«صحيحه» (٤٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٦١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٦٠٢ و١٦٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٣١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٣٣ و٦٣٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يقال بين التكبير والقراءة من الأذكار.
٢ - (ومنها): بيان ما أكرم اللَّه -﷿- به هذا الصحابي الجليل -﵁- حيث ألهمه هذا الذكر العظيم القدر.
٣ - (ومنها): أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضًا لشرفها، وعظيم منزلتها عند اللَّه تعالى.
٤ - (ومنها): بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦١] (٦٠١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟»، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبله.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) اسم أبيه ميسرة، أو سالم، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن عُتْبَة بن مسعود الهُذَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الزاهد، أخو عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة الفقيه، ثقة عابد، من [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمّ أبيه عبيد اللَّه بن مسعود مرسلًا، وأخيه عبيد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، والشعبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه حمزة، والمسعوديّ، وأبو العُميس، وابن عجلان، والزهريّ، وقتادة، وعمرو بن مرّة، وأبو الزبير، ومسعرٌ، وآخرون.
قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والمصنف: ثقة، وقال ابن المديني: قال عون: صلّيت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد اللَّه، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقةً كثير الإرسال. وقال الأصمعيّ، عن أبي نَوْف الهذلي، عن أبيه: كان من آدبِ أهل المدينة، وأفقههم، وكان مرجئًا، ثم رَجَع عن ذلك، وقال أبياتًا في ذلك [من الوافر] منها:
لأوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكِّ … نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا
وَقَالُوا مُؤمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرٍ … وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِجَائِرِينَا
وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالٌ … وَقَدْ حَرُمَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمينَا
ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان بنَصِيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صَحِب عمر بن عبد العزيز في خلافته، وكانت له منه منزلة، وخرج جرير، فأقام بباب عمر بن عبد العزيز، فطال مقامه، فكتب إلى عون بن عبد اللَّه [من البسيط]:
يَا أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ … هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي
أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إنْ كُنْتَ لاقِيَهُ … أَنّي لَدَى الْبَابِ كَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ
وقال ابن عيينة، عن أبي هارون موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدّثنا، ولحيته تَرْتَشُّ بالدموع، وعن المسعوديّ: قال عون بن عبد اللَّه: إن من كان
قبلنا كانوا يجعلون لدنياهم ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم، وعن ابن عجلان: كان عون بن عبد اللَّه يقول: اليوم المِضْمَار، وغدًا السّبَاق، والسُّبْقَة الجنة، والغاية النار، فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون الجنة، وبالأعمال تقتسمون المنازل. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عُبّاد أهل الكوفة، وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سَمِع منه، وقد أدرك أبا جُحَيفة. وقال البخاريّ: سمع أبا هريرة، وابن عمرو.
ذكره البخاريّ فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة.
أخرج له الجماعة إلا البخاري، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٠١) و(١٥٩٩) و(٢٧٦٧) و(٣٠٢٧).
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -﵄-، تقدم في تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزبير، عن عون، وهو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم الكلام عليها غير مرّة (نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) الظاهر أنه غير الرجل الذي سبق في حديث أنس -﵁-، كما هو واضح من اختلاف صِيَغ أذكارهما (اللَّهُ كبَرُ) مبتدأ وخبر. قال القاري: أي أكبر من أن يُعْرَف كنه كبريائه وعظمته، أو من أن يُنسَب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء.
وفي «الغريبين»: قيل: معناه اللَّه كبير، وبَيَّنَ بعض المحققين أن «أفعل» قد يقطع عن متعلِّقه، قصدًا إلى نفس الزيادة، وإفادة المبالغة، ونظيره: فلان يُعطِي، ويَمْنَع، أي توجد حقيقتهما فيه، وإفادة المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف، وانتهى أمره فيه إلى أن لا يُتَصَوَّر له من يشاركه فيه، وعلى هذا يُحْمَل كلُّ ما جاء من أوصاف الباري جلّ وعلا، نحو: «أعلم».
وقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلًا في صفاته تعالى سواء؛ لأنه لا يراد بـ «أكبر» إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، فكان «أفعل» بمعنى «فعيل».
لكن في «المغرب»: اللَّه أكبر من كلّ شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف.
ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحدًا في صفاته أن المراد من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه، وذلك بأن يكون كل ما سواه بالنسبة إليه ليس بكبير، وهذا المعنى هو المراد بأكبر فتدبر، ولكن لَمّا كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوّز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال: اللَّه أكبر، قاله القاري في «المرقاة».
(كَبِيرًا) منصوب بفعل محذوف، أي أُكَبِّرُ كبيرًا، أو على أنه صفة لمحذوف، أي تكبيرًا كبيرًا، أو حال مؤكدة للجملة، قاله في «المنهل».
وقال القرطبيّ -﵀-: قيل: هو منصوب على إضمار الفعل، أي كبّرت كبيرًا، وقيل: على القطع، وقيل: على التمييز. انتهى .
(وَالْحَمْدُ للَّهِ) مبتدأ وخبرٌ أيضًا (كثِيرًا) نعت لمصدر محذوف، أي حمدًا كثيرًا.
(وَسُبْحَانَ اللَّهِ) قال الأزهريّ -﵀-: «سبحان اللَّه» معناه تنزيهًا للَّه من الصاحبة والولد، وقيل: تنزيهُ اللَّه تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به، ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحًا له، تقول: سبحتُ اللَّه تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا.
(بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية،
والعامل «سبحان»، وخَصَّ هذين الوقتين بالذكر؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره الأبهريّ، وصاحب «المفاتيح».
ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيهَ اللَّه تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون.
وقال الطيبيّ: الأظهر أنه يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قاله القاري -﵀-.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟») أراد بالكلمة الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغةً، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارةً إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ الآية [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقال ابن مالك في «خلاصته»:
. . . . . . . . . . . . . . … كِلْمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
وإنما سأله النبيّ -ﷺ- بيانًا لِعِظَم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه، فيقولوا مثل قوله، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية النسائيّ: «فقال رجل: أنا يا نبي اللَّه» (قَالَ) -ﷺ- («عَجِبْتُ) بكسر الجيم، من باب تَعِبَ، يقال: عَجِبتُ من الشيء، عَجَبًا، وتعجّبتُ، واستعجبتُ، وهو شيء عجيبٌ، أي يُتعجَّب منه، قال بعض النحاة: التعجّب: انفعال النفس لزيادة وصفٍ في المتعجَّب منه، نحو ما أشجعه . (لَهَا) أي لهذه الكلمة (فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول (لَهَا) أي لأجلها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ») أي حتى تصعد إلى اللَّه تعالى، كما قال -﷿-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية.
وفي رواية للنسائيّ من طريق عمرو بن مرّة، عن عون بن عبد اللَّه: «فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا».
(قَالَ) وفي نسخة: «وقال» بالواو (ابْنُ عُمَرَ) -﵄- (فَمَا) نافيةٌ (تَرَكْتُهُنَّ) أي هؤلاء الكلمات (مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: «من رسول اللَّه -ﷺ-» بزيادة «من» (يَقُولُ ذَلِكَ) أي الفضل المذكور.