HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٩٨

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ، سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ «أَقُولُ: اللَّهُمَّ! بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ! نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ! اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد».
ج ١ ص ٤١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٢٥٣
صالح، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه. . .» الحديث. ثم خَرَّجه بعد ذلك عن محمد بن الصبّاح، قال: نا إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل، عن أبي عُبيد، عن عطاء -غير منسوب- عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- مثله. قال أبو مسعود الدمشقيّ: يُذكَر أن محمد بن الصبّاح نسبه، فقال: عطاء بن يسار، وأخطأ فيه، فإن كان هذا، فإن مسلم بن الحجّاج أسقط الخطأ من الإسناد؛ ليقرب من الصواب. وقد رَوى مالك هذا الحديث عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة موقوفًا. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف -﵀- أن يقدّم أحاديث هذا الباب بين باب أحاديث تكبيرة الإحرام، وأحاديث قراءة الفاتحة، كما لا تخفى المناسبة، فتأمّل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٥٧] (٥٩٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة ، الكوفي الضبي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٨. ٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) اسمه هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، البجليّ الكوفي، ثقة، [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رواته كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وأبي هريرة -﵁- فمدنيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ) أي تكبيرة الافتتاح، ولفظ النسائيّ: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا استفتح الصلاة» (سَكَتَ هُنَيَّةً) أي ساعةً لطيفةً، تصغيرُ هَنْتْ، وفي «اللسان»: وقالوا: هَنْتْ بالتاء ساكنة النون، فجعلوه بمنزلة بنت، وأخْت، وهنتان، وهنات، تصغيرها: هُنَيَّة، وهنيهة، فهنية على القياس، وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هُنَية للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هُنية بدل من الواو في هُنَيْوَة، والجمع هَنَات على اللفظ، وهَنَوَات على الأصل، قال ابن جني: أما هَنْت فيدل على أن التاء بدل من الواو في قولهم هنوات. وقال الجوهريّ: في تصغيرها هُنية تردها إلى الأصل وتأتي بالهاء كما تقول: أُخَيّة وبُنَيةٌ. وقد تبدل من الياء الثانية هاء، فيقال: هُنَيهة، وفي الحديث: «أنه قام هُنيةً» أي قليلًا من الزمان، وهو تصغير هَنَة، ويقال: هُنيهة أيضًا. انتهى . وقال في «العمدة»: وأما هُنَيئَةٌ ففيه أوجه، الأول بضم الهاء وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبريّ ولا وجه له، قال: وعند الأصيليّ، وابن الحذّاء، وابن السكن: هُنيهة بالهاء المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني، قال القاضي عياض، والقرطبيّ: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النوويّ فقال: الهمز خطأ، وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. الوجه الثالث قاله النوويّ: هُنَيّة بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، ومن همزها فقد أخطأ. وأصلها هَنْوَة فلما صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما أشار إليه في «الخلاصة» بقوله: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُروضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا وفي «الموعب، لابن التبانيّ: هُنَيَّة هي اليسير من الشيء ما كان». انتهى . والمراد بالسكوت هنا: عدم القراءة جهرًا، وإلا فالسكوت الحقيقيّ ينافي القول، فلا يتأتَّى السؤال بقوله: «ما تقول في سكوتك؟» أفاده السنديّ -﵀-. (قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ) القائل هو أبو هريرة -﵁- (يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديٌّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ فالتقدير: فَدَيْتُك بأبي، وحُذِف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وعِلْم المخاطب به، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير. (أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟) أَيْ أيَّ شيء تقول في حال سكوتك؟ قال في «العمدة»: قيل: السكوت مُنافٍ للقول، فكيف يصحّ أن يقال: ما تقول في سكوتك؟. وأجيب بأنه يَحْتَمِل أنه استَدَلّ على أصل القول بحركة الفم، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. انتهى . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: «ما تقول» يُشْعِر بأنه فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: «ما تقول»، ولم يقع بقوله: «هل تقول»، والسؤال بـ «هل» مقدَّم على السؤال بـ «ما» هنا، ولعله استدلّ على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- . (قَالَ) -ﷺ- جوابًا لسؤاله («أَقُولُ) بينهما (اللَّهُمَّ) أي يا اللَّه (بَاعِدْ) أي أبعد، قال الكرمانيّ -﵀-: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة، قال في»العمدة«: لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير، نحو: ضاعفت، بمعنى ضَعَّفتُ، وفي المبالغة معنى التكثير. انتهى . (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) جمع خَطيَّة، كالعَطَايا جمع عَطيَّة، يقال: خَطَأ في دِينه خَطَأ: إذا أثم فيه، والخِطْءُ بالكسر: الذنب والإثم. وأصل خطايا: خَطَايِئُ، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل جمع قبيلة، فصار خطائِئُ بهمزتين، فقلبوا الثانية ياء، فصار خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة فصارت خطايَي، فقلبت الياء ألفًا فصارت خطايا. ثم إن الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة، فمعناه: إذا قُدِّرَ لي ذنب فبَعِّدْ بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة، فمعناه المَحْو والغفران، ويقال: المراد بالمباعدة مَحْوُ ما حَصَل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجازٌ؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان، والمكان، قاله في «العمدة». وقال في «المنهل»: وفي هذا اللفظ مجازان: الأول: استعمال المباعدة في المعاني التي هي في الأصل تُسْتَعمل في الأجسام، الثاني: استعمالها في الإزالة بالكليّة مع أن أصلها لا يقتضي الزوال. انتهى . (كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) قال في «العمدة»: كلمة «ما» مصدرية تقديره: كتبعيدك بين المشرق والمغرب، ووجه الشبه أن التقاء المشرق والمغرب لَمّا كان مستحيلًا عادةً شُبِّه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق والمغرب. وقال الكرمانيّ: كرَّر لفظ «بين» في قوله: «وباعد بيني وبين خطاياي» ولم يكرره في قوله: «بين المشرق والمغرب»؛ لأنه إذا عُطِف على المضمر المجرور أعيد الخافض. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الكرمانيّ هو قول جمهور النحاة، ولا يلزم ذلك عند ابن مالك -﵀-، كما بيّنه في «خلاصته» حيث قال: وعَوْدُ خَافض لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمير خَفْض لازمًا قَدْ جُعلَا وَلَيْسَ عندي لَازمًا إذْ قدْ أَتَى … في النَّظْم وَالنَّثْر الصَّحيح مُثْبتَا قال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: «اللهم باعد بيني. . . إلخ» عبارة: إما عن مَحْوِها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من وقوعها، والعصمة منها، وفيه مجازان: أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل. والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى . (اللَّهُمَّ نَقِّنِي) بتشديد القاف، وهو من نَقّى يُنَقِّي تنقيةً، وهو مجاز عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها (مِنْ خَطَايَايَ) وفي رواية البخاريّ «من الخطايا» (كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) أي طَهِّرني من خطاياي، وأَزِلْها عني، كما يطهر الثوب الأبيض (مِنَ الدَّنَسِ) -بفتحتين- وهو الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض؛ لأن ظهور النَّقَاء فيه أشدّ وأكمل؛ لصفائه بخلاف غيره من الألوان. (اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ) -بفتح، فسكون-: ماءٌ ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جُمُوده. (وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ) -بفتح الراء- هو حَبُّ الغمام، وهو ماءٌ يَنزل من السماء جامدًا كالملح ثم يذوب على الأرض، أي طَهِّرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ. وذكر أنواع المطهِّرات المنزلة من السماء لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها . وقال الخطابيّ: هذه أمثالٌ ولم يُرَدْ بها أعيان هذه المُسَمَّيَات، وإنما أريد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب. وقال التوربشتيّ: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها بيانًا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث. وقال الطيبيّ -﵀-: يمكن أن يقال: ذِكْرُ الثلج والبرد بعد ذكر الماء يعني في رواية البخاريّ حيث قُدِّم الماء عليها؛ لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة، والتركيب من باب رأيته مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا، أي اغسل خطاياي بالماء: أي اغفرها، وزد على الغفران شمول الرحمة، طَلَبَ أوّلًا المباعدة بينه وبين الخطايا، ثم طَلَب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقيةً تامّةً، ثم سأل ثالثًا بعد الغفران غاية الرحمة عليه بعد التخلية. وقال الكرمانيّ -﵀-: والأقرب أن يقال: جَعَل الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فعَبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال المبرِّدات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج، وهو الْبَرَد، بدليل جموده؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد، وأما تثليث الدعوات، فَيَحْتَمِل أن يكون نظرًا إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: لَمّا كانت الذنوب تؤثّر في القلب دنسًا، وهو المذكور في قول تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، ويوجب للقلب احتراقًا طَلَب في هذا الدعاء المباعدة بينه وبينها على أقصى وجوه المباعدة، والمراد المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيويّة والأخرويّة، وربّما دخل فيه المباعدة بين ما قُدِّر منها ولم يَعمله بعدُ، فطَلَب مباعدته منه على نحو قوله: «أعوذ بك من شرّ ما عَمِلتُ، وما لم أعمل». وطَلَب أيضًا أن يُنقِّي قلبه من دنسها كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس. وطَلَب أيضًا إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم ما يوجد في الدنيا إنقاءً وتبريدًا، وهو الماء والثلج والبرد. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: «اللهم اغسلني. . . إلخ» يَحْتَمِل أمرين - بعد كونه مجازًا عما ذكرناه: أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنَّ الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء. الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الأشياء مجازًا عن صفة بقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فكل واحدة من هذه الصفات -أعني العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه يُنظَر إلى الأفراد، ويُجْعَل كل فرد من أفراد الحقيقة دالًا على معنى فرد مجازيّ، وفي الوجه الأول لا يُنظر إلى أفراد الألفاظ، بل تُجْعَل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بالحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنِّف) هنا [٢٧/ ١٣٥٧ و١٣٥٨] (٥٩٨)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٤٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٧٨١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٦٠)، و«الافتتاح» (٨٩٤ و٨٩٥)، وفي «الكبرى» (٦٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٨٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣١ و٤٩٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٨٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٢٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٦٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٧٥ و١٧٧٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٣٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٥٩٨ و١٥٩٩ و١٦٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٢٧ و١٣٢٨ و١٣٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٩٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥٧٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة في الصلاة، وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية. ٢ - (ومنها): جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية. ٣ - (ومنها): ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه -ﷺ- على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعتُرِض بكونه لو أراد ذلك لَجَهَر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة -﵁- عند البزار . ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من المحافظة على تتبع أحوال النبيّ -ﷺ- في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى حَفِظَ اللَّه ﷿ بهم الدين. ٥ - (ومنها): وفيه تفدية النبيّ -ﷺ- بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا، فليس خاصًا به -ﷺ-، وفيه خلاف تقدم بيانه في غير هذا المحلّ. ٦ - (ومنها): أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وذلك حيث شَبَّه محو الذنوب عن الشخص بمحو الأوساخ بهذه الآلات، فأفاد أن هذه الآلات تفيد الغسل الشرعيّ، وأنها مما يزال بها الأحداث والأخباث، قال في «الفتح»: واستبعده ابن عبد السلام، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل. انتهى. ٧ - (ومنها): ما قال الحافظ ابن رجب -﵀-: إنما كان يدعو في استفتاح الصلاة المكتوبة بهذا -واللَّه أعلم- لأن الصلوات الخمس تُكفّر الذنوب والخطايا كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فإقامة الصلوات المفروضات على وجهها يوجب مباعدة الذنوب، ويوجب أيضًا إنقاءها وتطهيرها، فإن مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جارٍ يُغتَسَل فيه كلَّ يوم خمس مرّات . ويوجب أيضًا تبريد الحريق الذي تُكسبه الذنوب وإطفاءه. أخرج الطبرانيّ من حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا: «تحترقون حتى إذا صلّيتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون حتى إذا صلّيتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون حتى إذا صلّيتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صلّيتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صلّيتم العشاء غسلتها» ، وقد روي موقوفًا، وهو أشبه. وخَرَّج أيضًا من حديث أنس -﵁- مرفوعًا: «إن للَّه ملكًا ينادي عند كلّ صلاة: يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم، فأطفئوها» . وأخرج الإسماعيليّ من حديث عمر بن الخطّاب -﵁- مرفوعًا: «يَحترقون، فإذا صلَّوا الصبح غَسَلت الصلاة ما كان قبلها»، حتى ذكر الصلوات الخمس. ولَمّا كانت الصلاة صِلَةً بين العبد وربّه، وكان المصلِّي يُناجي ربّه، وربُّهُ يُقرِّبه منه لم يَصلح للدخول في الصلاة إلا من كان طاهرًا في ظاهره وباطنه، ولذلك شُرِع للمصلِّي أن يتطهّر بالماء، فيُكفِّر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى المساجد، فيكفّر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كفّرته الصلاة. قال سلمان الفارسيّ -﵁-: الوضوء يكفِّر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفّر أكثر من ذلك، والصلاة تُكفّر أكثر من ذلك، أخرجه محمد بن نصر المروزيّ وغيره. فإذا قام المصلّي بين يدي ربّه في الصلاة، وشَرَع في مناجاته شُرِع له أوّلَ ما يناجي ربّه أن يسأل ربّه أن يباعد بينه وبين ما يوجب له البعد من ربّه، وهو الذنوب، وأن يُطهِّره منها؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها، من المعرفة والإنابة والمحبّة والخشية، فتصير صلاته ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر. وقد رُوي أنه -ﷺ- كان يستعيذ من صلاة لا تنفع، أخرجه أبو داود . وأخرج البزّار في «مسنده» بإسناد فيه ضعفٌ، عن سمرة بن جندب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول: «إذا صلَّى أحدكم فليقل: اللَّهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهمّ إني أعوذ بك أن يُصدّ عني وجهك يوم القيامة، اللَّهمّ نقّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللَّهمّ أحيني مسلمًا، وتوفّني مسلمًا» . وهذا حديث غريبٌ، والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام، فإن المصلّي قائم بين يدي اللَّه لمناجاته، فيحسن أن يستعيذ به من أن يُعرِض بوجهه عنه. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح: قال الإمام النوويّ -﵀- في «شرحه»: وفي حديث أبي هريرة -﵁- هذا دليل للشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- أنه يُستَحَبُّ دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في «الصحيح». وقال مالك -﵀-: لا يُستَحَب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى . وفي «شرح المهذب»: يُستَحَبّ لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبيّ، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة، والتابعون، فمن بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاِح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلًا، بل يقول: اللَّه أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخر الفاتحة، واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس -﵁-: «كان رسول اللَّه -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر -﵄- يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]»، مُتّفقٌ عليه. ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبيّ -ﷺ- إنما علّمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس -﵁- أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة -﵂-: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]» مُتَّفَقٌ عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صَرَّح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمةً؛ لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدَّم على النفي، واللَّه أعلم. وأما ما يُسْتَفْتَح به فيستفتح بـ «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض. . . إلخ»، وبه قال عليّ بن أبي طالب -﵁-. وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ «سبحانك اللهم وبحمدك. . . إلخ» الآتي، ولا يأتي بـ «وجهت وجهي». وقال أبو يوسف: يَجْمَع بينهما، ويبدأ بأيّهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعية. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث «وجهت وجهي» أميل. قال النوويّ: دليلنا أنه لم يثبت عن النبيّ -ﷺ- في الاستفتاح بـ «سبحانك اللهم» شيء، وثبت «وجهت وجهي»، فتعيّن اعتماده، والعمل به. انتهى كلام النوويّ -﵀- ببعض تصرف . وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀- بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رَوَيناه عن عمر، وابن مسعود -﵄-. وكان الشافعي يقول بحديث عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ -﵁-. وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك»، ومثل: «وجهت وجهي»، ومثل قوله: «اللَّه أكبر كبيرًا»، وما أشبه ذلك. فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي مَن عَمِل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كلّه ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو، وأصح ذلك إسنادًا حديث عليّ -﵁-، فإن لم يقله فكالذي رُوي عن عمر، وابن مسعود -﵄- يعني: «سبحانك اللَّهم وبحمدك». انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأصحّ في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة -﵁- المذكور في الباب، وهو: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي. . . إلخ» المتفق عليه، وأما «وجهت وجهي» الذي في حديث عليّ، فأخرجه مسلم فقط، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ -﵀-: ونقل الساجيّ عن الشافعيّ استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك. انتهى . وقال المجد ابن تيمية في «المنتقى»: واختيار هؤلاء الصحابة -﵃- يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ «سبحانك اللَّهم»، وجَهْرُ عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنّة إخفاؤه يدلّ على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبيّ -ﷺ- يداوم عليه غالبًا، وإن استَفْتَح بما رواه عليّ، أو أبو هريرة فحسن؛ لصحة الرواية. انتهى. قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: ولا يخفى أن ما صحّ عن النبيّ -ﷺ- أولى بالإيثار والاختيار، وأصحّ ما رُوي في الاستفتاح حديث أبي هريرة -﵁- يعني حديث الباب -ثم حديث عليّ -﵁- يعني: «وجّهت وجهي. . . إلخ»، وأما حديث عائشة وأبي سعيد الخدريّ -﵄- يعني حديثهما في استفتاح النبيّ -ﷺ-«بـ»سبحانك اللهم«- ففيه مقال. وقال الإمام أحمد -﵀-: أما أنا فاذهب إلى ما رُوي عن عمر، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما رُوي كان حسنًا. وقال ابن خزيمة -﵀-: لا أعلم في الافتتاح بـ«سبحانك اللهم»خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا، ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- ببعض تصرف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة المسألة أن دعوات الاستفتاح التي ثبتت عن رسول اللَّه -ﷺ- كما في حديث الباب، وغيره، يُسْتَحَبّ استعمالها في الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينها فحسن، وإن اقتصر على بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث أبي هريرة -﵁- المذكور في هذا الباب، وهو متّفقٌ عليه، ويليه حديث عليّ -﵁-:«وجهت وجهي»الآتي للمصنّف في أبواب قيام الليل، ويليه«سبحانك اللَّهم» عند أصحاب السنن، وأما قول مالك -﵀- بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الردّ عليه فيما سبق آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثمّ رأيت للحافظ ابن رجب -﵀- بحثًا استوفى فيه اختلاف المذاهب، وحججهم، أحببت إيراده هنا؛ تتميمًا للفائدة، وإن كان خلاصته تقدّم فيما مضى، قال -﵀-: حديث أبي هريرة -﵁- يعني المذكور في الباب- استَدَلّ به من يقول: إنه يستحبّ الاستفتاح بالذكر قبل الشروع في القراءة، وهو قول أكثر العلماء، ثم اختلفوا، فقال كثيرٌ منهم: يُستَحَبّ استفتاح الصلاة بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك»، صحّ هذا عن عمر بن الخطّاب، رُوي عنه من وجوه كثيرة، وعن ابن مسعود، ورُوي عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان بن عفّان، وعن الحسن، وقتادة، والنخعيّ، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق في رواية. وقد رُوي في ذلك أحاديث مرفوعةٌ من وجوه متعدّدة أجودها من حديث أبي سعيد، وعائشة -﵄-. وقال الإمام أحمد: نذهب فيه إلى حديث عمر، رُوي فيه وجوهٌ ليست بذاك، فذكر حديث عائشة، وأبي هريرة، فصرّح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قويّة، وأن الاعتماد على الموقوف على الصحابة؛ لصحّة ما رُوي عن عمر -﵁-. ورُوي عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي الخليل قال: سمعت عليًّا حين افتتح الصلاة قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني قد ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ورُوي عن ابن عمر أنه افتتح الصلاة، فقال: اللَّه أكبر كبيرًا، وسبحان اللَّه وبحمده بكرة وأصيلًا، اللهم أجعلك أحبّ شيء إليّ، وأخشى شيء عندي . وذهبت طائفة إلى الاستفتاح بقول: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا. . .» الآيات، وما بعده من الدعاء، أخرجه مسلم من حديث عليّ بن أبي طالب -﵁- أن النبيّ -ﷺ- كان يستفتح بذلك . وأخرجه الترمذيّ، وعنده أن النبيّ -ﷺ- كان يستفتح به في الصلاة المكتوبة، وفي إسناده مقال، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر كذلك، وأخرجه النسائيّ من رواية محمد بن مسلمة أن النبيّ -ﷺ- كان إذا قام يصلي تطوّعًا يقول ذلك. وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا: الشافعيّ وأصحابه، وإسحاق في رواية، ورُوي عن عليّ أنه كان يستفتح به من وجه منقطع. وظاهر كلام الشافعيّ وبعض أصحابه أنه يستفتح به كلّه الإمام وغيره، وقال كثير من أصحابه: يقتصر الإمام على قوله: «وأنا من المسلمين». وقالت طائفة: يجمع بين قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك»، وقوله: «وجّهت وجهي»، وهو قول أبي يوسف، وإسحاق في رواية، وطائفةٍ من الشافعيّة، منهم أبو إسحاق المروزيّ، وطائفة قليلة من الحنابلة، وقد ورد في الجمع بينهما أحاديث غير قويّة الأسانيد. وكلُّ هذا على وجه الاستحباب، فلو لم يستفتح الصلاة بالذكر، بل بدأ بالقراءة صحّت صلاته، ولو استفتح بشيء مما ورد حصلت به سنّة الاستفتاح عند الإمام أحمد وغيره من العلماء، ولو كان الأفضل عند بعضهم غيره. وقال أحمد في رواية الميمونيّ: ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح -يعني الحديث الذي أخرجه الشيخان ها هنا- فقيل له: إن بعض الناس يقول: هذا كلام، فقال متعجّبًا: وهل الدعاء إلا كلام في الصلاة ويجوز؟ والمنكر لهذا هو من يقول من الكوفيين: إنه لا يجوز الدعاء في الصلاة إلا بلفظ القرآن. فأما الثناء على اللَّه، فمتّفقٌ على جوازه في الصلاة، وهذا مما يُرجَّح به الاستفتاح بـ «سبحانك اللَّهمّ وبحمدك»؛ لاشتماله على أفضل الكلام، فإنه إذا جُمع مع التكبير صار متضمِّنًا لقول: «سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر»، وقد قال النبيّ -ﷺ- فيهنّ: «إنهنّ أفضل الكلام بعد القرآن». وذهب طائفةٌ قليلةٌ إلى أن من ترك الاستفتاح عمدًا أعاد صلاته، منهم: ابن بطّة من الحنابلة، وربّما حُكي عن أحمد. وقال الحكم: إذا قال: سبحان اللَّه حين يفتتح الصلاة، والحمد للَّه أجزأه، وهذا يشعر بوجوبه. وقال إسحاق: إن تركه عمدًا فهو مسيءٌ، ولا يتبيّن لي إيجاب الإعادة؛ لما ذُكر في غير حديثٍ أن النبيّ -ﷺ- كان إذا كبّر قرأ فاتحة الكتاب. وحكى الترمذيّ عن بعض أهل الكوفة أن حديث عليّ بن أبي طالب يُعمَلُ به في التطوّع دون الفريضة. وقال أحمد في رواية ابن منصور: أنا أذهب إلى قول عمر ، وإن قال كما رُوي عن النبيّ -ﷺ- فلا بأس، وعامّة ما قال في صلاة الليل. وقال الوليد بن مسلم: ذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز، فأخبرني عن المشيخة أنهم كانوا يقولون هؤلاء الكلمات حين يُقبلون بوجوههم إلى القبلة قبل تكبيرة الاستفتاح -يعني وجّهت وجهي- قال: ثم يُتبعون تكبيرة الاستفتاح: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك إلى آخره. وذهب مالك إلى أنه لا يُشرَع الاستفتاح في الصلاة، بل يُتْبِع التكبير بقراءة الفاتحة، وحكاه الإمام أحمد في رواية حنبل، عن ابن مسعود وأصحابه، وهذا غريبٌ. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق أن ذكرت أن الصحيح مذهب الجمهور، وهو استحباب الافتتاح بالدعوات التي صحّت عن النبيّ -ﷺ-، وأن من قال بعدم مشروعيّة ذلك، فليس عنده حجة مقنعة، فتمسّك بما صحّ من الحجج، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ ابن رجب -﵀-: ومما يُستحبّ الإتيان به قبل القراءة في الصلاة التعوّذ عند جمهور العلماء، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، والمعنى: إذا أردت القراءة، هكذا فسّر الآية الجمهور. وحُكي عن بعض المتقدّمين، منهم: أبو هريرة، وابن سيرين، وعطاء التعوّذ بعد القراءة. قال ابن رجب -﵀-: والمرويّ عن ابن سيرين قبل قراءة أم القرآن وبعدها، فلعلّه كان يستعيذ لقراءة السورة كما يقرأ البسملة لها أيضًا. وقد جاءت الأحاديث بأن النبيّ -ﷺ- كان يتعوّذ قبل القراءة في الصلاة، فرَوَى عَمرو بن مرّة، عن عاصم الْعَنَزيّ، عن ابن جبير بن مُطعِم، عن أبيه أنه رأى النبيّ -ﷺ- يصلّي صلاة، قال: «اللَّه أكبر كبيرًا، اللَّه أكبر كبيرًا، اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، سبحان اللَّه بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، من نفخه، ونَفْثه، وهَمْزه»، قال: نفثُهُ: الشِّعْرُ، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه»، والحاكم، وصحّحه . وابن جبير هو نافع، وقع مسمّى في رواية كذلك، وعاصم الْعَنَزيّ قال أحمد: لا يُعرف، وقال غيره: رَوى عنه غير واحد، ذكره ابن حبّان في «الثقات». ورَوَى عطاء السائب، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- أنه كان إذا دخل في الصلاة يقول: «اللَّهمّ إني أعوذ بك من الشيطان، وهمزه، ونفخه، ونفثه»، رواه ابن ماجه، والحاكم، وهذا لفظه، وقال: صحيح الإسناد، فقد استشهد البخاريّ بعطاء بن السائب . ورَوَى عليّ بن عليّ الرِّفاعيّ، عن أبي المتوكّل، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر، ثم يقول: «أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» ، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وقال: كان يحيى بن سعيد يتكلّم في عليّ بن عليّ، وقال أحمد: لا يصحّ هذا الحديث. قال ابن رجب -﵀-: كذا قال، وإنما تكلّم فيه يحيى بن سعيد من جهة أنه رماه بالقدر، وقد وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وقال أحمد: لا بأس به، إلا أنه رفع أحاديث، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، ولا يُحتجّ بحديثه. وإنما تكلّم أحمد في هذا الحديث؛ لأنه رُوي عن عليّ بن عليّ، عن الحسن مرسلًا، وبذلك أعاد أبو داود، وأخرج في «مراسيله» من طريق عمران بن مسلم، عن الحسن أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا قام من الليل يريد أن يتهجّد يقول قبل أن يكبّر: «لا إله إلا اللَّه، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر كبيرًا، اللَّه أكبر كبيرًا، أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»، ثم يقول: «اللَّه أكبر». وفي الباب أحاديث أُخَر مرفوعة فيها ضعفٌ، واعتماد الإمام أحمد على المرويّ عن الصحابة -﵃- في ذلك، فإنه رُوي التعوّذ قبل القراءة في الصلاة عن عمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة -﵃-، وهو قول جمهور العلماء، كما تقدّم، والجمهور على أنه غير واجب. وحُكي وجوبه عن عطاء، والثوريّ، وبعض الظاهريّة، وهو قول ابن بطّة من الحنبليّة. والجمهور على أنه يُسرّه في الصلاة الجهريّة، وهو قول ابن عمر، وابن مسعود، والأكثرين. ورُوي عن أبي هريرة الجهر به، وللشافعيّ قولان، وعن ابن أبي ليلى الإسرار والجهر سواء. واختلفوا هل يختصّ التعوّذ بالركعة الأولى، أم يُستحبّ في كلّ ركعة؟ على قولين: أحدهما: يُستحبّ في كلّ ركعة، وهو قول ابن سيرين، والحسن، والشافعيّ، وأحمد في رواية. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي هذا المذهب أرجح؛ لظاهر النصّ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ لأن كلّ ركعة لها قراءةٌ مستقلّةٌ، واللَّه تعالى أعلم. والثاني: أنه يختصّ بالركعة الأولى، وهو قول عطاء، والحسن، والنخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه، وقال هشام بن حسّان: كان الحسن يتعوّذ في كلّ ركعة، وكان ابن سيرين يتعوّذ في كلّ ركعتين. وذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يتعوّذ في الصلاة المكتوبة، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة، ولا بسملة، واستدلّوا بظاهر حديث أنس -﵁-: كان النبيّ -ﷺ- يفتتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، متّفقٌ عليه. ويُجاب عنه بأنه إنما أراد أنه يفتتح قراءة الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وافتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ إما أن يراد به افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يقوله الشافعيّ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهريّة بكلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ من غير بسملة كما يقوله الآخرون، ودلّ عليه حديث أنس -﵁- الذي أخرجه مسلم صريحًا. وعلى التقديرين فلا ينفي ذلك أن يكون يقول قبل القراءة ذكرًا، أو دعاءً، أو استفتاحًا، أو تعوّذًا، أو بسملةً، فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح القراءة بالفاتحة، أو افتتح الجهر بالقراءة بكلمة ولا يمكن حمل الحديث على أنه كان أول ما يفتتح به الصلاة قراءة كلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ فإنه لو كان كذلك لكان لا يفتتح الصلاة بالتكبير، وهذا باطلٌ، غير مراد قطعًا. انتهى كلام ابن رجب -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، رمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. ٤ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ، البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٥ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) الضمير لمحمد بن فُضيل، وعبد الواحد بن زياد. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) اسم الإشارة يعود إلى إسناد عمارة بن القعقاع الماضي. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ) يعني أن حديث ابن فضيل، وعبد الواحد كلاهما عن عمارة بن القعقاع بمعنى حديث جرير بن عبد الحميد عنه. [تنبيه]: أما رواية عبد الواحد بن زياد، عن عمارة التي أحالها المصنّف -﵀- هنا على رواية جرير، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٧٤٤) حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدّثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدّثنا أبو زرعة، قال: حدّثنا أبو هريرة، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتةً، قال -أحسبه قال: هُنَيّةً- فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد». انتهى. وأما رواية محمد بن فُضيل، عن عمارة بن القعقاع التي أحالها المصنّف -﵀- هنا على رواية جرير، عنه، فقد ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه»، فقال: (٨٠٥) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعليّ بن محمد قالا: حدّثنا محمد بن فُضيل، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، فأخبرني ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٣٤)

١. بضم العين المهملة، وتخفيف الميم.

٢. بضم الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، وضمّ الراء.

٣. راجع: «لسان العرب» ١٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧.

٤. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٣٢.

٥. «عمدة القاري» ٥/ ٢٩٤.

٦. «إحكام الأحكام» ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩.

٧. «عمدة القاري» ٥/ ٢٩٤.

٨. «المنهل العذب المورود» ٥/ ١٩٤.

٩. «عمدة القاري» ٥/ ٣٣.

١٠. «إحكام الأحكام» ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.

١١. راجع: «المنهل العذب المورود» ٥/ ١٩٤.

١٢. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٣٣.

١٣. «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٣٧٣.

١٤. «إحكام الأحكام» ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.

١٥. لكن في إسناده ضعفًا، فتنبّه.

١٦. متّفقٌ عليه.

١٧. «الأوسط» للطبرانيّ (٩٤٥٢).

١٨. رواه محمد بن نصر ١/ ١٥٧ بمعناه.

١٩. «سنن أبي داود» (١٥٤٩).

٢٠. راجع: «كشف الأستار» (٥٢٣).

٢١. «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٦.

٢٢. «شرح النوويّ» ٥/ ٩٦ - ٩٧.

٢٣. «المجموع» ٣/ ٣٢١ - ٣٢٢.

٢٤. «الفتح»٢/ ٤٧٢.

٢٥. «نيل الأوطار» ٣/ ٣٦.

٢٦. أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.

٢٧. أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٣.

٢٨. «صحيح مسلم» في «أبواب صلاة الليل» رقم (٧٧١).

٢٩. وقع في النسخة «ابن عمر»، وهو تصحيف، فقد تقدّم قول أحمد: نذهب إلى حديث عمر، فتنبّه

٣٠. «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٣٧٦ - ٣٨٨.

٣١. لكنه ضعيف؛ لجهالة عاصم العنزيّ، كما سيأتي عن أحمد -﵀-.

٣٢. لكن عطاء مختلطٌ، وروى عنه محمد بن فُضيل بعد الاختلاط، وهذا من روايته، وفي سماع أبي عبد الرحمن السلميّ من ابن مسعود كلام، فتنبّه.

٣٣. وصححه الشيخ الألباني. انظر: «صفة صلاة النبيّ -ﷺ-» (ص ٩٥).

٣٤. «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٤٢٨ - ٤٣٢.