HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٢٢

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ. حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ. وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ. قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ. فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ. يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ. حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ. قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا. لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلا قليلا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص110
ج ١ ص ٤٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٢٠
رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. والباقون تقدّموا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٨٤) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ. . . إلخ) قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدلّ على المبالغة في تعجيل صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجةٌ، ولعل تأخير بني عمرو؛ لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم وزروعهم وحوائطهم، فإذا فَرَغُوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها، فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى. قال: وفي هذه الأحاديث وما بعدها دليلٌ لمذهب مالك، والشافعىّ، وأحمد، وجمهور العلماء أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله. وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجةٌ للجماعة عليه، مع حديث ابن عباس -﵁- في بيان المواقيت، وحديث جابر -﵁-، وغير ذلك. انتهى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤١٤] (٦٢٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقابريّ البغداديّ، العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرِج بن خالد، السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ مأمونٌ، من صغار [٩] (خ م ت س) (ت ٢٤٤) وقد قارب (١٠٠) أو جاوزها تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدني، ثقة ثبتٌ [٨] (تَ ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) الحرقيّ تقدّم قبل باب. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- المذكور قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف -﵀-، كسابقيه، وهو (٨٥) من رباعيّات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حجر، كما أسلفته آنفًا، والعلاء، فأخرج له البخاريّ في «جزء القراءة» فقط. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من إسماعيل. شرح الحديث: (عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ) وفي رواية أبي داود: «دخلنا» (عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ) بفتح، فسكون، وزانُ تَمْرَة: ومعناه في الأصل: الحجارة الرِّخْوَة، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء، وكسرها، وبها سُمّيت البلدة المعروفة، وأنكر الزجاج فتح الباء، مع الحذف، ويقال في النسبة: بَصريّ بالوجهين، وهي مُحْدَثة إسلامية، بُنِيت في خلافة عمر -﵁- سنة (١٧) من الهجرة، بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حدّه، دون حكمه، قاله في «المصباح» . (حِينَ انْصَرَفَ) الظرف متعلّق بـ «دخل»، أي دخل العلاء على أنس -﵁- وقت انصرافه (مِن) صلاة (الظُّهْرِ، وَدَارُهُ) أي دار أنس -﵁- (بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ) وفي رواية أبي داود: «دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر. . .» الحديث. يعني أنه صلى في أول وقتها، وصلى في بيته، ولم يصلها مع الإمام؛ لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، وقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- مَن يدركهم أن يصلي الصلاة أول وقتها، ويجعل صلاته معهم نافلة، كما تقدم في حديث أبي ذرّ -﵁- . (فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي على أنس -﵁- (قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ) أي في هذه الساعة الحاضرة، فأل للعهد الحضوريّ (مِنَ الظُّهْرِ) أي من صلاتها (قَالَ) أنس -﵁- (فَصَلُّوا الْعَصْرَ) قال العلاء (فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا) أي صلاة العصر (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي سلمنا من العصر (قَالَ) أنس -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «تِلْكَ) أي الصلاة المتأخرة عن الوقت، فـ»تلك«: إشارة إلى مذكور حكمًا، كما قدّرناه، وقال الطيبيّ: إشارةٌ إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن. (صَلَاةُ الْمُنَافِقِ) وفي بعض النسخ:«تلك صلاة المنافقين»، وفي رواية أبي داود:«تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين»، بالتكرار ثلاث مرات، مبالغةً في ذمّ من يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت بدون عذر. ثم إن المنافق هنا إما محمول على حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، يعني أن من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب، فقد شبّه نفسه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقيَّة الصلاة، بل إنما يصلي لدفع السيف عن نفسه، ولا يبالي بالتأخير؛ إذ لا يطلب فضيلةً، ولا ثوابًا، والواجب على المسلم أن يخالف المنافق . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «تلك صلاة المنافقين» إشارة إلى صلاة العصر المخرجة عن وقتها، ومعناه أن الذي يُخرجها عن وقتها يُشبه فعله ذلك فعلَ المنافق الذي يتهاون بأمرها، ويُضيّعها حتى يُخرجها عن وقتها، ولذلك وصفه بقوله: «يَجلس يرقُب الشمس»، وهذه عبارة عن عدم مبالاته بها، وتضييعه لها حتى إذا رأى الشمس قد حان غروبها قام يُصليها على ما ذُكر رياءً وتلبيسًا. انتهى . (يَجْلِسُ) وللنسائيّ: «جلس»، بصيغة الماضي، ولأبي داود: «يجلس أحدهم»، والجملة مستانفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما هي صفة تلك الصلاة، التي وُصفت بأنها صلاة المنافق، فقال: يجلس ينتظر قرب غروب الشمس. . . إلخ. (يَرْقُبُ الشَّمْسَ) -بضمّ القاف- يقال: رَقَبتهُ أَرقُبُه، من باب نصر، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته، فأنا رقيبٌ، والجمع الرُّقباءُ ، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. والمعنى: أنه يجلس حال كونه منتظرًا قرب غروب الشمس. ولفظ النسائيّ: «جلس يرقُب صلاة العصر»، أي ينتظر قرب آخر وقتها، وهو غروب الشمس. (حَتَّى إِذَا كَانَتْ) أي الشمس (بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ) وفي رواية أبي داود: «حتى إذا اصفرّت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان». ومعنى «قرني الشيطان»: جانبا رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها ينتصب دون الشمس، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته، قاله في «المرعاة». وقال النوويّ -﵀-: اختلفوا فيه، فقيل: هو على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها؛ ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخَيِّل لنفسه، ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له. وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه علوّه، وارتفاعه، وسلطانه، وتسلّطه، وغلبة أعوانه، وسجود مطيعه من الكفار للشمس. انتهى . وقال الخطابيّ -﵀-: اختلفوا في تأويله على وجوه؛ فقال قائل: معناه: مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب، على معنى ما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك. وقيل: معنى «قرن الشيطان» قوته، من قولك: أنا مُقْرِنٌ لهذا الأمر، أي مطيق له، قويّ عليه. وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يُسَوِّل لعَبَدَة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة، وقيل: قرنه: حزبه، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن، أي نشء جاءوا بعد قرن مضى. وقيل: إن هذا تمثيل، وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دَفَعوا الصلاة، وأخّروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرّت الشمس، صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه بأرواقها. وفيه وجه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنا الرأس: فَوْدَاهُ، وجانباه، وسُمِّي ذو القرنين بذلك؛ لأنه ضرب على جانبي رأسه، فلقّب به. انتهى كلام الخطابيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح هذه الأقوال عندي هذا الوجه الخامس، وقريب منه الوجه الأول، أو هو تفصيل له، وإنما كان هذا أرجح؛ لأن ظاهر النصّ لا يُعْدَل عنه إلا إذا كان فيه ما يصرفه عن ظاهره، وهنا لا داعي لذلك؛ لأن كون الشيطان ينتقل من مكان إلى مكان بحيث يصل إلى محل طلوع الشمس وغروبها غير مستبعد، فلا حاجة لصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. فقوله: «حتى إذا كانت. . . إلخ» غاية لمراقبته للشمس، يعني أنه يجلس مراقبًا للشمس، ومنتظرًا لها إلى أن صارت بين قرني الشيطان، فعند ذلك قام يسابق غروبها. وقوله: (قَامَ) جواب «إذا»، أي إلى أداء الصلاة (فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا) من نَقَرَ الطائر الحب نَقْرًا، من باب قتل: التقطه، أي نقر صلاة العصر نقرًا كنقر الطائر الحبّ. قال ابن الأثير الجزريّ -﵀-: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: هذا النقر عبارة عن سُرْعة حركاته في أركان الصلاة، في ركوعها وسجودها، وخِفّة ذلك، بحيث لا يُتمّ ركوعها، ولا سجودها، فشَبّهه بنقر الطائر، وهو ذمّ لمن فَعَل ذلك. انتهى . وقال السنديّ -﵀-: كأنه شبّه كل سجدتين من سجداته من حيث إنه لا يمكث فيهما، ولا بينهما، بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط شيئًا. انتهى. يعني إنما قال: أربعًا، أي أربع سجدات مع أن في العصر ثماني سجدات؛ لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعًا. وفيه تصريحٌ بذمّ من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع، والطمأنينة، والأذكار. وقيل: معنى «نقر أربعًا» أي لقط أربع ركعات سريعًا، فالنقر عبارة عن السرعة في أداء الصلاة. وقيل: عن سرعة القراءة، وقلّتها، وقلة الذكر فيها . وفي «المنهل»: وتخصيص الأربع بالنقر، وفي العصر ثماني سجدات اعتبارًا بالركعة، أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين، ثم زيدت بعده. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. وإنما خَصّ العصر بالذكر؛ لأنها الصلاة الوسطى، ولأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم، وفيه الوعيد الشديد. انتهى. (لَا يَذْكُرُ اللَّهَ) -﷿- لعدم اعتقاده، أو لخلوه عن الإخلاص (فِيهَا) أي في تلك الصلاة (إِلَّا قَلِيلًا) أي إلا ذكرًا قليلًا، وقيل: الاستثناء منفصل، أي لكنه في زمن قليل يذكر اللَّه فيه بلسانه فقط. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا» أي لسرعة حركاته فيها، وليُرائي بالقليل الذي يذكره عند تخلّيه عمن يلاحظه من الناس. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. المسألة الثانية: في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٤/ ١٤١٤] (٦٢٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤١٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٠)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥١١)، وفي «الكبرى» (١٤٩٧)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ٢٢١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢١٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٢ و١٠٣ و٢٤٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٥٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٩٠ و١٣٩١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٤٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٦٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوعيد الشديد لمن أخّر العصر عن وقتها المستحب إلى قرب غروبها. ٢ - (ومنها): التصريح بذمّ من أخّر صلاة العصر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أقبح من هذا الوصف عند العاقل. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث يدلّ على أن آخر وقت إباحة العصر ما لم تصفرّ الشمس، وما لم يصر ظلُّ كل شيء مثليه. انتهى . ٤ - (ومنها): التصريح بذمّ من صلى مسرعًا بحيث لا يُكْمِل الطمأنينة، والخشوع، والأذكار. ٥ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من زعم أن الواجب من أركان الصلاة، ومن الفصل بين أركانها أقلّ ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن من اقتصر على ذلك صَدَقَ عليه أنه نقر الصلاة، فدخل في الذّمّ المترتّب على ذلك. ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن صلاة المؤمن إنما تكون بالطمأنينة، والخشوع، والأذكار على الصفة الواردة عن رسول اللَّه -ﷺ- المشار إليها
مصادر المؤلف (١٥)

١. «شرح النوويّ» ٥/ ١٢٢ - ١٢٣.

٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣. وفي نسخة: «تلك صلاة المنافقين».

٤. «المصباح المنير» ١/ ٥٠.

٥. سيأتي للمصنّف برقم (٦٤٨).

٦. «المرعاة» ٢/ ٣٠٢.

٧. «المفهم» ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.

٨. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٣٤.

٩. «شرح النوويّ» ٥/ ١٢٤.

١٠. «معالم السنن» ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.

١١. «النهاية» ٥/ ١٠٤.

١٢. «المفهم» ٢/ ٢٥٠.

١٣. «المرعاة» ٢/ ٣٠٢.

١٤. «المفهم» ٢/ ٢٥١.

١٥. «المفهم» ٢/ ٢٥٠.