقطع أبدًا، أي وبالعيش الدائم الْمُستَحَقّ بالصدقة، قال الطيبيّ -﵀-: وَصَفه بـ «المقيم» تعريضًا بالنعيم العاجل، فإنه قلّما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسُرعة الانتقال. انتهى . وفي رواية محمد بن أبي عائشة عند أبي داود التي سبق الإشارة إليها: «ذهب أصحاب الدُّثور بالأُجور»، وكذا هو عند مسلم في «كتاب الزكاة»، من حديث أبي ذرّ -﵁-. (فَقَالَ) -ﷺ- («وَمَا ذَاكَ؟») وفي البخاريّ في «الدعوات»، من رواية ورقاء، عن سُمَيّ: «قال: كيف ذلك؟»، والمعنى: ما سببُ قولكم هذا؟، أو ما سبب فوزهم، وحِيازهم دونكم؟. (قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء المذكور: «ويذكرون كما نَذْكُر»، وللبزار من حديث ابن عمر -﵄-: «صَدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا» (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّق) وفي رواية البخاريّ: «ولهم فضل أموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون» (وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإعتاق، لا من العتق. وفي رواية البخاريّ: «ولهم فَضْلٌ من الأموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون». قال في «الفتح»: قوله: «يَحُجّون بها»، أي ولا نَحُجّ، يُشْكِل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابيّ من حديث أبي الدرداء -﵀-: «ويَحُجُّون كما نحج»، ونظيره ما وقع هنا: «ويجاهدون»، ووقع في «الدعوات» من رواية وَرْقاء، عن سُمَيّ: «وجاهدوا كما جاهدنا»، لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقَّع، فهو الذي تقدِرُ عليه أصحاب الأموال غالبًا، ويمكن أن يقال مثله في الحجّ، ويَحْتَمِل أن يقرأ: «يُحِجُّون بها» بضم أوله من الرباعيّ، أي يعينون غيرهم على الحجّ بالمال. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أفَلَا أُعَلِّمُكُمْ) -بضم حرف المضارعة، وتشديد اللام- من التعليم، وقُدّمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أُسلِّيكم، فأعلّمكم؟ (شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ) أي بذلك الشيء (مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة، والإعتاق، و»من«موصولة مفعول به لـ»تُدرِكون«. والسبقية هنا يَحْتَمِل أن تكون معنوية، وأن تكون حسية، قال الشيخ تقيّ الدين: والأول أقرب، قاله في«الفتح». وقال في«المرعاة»: والمراد بالسبق السبقُ رُتبةً، أي من حيث كثرة الأعمالِ بسبب المال، ورجّحه الشيخ تقيّ الدين على السبق زمانًا، وعلى هذا ينبغي حملُ البعديّة في قوله:«وتسبقون به من بعدكم»على البعديّة رتبةً أيضًا، أي تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعديّة معنويّةً، أي بحسب الرتبة، لا حسّيّةً. انتهى . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: السبقيّة هنا يَحْتَمِل أن تكون في الغنى، وهو السبق في الفضيلة، وقوله:«مَن بعدكم» أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل، ويَحْتَمل أن يُراد القبليّة الزمانيّة، والبعديّة الزمانيّة، ولعلّ الأول أقربُ إلى السياق، فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة، وتقدّم الأغنياء. انتهى . قال ابن الملقّن بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد هذا: لعلّ مراده بالقبليّة والبعديّة من كان في زمنهم، وإلا ففضيلة هذه الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن لم يقولوا هذا الذكر. انتهى . (وَتَسْبِقُونَ) -بفتح أوله- من السَّبْق (بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ) -بفتح ميم «من»، وهي موصولة مفعولُ «تَسبقون» (وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ «) قيل: الاستثناء متعلّق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصحّ جعله متعلّقًا بالجمل الثلاث كلّها على معنى: يحصل لكم الأحوال الثلاثة بالنظر إلى الطوائف إلا من عَمِل من الطوائف الثلاثَ مثله. وقال الطيبيّ -﵀-: [فإن قلت]: ما معنى الأفضليّة في قوله:«لا يكون أحدٌ أفضل منكم»مع قوله:«إلا من صنع مثل ما صنعتم»، فان الأفضليّة تقتضي الزيادة، والمثليّة تقتضي المساواة؟. [قلت]: هو من باب قوله [من الرجز]: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ … إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ يعني إن قُدِّرَ أن المثليّة تقتضي الأفضليّة، فتحصُل الأفضليّة، وقد عُلِمَ أنها لا تقتضيها، فإذًا لا يكون أحدٌ أفضل منكم، وهذا على مذهبٍ تميميّ . ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليس أحدٌ أفضل منكم إلا هؤلاء، فإنهم يساوونكم، ويَحْتَمل أن يكون المعني بـ«أحدٌ»الأغنياءُ، أي ليس أحدٌ منهم أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. انتهى كلام الطيبيّ -﵀-. وقال في«الفتح»عند شرح رواية البخاريّ بلفظ:«وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم»ما نصّه: قيل: ظاهره يخالف ما سبق؛ لأن الإدراك ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضلية. وأجاب بعضهم بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يُدرِك ثم يفوق، وعلى هذا فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال. ويَحْتَمِل أن يقال: الضمير في«كنتم»للمجموع من السابق والمدرك، وكذا قوله:«إلا مَن صنع مثل صنيعكم»أي من الفقراء، فقال الذكرَ، أو من الأغنياء، فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصّةً، لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة، فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر، ولا صدقة، ويَشهد له قوله في حديث ابن عمر -﵄- عند البزار:«أدركتم مثل فضلهم»، ولمسلم في حديث أبي ذرّ -﵁-:«أوَليس قد جعل لكم ما تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً، وبكل تكبيرة صدقة. . . »الحديث. واستُشكِل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال، مع شدّة المشقة فيه. وأجاب الكرمانيّ بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل مَاسْتَثْنَتِ«الَّا»مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفِيٍ انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبدَالٌ وَقَعْ حالة، واستَدَلّ لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة. انتهى . (قَالُوا: بَلَى) أي علّمنا ذلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ) -بفتح أوله وثالثه- من الحمد ثلاثيًّا، وفي بعض النسخ: »وتُحَمِّدون« -بضم أوله، وتشديد الميم- من التحميد. قال في «المرعاة»: قوله: «تسبّحون. . . إلخ» إخبار بمعنى الأوامر، أو هي من قبيل: «تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه». انتهى. وفي رواية البخاريّ: «تُسَبِّحون، وتَحمدون، وتكبرون»، قال في «الفتح»: كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان -يعني في رواية مسلم هنا- تقديم التكبير على التحميد خاصّة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: يقول: «اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه»، ومثله لأبي داود، من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: «تكبر، وتحمد، وتسبح»، وكذا في حديث ابن عمر -﵄-. وهذا الاختلاف دالّ على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: «لا يَضُرُّك بأيهن بدأت». لكن يُمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري -﷿-، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص، وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدالّ على انفراده -﷿- بجميع ذلك. انتهى. (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) -بضمتين- قال الأزهريّ: دُبُر الأمر -يعني بضمتين- ودَبْره -يعني بفتح، ثم سكون-: آخره، وادَّعَى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة. ورُدّ عليه بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دُبُر. وقال ابن الملقّن -﵀-: «دُبُر» بضمّ الدال والباء على المعروف المشهور في الروايات واللغة، ويجوز التخفيف، كعُنْق، وقال ابن الأعرابيّ: دُبُر الشيء، ودَبْره بالضمّ والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ وآخرون غيره، وقال أبو عمر المطرّز في كتابه «اليواقيت»: دَبر كلّ شيء بفتح الدال: آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضمّ. والمراد به في الحديث عقب السلام منها، سواءٌ كان آخر أوقاتها، أو أوسطه، أو أوّله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغ منه، فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث. انتهى . ولفظ البخاريّ هنا: «خلف كل صلاة»، قال في «الفتح»: هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في «الدعوات»، وهي قوله: «دبر كلّ صلاة»، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ: «إثر كلّ صلاة». قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعَدّ معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة، كآية الكرسيّ، فلا يَضُرّ. وظاهر قوله: «كل صلاة» يَشْمَل الفرض والنفل، لكن حَمَله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة -﵁- الآتي عند المصنّف التقييد بالمكتوبة، ولفظه: «مُعقّباتٌ لا يَخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة. . .»، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة والذكر، أو لا؟ محل نظر. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن تأخيره عن الرواتب لا يُعدّ فاصلًا؛ لأنها توابع للمكتوبات، واللَّه تعالى أعلم. (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً») أي يقول كلّ فرد منها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، وقال في«الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وُزِّع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سُهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق رَوْح بن القاسم عنه، لكن لم يُتابَع سهيلٌ على ذلك، قال الحافظ: بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلِّها التصريحَ بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد. فعلى هذا، ففيه تنازُعُ ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. انتهى . وقال في«المرعاة»: ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعًا، ورجّحه بعضهم؛ للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى؛ لتميّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلّ حركة لذلك، سواءٌ كان بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأحاديث الآتية من غير طريق أبي صالح واضحة في كونه يسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّة، ويكبّر كذلك، ويَحمد كذلك، فإن قوله -ﷺ-:«من سبّح اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين. . . » الحديث واضح في استقلال كلّ جملة بالعدد المذكور، فينبغي أن يقول كلّ جملة بمفردها؛ حرصًا على ما اقتضاه ظاهر النصّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان، وقول أبي صالح هذا مرسل سيأتي الكلام عليه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) بالرفع على البدليّة، ويَحْتَمل النصب على الاختصاص، أو بتقدير «نعني». وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «أهل الأموال» بدلٌ من «إخوانُنَا»، وفائدة البدل الإشعار بأنهم فعلوا ذلك منهم غبطةً لا حسدًا. وقوله: (بِمَا فَعَلْنَا) متعلّق بـ «سَمِعَ»، ضمّن «سَمِعَ» معنى «أخبر»، فعدّي بالباء، قاله الطيبيّ -﵀- . (فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) أي مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع ذائعٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ذَلِكَ) أي الزائد من الثواب الذي حصل لهم على الجود بأموالهم منضمّا إلى فعلهم مثل ما فعله الفقراء، فـ»ذلك«مبتدأ خبره قوله: (فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ») قال الطيبيّ -﵀-: فيه إشارة إلى أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، نعم لا يخلو الغنيّ عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن. انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا. (وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ) بن سعيد، قيل: يَحْتَمِل أن يكون هذا الغير شعيبَ بن الليث، فإن أبا عوانة أخرجه في «مستخرجه» عن الربيع بن سليمان، عن شعيب، ويَحْتَمِلُ أن يكون سعيد بن أبي مريم، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق سعيد، ويَحتَمِل أن يكون غيرهما، قاله في «العمدة» ، واللَّه تعالى أعلم. (فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد (عَن) محمد (ابْنِ عَجْلَانَ) أنه قال: (قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي) قال ابن الملقّن -﵀-: لم أر تعيين هذا البعض في رواية بعد الكشف عنه. انتهى . (هَذَا الْحَدِيثَ) أي الذي حدّثه به أبو صالح عن أبي هريرة -﵁- (فَقَالَ) ذلك البعض (وَهِمْتَ) بفتح، فكسر، كغَلِطْتَ وزنًا ومعنًى، قال الفيّوميّ -﵀-: وَهَمْتُ إلى الشيء وَهْمًا، من باب وَعَدَ: سبق القلب إليه مع إرادة غيره، وَوَهَمْتُ وَهْمًا: وقع في خَلَدي، والجمعُ أوهام، وشيء موهومٌ، وتوهَّمْتُ: أي ظننتُ، وَوَهِمَ في الحساب يَوْهَمُ وَهَمًا، مثلُ غَلِطَ يَغْلَطُ غَلَطًا وزنًا ومعنًى، ويَتَعدَّى بالهمزة والتضعيف، وقد يُستعمَلُ المهموز لازمًا، وأوهم من الحساب مائةً، مثلُ أسقط وزنًا ومعنًى، وأوهم من صلاته ركعةً: تركها. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونُكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه فقال. . .». قال في «الفتح»: قوله: «فاختلفنا بيننا» ظاهره أن أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: «فرجعت إليه»، وأن الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبيّ -ﷺ-، وعلى هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بَيَّن مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ أن القائل: «فاختلفنا» هو سُمَيّ، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله. انتهى. وقوله: «وتكبر أربعًا وثلاثين» هو قول بعض أهل سُميّ كما تقدم التنبيه عليه، من رواية مسلم، وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاء مثله في حديث أبي الدرداء، عند النسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر بسند قويّ، ومثله لمسلم من حديث كعب بن عُجرة، ونحوه لابن ماجه، من حديث أبي ذَرّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عند أبي داود، ففيه: «ويختم المائة بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ»، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الْحَكَم، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ. قال النوويّ -﵀-: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: «لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ». وقال غيره: بل يَجمع بأن يَختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرةً بـ «لا إله إلا اللَّه»، على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الأخير هو المتعيّن في وجه الجمع، وأما ما قاله النوويّ ففيه خروج عن التعليم النبويّ. والحاصل أن الصواب أنه يكبّر. تارةً أربعًا وثلاثين، فتكون التكبيرة تمام المائة، ويكبّر أحيانًا ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بـ «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ»، كما ورد التعليم النبويّ بكلّ منهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (إِنَّمَا قَالَ) أي أبو صالح، وفي نسخة: «إنما قال لك» («تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وفي نسخة:»ثلاثًا وثلاثين مرّةً«(وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ») هذا في رواية المصنّف، والذي عند البخاريّ: «وتكبّر أربعًا وثلاثين»، كما سبق آنفًا. (فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ذكرت له اختلافنا فيه (فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: «فقال: تقول:»سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر«حتى يكون منهنّ كلِّهِنّ ثلاث وثلاثون». قال ابن الملقّن -﵀-: ظاهره أنه يقول: اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، ثلاثًا وثلاثين مرّة، وظاهر الحديث أنه يُسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّةً، ثم يَحْمَد كذلك، ثم يُكبّر كذلك، وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. انتهى . (قَالَ) وفي نسخة: «وقال» بالواو (ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل (بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو- ابن جَرْوَل ، ويقال: جَنْدَل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن عمرو الكِنْديّ، أبو المِقْدام، ويقال: أبو نَصْر الْفِلَسطينيّ، يقال: إن لجده صحبةً، ثقةٌ فقيهٌ، من الطبقة الثالثة. أرسل عن معاذ بن جبل، ورَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعديّ بن عَمِيرة، وعبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن غَنْم، ومعاوية، والنوّاس بن سَمْعان، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة، والْمِسْوَر بن مَخْرمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأبي صالح السمان، وورّاد كاتب المغيرة، وخلق. ورَوَى عنه عديّ بن عديّ بن عَمِيرة الكِنديّ، وابن عجلان، وثور بن يزيد، وابن عون، ومَطَر الورّاق، والزهريّ، ومحمد بن جُحادة، وابنه عاصم بن رجاء، وحميد الطويل، وغيرهم. قال أبو مسهر: كان من مدينةٍ يقال لها: بيسان، ثم انتقل إلى فلسطين، وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا كثير العلم، وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ ثقةٌ، وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن عديّ، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا مسألة، فقال مكحولٌ: سَلُوا شيخنا وسيدنا، رجاء بن حيوة، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن مَطَر الورّاق: ما لقيت شاميًّا أفضل -وفي رواية: أفقه- من رجاء بن حيوة، إلا أنه إذا حركته وجدته شاميًّا، وقال الأصمعيّ عن ابن عون: رأيت ثلاثةً ما رأيت مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهادهم، وقال أحمد بن حنبل: لم يَلْقَ رجاء وَرّادًا كاتب المغيرة، وكذا حَكَى الترمذيّ عن السخاويّ وأبي زرعة. قال الحافظ: وروايته عن أبي الدرداء مرسلة. قال خليفة بن خياط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة (١١٢). روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، في هذا الموضع فقط، والأربعة. (فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ) أي بمثل ما حدّثه سميّ، ولفظ أبي عوانة: «فقال محمد بن عجلان: فذكرت ذلك لرجاء بن حيوة، فحدّثني بمثلها، عن أبي صالح، وقال: صدق سُميّ». انتهى . (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). [تنبيه]: رواية ابن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة هذه ساقها الطبرانيّ -﵀- في «المعجم الأوسط»، فقال: (٥٣١٠) حدّثنا محمد بن عليّ بن الصبّاح البغداديّ، قال: حدّثنا هانئ بن المتوكل الإسكندرانيّ، حدّثنا حيوة بن شُرَيح، عن محمد بن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة، وسُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أتى فقراء المسلمين رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذَهَب ذوو الأموال بالدرجات، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويَحُجُّون كما نَحُجّ، ولهم فضول أموال يتصدقون منها، وليس لنا ما نتصدق، فقال: «ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، ولم يَلْحَقكم مَن خَلَفَكم، إلا مَن عَمِل بمثل ما عملتم؟ تسبحون اللَّه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثًا وثلاثين، وتكبروه أربعًا وثلاثين»، فبلغ ذلك الأغنياءَ، فقالوا مثل ما قالوا، فأتوا رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبروه، فقال: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء». انتهى . وساقها أيضًا في «المعجم الصغير»، وقال في آخرها: لم يروه عن رجاء إلا ابنُ عجلان. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه. [تنبيه]: تكلّم الرشيد العطّار -﵀- في رواية المصنّف هذه، فقال في كتابه «غرر الفوائد» (١/ ٣٠١) بعد أن ساق رواية المصنّف هذه بنصّها: هكذا أورده مسلم، وهو حديثٌ بعضه مسندٌ، وبعضه مرسلٌ، والمرسل منه قول أبي صالح: «فرجع فقراء المهاجرين. . .» إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يُسنِده. وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلمًا -﵀- قد أخرجه من وجه آخر، عن أبي صالح -يعني الرواية التالية- وفيه هذه الزيادة متصلةً مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوْح بن عُبَادة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ-، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين. . . إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم -﵀-. قال الرشيد -﵀-: فقد اتّصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد للَّه. قال: ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادة أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان، قال سُمَيّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى. انتهى كلام الرشيد العطّار -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «فقد اتّصل. . . إلخ» هذا الذي اعتبره الرشيد العطّار -﵀- متّصلًا من رواية سهيل، عن أبيه لا يراه الحافظ متّصلًا؛ لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجًا، ونصّه في «الفتح»: زاد مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُميّ: «قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه. . . إلخ»، ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذَكَرَ طَرَفًا منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قولَ أبي صالح: «فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ». قال الحافظ: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مُدرجًا، أخرجه جعفر الفريابيّ، وتبين بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلةٌ. وقد رَوَى الحديث البزار من حديث ابن عمر -﵄-، وفيه: «فرَجَع الفقراء. . .»، فذكره موصولًا، لكن إسناده ضعيفٌ، ورواه جعفر الفريابيّ من رواية حَرَام بن حكيم -وهو بحاء، وراء مهملتين- عن أبي ذرّ -﵁-، وقال فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء». ونَقَلَ الخطيب أن حرام بن حكيم يُرسل الرواية عن أبي ذرّ -﵁-، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يَقْوَى بهما مُرسل أبي صالح. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي صالح: «فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ» مرسل، وليس متّصلًا كما زعمه الرشيد العطّار، مستدلًّا برواية سهيل التالية، بل فيها إدراج قول أبي صالح كما أرشد إليه المصنّف في كلامه الآتي، لكن هذا المرسل يتقوّى بالطريقين اللذين ذكرهما الحافظ، كما بيّنه في كلامه المذكور آنفًا، فتبصّر. وأما قوله: «وزاد غير قتيبة. . . إلخ» فلم أجد من وصله، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في «تخريجه»: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٠ و١٣٥١] (٥٩٥)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٤٣) و«الدعوات» (٦٣٢٩)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (١٤٥ و١٤٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠١٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٨٥ و٢٠٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٢٠ و١٣٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٨٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧١٧ و٧٢٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الذكر عقب الصلوات، واستدلّ به البخاريّ -﵀- على فضل الدعاء عقب الصلاة؛ لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتَجَى فيها إجابة الدعاء. ٢ - (ومنها): بيان جواز الغِبْطَة، وهي تمنّي مِثْلِ ما للغير من النعمة دون زوالها عنه، بخلاف الْحَسَد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، سواء تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم. ٣ - (ومنها): استحباب المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات العالية؛ لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بَلَغَهم، ولم ينكر عليهم النبيّ -ﷺ-. ٤ - (ومنها): بيان أن العمل اليسير في الصورة قد يُدْرِك به صاحبه فضل العمل الشاقّ الذي يلحقه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به. ٥ - (ومنها): بيان أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافًا لمن قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا، نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام -﵀-. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال -﵀-: في هذه الأحاديث الحضّ على الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة اللَّه تعالى؛ لقوله -ﷺ-: «تُدركون من سبقكم»، وسُئل الأوزاعيّ -﵀-: هل الذكر بعد الصلاة أفضل، أم تلاوة القرآن؟، فقال: ليس شيء يَعدِل القرآن، ولكن كان هدي السلف الذكر. ٧ - (ومنها): بيان أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخَّر عنها إلى أن تصلَّى الراتبة؛ لقوله: «دُبُر كلّ صلاة». ٨ - (ومنها): بيان أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يُرجى فيها إجابة الدعوات، وقبول الطاعات، ويَصِل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية، والمنازل الغالية. ٩ - (ومنها): بيان أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يُجيب بما يَلْحَق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه -ﷺ- أجاب بقوله: «ألا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه»، وعَدَل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك. ١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: في الحديث دليلٌ على قوّة رغبة الصحابة -﵃- في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى، والنعيم المقيم، فكانوا يَحْزنون على العجز عن شيء مما يَقدِر عليه غيرهم من ذلك، وقد وصفهم اللَّه ﷿ في كتابه بذلك بقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢]. ولهذا قال النبيّ -ﷺ-: «لا حَسَدَ إلا في اثنتين. . .» الحديث، فذكر منهما: «رجلٌ آتاه اللَّه مالًا، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجلٌ: لو أن لي مالًا لفعلت فيه كما فعل ذلك» ، فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون، ويُنفقون حزِنُوا على عجزهم عن ذلك، وتأسّفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشَكَوا ذلك إلى النبيّ -ﷺ-، فدلّهم النبيّ -ﷺ- على عمل إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولم يُدركهم أحدٌ بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عَمِل مثله، وهو التسبيح، والتحميد، والتكبير خلف كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ»: هذا الحديث يدلّ على أن الذكر أفضل الأعمال، وأنه أفضل من الجهاد، والصدقة، والعتق، وغير ذلك، وقد رُوي هذا المعنى صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم أبو الدرداء، ومعاذٌ، وغيرهما -﵃-، ورُوي مرفوعًا من وجوه متعدّدة أيضًا. وقال -﵀- في «جامع العلوم والحكم»: وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «ذكر اللَّه ﷿»، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ ، وذكره مالك في «الموطأ» موقوفًا على أبي الدرداء -﵁-. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «من قال لا إله = (٥٠٢٦) حدّثنا عليّ بن إبراهيم، حدثنا رَوْح، حدّثنا شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال:«لا حسد إلا في اثنتين: رجل علّمه اللَّه القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يَعمَل، ورجل آتاه اللَّه مالًا، فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعَمِلت مثل ما يَعْمَل. انتهى. إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عَدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك». وفيهما أيضًا عن أبي أيوب -﵁- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال:«من قالها عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل». وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث أبي سعيد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- سئل أيُّ العباد أفضل درجةً عند اللَّه يوم القيامة؟ قال:«الذاكرون اللَّه كثيرًا»، قلت: يا رسول اللَّه: ومن الغازي في سبيل اللَّه؟ قال:«لو ضَرَب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دمًا، لكان الذاكرون اللَّه أفضل منه درجةً»، ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله. وخرّج الطبرانيّ من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ -ﷺ- قال:«لو أن رجلًا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر اللَّه، كان الذاكر أفضل». قلت: الصحيح عن أبي الوازع، عن أبي برزة الأسلميّ من قوله، خرّجه جعفر الفريابيّ. وخرّج أيضًا من حديث أنس، عن النبيّ -ﷺ- قال:«من كبر مائة، وسبح مائة، وهلَّل مائة، كانت خيرًا له من عشر رقبات يُعتقها، ومن سبع بدنات ينحرها». وخرّج ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أبي الدرداء، أنه قيل له: إن رجلًا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمانٌ ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر اللَّه ﷿. وعن أبي الدرداء أيضًا قال: لأن أقول اللَّه أكبر مائة مرة، أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار، وكذلك قال سلمان الفارسيّ وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال. وخرّج الإمام أحمد، والنسائيّ من حديث أم هانئ -﵂- أن النبيّ -ﷺ- قال لها: «سبّحي اللَّه مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي اللَّه مائة تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس مُلْجَمة مُسْرَجة تَحملين عليهن في سبيل اللَّه، وكبّري اللَّه مائة تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مُقَلّدة متقبلة، وهلّلي اللَّه مائة تهليلة، لا أحسبه إلا قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد مثل عملك، إلا أن يأتي بمثل ما أتيت» . وخرّجه أحمد أيضًا، وابن ماجه، وعندهما: «وقولي: لا إله إلا اللَّه، مائة مرة لا تَذَرُ ذنبًا، ولا يسبقها العمل». وخرّجه الترمذيّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ -ﷺ- بنحوه، وقال: هذا حديث حسنٌ غريب. وخرّج الطبرانيّ من حديث ابن عباس مرفوعًا قال: «ما من صدقة أفضل من ذكر اللَّه ﷿» . وخرّج الفريابيّ بإسناد فيه نظرٌ، عن أبي أمامة مرفوعًا: «ومن فاته الليل أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجَبُن عن العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان اللَّه وبحمده، فإنها أحبّ إلى اللَّه ﷿ من جبل ذهب، أو جبل فضة، ينفقه في سبيل اللَّه ﷿». وخرّج البزار بإسناد مقارب، من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال في حديثه: «فليكثر ذكر اللَّه»، ولم يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. انتهى كلام ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» . وقال في «شرح البخاريّ»: ولا يعارض هذا -يعني ما سبق من تفضيل الذكر على الجهاد وغيره- حديث الذي سأل النبيّ -ﷺ- عما يعادل الجهاد؟ فقال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تُفطر، وتقوم فلا تفتر. . .» الحديث المشهور؛ لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدّة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قُدومه، فليس يُعْدَل ذلك بشيء غير ما ذُكر، والفقراء دلّهم النبيّ -ﷺ- على عمل يستصحبونه في مدّة عمرهم، وهو ذكر اللَّه الكثير في أدبار الصلوت، وهذا أفضل من جهاد يَقع في بعض الأحيان يُنفق صاحبه فيه ماله. فالناس منقسمون ثلاثة أقسام: أهل الذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم. وأهل جهاد يُجاهدون، وليس لهم مثل ذلك الذكر، فالأولون أفضل من هؤلاء. وقوم يَجمعون بين الذكر والجهاد، فهؤلاء أفضل الناس. ولهذا لَمّا سمع الأغنياء الذين كانوا يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون بما عَلَّم النبيّ -ﷺ- الفقراء من ذلك عَمِلوا به، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ، ولهذا لَمّا سألوا النبيّ -ﷺ- عن ذلك؟ قال: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء». ومن زعم من الصوفيّة أنه أراد أن الفقر فضل اللَّه، فقد أخطأ، وقال ما لا يعلم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في التفضيل بين الغنى والفقر: قال ابن بطاّل، عن المهلّب رحمهما اللَّه: في هذا الحديث فضل الغنى نصًّا لا تأويلًا، إذا استوت أعمال الغني والفقير، فيما افترض اللَّه عليهما، فللغنيّ حينئذ فضل عمل البرّ من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه. قال: ورأيت بعض المتكلّمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخصّ الفقراء دون غيرهم، أي الفضل المرتّب على الذكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس الحديث: «إلا من صنع مثل ما صنعتم»، فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان. وقال القرطبيّ -﵀-: استدلّ بهذا الحديث من يُفضّل الغنى على الفقر، وهي مسألة اختُلِف فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكَفَاف، ومن قائل رابع بردّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس توقّف، ولم يفضّل واحدًا منهما على الآخر، والمسألة لها غَوْرٌ، وفيها أحاديث متعارضة. قال: والذي يظهر لي أن الأفضل من ذلك ما اختاره اللَّه تعالى لنبيّه -ﷺ-، ولجمهور أصحابه -﵃-، وهو الفقر غير المدقع. قال: وتأوّل بعضهم قوله: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه» بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثواب المرتّب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند اللَّه، فكأنه قال: ذاك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل اللَّه . قال: وهذا التأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه إليه ما يعارضه . وتُعقب بأن الجمع بينه وبين ما يُعارضه ممكن من غير احتياج إلى التعسف. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: ظاهر الحديث القريبُ من النصّ أنه فَضَّلَ الأغنياء بزيادة القربات المالية، وبعض الناس تأول قولَه: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء» بتأويل مُستكرَه، يخرجه عما ذكرناه، كأنه يشير إلى ما تقدّم. قال: والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا، وفضّلت العبادات المالية أنه يكون الغنيّ أفضل، ولا شكّ في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلّ منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسّر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل لها من التطهير بسبب الفقر أشرف، فيترجّح الفقراء. ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصوفيّة إلى ترجيح الفقير الصابر. وقال الكرمانيّ -﵀-: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العُلَى، والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. اهـ. قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، وطهر أن الجواب وقع قبل أن يَعلَم النبيّ -ﷺ- أن متمنّي الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما ثبت في حديث الترمذيّ -﵀- بأن المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله -ﷺ-: «من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيئًا»، فإن الفقراء في هذه القصّة كانوا السبب في تعلّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب، مضافًا إلى التمنّي، فلعل ذلك يقاوم التقرّب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَف العيش، وشكر الغنيّ على التنعّم بالمال، ومن ثمّ وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلاله بحديث من«سنّ سنّة حسنة إلخ»على هذه المسألة فيه نظر؛ لأن الذين تسببوا هم فقراء الصحابة، فالاشتراك مع الأغنياء في الأجر قاصر عليهم، لا يتعدّاهم إلى غيرهم من الفقراء؛ لأن غيرهم لم يشاركهم في التسبب، فكيف يستدلّ به على تفضيل الفقير على الغني على الإطلاقّ؟، واللَّه أعلم. وقال في«كتاب الأطعمة»عند قول البخاريّ -﵀-:«بابٌ الطاعمُ الشاكرُ مثل الصائم الصابر» فيه عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، ما نصه: وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل، ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل أن المشبَّه به أعلى درجة من المشبَّه. والتحقيق عند أهل الْحِذْق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّيّ، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نعم عند الاستواء من كل جهة، وفَرْضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعدل بالسلامة شيء. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ -﵀-: وقع في رواية وَرْقاء عن سُمَيّ عند البخاريّ في «الدعوات» في هذا الحديث: «تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا»، ولم أقف في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سُميّ، ولا عن غيره، ويَحْتَمِل أن يكون تأوّل ما تأوّل سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر، ويَعْكُر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبيّ -ﷺ-. قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد، منها عن عليّ عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائيّ، وعن عبد اللَّه بن عمرو عنده، وعند أبي داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبرانيّ. وجَمَع البغويّ في «شرح السنة» بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة، أوّلها عشرًا عشرًا، ثم إحدى عشرة إحدى عشرة، ثم ثلاثًا وثلاثين ثلاثًا وثلاثين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال. وقد جاء من حديث زيد بن ثابت، وابن عمر -﵃- أنه -ﷺ- أمرهم أن يقولوا كلّ ذكر منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: «لا إله إلا اللَّه» خمسًا وعشرين. ولفظ زيد بن ثابت -﵁-: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأُتِيَ رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا. . . فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبيّ -ﷺ- وأخبره، فقال: «فافعلوه»، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان. ولفظ ابن عمر -﵄-: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه، وفيه: فقيل له: سبح خمسًا وعشرين، واحْمَدْ خمسًا وعشرين، وكَبِّر خمسًا وعشرين، وهَلِّل خمسًا وعشرين، فتلك مائة، فأمرهم النبيّ -ﷺ- أن يفعلوا كما قال. أخرجه النسائيّ، وجعفر الفريابي. واستُنْبِط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرةٌ، وإلا لكان يُمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثًا وثلاثين. وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات، إذا رُتِّب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمةٌ وخاصيّةٌ تفوت بمجاوزة ذلك العدد. قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رُتِّب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله. انتهى. قال الحافظ -﵀-: ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال العراقيّ لا محالةَ، وإن زاد بغير نية، بأن يكون الثواب رُتِّب على عشرة مثلًا، فرتّبه هو على مائة، فيتجه القول الماضي. وقد بالغ القرافيّ في «القواعد»، فقال: من الْبِدَع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يُوقَفَ عنده، ويُعَدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن كلام القرافيّ -﵀- في هذا، فالحقّ أنه لا ينبغي الزيادة على الأعداد والتقديرات الشرعيّة، وإن كانت مندوبات؛ لأن للشارع الحكيم حكمة لا يعلمها غيره، فإذا وجّه إلى شيء من العبادة، أذكارًا، أو غيرها، وعيّن لها عددًا، أو صفة معيّنة، فلا ينبغي العدول عنها إلا بتوقيف منه، فالأذكار التي خلف الصلوات، وغيرها لا ينبغي أن يُتجاوز العدد المأثور فيها، إلا أن يقطعها، ثم يستأنف. وبالجملة فالذي ينبغي للعاقل أن يقف عند تعليم النبيّ -ﷺ- للأذكار، أو غيرها مع تعيينه لها عددًا، أو صفةً، أو وقتًا، أو غير ذلك، ولا يتجاوز ذلك التوجيه؛ لأنه توجيه ربّانيّ يلزم التأدّب معه، فليُتنبّه لمثل هذا، فإن كثيرًا من الناس عنه لغافلون، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقد مثّله بعض العلماء بالدواء يكون مثلًا فيه أوقية سُكّر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم استَعْمَل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجمل هذا التمثيل، وما أحقّه أن يُنظر إليه بعين الاعتبار، والبصيرة النافذة، فإن الأذكار النبويّة أدوية للأمراض الحسيّة والمعنويّة، والقلبيّة والبدنيّة، فكما ينبغي المحافظة على ما يصفه الأطبّاء للأدوية البدنيّة، فكذلك ينبغي المحافظة على ما وصفه النبيّ -ﷺ- للأدوية الروحيّة، فإنه -ﷺ- مبلّغ عن ربّه ﷿، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]. قال: ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص؛ لما في ذلك من قطع الموالاة؛ لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمةٌ خاصّةٌ تفوت بفواتها. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (المسألة السابعة): في اختلاف ألفاظ هذا الحديث: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ»: وأما ألفاظ الحديث، فهي مختلفة، ففي رواية عُبيد اللَّه بن عمر التي أخرجها البخاريّ ها هنا: «تسبّحون، وتحمدون، وتكبّرون ثلاثًا وثلاثين»، وفسّره بأنه يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلِّهنّ ثلاثًا وثلاثين، وقد تبيّن أن المفسِّر لذلك هو أبو صالح، وهذا يَحْتَمل أمرين: أحدهما: أنه يَجمع بين هذه الكلمات الثلاث، فيقولها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، فيكون مجموع ذلك تسعًا وتسعين. والثاني: أنه يقولها إحدى عشرة مرّةً، فيكون مجموع ذلك ثلاثًا وثلاثين، وهذا هو الذي فهمه سُهيل، وفسَّر الحديث به، وهو ظاهر رواية سُميّ، عن أبي صالح أيضًا، ولكن قد رُوي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحًا بالمعنى الأول، فخرّجه مسلم من حديث سُهيل، عن أبي عُبيد الْمَذْحِجيّ، وهو مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة. . .» الحديث سيأتي في هذا الباب. قال: وقد روي عن سُهيل بهذا الإسناد موقوفًا على أبي هريرة، وكذا رواه مالك في «الموطّأ»، عن أبي عُبيد موقوفًا، وخرّجه ابن حبّان في «صحيحه» من طريق مالك مرفوعًا، والموقوف عن مالك أصحّ. وخرّجه النسائيّ في «اليوم والليلة» بنحو هذا اللفظ من رواية ابن عَجلان، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان في «صحيحه» عن الأوزاعيّ، حدّثني حسان بن عطيّة، قال: حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها، وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «يا أبا ذرّ ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يَلحقك من خلفك، إلا من أخذ بمثل عملك؟» قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: «تكبر اللَّه ﷿ دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر» . قال: فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف. وقد رُوي عنه نوع آخر، وهو التسبيح مائة مرّة، والتكبير مائة مرّة، والتهليل مائة مرّة، والتحميد مائة مرّة، خرّجه النسائيّ في كتاب «عمل اليوم والليلة» بإسناد فيه ضعف، ورُوي موقوفًا على أبي هريرة. وخرّجه النسائيّ في «السنن» بإسناد آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: «من سبّح اللَّه في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلّل مائة تهليلة، غُفر له ذنوبه، ولو كانت مثل زَبَد البحر» . ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا عبيه: «التسبيح عشرٌ، والتحميد عشرٌ، والتكبير عشرٌ»، وقد أخرجه البخاريّ في «الدعوات» من «صحيحه» من طريق ورقاء، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم. . . الحديث، وفيه: «تُسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا». وقد رُوي عن النبيّ -ﷺ- من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواعٌ أُخر من الذكر: (فمنها): التسبيح، والتحميد، والتكبير مائة، فالتسبيح والتحميد كلّ منهما ثلاثٌ وثلاثون، والتكبير وحده أربع وثلاثون، خرّجه مسلم من حديث كعب بن عُجرة ، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ -﵁-، لكن عنده أن التحميد هو الأربع، وخرّجه ابن ماجه، وعنده أن ابن عيينة قال: لا أدري أيتهنّ أربع. (ومنها): التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل مائة مرّة، من كلّ واحد خمس وعشرون، خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وخرّجه النسائيّ من حديث ابن عمر -﵄-. (ومنها): التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد مثله، والتكبير أربعًا وثلاثين، فذلك مائة، ويزيد عليهنّ التهليل عشرًا، خرّجه النسائيّ، والترمذيّ من حديث ابن عبّاس -﵄-. (ومنها): التسبيح عشر مرّات، والتحميد مثله، والتكبير مثله، فذلك ثلاثون، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ما جه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، وخرّجه النسائيّ في «اليوم والليلة» من حديث سعد -﵁-. (ومنها): التكبير إحدى عشرة مرّةً، والتحميد مثله، والتهليل مثله، والتسبيح مثله، فذلك أربعٌ وأربعون، خرّجه البزّار من حديث ابن عمر -﵄-، وإسناده ضعيف، فيه موسى بن عُبيدة. قال ابن رجب -﵀-: ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة؛ لأن أحاديثها أصحّ أحاديث الباب. واختُلف في تفضيل بعضها على بعض، فقال أحمد في رواية الفضل بن زياد، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثةً وثلاثين أحبّ إليك، أم خمسةً وعشرين؟ قال: كيف شئتَ. قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا التخيير بينهما من غير ترجيح، وقال في رواية عليّ بن سعيد: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين، وظاهر هذا تفضيل هذا النوع على غيره، ولذلك قال إسحاق: الأفضل أن يُسبّح ثلاثًا وثلاثين، ويَحمَد ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّر ثلاثًا وثلاثين، ويَختِم المائة بالتهليل، قال: وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس، نَقَل ذلك عنه حرب الكرمانيّ. وهل الأفضل أن يَجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كلّ مرّة، فيقولهنّ ثلاثًا وثلاثين مرّة، ثم يَختم بالتهليل؟ أم الأفضل أن يُفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حِدَةٍ؟ قال أحمد في رواية محمد بن ماهان، وسأله: هل يَجمع بينهما أو يُفرد؟ قال: لا يُضيَّق، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنه مخيَّرٌ بين الإفراد والجمع، وقال أحمد في رواية أبي داود: يقول هكذا: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا يقطعه، وهذا ترجيح منه للجمع كما قاله أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة. وقد روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة مرسلًا أن النبيّ -ﷺ- أمرهم أن يقولوا دبر كلّ صلاة: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه عشرًا. وقال إسحاق: الأفضل أن يُفرد كلّ واحد منها، وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا، قال: وهو ظاهر الأحاديث لوجهين: أحدهما: أنه قال: يُسبّحون، ويحمدون، ويكبّرون، والواو قد قيل: إنها للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه. والثاني: أن هذا مثل نقل الصحابة -﵃- لوضوء النبيّ -ﷺ-، وأنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ولا خلاف في المراد أنه غسل كلّ عُضو من ذلك بانفراده ثلاثًا ثلاثًا قبل شروعه في الذي بعده، ولم يَغسِل المجموع مرّة، ثم أعاد مرّةً ثانيةً وثالثةً. قال ابن رجب: هذا على رواية من رَوَى التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثًا وثلاثين ظاهرٌ، وأما من روى يسبحون، ويحمدون، ويكبّرون ثلاثًا وثلاثين، فمحتملةٌ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المراد منها. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفنا أن الإفراد هو الأولى؛ عملًا بظاهر أكثر الأحاديث، كقوله -ﷺ-: «من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة. . .» الحديث صريح في إفراد كلّ منها، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) -بالياء، والشين المعجمة- أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غِيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (ح م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٤ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦١. ٥ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح السمّان، تقدّم قبله، وكذا أبو هريرة -﵁-. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ) يعني سهيل بن أبي صالح حدّث عن أبيه أبي صالح، بمثل حديث سُميّ عن أبي صالح الذي رواه قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عنه، وإنما خصّ رواية قتيبة؛ لأن المصنّف روى الحديث من طريقين: طريق عاصم بن النضر، عن المعتمر بن سليمان، عن عُبيد اللَّه العمريّ، عن سُميّ، وطريق قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وبين سياقيهما اختلاف، فبيّن أن رواية سهيل توافق السياق الذي رواه قتيبة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ. . . إلخ) يعني أن سُهيلًا أدرج في الحديث قول أبي صالح: «ثم رجع. . . إلخ» وهذا فيه إشارة إلى أن رواية سُميّ الماضية بفصل قول أبي صالح هو المحفوظ. وقوله: (إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ) تقدّم أن هذا مما فهمه سُهيل من تفسير قوله: «ثلاثًا وثلاثين»، فظنّ توزيعه على الأذكار الثلاثة، والصواب أن ثلاثًا وثلاثين لكلّ فرد من أفراد الأذكار الثلاثة، فيكون كلّ من التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا وثلاثين، والمجموع تسعة وتسعون، لا ثلاثة وثلاثون، وأوضح دليل على ذلك ما يأتي عن أبي هريرة -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ-: «مَن سَبّح اللَّه في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،. . .» الحديث. وقوله: (فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ) بجرّ «كلّه» توكيد لاسم الإشارة. [تنبيه]: رواية سهيل، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ١٩٤) فقال: (١٣٢٣) حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، في مجموع حديثه لرَوْح، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أمية، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْحٌ، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، صَحِبُوك كما صحبناك، ويجدون أموالًا ينفقونها، ولا نجدها، فقال: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به مَن قبلكم، إلا من
مصادر المؤلف (٥١)

١. وفي نسخة: «قد ذهب».

٢. وفي نسخة: «وتُحَمِّدُون» بالتشديد من التحميد.

٣. وفي نسخة: «إنما قال لك».

٤. وفي نسخة: «تسبّح اللَّه ثلاثًا وثلاثين مرّةً».

٥. وفي نسخة: «وقال».

٦. «الفتح» ٢/ ٣٨٠.

٧. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٣٦ - ٣٥٧.

٨. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٤٥.

٩. «الفتح» ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.

١٠. «المفهم» ٢/ ٢١٣.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠٥٩.

١٢. «الإعلام» ٤/ ٤٦.

١٣. «الكاشف» ٣/ ١٠٥٩.

١٤. «الفتح»٢/ ٣٨١.

١٥. «المرعاة»٣/ ٣٢١.

١٦. «إحكام الأحكام»٢/ ٩٨ بنسخة الحاشية.

١٧. «الإعلام»٤/ ٤٧.

١٨. يعني أن هذا جار على مذهب بني تميم، فإنه يجيزون إتباع الاستثناء المنقطع، وأما جمهور العرب فيوجبون نصبه، وإلى هذا أشار ابن مالك في«الخلاصة»حيث قال:

١٩. «الفتح» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢.

٢٠. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»٤/ ١٨.

٢١. «الفتح» ٢/ ٣٨٢.

٢٢. «المرعاة» ٣/ ٣٢٢.

٢٣. «الكاشف» ٣/ ١٠٦٠.

٢٤. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٥٠.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٤.

٢٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٥١.

٢٨. قال الحافظ في «التهذيب»: رأيت اسم جدّه مضبوطًا بخط الرضيّ الشاطبيّ: خَنْزَل بخاء معجمة، بعدها نون، ثم زاي، ثم لام. انتهى.

٢٩. «مسند أبي عوانة»١/ ٥٥٨.

٣٠. هكذا نسخة «الأوسط» بحذف نون الرفع في «تحمدوه»، و«تكبروه»، وفي «المعجم الصغير» بإثباتها في المواضع الثلاثة، وحذفها دون ناصب وجازم لغة قليلة، فتنبّه.

٣١. «المعجم الأوسط» ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

٣٢. «المعجم الصغير» ٢/ ٧٢ رقم (٨٠٢).

٣٣. راجع: «قرة عين المحتاج في شرح المقدّمة» ١/ ١٣١ - ١٣٢.

٣٤. «الفتح» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.

٣٥. أخرجه البخاري في «صحيحه»، ولفظه: =

٣٦. «شرح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦.

٣٧. حديث صحيح، صحّحه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٩٦، ووافقه الذهبيّ.

٣٨. حديث ضعيف؛ لأن في سنده درّاجًا وهو ضعيف عن أبي الهيثم، وهذا منه، والراوي عنه ابن لهيعة، وهو أيضًا متكلّم فيه.

٣٩. حديث حسنٌ، انظر: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ ٣/ ٣٠٢.

٤٠. أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، قال الهيثميّ: ورجاله وُثّقوا. انتهى. «مجمع الزوائد» ١٠/ ٧٧.

٤١. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٤٩ - ٥٢.

٤٢. «شرح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤٠٥ - ٤٠٧.

٤٣. «المفهم» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.

٤٤. قوله «وهذا التأويل إلخ» هكذا عزاه في «الفتح» إلى القرطبيّ، ولم أره في «المفهم»، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم.

٤٥. هو ما أخرجه الترمذيّ في «جامعه» عن أبي كبشة الأنماري -﵁- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ثلاثة أُقسم عليهنّ، وأحدِّثكم حديثًا فاحفظوه -قال-: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها، إلا زاده اللَّه عزًّا، ولا فتح عبد باب مسألة، إلا فتح اللَّه عليه باب فقر -أو كلمة نحوها- وأحدثكم حديثًا فاحفظوه -قال-: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويَصِلُ فيه رحمه، ويَعْلَم للَّه فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواءٌ، وعبد رزقه اللَّه مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يَخْبِط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يَصِل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.

٤٦. «الفتح» ٢/ ٣٨٥.

٤٧. «الفتح» ١٠/ ٧٣٠ - ٧٣١.

٤٨. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٣٨، وأبو داود في «سننه» رقم (١٥٠٤)، وابن حبّان في «صحيحه» ٥/ ٣٥٨.

٤٩. حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ ٣/ ٧٩ و«عمل اليوم والليلة» رقم (١٤٠).

٥٠. هو الحديث الآتي بعد هذا.

٥١. «شرح صحيح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤٠٩ - ٤١٦.