HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦١٢

حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ) حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ. ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلى نصف الليل».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص104
ج ١ ص ٤٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٣٨٩
الشمس ظاهر في حجرتي، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٧] (٦١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في«الإيمان»٨/ ١٣٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وسكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٠. ٦ - (أَبُو أَيُّوبَ) الْمَرَاغيّ الأزديّ الْعَتَكِيّ البصريّ، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، يقال: إن الْمَرَاغَ: قبيلة من الأزد، ويقال: موضع بناحية عُمَان، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وسَمُرة بن جُنْدب، وأبي هريرة، وابن عباس، وجُويرية بنت الحارث. ورَوَى عنه ثابت البنانيّ، وقتادة، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وأسلم العجليّ، وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبَّان في«الثقات»، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقةً مأمونًا. وقال أبو حاتم: مات في ولاية الحجاج على العراق، وقال خليفة: مات بعد الثمانين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) وكرره في هذا الباب أربع مرّات، و(٢٦١٢):«إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه. . .»، وكررّه ثلاث مرّات. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمَّد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة ليالي الحرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في«المقدمة» ٤/ ١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنَّه من سداسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي غسّان، فانفرد به هو وأبو داود، وأبي أيوب الأزديّ، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنَّه مسلسل بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن أبي أيوب الأزديّ. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة المذكورين في قول السيوطيّ في «ألفية الحديث»: وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَال لَهْ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص -﵄- (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ) أي صلاة الفجر (فَإِنَّهُ) أي ذلك الوقت (وَقْتٌ) أي وقت صالح للصلاة فيه، ولا تُمنع فيه الصلاة. قال الأبيّ -﵀-: ليس في الحديث بيان لأول أوقات هذه الصلوات المذكورة، وإنما فيه بيان أواخرها، فأول وقت الصبح طلوع الفجر، وهو البياض المنتشر في الأُفُق من القبلة إلى الشمال، لا المنتشر من المشرق إلى المغرب؛ لأنَّ ذلك هو الفجر الكاذب. [فإن قلت]: القياس أن يكون هو المعتبر؛ لأنَّ الفجر هو البياض السابق بين يدي طلوع الشمس، وهي إنما تطلع من المشرق صاعدةً إلى المغرب، فقياس فجرها أن يكون كذلك. [قلت]: الفجر الصادق هو البياض السابق بين يدي طلوعها، وهو أيضًا إنما يطلع من المشرق صاعدًا إلى المغرب، لكن لاتّساع دائرته يُتوهَّم أنَّه من القبلة إلى الشمال، وقلنا: لاتّساع دائرته؛ لأنَّ الدوائر ثلاثةٌ: دائرة قُرْص الشمس، ودائرة الحمرة المحيطة بها، ودائرة البياض المحدق بالحمرة المذكورة، وهو السابق بين يدي طلوع الشمس المسمّى بالفجر. انتهى . (إِلَى أَنْ يَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قعد (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي قوسها الأعلى، وقال الأبّيّ -﵀-: ما بعد «إلى» هنا غير داخل؛ للقرينة، قال: وقرن الشمس الأولُ: هو أول ما يبدو منها، واحترز به عما يلي الأرض، وهو حجة على الإصطخريّ في قوله: آخر وقتها الإسفار البَيِّن . وقال النوويّ: معنى قوله: «فإنَّه وقتٌ»: أي وقتٌ لأداء الصبح، فإذا طلعت الشمس فقد خرج وقت الأداء، وصارت قضاءً، ويجوز قضاؤها في كل وقت. وفي هذا الحديث دليل للجمهور أن وقت الأداء يمتدّ إلى طلوع الشمس، قال أبو سعيد الإصطخريّ من أصحابنا: إذا أسفر الفجر صارت قضاءً بعده؛ لأنَّ جبريل -﵇- صلّى في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: الوقت ما بين هذين. ودليل الجمهور هذا الحديث، قالوا: وحديث جبريل -﵇- لبيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الجواز؛ للجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة في امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، إلا الصبح، وهذا التأويل أولى من قول من يقول: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل -﵇-؛ لأنَّ النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل، ولم نَعْجِز في هذه المسألة، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . (ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ) أي يدخل وقت صلاة العصر. قال النوويّ -﵀-: معنى قوله: «فإنَّه وقتٌ»: أي وقت لأداء الظهر، وفيه دليل للشافعيّ -﵀- وللأكثرين أنَّه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر. وقال مالك -﵀-، وطائفة من العلماء: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر، بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداءً، واحتجُّوا بقوله -ﷺ- في حديث جبريل -﵇-: «صلّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلّى بي العصر في اليوم الأوّل حين صار ظل كل شيء مثله»، فظاهره اشتراكهما في قدر أربع ركعات. واحتجّ الشافعيّ، والأكثرون بظاهر الحديث الذي نحن فيه، وأجابوا عن حديث جبريل -﵇- بأن معناه: فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأوّل حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما، فهذا التأويل متعين؛ للجمع بين الأحاديث، وأنه إذا حُمِل على الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولًا؛ لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شيء مثله، لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ يكون آخر وقت الظهر مجهولًا، ولا يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ما تأولناه حصل معرفة آخر الوقت، وانتظمت الأحاديث على اتفاق، وباللَّه التوفيق. انتهى. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ) أي تتغيّر (الشَّمْسُ) قال النوويّ -﵀-: معناه: فإنَّه وقت لأدائها بلا كراهة، فإذا اصفرّت صار وقت كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس؛ للحديث السابق: «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». وفي هذا الحديث ردٌّ على أبي سعيد الإصطخريّ في قوله: إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاءً، وقد تقدم قريبًا الاستدلال عليه. قال أصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى-: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها، ووقت الاختيار يمتدّ إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حالة الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر وهو وقت الظهر في حقّ من يَجْمَع بين الظهر والعصر لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداءً، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاءً، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو بحثٌ مفيدٌ. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ) أي يغيب من الأفق، والمراد بالشفق هو الأحمر على الأصحّ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف العلماء في معنى الشفق في المسألة الحادية عشرة -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن وقت المغرب يمتدّ إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنَّه ليس لها إلا وقت واحدٌ، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذِّن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاءً. وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح، أو الصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل -﵇- حين صلّى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أنَّه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جارٍ في كل الصلوات سوى الظهر. [والثاني]: أنَّه متقدِّم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. [والثالث]: أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبريل -﵇-، فوجب تقديمها، فهذا مختصر ما يتعلق بوقت المغرب. قال: وقد بسطت في «شرح المهذب» دلائله، والجواب عن ما يوهم خلاف الصحيح، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ -﵀-: معناه: وقت لأدائها اختيارًا أما وقت الجواز فيمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث أبي قتادة -﵁- الذي ذكره مسلم بعد هذا في «باب من نسي صلاةً، أو نام عنها»: «أنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». وقال الإصطخريّ -﵀-: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاءً، ودليل الجمهور حديث أبي قتادة -﵁-. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الإصطخريّ: هو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٨٧ و١٣٨٨ و١٣٨٩ و١٣٩٠ و١٣٩١ و١٣٩٢] (٦١٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٣٩٦)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٢٢)، و«الكبرى» (١٥٠٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٢٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢١٠ و٢١٣ و٢٢٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٢٦)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (١٤٧٣)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ١٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٢٥ و١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٦٣ و١٣٦٤ و١٣٦٥ و١٣٦٦ و١٣٦٧ و١٣٦٨)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٦٥ و٣٦٦ و٣٦٧ و٣٧١ و٣٧٤ و٣٧٨)، و(ابن حزم) في «المحلَّى» (٣/ ١٦٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان آخر وقت صلاة الفجر، وهو طلوع قرن الشمس الأوّل، وهذا بالإجماع، إلا قولًا لا يعتدّ به، كما يأتي في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان آخر وقت الظهر، وأنه لا فصل بين الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما على الراجح، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان آخر وقت العصر، وهو اصفرار الشمس، وهذا هو وقت الاختيار، على الراجح، كما سيأتي تحقيقه أيضًا. ٤ - (ومنها): بيان آخر وقت المغرب، وهو غروب الشفق الأحمر، وهذا هو القول الصحيح، كما سيأتي تحقيقه أيضًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٥ - (ومنها): بيان آخر وقت العشاء، وهو نصف الليل، على القول الصحيح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي تحقيقه أيضًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في وقت صلاة الفجر: قال النوويّ -﵀-: صلاة الصبح من صلوات النهار، وأول النهار طلوع الفجر الثاني، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافّة، إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: ما بين طلوع الشمس والفجر، لا من الليل ولا من النهار، بل زمن مستقل، فاصل بينهما، قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل، ولا في النهار. وحَكَى الشيخ أبو حامد أيضًا عن حذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي مِجْلَزٍ، والأعمش أنهم قالوا: آخر الليل طلوع الشمس، وهو أول النهار، قالوا: وصلاة الصبح من صلوات الليل، قالوا: وللصائم أن يأكل حتى تطلع الشمس، هكذا نقله أبو حامد عن هؤلاء، ولا أظنه يصح عنهم. وقال القاضي أبو الطيب، وصاحب «الشامل»: وحُكي عن الأعمش أنَّه قال: هي من صلوات الليل، وإن ما قبل طلوع الشمس من الليل؛ يحل فيه الأكل للصائم، قالا: وهذه الحكاية بعيد صحتها مع ظهور تحريم الأكل بطلوع الفجر في كل عصر مع ظاهر القرآن، فإن احتُجَّ له بقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وآية النهار هي الشمس، فيكون النهار من طلوعها، وبقول أمية بن أبي الصلت [من الكامل]: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَمْرَاءَ تُبْصَرُ لَوْنُهَا تَتَوَقَّدُ فالجواب: أنَّه يثبت كونه من النهار بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وبإجماع أهل الأعصار على تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر. وثبت في حديث جبريل -﵇- أن النبيّ -ﷺ- قال: «ثمَّ صلّى الفجر حين برق الفجر، وحَرُمَ الطعامُ على الصائم»، وهو حديث صحيح، كما سبق. وفي «الصحيحين» أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن بلالًا يُؤَذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، والليل لا يصح الصوم فيه بإجماع المسلمين. وأما الجواب عن الآية التي احتج له بها، فليس فيها دليل؛ لأنَّ اللَّه تعالى أخبر أن الشمس آية للنهار، ولم يَنْفِ كون غيرها آية، فإذا قامت الدلائل على أن هذا الوقت من النهار وجب العمل بها، ولأن الآية العلامة، ولا يلزم أن يقارن جميع الشيء، كما أن القمر آية الليل، ولا يلزم مقارنته لجميع الليل. وأما الشِّعْر، فقد نقل الخليل بن أحمد إمام اللغة أن النهار هو الضياء الذي بين طلوع الفجر، وغروب الشمس، وحينئذ يحمل قول الشاعر أنَّه أراد قريب آخر كل ليلة، لا آخرها حقيقة. [فإن قيل]: فقد رُويَ عن النبيّ -ﷺ-: «صلاة النهار عَجْمَاءُ». [قلنا]: قال الدارقطني، وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبيّ -ﷺ-، ولم يُرْوَ عنه، وإنما هو قول بعض الفقهاء، قال الشيخ أبو حامد: وسألت عنه أبا الحسن الدارقطنيّ، فقال: لا أعرفه عن النبيّ -ﷺ- صحيحًا، ولا فاسدًا، مع أن المراد معظم صلوات النهار، ولهذا يُجْهَر في الجمعة والعيد، واللَّه أعلم. واحتج الأصحاب على من قال: إن ما بين الفجر والشمس، لا من الليل ولا من النهار، بقول اللَّه تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]، فَدَلَّ على أنَّه لا فاصل بينهما، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الإمام النوويّ -﵀-: قال أصحابنا -يعني الشافعية-: الفجر فجران: أحدهما: يُسَمَّى الفجر الأوّل، والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأوّل يَطْلُع مستطيلًا نحو السماء، كذَنَب السِّرْحَان -وهو الذئب- ثمَّ يغيب ذلك ساعةً، ثمَّ يطلع الفجر الثاني الصادق مستطيرًا -بالراء- أي منتشرًا عرضًا في الأفق. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني؛ فيه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل، ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر الأوّل شيء من الأحكام بإجماع المسلمين، قال صاحب «الشامل»: سمي الأوّل كاذبًا؛ لأنه يضيء ثمَّ يَسْوَدُّ ويذهب، وسمي الثاني صادقًا؛ لأنه صَدَقَ عن الصبح، وبَيَّنَهُ. ومما يُسْتَدَلُّ به من الحديث للفجرين حديث ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «لا يمنعن أحدكم -أو واحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنَّه يؤذن -أو ينادي- بليل، ليَرْجِعَ قائمكم، ولينتبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- هكذا -وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأها إلى أسفل- حتى يقول هكذا؛ وقال بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثمَّ مَدَّهما عن يمينه وشماله»، رواه البخاري ومسلم. وعن سمرة -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا العارض، لعمود الصبح، حتى يستطير»، رواه مسلم، ورواه الترمذيّ عنه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق»، قال الترمذي: حديث حسن. وعن طلق بن عليّ -﵁- أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: «كلوا، واشربوا، ولا يَهِيدَنَّكُم الساطع المصعد، وكلوا، واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، قال: والعمل عليه عند أهل العلم أنَّه لا يحرم الأكل والشرب على الصائم حتى يكون الفجر المعترض، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في وقت صلاة الظهر: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: أجمع علماء المسلمين في كل عصر، وفي كل مصر بلغنا عنهم أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن كَبِد السماء، ووسط الْفَلَك إذا استُوقِن ذلك في الأرض بالتفقد والتأمل، وذلك ابتداء زيادة الظل بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف جميعًا، وإن كان الظل مخالفًا في الصيف له في الشتاء، وهذا إجماع من علماء المسلمين كلهم في أول وقت الظهر، فإذا تبيّن زوال الشمس بما ذكرنا، أو بغيره فقد حَلّ وقت الظهر، وذلك ما لا خلاف فيه، وذلك تفسير لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودلوكها ميلها عند أكثر العلماء، ومنهم من قال: غروبها، واللغة محتملة للقولين، والأول أكثر. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق. ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة في هذا الباب وغيره، وكلها أحاديث صحيحة. وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله، غير ظل الزوال الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلًا به، ولا اشتراك بينهما، قال: هذا مذهبنا -يعني الشافعية- وبه قال الأوزاعيّ، والثوريّ، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد. وقال عطاء، وطاوس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس. وقال إسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، والمزنيّ، وابن جرير: إذا صار ظله مثله فقدر أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثمَّ يتمحض الوقت للعصر. وقال مالك: إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بيّنة خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية: أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرًا كان أول وقت العصر. قال أبو الطيب: قال ابن المنذر: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة. واحتجَّ من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس -﵄- عند أبي داود وغيره، ففيه قال: «فصلّى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلّى فيه العصر في اليوم الأوّل»، وعن ابن عباس -﵄- أيضًا، قال: «جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر» رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: «جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف، ولا مطر»، فدل على اشتراكهما، قالوا: ولأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر. واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄- أن نبي اللَّه -ﷺ- قال: «إذا صليتم الفجر، فإنَّه وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان الأوّل، ثمَّ إذا صليتم الظهر، فإنَّه وقت إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم العصر، فإنَّه وقت إلى أن تصفرّ الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنَّه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل» رواه مسلم من طرُق كثيرة، وفي بعضها: «وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر». واحتجّوا أيضًا بحديث أبي موسى -﵁- الآتي في هذا الباب، قال فيه؛ في صلاة الظهر في اليوم الثاني: «ثمَّ أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس»، ثمَّ قال في آخره: «الوقت ما بين هذين»، وهذا نصّ في أن وقت الظهر لا يمتدّ وراء ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك. وبحديث أبي قتادة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، رواه مسلم في جملة حديث طويل. وأجابوا عن قوله -ﷺ-: «صلّى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله، وصلّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله» بأن معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حمل على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر، ولَفَات بيانه، وقد قال في آخر الحديث: «الوقت بين هذين». قال الشيخ أبو حامد -﵀-: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر، فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته، ونظير ما تأولنا عليه لفظ الحديث قول اللَّه تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] المراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد: إذا انتهى إليه، وإن لم يدخله، وبلغه: إذا دخله. وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين: أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع، وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعمرو بن دينار، كما في «صحيح مسلم» وغيره. الثاني: أنه جمع بعذر: إما بمطر، وإما بمرض، عند من يقول به. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذين التأويلين نظر لا يخفى، وسنحققه عند شرح هذا الحديث -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ -﵀-: وأما قولهم: زيد في الصلاة على بيان جبريل، فتلك الزيادات ثبتت بنصوص، ولا نصّ هنا في الزيادة، ولا مدخل للقياس. واحتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر -﵄- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا، قال اللَّه تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء»، رواه البخاري، ومسلم. قالوا: فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله. واحتجوا بأقيسة، ومناسبات لا أصل لها، ولا مدخل لها في الأوقات. قال النوويّ -﵀-: واحتج الجمهور عليهم بحديث ابن عباس -﵄- يعني حديث جبريل -﵇- فقال إمام الحرمين: عمدتنا حديث جبريل، ولا حجة للمخالف إلا حديث ساقه -ﷺ- مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسعات والمجاز، ثمَّ التأويل متطرق إلى حديثهم، ولا يتطرق إلى ما اعتمدناه تأويل، ولا مطمع في القياس من الجانبين. وأجابوا عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة: أحدها: هذا الذي ذكره إمام الحرمين. الثاني: أن المراد بقولهم: أكثر عملًا: أن مجموع عمل الفريقين أكثر. الثالث: أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان، والإقامة، والطهارة، وصلاة السنة، أقل مما بين العصر ونصف النهار. الرابع: قال الإصطخري: كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان؛ فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله، أو أطول منه. انتهى المقصود من كلام النوويّ -﵀- ببعض تصرف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدم من الأدلة الكثيرة ترجيح مذهب الجمهور، وهو أن آخر وقت الظهر صيرورة ظل كل شيء مثله، وأنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في أول وقت صلاة العصر: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في أول وقت العصر، فقالت طائفة: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، كذلك قال مالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وحُجَّتهم في ذلك حديث ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «أمّني جبريل -﵇- عند البيت مرتين. . .» الحديث. ثمَّ اختلفوا بعد قصدهم القول بظاهر حديث ابن عباس -﵄-، فقالت فرقة منهم: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقت الظهر، فلو أن رجلين قاما في هذا الوقت، فيصلي الواحد الظهر، ويصلي الآخر العصر كانا مصليين الصلاتين في وقتهما، قال بهذا القول إسحاق، وحكي عن ابن المبارك، أنه قال به، قال: وقيل لابن المبارك: كيف يكون وقتًا واحدًا للصلاتين من غير سفر ولا عذر؟ قال ابن المبارك: أيسوؤك ذلك؟ إنما جاء به جبريل هكذا، ولو جاء وقتًا واحدًا لثلاث صلوات، لجعلناه لثلاث. وقالت فرقة: لا يفوت الظهر حتى يجاوز ظل كل شيء مثله، فإذا جاوزه فقد فات، ووقت العصر إذا جاوز كل شيء مثله، وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر، هذا قول الشافعيّ. وقد حُكي عن ربيعة قولٌ ثالثٌ، وهو أن وقت الظهر والعصر في الحضر والسفر إذا زالت الشمس. قال ابن المنذر -﵀-: وقول الشافعيّ، صحيح تدلّ عليه الأخبار الثابتة عن رسول اللَّه -ﷺ-، من ذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو قوله: «وقتُ الظهر ما لم يحضر العصر»، وحديث أبي قتادة: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يدخل وقت الأخرى». وفي المسألة قول رابع، وهو أن أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ومن صلّى قبل ذلك لم تجزه صلاته، هذا قول النعمان، وهو قولٌ خالف صاحبه الأخبار الثابتة عن رسول اللَّه -ﷺ-، والنظرُ غير دال عليه، ولا نعلم أحدًا سبق قائل هذا القول إلى مقالته، وعَدَلَ أصحابه عن القول به، فبقي قوله منفردًا لا معنى له. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح ما ذهب إليه الشافعي، ومن تبعه من أن أول وقت العصر إذا جاوز ظلّ كل شيء مثله، وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر؛ لصحّة الأحاديث بذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في آخر وقت صلاة العصر: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: اختلفوا في آخر وقت العصر، فقال مالك: آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شيء مثليه، بعد المثل الذي زالت عليه الشمس، وهذا محمول عندنا من قوله على وقت الاختيار، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فهو وقت مختار لصلاة العصر عنده، وعند سائر العلماء. وقد أجمع العلماء على أن من صلّى العصر، والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب. وقال الثوريّ -﵀-: إن صلاها، ولم تتغير الشمس، فقد أجزأه، وأحب إلي أن يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون مثليه. وقال الشافعيّ -﵀-: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء ما كان، ومن أخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف، أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز أن يقال: فاته وقت العصر مطلقًا، كما جاز ذلك على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله، قال: وإنما قلت ذلك، لحديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها». قال أبو عمر: إنما جعل الشافعيّ وقت الاختيار؛ لحديث إمامة جبريل، وحديث العلاء، عن أنس -﵁-: «تلك صلاة المنافقين»، ونحوها من الآثار، ولم يقطع بخروج وقتها؛ لحديث أبي هريرة الذي ذكره، ومذهب مالك نحو هذا. وقد كان يلزم الشافعيّ أن لا يشرك بين الظهر والعصر في الوقت لأصحاب الضرورات، لخروج وقت الظهر عنده بكمال المثل، ولكن وقت العصر عنده وقت رفاهية ومقام لا يتعدى ما جاء فيه، وأما أصحاب الضرورات فأوقاتهم كأوقات المسافر، لعذر السفر، وضرورته، والسفر عنده تشترك فيه صلاتا النهار، وصلاتا الليل. وأما مالك فقد روى عنه ابن وهب وغيره أن الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس، وهو قول ابن عباس، وعكرمة مطلقًا، ورواية ابن وهب عن مالك لذلك محمولة عند أصحابه لأهل الضرورات، كالمغمى عليه، ومن أشبهه، وروى ابن القاسم عن مالك: آخر وقت العصر اصفرار الشمس. وقال أبو يوسف، ومحمد: وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته، فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس. وقال أبو ثور: أول وقتها إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وزاد على الظل زيادة تبيّن إلى أن تصفر الشمس، وهو قول أحمد بن حنبل، قال: آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس. وحجة من قال بهذا القول: حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ -ﷺ-، أنه قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، رواه قتادة، عن أبي أيوب الأزديّ، عنه. وقال إسحاق ابن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وهو قول داود لكل الناس، معذور، وغير معذور، صاحب ضرورة، وصاحب رفاهية، إلا أن الأفضل عنده، وعند إسحاق أيضًا أول الوقت. وقال الأوزاعي: إن ركع ركعة قبل غروبها، وركعة بعد غروبها فقد أدركها. وحجتهم حديث أبي هريرة -﵁-: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر. . .» الحديث. انتهى خلاصة ما قاله ابن عبد البرّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأقوال وأدلّتها أن أرجحها هو قول من قال: إن آخر وقت العصر غروب الشمس، فمن أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر، وإنما كان هذا أرجح؛ لأنَّ الأدلة تجتمع به، فيُحْمَل حديث جبريل: «الوقت ما بين الوقتين»، وحديث: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس» على بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز، وحديث: «من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر» على بيان وقت الاضطرار والجواز، وهذا الجمع هو الأولى من قول من قال: إن حديث جبريل منسوخ؛ لأنَّ النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وكذا لا يصار إلى الترجيح، مع إمكانه، ويؤيد هذا الجمع، حديث: «تلك صلاة المنافق»، فمن كان معذورًا كان الوقت في حقه ممتدًا إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فإن أخرها إلى الاصفرار، وما بعده كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث، أفاده الشوكانيّ -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة المغرب: (اعلم): أنهم اختلفوا في المغرب هل لها وقت مُوَسَّع كسائر الصلوات، أو لا؟ فذهب قوم إلى أن وقتها واحد، غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك، والشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع، وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وقد روي هذا القول عن مالك، والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل -﵇- في ذلك لحديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلّى المغرب في اليومين في وقت واحد، وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتًا واحدًا، ومن رجح حديث عبد اللَّه جعل لها وقتًا موسعًا، وحديث عبد اللَّه أخرجه مسلم، ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل، وفي معنى حديث عبد اللَّه بن عمرو حديثُ بريدة الأسلمي، أخرجه مسلم. قالوا: حديث بريدة أولى؛ لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات، وحديثُ جبريل كان في أول الفرض بمكة، أفاده ابن رُشد -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي قوله: «كان بمكة» نظر، يأتي تحقيقه قريبًا. وقال النوويّ -﵀-: أما حكم المسألة، فأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وتكامل غروبها، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر، وخلائق لا يحصون الإجماعَ فيه، قال أصحابنا: والاعتبار سقوط قرصها بكماله، وذلك ظاهر في الصحراء، قال الشيخ أبو حامد، والأصحاب: ولا نَظَرَ بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه، وأما في العمران، وقُلَلِ الجبال، فالاعتبار بأن لا يُرَى شيء من شعاعها على الجدران، وقُلَلِ الجبال. وأما آخر وقت المغرب فالمشهور في مذهبنا -يعني الشافعية- أن لها وقتًا واحدًا، وهو أول الوقت، والصحيح أن لها وقتين يمتدّ ثانيهما إلى غروب الشفق. وممن قال بالوقتين أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بوقت واحد الأوزاعيّ، ونقله أبو علي السنجي في «شرح التلخيص» عن أبي يوسف، ومحمد، وأكثر العلماء. وعن مالك ثلاث روايات: الصحيحة منها، وهي المشهورة في كتب أصحابه، وأصحابنا أنه ليس لها إلا وقت واحد، ولم ينقل ابن المنذر عنه غيرها. والثانية: وقتان إلى مغيب الشفق. والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر، ونقله ابن المنذر عن طاوس، وعطاء. قال -﵀-: نصّ الشافعيّ -﵀- في كتبه المشهورة -الجديدة والقديمة- أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، ونقل أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق، هكذا نقله عنه القاضي أبو الطيب، وغيره. قال القاضي: والذي نصَّ عليه الشافعي في كتبه أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، وقال صاحب «الحاوي»: حَكَى أبو ثور عن الشافعي في القديم: أن لها وقتين، يمتدّ ثانيهما إلى مغيب الشفق، وقال: فمن أصحاب أبي ثور من جعله قولًا ثانيًا، قال: وأنكره جمهورهم؛ لأنَّ الزعفراني، وهو أثبت أصحاب مذهب الشافعي القديم حكَى عن الشافعي أن للمغرب وقتًا واحدًا. واختلف أصحابنا الْمُصَنِّفُونَ في المسألة على طريقين: أحدهما: القطع بأن لها وقتًا واحدًا فقط، وبهذا قطع صاحب «المهذب»، والمحاملي، وآخرون من العراقيين، ونقله صاحب «الحاوي» عن الجمهور. والثاني: على قولين: أحدهما هذا، والثاني يمتدّ إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان، وبهذا الطريق قطع أبو إسحاق في «التنبيه»، وجماعات من العراقيين، وجماهير الخراسانيين، وهو الصحيح، لأنَّ أبا ثور ثقة إمام، ونقل الثقة مقبول، ولا يضره كون غيره لم ينقله، ولا كونه لم يوجد في كتب الشافعي، وهذا مما لا شك فيه. فعلى هذا الطريق اختُلِف في أصح القولين، فصحح جمهور الشافعية الأصحاب القول الجديد، وهو أنه ليس لها إلا وقت واحد، وصحح جماعة القديمَ، وهو أن لها وقتين، وممن صححه من أصحابنا أبو بكر ابن خزيمة، وأبو سليمان الخطابي، وأبو بكر البيهقي، والغزالي في «إحياء علوم الدين»، وفي درسه، والبغويُّ في «التهذيب»، ونقله الروياني في «الحلية» عن أبي ثور، والمزنيِّ، وابن المنذر، وأبي عبد اللَّه الزبيري، قال: وهو المختار، وصححه أيضًا العجلي، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح. قال النوويّ: قلت: هذا القول هو الصحيح، لأحاديث صحيحة: منها: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «وقت المغرب ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ»، وفي رواية: «وقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق»، وفي رواية: «وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق»، رواه مسلم بهذه الألفاظ كلها. وعن أبي موسى الأشعري في بيان النبيّ -ﷺ- مواقيت الصلاة، قال: «ثمَّ أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق»، رواه مسلم. وعن بريدة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- صلّى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق»، رواه مسلم. وعن أبي قتادة -﵁-: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، رواه مسلم. قال: فإذا عُرِفَت الأحاديثُ الصحيحةُ تعيّن القول به جزمًا؛ لأنَّ الشافعيّ نص عليه في القديم، كما نقله أبو ثور، وعلق القول به في «الإملاء» على ثبوت الحديث، وقد ثبت الحديث، بل أحاديث، و«الإملاء» من كتب الشافعي الجديدة، فيكون منصوصًا عليه في القديم، والجديد، وهذا كله مع القاعدة العامة التي أوصى بها الشافعيّ -﵀- أنه إذا صح الحديث على خلاف قوله، يُترَكُ قوله، ويُعمَل بالحديث، وأن مذهبه ما صحّ فيه الحديث، وقد صحّ الحديث، ولا معارض له، ولم يتركه الشافعيّ إلا لعدم ثبوته عنده، ولهذا عَلّق القول به في «الإملاء» على ثبوت الحديث، وباللَّه التوفيق. وأما حديث صلاة جبريل -﵇- في اليومين في وقت واحد، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحسنها، وأصحها: أنه إنما أراد بيان وقت الاختيار، لا وقت الجواز، فهكذا هو في أكثر الصلوات، وهي العصر، والعشاء، والصبح، وكذا المغرب. والثاني: أن حديث جبريل مقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث متأخرة بالمدينة، فوجب تقديمها في العمل. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الوجه ضعيف؛ لأنَّ حديث جبريل من جملة من رواه أبو هريرة وجابر بن عبد اللَّه، وهما من أهل المدينة، وقد حقّقت في «شرح النسائيّ» أن الراجح تعدد القصة، فلا يمكن أن يكون منسوخًا، بل الوجه الأول هو الصواب في الجواب، ويليه الوجه الثالث الآتي، فتبصر، واللَّه أعلم. والثالث: أن هذه الأحاديث أقوى من حديث جبريل، لوجهين: أحدهما أن رواتها أكثر. والثاني أنها أصحّ إسنادًا، ولهذا خرّجها مسلم في «صحيح مسلم»، دون حديث جبريل، وهذا لا شك فيه. فتلخّص من هذا كلّه أن الصحيح المختار أن للمغرب وقتين: يمتدّ ما بينهما إلى مغيب الشفق، ويجوز ابتداؤها في كل وقت من هذا. فعلى هذا لها ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار؛ وهو أول الوقت، والثاني: وقت جواز، وهو ما لم يغب الشفق، والثالث: وقت عذر، وهو وقت العشاء في حق من جمع لسفر أو مطر. وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافّة، من الصحابة فمن بعدهم، كراهة تأخير المغرب. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فاتَّضَح بهذا كله كون أرجح المذاهب هو مذهب من قال بأن آخر وقت المغرب هو غروب الشفق الأحمر؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، وإنما أطلت في نقل كلام النوويّ؛ لكونه تحقيقًا بليغًا في عدم التعصب لقول الإمام الشافعيّ المنصوص عليه في كثير من كتبه واتفق عليه معظم أصحابه أنه لا وقت لها إلا واحد، فرأيت هذا الإمام أعطى المسألة حقّها، ولم يُحَابِ فيها، واعتذر عن إمامه بعدم صحة الحديث عنده، أو بأن ما روي عنه من موافقة الجمهور هو الصحيح. وهكذا يجب على كلّ مسلم أن يكون مع الحقّ حيثما كان، ولا يهاب إلا الحقّ، وإن خالفه جل الناس، ويعتذر عن الأئمة الذين خالفوه بوجه من وجوه الأعذار الصحيحة، ويا ليت أصحاب المذاهب اتبعوا هذا، فإن هذا هو منشأ ائتلاف كلمتهم وتوحيد صفوفهم، وكونهم يدًا واحدة على أعداء الإِسلام، ولا يتفرقون تفرق أهل الأهواء الزائغة، وهذا هو وصيةُ الأئمة لأتباعهم، وليس وصيةً للشافعي فقط، إلا أن أتباعهم ما عملوا بوصاياهم إلا من وفّقه اللَّه، قاتل اللَّه التعصب. وللَّه در العلامة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، حيث يقول [من الطويل]: عَلامَ جَعَلْتُمْ أيُّها النَّاسُ دِينَنَا … لأرْبَعَةٍ لا شَكَّ فِي فَضْلِهِمْ عِنْدِي هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا … وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالْحَقِّ وَالزُّهْدِ وَلَكِنَّهُمْ كَالنَّاسِ لَيْسَ كَلامُهُمْ … دَلِيلًا وَلا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يُنْجِي وَلا زَعَمُوا -حَاشَاهُمُ- أَنَّ قَوْلَهُمْ … دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي بَلَى صَرَّحُوا أَنَّا نُقَابِلُ قَوْلَهُمْ … إِذَا خَالَفَ الْمَنْصُوصَ بِالْقَدْحِ وَالرَّدِّ اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة العشاء: (اعلم): أنهم أجمعوا على أن أول وقت العشاء غروب الشفق، وإنما اختلفوا في معنى الشفق، هل هو الحمرة، كما هو رأي الجمهور، وهو الحقّ، أو هو البياض، كما هو رأي أبي حنيفة؟ وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. وإنما اختلفوا في آخر وقت العشاء، قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلف أهل العلم في آخر وقت العشاء، فقال بعضهم: آخر وقتها إلى ربع الليل، هذا قول النخعيّ، ولا نعلم مع قائله حجة. وقالت طائفة أخرى: وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، كذلك قال عمر بن الخطّاب، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ثمَّ أخرج بسنده إلى أسلم: أن عمر كتب أن وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل الآخر، ولا تؤخروا ذلك إلا من شغل. وأخرج بسنده عن أبي هريرة، قال: وَصَلِّ صلاة العشاء إذا ذهب الشفق، وادْلأمَّ الليل من ها هنا -وأشار إلى المشرقِ- فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجّلت بعد ذهاب بياض الأفق فهو أفضل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول إذ هو بالعراق: وقتها نصف الليل، ولا يفوت إلى الفجر وهذا أصح قوليه؛ لأنه يجعل على المفيق قبل طلوع الفجر المغرب والعشاء، ولو كان الوقت فائتًا ما وجب القضاء بعد الفوات. ومن حجة من قال بقول عمر بن الخطّاب، وأبي هريرة: حديث ابن عباس الذي فيه ذكر إمامة جبريل للنبيّ -ﷺ-. وقالت طائفة: وقتها إلى نصف الليل، وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب. ثمَّ أخرج بسنده: أن عمر كتب إلى أبي موسى أَنْ صَلِّ صلاة العشاء الآخرة إلى نصف الليل الأول، أي حيث تبيت. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: ومن صلَّاها بعدما مضى نصف الليل يجزئه، ونكرهه له. ومن حجة من قال هذا القول حديث عبد اللَّه بن عمرو. ثمَّ أخرج بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «وقت العشاء إلى نصف الليل». قال: وفيه قول رابع، وهو أن آخر وقت العشاء إلى طلوع الفجر، روي هذا القول عن ابن عباس، وقال عطاء: لا تفوت صلاة الليل، المغرب والعشاء حتى النهار، وقال طاوس، وعكرمة: وقت العشاء إلى الفجر. ومن حجة القائل بهذا القول: حديث أبي قتادة -﵁- عن النبيّ -ﷺ-، قال: «إنما التفريط على من لم يصلِّ صلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». ثمَّ رجح ابن المنذر قول من قال: إنه إلى طلوع الفجر. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- بالاختصار . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ الذي يؤيّده الدليل قول من قال: إن آخر وقت العشاء نصف الليل، فليس للعشاء وقت أداء بعد ذلك، وإنما هو قضاء، وأقوى دليل في ذلك وأصرحه، حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄- الذي في «صحيح مسلم»: «فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل». فهذا نصّ صريح في أن النصف هو الآخر، لا يزيد عليه، ولا يوجد نصّ صريح يدلّ على تأخره بعده. قال الحافظ -﵀-: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت. قال: ودليل الجمهور حديث أبي قتادة -﵁-: «إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى»، قال: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب، فللإصطخري -يعني: القائل: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء- أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، واللَّه أعلم. انتهى . أقول: هذا التقرير من الحافظ -﵀- هو عين الإنصاف؛ إعطاءً لكل ذي حقٍّ حقّه، وليس فيه تهوّر ولا اعتساف مجاراةً للمذهب، وفقنا اللَّه تعالى لقبول الحق، فإنه أكرم مسؤول. وقال العلّامة المحدث الألبانيّ -﵀- في «تمام المنة»: ولا دليل فيه -يعني حديث أبي قتادة- على ما ذهبوا إليه؛ إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يُخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا، سواء كان يَعْقُبُها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر. ويدلّ على ذلك أن الحديث ورد في صلاة الفجر حين فاتته -ﷺ- مع الصحابة -﵃-، وهم نائمون في سفر لهم، واستعظم الصحابة -﵃- وقوع ذلك منهم، فقال -ﷺ-: «أما لكم فِيَّ أسوة؟. . .»، ثمَّ ذكر الحديث، كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره. فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إليه من امتداد وقت كل صلاة إلى دخول الأخرى لكان نَصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بيّنا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال؛ لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصح استثناؤها؟. فالحق أن الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإنكار تعمد إخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا. ولذلك قال ابن حزم في «المُحَلَّى» (٣/ ١٧٨) مجيبًا عن استدلالهم المذكور: هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجْمِعُون معنا أن وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إلى وقت الظهر، فصح أن هذا الخبر لا يدلّ على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها، وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط، سواء اتصل آخر وقتها بأول الثانية، أم لم يتصل، وليس فيه أنه لا يكون مُفَرِّطًا أيضًا من أخرها إلى خروج وقتها، وإن لم يدخل وقت أخرى، ولا أنه يكون مفرطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصّ على خروج وقت كل صلاة، والضرورة توجب أن مَن تَعَدَّى بكل عمل وقته الذي حدّه اللَّه -تعالى- لذلك العمل، فقد تعدى حدود اللَّه، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وإذ قد ثبت أن الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إلى الفجر، فإنه يتحتم الرجوع إلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء، مثل قوله -ﷺ-: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. . .»، رواه مسلم، وغيره. ويؤيِّده ما كتب به عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعري: «. . . وأن تصلي العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين»، أخرجه مالك، والطحاويّ، وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنما يمتد إلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختاره الشوكانيّ في «الدرر البهية»، فقال: «. . . وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل»، وتبعه صديق حسن خان في «شرح الدرر البهية» (٦٩ - ٧٠). وقد رُوي القول به عن مالك، كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية، كأبي سعيد الإصطخريّ، وغيره، انظر: «المجموع» (٣/ ٤٠). انتهى كلام الشيخ الألبانيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: والحاصل أن ما اختاره هؤلاء الأئمة من أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل هو الذي أختاره، وأرجِّحه؛ لكون الدليل معه، وما عداه ليس عليه دليل صحيح صالح للاعتماد عليه؛ كما تقدم في كلام الحافظ -﵀-، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في معنى الشفق: قال المجدّ الفيروزآباديّ -﵀-: الشَّفَقُ مُحَرَّكَةً: الحمرةُ في الأُفُقِ من الغروب إلى العشاء الآخرة، أو إلى قريبها، أو إلى قريب العَتَمَةِ. انتهى . وقال الفيوميّ -﵀-: الشفق: الحمرةُ من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفقُ، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشَّفق، وكان أحمر، وقال ابن قُتَيْبَةَ: الشفق: الأحمرُ من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثمَّ يغيب ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل، وقال الزَّجَّاج: الشفق: العمرة التي تُرَى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة. وقال المُطَرّزِيُّ: الشفقُ: الحمرة عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وعن أبي هريرة -﵁- أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قولٌ متَأخِّر أنه الحمرة. انتهى . وقال النوويّ -﵀- في «تهذيب الأسماء واللغات»: أجمع العلماء على أن وقت صلاة العشاء يدخل بغيبوبة الشفق، والأحاديث الصحيحة مشهورة بذلك، ولكن اختلفوا في الشفق المراد به، هل هو الأحمر، أو الأبيض؟ والأحمر يتقدم والأبيض يتأخر. فذهب الشافعي، والجمهور إلى أنه الحمرة، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أنه البياض. وَرَوى البيهقيُّ بإسناده الصحيح عن عبد اللَّه بن عُمَر -﵄- أنه قال: الشفق: الحمرة، ورواه البيهقي أيضًا عن عمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبادَة بن الصامت، وشَدَّادِ بن أوس -﵃-، ورواه عن مكحول، وسفيان الثوري. ورواه مرفوعًا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وليس بثابت عنه -ﷺ-. وحكى ابن المنذر في «الإشراف» أنه الحمرة عن ابن أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، قال: ورُوِيَ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعن ابن عباس أيضًا أنه البياض، قال: وَرَوَيْنَا عن أنس، وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ما يدلّ على أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، قال ابن المنذر: الشفق: البياض. وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي ثور، وداود أنه الحمرة، وعن زُفَرَ، والمُزَنِيّ أنه البياض. وحكاه غيره عن معاذ بن جبل الصحابيّ -﵁-، ونقل البغوي عن أكثر أهل العلماء أنه الحمرة. قال: واستَدَلّ أصحابنا -يعني الشافعية- للحمرة بأشياء من الحديث، والمعنى لا يظهر منها دلالةً مُحَقَّقَةً،، والذي ينبغي أن يُعتَمَدَ أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة، وذلك مشهور في شعرهم، ونثرهم، ويدل عليه نقل أئمة اللغة. قال الإمام أبو منصور الأزهريّ في «شرح ألفاظ المختصر»: الشفق عند العرب: الحمرة، رَوَى سلمة عن الفراء، قال: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمرَ. وقال ابن فارس في «المُجْمَل»: قال ابن دُرَيْدٍ: الشفقُ: الحمرة، قال ابن فارس: وقال أيضًا الخليل: الشفق الحمرة التي من غُروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وذكر قول الفراء، ولم يذكر ابنُ فارس غَيرَ هذا. وقال الزبيدي في «مختصر العين»: الشفق الحمرة بعد غروب الشمس. وقال الخطابي في «معالم السنن»: حُكِيَ عن الفراء أنه الحمرة، قال: وأخبرني أبو عُمَر عن ثعلب أن الشفق: البياض، قال الخطابي: وقال بعضهم: الشفق: اسم للحمرة، والبياض، إلا أنه إنما يُطْلَق على أحمر ليس بِقَانئٍ، وأبيض ليس بنَاصِع، وإنما يُعْلَم المراد به بالأدلة، لا بنفس الاسم، كالقُرّ، وغيره من الأسماء للشتاء. انتهى . وكتب الإمام الناقد أبو محمَّد بن حزم -﵀- في كتابه النفيس: «المُحَلَّى»، بحثًا نفيسًا في هذه المسألة، فقال: (مسألة الشفقِ، والفجرِ) قال عليّ: الفجر فجران، والشفق شفقان، والفجر الأول هو المُستطيل المُستَدَقُّ صاعدًا في الفَلَك، كَذَنبِ السّرْحَان، وتَحْدُث بعده ظلمةٌ في الأفُقِ، لا يُحَرِّم الأكلَ، ولا الشربَ على الصائم، ولا يدخل به وقت صلاة الصبح، هذا لا خلاف فيه من أحد من الأمة كلها. والآخر هو البياض الذي يأخذ في عرض السماء في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس، في كل زمان، ينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها، ويزداد بياضه، وربما كان فيه توريد بحمرة بديعة، وبتبيّنه يدخل وقت الصوم، ووقت الأذان لصلاة الصبح، ووقت صلاتها، فأما دخول وقت الصلاة بتبيّنه فلا خلاف فيه من أحد من الأمة. وأما الشفقان: فأحدهما الحمرة، والثاني البياض، فوقت المغرب عند ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعيّ، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والْحَسَنِ بن حَيٍّ، وداود، وغيرهم: يخرج، ويدخل وقت صلاة العتمة، بمغيب الحمرة، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، إلا أن أحمد، قال: يستحب في الحضر خاصة دون السفر أن لا يصلي إلا إذا غاب البياض، ليكون على يقين من مغيب الحمرة، فقد تُواريها الجُدْران، وقال أبو حنيفة، وعبد اللَّه بن المبارك، والمُزَني، وأبو ثَوْر: لا يخرج وقت المغرب، ولا يدخل وقت العَتَمَة إلا بمغيب البياض. قال ابن حزم: قد صح أن رسول اللَّه -ﷺ- حدّ خروج وقت المغرب، ودخول وقت العتمة بمغيب نور الشفق، والشفق يقع في اللغة على الحمرة، وعلى البياض، فإن ذلك كذلك، فلا يجوز أن يَخُصّ قوله -ﷺ- بغير نصّ، ولا إجماع، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقًا، فقد خرج وقت المغرب، ودخل وقت العتمة، ولم يقل -ﷺ- قط: حتى يغيب كل ما يسمى شفقًا. وبرهانٌ قاطعٌ، وهو أنه قد ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- حدّ وقت العتمة بأن أوله إذا غاب الشفق، وآخره ثلث الليل الأول، ورُوِيَ أيضًا نصف الليل، وقد عَلِمَ كلُّ من له علم بالمطالع، والمغارب، ودَوَرَان الشمسِ: أن البياض لا يغيب، إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حدّ -ﷺ- خروج أكثر الوقت فيه، فصحّ يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك، فإن ذلك كذلك، فلا قول أصلًا، إلا أنه الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض . واحتَجَّ من قَلَّدَ أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض، فنحن على يقين بإجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل ذلك، فلم نصل بيقين إجماع في الوقت. قال ابن حزم: هذا ليس شيئًا؛ لأنه إن التزموه، أبطل عليهم جمهور الحنفية مذهبهم، فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفي الاستنشاق، والاستنثار، وقراءة أم القرآن، والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه، مما يبطل الصوم، والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا عملًا من الشريعة إلا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدَّوْهُ، كما أُمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهبهم جزء من مائة جزء بلا شك. وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه -﵁-: «كان يصلي العتمة لسقوط القمر لليلة ثالثة»، ولو كان لكان أعظم حجةٍ لنا؛ لأنَّ الشفق الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف. واحتَجّ بعضهم بالأثر: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي العشاء الآخرة إذا اسودّ الليل»، وبقاء البياض يمنع من سواد الأفق. قال ابن حزم: وهذا خطأ؛ لأنه يصلي العتمة مع بياض القمر، وهو أمنع من سواد الأفق على أصولهم، من البياض الباقي بعد الحمرة الذي لا يمنع من سواد الأفق، لقلته، ودِقَّتِهِ. وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه -ﷺ- كان يصلي العتمة لسقوط القمر لليلة ثالثة. وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأننا لا نمنع من ذلك، ولا من تأخيرها إلى نصف الليل، بل هو أفضل، وليس في هذا، المنع من دخول وقتها قبل ذلك. وذكروا حديثًا ساقطًا موضوعًا، فيه أنه -ﷺ- صلّى العتمة قبل غروب الشفق. وهذا لو صح -ومعاذ اللَّه من ذلك- لما كان فيه إلا جواز الصلاة قبل وقتها، وهو خلاف قولهم، وقولنا. وذكروا عن ثعلب: أن الشفق البياض. قال ابن حزم: لسنا ننكر أن الشفق البياض، والشفق الحمرة، وليس ثعلب حجة في الشريعة، إلا في نقله، فهو ثقة، وأما في رأيه فلا. وأظرف ذلك احتجاج بعضهم بأن الشفق مشتق من الشفقة، وهي الرّقَّة، ويقال: ثوب شفيق إذا كان رقيقًا، وقالوا: البياض أحقّ بهذا؛ لأنها أجزاء رقيقة تبقى بعد الحمرة. قال ابن حزم: وهذا هَوَس، ناهيك به، فإن قيل لهم: بل الحمرة أولى به؛ لأنها تتولد عن الإشفاق، والحياء، وكل هذا تخليط هو في الهزل أدخل منه في الجِدّ. وقال بعضهم: لما كان وقت صلاة الفجر يدخل بالفجر الثاني وجب أن يدخل وقت صلاة العتمة بالشفق الثاني، فعورضوا بأنّه لما كان الفجر فجرين، وكان دخول وقت صلاة الفجر الذي معه الحمرة وجب أن يكون دخول وقت العتمة بالشفق الذي معه الحمرة. وقالوا أيضًا: لما كانت الحمرة -التي هي مقدمة طلوع الشمس- لا تأثير لها في خروج وقت صلاة الفجر، وجب أن يكون أيضًا لا تأثير لها في خروج وقت المغرب، فعورضوا بأنّه لما كانت الطوالع ثلاثة، والغوارب ثلاثة، وكان الحكم في دخول وقت صلاة الصبح للأوسط من الطوالع: وجب أن يكون الحكم في دخول صلاة العتمة للأوسط من الغوارب. وهذه كلها تخاليط، ودعاوٍ فاسدة، متكاذبة، وإنما أوردناها لِيَعْلَمَ من أنعم اللَّه تعالى عليه بأن هداه لإبطال القياس في الدين: عظيمَ نعمة اللَّه تعالى عليه في ذلك، وليتبصر من غَلِطَ، فقال به ، وما توفيقنا إلا باللَّه تعالى. انتهى كلام ابن حزم -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبَيَّن بما قال هؤلاء الأئمة أن أرجح الأقوال في معنى الشفق المذكورِ في حديث صلاة العشاء هو الحمرة؛ لقوة مُتَمَسَّكِهِ الذي ذُكِرَ في كلامهم المذكور آنفًا، فتبصّر، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. خاتمة: -نسأل اللَّه تعالى حسنها- في ذكر ثلاث فوائد: [الأولى]: قال النوويّ -﵀-: للعشاء أربعة أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز، وعذر. فالفضيلة أول الوقت، والاختيار بعده إلى ثلث الليل في الأصح، وفي قول: نصفه، والجواز إلى طلوع الفجر الثاني، والعذر وقت المغرب لمن جمع بسفر، أو مطر. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: والجواز إلى طلوع الفجر، هذا مذهبه ومذهب أكثر العلماء، وقد تقدّم أن المذهب الصحيح الذي تدلّ عليه الأحاديث الصحيحة أن الجواز إلى نصف الليل فقط، فتنبّه. [الثانية]: قال صاحب «التتمة»: في بلاد المشرق نَوَاحٍ تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأولُ وقت العشاء عندهم أن يَمْضِيَ من الزمان بعد غروب الشمس قدرُ ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم. [الثالثة]: قيل: إن بين المغرب، والعشاء نصف سدس الليل، فإن طال الليل، طال نصف السدس، وإن قصر قصر، ذكر النوويّ -﵀- هذه الفوائد الثلاثة في «شرح المهذّب» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَاسْمَهْ يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، وَيُقَالُ: الْمَرَاغِيُّ -وَالْمَرَاغُ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ)، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحافظ المتقن الحجة الناقد البصير المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (الْأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة، وسكون الزاي: نسبة إلى أزد شَنُوءة، وهو: أزد بن يغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سَبَأ، قاله في «اللباب» . وقوله: (وَيُقَالُ: الْمَرَاغِيُّ) قال في «اللباب»: الْمَرَاغيّ -بفتح الميم والراء، وبعد الألف غين معجمة، وقيل: بكسر الميم، والأول أصحّ- هذه النسبة إلى قبيلة، ومدينة، فأما القبيلة، فهي المراغ قبيلة من الأزد، يُنسب إليها أبو يحيى بن مالك الأزدي الْمَرَاغيّ، وأما المدينة، فهي مَرَاغةُ مدينة مشهورة من بلاد أذربيجان. انتهى . وقوله: (حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ) قال في «اللسان»: الحيّ: البطن من بطون العرب، وقال الأزهريّ: الحيّ من أحياء العرب يقع على بني أبٍ كَثُرُوا أم قَلُّوا، وعلى شَعْبٍ يَجمع القبائل. انتهى. وقوله: («وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ)»ما«مصدرية ظرفية، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أصله: مُدّة عدم حضور العصر، فحذف الظرف، وخلفته»ما«وصلتها، كما جاز في المصدر الصريح، نحو: جئتك صلاةَ العصر، وآتيك قُدُومَ الحاج، قاله العلامة ابن هشام . فـ«وقت»متبدأ خبره«ما لم تَحْضُر العصر»، تقديره: وقت صلاة الظهر كائن مُدَّة عدم حضور وقت العصر. وفي رواية همّام، عن قتادة الآتية:«وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر. . .»، فقوله:«ما لم يحضر العصر»بيان، وتأكيد لقوله:«وكان ظل الرجل كطوله». وقوله:«إذا زالت الشمس»بيان لأول وقتها، وقوله:«وكان ظل الرجل كطوله»بيان لآخر وقتها. والمعنى: أن«صلاة» وقت الظهر يدخل بزوال الشمس، ويستمرّ إلى أن يصير ظل الرجل؛ مثل طوله. وهذا الحديث يدلّ على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر، وأما حديث جبريل الذي يدلّ على الاشتراك، فقد تقدم الجواب عنه، ويدلّ أيضًا على أنه لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت. وقوله: (وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) مبتدأ وخبره، و«تصفرّ» -بكسر الراء، ويجوز فتحها-، وقد ذكرت في «شرح النسائيّ» حكاية طريفة تتعلّق بقوله: «لم تصفّر الشمس»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. والمعنى: أنه يدخل وقت العصر بما تقدّم، ويستمرّ من غير كراهة مُدّة عدم اصفرار الشمس، فإذا اصفرّت صار وقتَ كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس؛ للحديث السابق: «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». وقوله: (وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ) ببناء الفعل للفاعل، أي لم يَغِبْ الشفق الأحمر. وقوله أيضًا: (ثَوْرُ الشَّفَقِ) -بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو-: أي انتشاره، وثَوَران حمرته، من ثَارَ الشيءُ يَثُور: إذا انتشر، وارتفع، قال في «اللسان»: الثَّوْرُ: حُمْرَةُ الشفق الثائرةُ فيه، قال: وفي الحديث: «صلاة العشاء الآخرة إذا سقط ثَوْرُ الشفق»، وهو انتشار الشفَقِ، وثَوَرَانُهُ: حُمْرَتُهُ، ومُعْظَمُهُ، ويقال: قد ثَارَ يَثُور، ثَوْرًا، وثَوَرَانًا: إذا انتشر الشفق في الأفق، وارتفع، فإذا غاب حَلَّت العشاء الآخرة. انتهى . ووقع عند أبي داود: «فَوْرُ الشفق» بالفاء المفتوحة، أي بقية حمرة الشمس، في الأفق الغربي، وسُمِّي فَوْرًا، لسُطُوعه وحمرته، قال العراقي: صحَّفه بعضهم بالنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه. انتهى . وفيه ردٌّ على من يقول: إن للمغرب وقتًا واحدًا، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن، وقد سبق تحقيق الكلام فيه فلا تغفل. وقوله: (وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) وإعرابه كسابقه، يعني أن وقت صلاة العشاء يدخل بغروب الشفق، ثم يمتدّ إلى نصف الليل، وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء نصف الليل، وقد ثبت في الحديث الآخر تحديده بثلث الليل، لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها. واحتجّ به أبو سعيد الإصطخريّ على أن وقت العشاء إلى نصف الليل فقط، وعند غيره محمول على بيان وقت الاختيار، وأما وقت الجواز، فيمتدّ إلى طلوع الفجر، لما رَوَى أبو قتادة مرفوعًا: «إنما التغريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». قال الحافظ -﵀-: عموم حديث أبي قتادة -﵁- مخصوص بالإجماع في الصبح، فللإصطخريّ أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت. انتهى . قال الجامع: لا يخفاك قوّة ما ذهب إليه الإصطخريّ، وقد سبق ترجيحه في المسألة الثامنة من شرح الحديث الماضي، فلا تغفل. وقوله: (وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ») يعني أن وقت صلاة الفجر يدخل بطلوع الفجر، ويستمرّ مدة عدم طلوع الشمس، وهذا بالإجماع، إلَّا ما رُوِي عن ابن القاسم، وبعض أصحاب الشافعيّ من أن آخر وقت الفجر الإسفار، كما قاله ابن رشد -﵀- . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ) -بفتح العين المهملة، والقاف- هو: عبد الملك بن عَمْرو الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر -بفتح النون، وسكون السين المهملة- الكِرْمانيّ، كوفيّ الأصل، ونزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧١. والباقيان تقدّما قبله في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لأبي عامر الْعَقَديّ، ويحيى بن أبى بُكير. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو: عن قتادة، عن أبي أيّوب الأزديّ، عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄-. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) أي في حديث أبي عامر، ويحيى بن أبي بُكير. وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ) الضمير في «رفعه» لقتادة، وفي رواية النسائيّ: «قال شعبة: كان قتادة يرفعه أحيانًا، وأحيانًا لا يرفعه». والمعنى: أن قتادة رَوَى هذا الحديث ثلاث مرّات، فرواه مرّةً مرفوعًا، ورواه مرّتين موقوفًا، ومثل هذا لا يضرّ في صحة الحديث؛ لأمرين: [أحدهما]: أن قتادة لعله نسي رفعه، ثم تذكّر أخيرًا، فرفعه، ويقوّي هذا الاحتمال قول شعبة في رواية أحمد الآتية بلفظ: لم يرفعه مرّتين، قال: وسألته الثالثة، فقال: «قال رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ»، فهذا يدلّ على أنه تذكّر كونه مرفوعًا فرفعه. [الثاني]: أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٦٩٥٤) حدّثنا يحيى بن أبي بكير، حدّثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا أيوب الأزديّ يحدِّث عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: لَمْ يرفعه مرتين، قال: وسالته الثالثة، فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «وقت صلاة الظهر ما لم يَحْضُر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نُور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مَا لَمْ تَطْلُع الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ») . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكْريّ -بضم النون- البغداديّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٦) (م ج ت ق) تقدم في«المقدمة»٦/ ٦٧. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة، ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٢. ٣ - (هَمَّام) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٠. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: («وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) قال القرطبيّ -﵀-: زوال الشمس عبارة عن بداية انحطاطها مُغَرِّبة بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت الظهر بالإجماع، ولا خلاف أن الوقت من فُروض الصلاة، ومن شروط صحّتها إلَّا شيئًا رُوي عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وبعض السلف، ولم يصحّ عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه، ولا خلاف في أوائل أوقات الصلوات إلَّا في وقت العصر والعشاء، فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر آخر القامتين، وخالفه الناس كلّهم حتى أصحابه، وأما العشاء فاتّفِقَ على أن وقتها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزنيّ إلى أنه البياض، والجمهور على أنه الحمرة، واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات. انتهى . وقوله: (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كطُولهِ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدرٌ، فلو قدّرنا أن الشمس وقفت على رأس ذي الظلّ لَمْ يكن للظلّ قدرٌ، واعتُبر من أصل القائم. انتهى. [فائدة]: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: إذا أراد الرجل معرفة الزوال في كلّ وقت، وكل بلد، فلينصب عُودًا مستويًا في مُسْتَوي من الأرض قبل الزوال، فإن الظل يتقلَّص إلى العود، فيتفقد نقصانه، فإن نقصانه إذا تناهى زاد، فإذا زاد بعد تناهي نقصانه، فذلك الزوال، وهو أول وقت الظهر، وهذا المعنى محفوظ عن ابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم من أهل العلم. انتهى ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) فيه بيان أن الوقت ممتدّ متّسِعٌ، وأن آخره أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظلّ المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل -﵇- بالنبيّ -ﷺ- أنه صلّى به العصر في اليوم الأول حين كان ظلّ كلّ شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر إذا كان ظلّ كلّ شيء مثليه، وهو قولٌ شاذّ، خالف فيه هذه النصوص، وجميعَ الناس، خلا أنه حُكي عن الشافعيّ، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي حنيفة والشافعيّ؛ لظهور فساده . (وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) أي ما لم يدخلها صفرة. وقوله: (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ) قال القرطبيّ -﵀-: أكثر رواة هذا الحديث لم يذكروا فيها «الأوسط»، وإنما يقولون: «إلى نصف الليل»، فقط، وتلك الزيادة هي من حديث همّام عن قتادة، وكلُّ من روى هذا الحديث عن قتادة لم يذكرها غيره، وكأنّ هذه الرواية وهمٌ؛ لأن الأوسط في المقدّرات والمعدودات إنما يقال فيما يتوسّط بين اثنين فأكثر، اللَّهمّ إلَّا أن يريد بالأوسط الأعدل، فحينئذ يصحّ أن يقال: هو أوسط الشيئين، أي أعدلهما، وهذا الشيء أوسط من هذا، أي أعدل منه. ويُمكن أن تُحمَل رواية تلك الزيادة على الصحّة، ويكون معناه أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخر؛ لتأدية الصلاة في الأول، وكثرة الثواب فيه. انتهى . وقوله: (وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) قال القرطبيّ -﵀-: الفجر هو انصداع البياض من المشرق، وسُمّي بذلك؛ لانفجاره، أي لظهوره وخروجه كما ينفجر النهر، وهو اثنان: كاذبٌ، وهو المسمّى بذنب السِّرْحان، وهو الصاعد المستطيل، وصادقٌ، وهو الممتدّ المنتشر في الأفق. انتهى . وقوله: (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ) هذا حجة لأبي حنيفة وأصحاب الرأي في منعهم إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع، وقد غَلَوا في هذا حتى قالوا: لو طلعت الشمس، وقد صلّى ركعة من الصبح بطلت صلاته، وهذا خلاف ما عليه كافّة أهل العلم، فإنهم يرون أن الفرض لا يتناوله هذا العموم بنصّ قوله -ﷺ-: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها»، متّفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريّ: «وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته»، ولفظ أحمد: «من صلّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، فليتم صلاته». فانظر أيها العاقل، فهل يوجد أصرح من هذه النصوص؟، فالعجب كلّ العجب ممن يحاول في ردّ هذه النصوص الصريحة بتأويلات فاسدة، وتحويلات كاسدة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وقوله: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ») وفي نسخة:«بين قرني الشيطان»، قيل: المراد بقرنه أمته وشيعته، وقيل: قرنه جانب رأسه، وهذا ظاهر الحديث، فهو أولي، ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذا الوقت؛ ليكون الساجدون للشمس من الكفار في هذا الوقت كالساجدين له، وحينئذ يكون له ولشيعته تسلُّط وتمكّن من أن يَلْبِسوا على المصلى صلاته، فكُرهت الصلاة في هذا الوقت لهذا المعني، كما كرهت في مأوى الشيطان، قاله النوويّ -﵀- . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ- عَنِ الْحَجَّاجِ -وَهُوَ ابْنُ حَجَّاجٍ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟ فَقَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ المَاءِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنة تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِين) بن محمد بن بُرْد السَّلَميّ، أبو العبّاس النيسابوريّ، صدوق، له غرائب [٩]. رَوَى عن أخيه مبشر بن عبد اللَّه، وإبراهيم بن طهمان، وسفيان بن حسين، وأبي إسحاق، وبكير بن معروف، وأبي الأشهب جعفر بن الحارث الواسطيّ. ورَوى عنه أحمد بن يوسف السَّلَميّ، وأبو الأزهر، وإسحاق بن عبد اللَّه السليماني، وأيوب بن الحسن الزاهد، والحسين بن منصور بن جعفر السلمي، وسهل بن عمار الْعَتَكيّ، ومسعود بن قتيبة النيسابوريون. قال الحاكم: خطتهم أشهر خطة بنيسابور، سمع من ابن إسحاق، وذكر غيره بنيسابور، قال: ولم يرحل، وقال سهل بن عمار: لم يكن بخراسان أنبل منه، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: رَوَى عن سفيان بن حسين الغرائب. وقال السّرّاج: سمعت الحسن بن عبد الصمد يقول: مات عمي عمر بن عبد اللَّه بن رزين سنة ثلاث ومائتين. انفرد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، وعند أبي داود حديثٌ في ترجمة سعيد بن حكيم. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ طَهْمَانَ) بن شعبة الخراسانيّ، أبو سعيد، وُلد بِهَراة، وسكن نيسابور، وقَدِم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات، ثقةٌ يُغرب، وتُكُلِّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ وعبد العزيز بن صهيب، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وأبي الزبير، والأعمش، وشعبة، وسفيان، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، وجماعة. ورَوَى عنه حفص بن عبد اللَّه السلميّ، وخالد بن نِزَار، وابن المبارك، وأبو عامر الْعَقَديّ، ومحمد بن سنان الْعَوفيّ، ومحمد بن سابق البغداديّ، وغيرهم، ورَوَى عنه صفوان بن سُليم، وهو من شيوخه. قال ابن المبارك: صحيح الحديث، وقال أحمد، وأبو حاتم، وأبو داود: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صدوقٌ، حسن الحديث، وقال ابن معين، والعجليّ: لا بأس به، وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: كان ثقةً في الحديث، لَمْ يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويُوَثِّقونه، وقال صالح بن محمد: ثقةٌ حسن الحديث، يميل شيئًا إلى الإرجاء في الإيمان، حبّب اللَّه حديثه إلى الناس، جَيِّد الرواية، وقال إسحاق ابن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقةٌ، وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حَدَّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علمًا. وقال الحسين بن إدريس: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن عمار الموصليّ يقول: فيه ضعْفٌ، مضطرب الحديث، قال: فذكرته لصالح -يعني جَزَرَة- فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة، يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران، عن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: «أولُ جمعةٍ جُمِّعَت بِجُوَاثَا»، قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم؛ لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد، فعُلِم أن الغلط منه، لا من إبراهيم، وقال السليمانيّ: أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير، عن جابر، في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: «رُفِعت لي سدرة المنتهي، فإذا أربعة أنهار. . .». انتهى. قال الحافظ: فأما حديث أنس فعلَّقه البخاريّ في «الصحيح» لإبراهيم، ووصله أبو عوانة في «صحيحه»، وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه، من طريق أبي حذيفة عنه، وقال أحمد: كان يرى الإرجاء، وكان شديدًا على الجهمية، وقال أبو زرعة: ذُكِر عند أحمد، وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يُذْكَر الصالحون، فنتكئ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، إنما تكلموا فيه للإرجاء، وقال البخاريّ في «التاريخ»: حدثنا رجلٌ حدّثني عليّ بن الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السُّكَّريّ، وإبراهيم بن طَهْمان صحيحا العلم والحديث، قال البخاريّ: وسمعت محمد بن أحمد يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن إبراهيم؟ فقال: صدوقُ اللَّهجة، وقال ابن حبان في «الثقات»: قد رَوَى أحاديث مستقيمةً، تُشْبِه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلات. قال الحافظ: الحقّ فيه أنه ثقةٌ صحيح الحديث، إذا روى عنه ثقةٌ، ولم يثبت غُلُوُّه في الإرجاء، ولا كان داعية إليه، بل ذَكَرَ الحاكم أنه رجع عنه، واللَّه أعلم، وأورد الحاكم في «المستدرك» من حديثه عن الحكم حديثًا، وتعقبه الذهبيّ في «مختصره» بأنه لَمْ يدركه. وأسند الخطيب عن يحيى الذُّهْليّ أنه مات سنة (١٦٣)، وقال مالك بن سليمان: مات سنة (١٦٨) بمكة، ولم يخلف مثله . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦١٢) و(٩٥٤) و(١١٤٢) و(٢٢٧٧). ٤ - (الْحَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ) الباهليّ البصريّ الأحول، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أنس بن سيرين، وقتادة، ويونس بن عبيد، وأبي الزبير، وأبي قَزَعَة، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان نسخةً كبيرةً، ويزيد بن زريع، وقَزَعَةُ بن سُوَيد بن حُجَير، وروى عنه ابن أبي عروبة، ومحمد بن جُحادة، وهما من أقرانه. قال أحمد: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ من الثقات، صدوقٌ، أروى الناس عنه إبراهيم بن طهمان، وقال ابن خزيمة: هو أحد أصحاب قتادة، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». وزَعَم عبد الغني بن سعيد: هو حجاج الأسود زِقُّ العسل الْقَسْمَليّ، وفَرَّق بينهما ابن أبي حاتم وغيره، وهو الصواب . قال يزيد بن زُريع: مات في الطاعون، وقال غيره: كان الطاعون بالبصرة سنة (١٣١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟) وفي نسخة: «عن وقت الصلاة». وقوله: (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي طرفها الأعلي، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب. وقوله: (مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ) أي يغِبِ الشفق من الأفق. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّمت مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام المشهور، تقدّم في الباب. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، صدوقٌ [٨]. رَوَى عن أبيه، وجعفر بن محمد بن عليّ، ورَوى عنه زيد بن الحباب، وعبد العزيز الأُويسيّ، ويحيى بن بسطام، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، ومحمد بن سلمان لُوَين، ومسدد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، قال البخاريّ: أثنى عليه مسددٌ، لقيه باليمامة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال عبد اللَّه بن جعفر بن أعين: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد اللَّه بن يحيى بن أبي كثير، وكان من خيار الناس، وأهل الورع والدين، ما رأيت باليمامة خيرًا منه، وقال ابن عديّ: لَمْ أجد للمتقدمين فيه كلامًا، ولا أَعرف له ما أُنكِره إلَّا حديث النهي عن أكل أُذُني القلب، ورواه عن أبيه، عن رجل من الأنصار مرفوعًا، وأرجو أنه لا بأس به. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) و(٢٢٦٣). ٣ - (أَبُوهُ) يحيى بن أبي كثير الطائيّ، تقدّم قبل بابين. شرح الأثر: (لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يتيسّر، ولا يسهل حصوله، قال في «القاموس»: واستَطَاعَ: أطاق، ويقال: اسْطَاعَ، ويَحذفون التاء؛ استثقالًا لها مع الطاء، ويَكرهون إدغام التاء فيها، فتُحرّك السين، وهي لا تُحرّك أبدًا، وقرأ حمزة غير خلّاد: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بالإدغام، فجمع بين الساكنين، وبعض العرب يقول: استاع يَسْتِيع، وبعضٌ يقول: أَسْطاع يُسطِيعُ بقطع الهمزة، بمعنى أطاع يُطيع. انتهى . وقوله: (بِرَاحَةِ الْجِسْمِ) متعلّق بـ «يُستطاع»، والمعنى: أن العلم لا يوجد بالراحة والدَّعَةِ، وإنما يوجد بإتعاب الجسم، وإرهاق النفس، كما قال القائل [من الوافر]: تَرُومُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا … يَغُوصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ اللَّئَالِي
مصادر المؤلف (٥٠)

١. وفي نسخة:«حدّثني».

٢. «شرح الأبيّ» ٢/ ٢٩٧.

٣. «شرح الأبيّ» ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨.

٤. «شرح النوويّ» ٥/ ١٠٩.

٥. «المجموع» ٣/ ٤٥ - ٤٦.

٦. «المجموع» ٣/ ٤٤ - ٤٥.

٧. «التمهيد» ٧/ ٧٠.

٨. «المجموع» ٣/ ٢١ - ٢٢.

٩. «الأوسط» ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠.

١٠. «التمهيد» ٨/ ٧٦ - ٧٩.

١١. «نيل الأوطار» ٢/ ٣٤ - ٣٥.

١٢. «بداية المجتهد» ١/ ٩٥ - ٩٦.

١٣. راجع: «المجموع» للنوويّ ٣/ ٢٩ - ٣١.

١٤. «الأوسط» ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٦.

١٥. «الفتح» ٢/ ٦٢.

١٦. «تمام المنة» (ص ١٠٤ - ١٤٢).

١٧. «القاموس المحيط» في مادة شفق.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٣١٨.

١٩. «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٦٥ - ١٦٦.

٢٠. قال العلامة أحمد شاكر -﵀- في تعليقه على «المحلّى» ١/ ١٩٣: هذه القطعة من أبدع حُجج ابن حزم وأمتنها، وقد نَقَل الشوكانيّ معناها في «نيل الأوطار» ١/ ٤١١ عن «شرح الترمذيّ» لابن سيّد الناس، وأنا أظنّ أنه أخذها عن ابن حزم، ويكاد يكون لفظهما متّحدًا. انتهى.

٢١. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا عند المحقّقين في القياس الفاسد، بأن كان في مقابلة النصوص، وأما غيره فلا يُردّ، وأما ابن حزم فمذهبه ردّ القياس مطلقًا، وهو رأي ضعيف، وقد حقّقت البحث في هذا في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعهما، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

٢٢. «المحلى» ١/ ١٩٢ - ١٩٥.

٢٣. «المجموع شرح المهذّب» ٣/ ٤٠ - ٤١.

٢٤. وفي نسخة: «حدّثني».

٢٥. وفي نسخة: «ووقتُ صلاة الفجر».

٢٦. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٣٤.

٢٧. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣١٦.

٢٨. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، بحاشية الأمير» ٢/ ٦.

٢٩. «لسان العرب» ٤/ ١٠٩.

٣٠. «المنهل العذب المورود»٣/ ٣٠٣.

٣١. «الفتح»٢/ ٦٢.

٣٢. وفي نسخة:«ووقتُ صلاة الفجر».

٣٣. «البداية والنهاية» ١/ ٩٧.

٣٤. هكذا النسخة، ولعلّه مصحّفٌ من«ثور»بالثاء المثلّثة، فليُحرّر، واللَّه تعالى أعلم.

٣٥. وفي نسخة:«أخبرنا».

٣٦. وفي نسخة:«ووقت المغرب».

٣٧. وفي نسخة:«بين قرني الشيطان».

٣٨. «المفهم» ٢/ ٢٣٤.

٣٩. «الأوسط» ٢/ ٣٢٨.

٤٠. «المفهم» ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

٤١. «المفهم» ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

٤٢. «المفهم» ٢/ ٢٣٩.

٤٣. «شرح النوويّ»٥/ ١١٣.

٤٤. وفي نسخة:«حدّثني».

٤٥. وفي نسخة:«حدّثني».

٤٦. وفي نسخة:«وهو ابن الحجّاج».

٤٧. وفي نسخة:«عن وقت الصلاة».

٤٨. «تهذيب التهذيب» ١/ ١١٣.

٤٩. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٧٥.

٥٠. «القاموس المحيط» ٣/ ٦٠.