النبيّ -ﷺ- قال أحدهما، فشكّ فيه الراوي، فجمعهما بـ «أو»، ويَحْتَمِلُ أن يكون النبيّ -ﷺ- ذكر اللفظين، فتكون «أو» للتقسيم والتنويع.
و«الْحَرُور»: اشتداد الحرّ، وفيحه بالليل والنهار، فأما السموم فلا يكون إلا بالليل، و«الزمهرير»: شدّة البرد. انتهى .
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، فراجعها تستفد، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٠٦] (٦١٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ (ح) قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (ح) قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، المعروف ببُندار أبو بكر البصريّ، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن فَرُّوخ الْقَطَّانُ التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقنٌ، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتّش بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، مضطرب في عكرمة خاصّةً [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥.
٧ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وسماك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان.
٥ - (ومنها): كتابة (ح) مرّتين، وفائدة التحويل بيان اختلاف شيخه ابن المثنّى في كيّفية التحمّل والأداء عن شيخيه: يحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ.
ففي التحويل الأول بيّن أنه سمعه من يحيى القطّان وحده، ولذا قال: «حدّثني يحيى بن سعيد»، ونسبه إلى أبيه أيضًا، وصرّح شعبة بتحديث سماك له، وفي التحويل الثاني بيّن أنه سمعه من عبد الرحمن بن مهديّ مع غيره، ولذا قال: «وحدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ»، وعنعن بعده، وأما محمد بن بشّار فالظاهر ما فصّل هذا التفصيل، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ») وفي رواية أبي داود من طريق هشام الدستوائيّ، عن شعبة، بلفظ: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا دَحَضت الشمس صلى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، والعصر كذلك، والصلوات كذلك، إلا الصبح، فإنه كان يطيلها».
وقوله: «دَحَضَت» -بفتح الدال والحاء المهملة-: أي زَلَقَت وزالت عن كَبِد السماء، والدَّحْضُ: الزّلَقُ، قال القرطبيّ -﵀-: وكان هذا منه -ﷺ- في زمن البرد، كما قد رواه أنسّ -﵁-: «أنه إذا كان الحرّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عَجَّلَ»، رواه النسائيّ.
وفيه دليلٌ على استحباب تقدم صلاة الظهر في أول وقتها، وبه قال الشافعيّ والجمهور، قاله النوويّ -﵀- .
وأخرج ابن عبد البرّ -﵀-: عن الأثرم قال: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل-: أيُّ الأوقات أعجب إليك؟ قال: أول الأوقات أعجب إليَّ في الصلوات كلِّها إلا في صلاتين: صلاة العشاء الآخرة، وصلاة الظهر في الحرّ يبرد بها، وأما في الشتاء فيعجل بها. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه: