HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٣٠

حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾. فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوسطى﴾. فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هي إذن صَلَاةُ الْعَصْرِ. فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ. وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُسْلِم: وَرَوَاهُ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَالَ: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زَمَانًا. بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص112
ج ١ ص ٤٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٩١
١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى، وأن العطف فيه للتفسير، كما مرّ تحقيقه. ٢ - (ومنها): كون الصحابة -﵃- يعتنون بكتابة المصحف. ٣ - (ومنها): أن من عرف شيئًا خفي على غيره ينبغي له التنبيه عليه. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال إن الوسطى غير العصر؛ لأن العطف للمغايرة، وقد عرفت الردّ عليه، فتنبّه، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣٠] (٦٣٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ) الأغرّ -بالغين المعجمة، والراء- الرَّقَاشيّ، ويقال: الرُّؤَاسيّ، مولى بني عَنَزَة، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعديّ بن ثابت، وعطية الْعَوْفيّ، والأعمش، وميسرة بن حبيب، وشقيق بن عقبة، وغيرهم. ورَوَى عنه زهير بن معاوية، ووكيع، وعبد الغفار بن الحكم، وحسين بن عليّ الْجُعْفيّ، وأبو أسامة، والفضل بن مُوفَّق، ويحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بكير، وغيرهم. قال معاذ بن معاذ: سألت الثوريّ عنه؟ فقال: ثقةٌ، وقال الحسن بن عليّ الحلوانيّ: سمعت الشافعيّ يقول: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: صالح الحديث، إلا أنه شديد التشيع، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، صدوقٌ، يَهِمُ كثيرًا، يُكتب حديثه، قلت: يُحتَجُّ به؟ قال: لا، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت الهيثم بن جَمِيل يقول: جاء فضيل بن مرزوق، وكان من أئمة الهدى زهدًا وفضلًا إلى الحسن بن صالح بن حيّ، فذكر قصة، وقال مسعود، عن الحاكم: ليس هو من شرط الصحيح، وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن حبان في «الثقات»: يخطئ، وقال في «الضعفاء»: كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات، وقال ابن شاهين في «الثقات»: اختَلَفَ قول ابن معين فيه، وقال في «الضعفاء»: قال أحمد بن صالح: حديث فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، حديث: «اللَّه الذي خلقكم من ضعف. . .» ليس له عندي أصل، ولا هو بصحيح، وقال ابن رشدين : لا أدري من أراد أحمد بن صالح بالتضعيف، أعطية، أم فضيل بن مرزوق؟ وقال العجليّ: جائز الحديث صدوقٌ، وكان فيه تشيع، وقال أحمد: لا يكاد يُحَدِّث عن غير عطية. أخرج له البخاريّ في «جزء رفع اليدين»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٣٠)، وحديث (١٠١٥): «إن اللَّه طيّبٌ، لا يقبل إلا طيّبًا. . .»، وله عند النسائيّ حديثُ عبد اللَّه بن عمر: «إياكم والشُّحّ». ٤ - (شَقِيقُ بْنُ عُقْبَةَ) الْعَبْديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن البراء، وقُرّة بن الحارث، وعنه الأسود بن قيس، وفضيل بن مرزوق، ومِسْعَرٌ. قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأخرج له أبو داود في «الناسخ والمنسوخ». [تنبيه]: ذكر في «التهذيب»: أن لشقيق بن عُقبة في «صحيح مسلم» حديثًا واحدًا في الصلاة الوسطى، قال: وهو مُعَلَّق، قال مسلم: رَوَى الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء، وقد سمعناه متصلًا في الخامس من حديث المزكي. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من أغرب الغرائب، فإن مسلمًا رواه أوّلًا متّصلًا، ثم قال: ورواه الأشجعيّ، فكيف ترك المتّصل الذي أورده مسلم أوّلًا، وذكر المعلّق الذي أورده بعده متابعةً، ثم ذكر أنه سمعه متّصلًا في الخامس من حديث المزكي؟ وهذا الجزء غريب، والحديث أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم في «مستخرجيهما» على «صحيح مسلم» متّصلًا من طريق الأشجعيّ، كما سأذكره قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- فكان العزو إليهما أحقّ من العزو إلى هذا الجزء الغريب، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) -﵄- أنه (قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وقوله: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) بدل من اسم الإشارة محكيّ؛ لقصد لفظه (وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) بالجرّ عطفًا على «الصلوات»، من عطف الخاصّ على العامّ؛ تشريفًا وتكريمًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية (فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ) ولفظ «ما» مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة مشيئة اللَّه تعالى، وفي رواية أبي عوانة في «مسنده»: فقرأناها على رسول اللَّه -ﷺ- ما شاء اللَّه أن نقرأها«(ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ) ﷿، أي رفع حكم كونها قرآنًا (فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) فقوله: ﴿حَافِظُوا﴾. . . إلخ مرفوع على الفاعليّة بـ»نزلت«، محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ) أي ابن عقبة، وهذا الرجل اسمه زاهر، سمّاه أبو عوانة في»مسنده«، ولفظه:»فقال زاهر، وكان مع شقيق: أفهي صلاة العصر؟ «، وكذا هو عند أبي نعيم في»مستخرجه«، ولفظه:»فقال له زاهر، رجلٌ كان مع شقيق: أفهي العصر؟ «، وقيل: اسمه أزهر، سمّاه به الإمام أحمد في»مسنده«، ولفظه:»فقال له رجل، كان مع شقيق، يقال له: أزهر«، وقوله: (لَهُ) متعلّق بـ»قال«، أي قال للبراء -﵁- (هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟) أي إذا كان الأمر كما ذكرت من أن الآية نزلت أوّلًا بلفظ:»حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر«، ثم نُسِخت إلى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فتكون الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنها نزلت بدلها، وظاهر هذا أن نسخها إنما هو في اللفظ، لا في المعنى، فهي مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، كآية الرجم، أفاده ابن حزم -﵀- . (فَقَالَ الْبَرَاءُ) لأنَّه (قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) قال القرطبيّ -﵀-: قول البراء للسائل:«قد أخبرتك. . . إلخ»يظهر منه تردّد، لكن فيما ذا؟ هل نُسخ تعيينها، وبقيت هي الوسطى، أو نُسخ كونها وُسطى؟ في هذا تردّدٌ -واللَّه تعالى أعلم- وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الترديد الذي ذكره القرطبيّ إنما هو مبنيّ على نسخته، فإن نصّ نسخته هكذا:«نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. . . إلخ»، فقد ذكر فيها:«والصلاة الوسطى»في الآية الأولى كالثانية، والظاهر أن النسخة غلطٌ، فإن جميع نسخ«صحيح مسلم»التي بين أيدينا، سوى نسخته نصّها:«عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. . . إلخ». وهكذا وقع عند كل من أخرج الحديث، فقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم في«مستخرجيهما»، والإمام أحمد في«مسنده»، ونصّ أبي عوانة -﵀- (١/ ٢٩٥): (١٠٤٠) حدّثنا الصائغ بمكة، والصغاني قالا: ثنا يحيى بن أبي بكير (ح) وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم (ح) وحدّثنا ابن ثور القيسرانيّ، قال: ثنا الفريابيّ، قالوا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية«حافظوا على الصلوات وصلاة العصر»، فقرأناها على رسول اللَّه -ﷺ- ما شاء اللَّه أن نقرأها، ثم نسخها اللَّه -ﷺ-: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال الصائغ، عن يحيى بن أبي بكير: قال: فقال زاهر، وكان زاهر، مع شقيق: أفهي صلاة العصر؟ فقال: قد حَدَّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها اللَّه، واللَّه أعلم. انتهى. ونصّ أبي نعيم -﵀- (٢/ ٢٣٥): (١٤٠٧) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا عبد اللَّه بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا يحيى بن آدم (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا أبو يحيى الرازيّ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا ابن فضيل، قالا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: «حافظوا على الصلوات والصلاة العصر»، فقرأناها على رسول اللَّه -ﷺ- ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهرٌ، رجلٌ كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: حدّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها، واللَّه أعلم. انتهى. ونصّ الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» (٣٠/ ٦١٣ - ٦١٤): (١٨١٩٨) حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فُضيل -يعني ابن مرزوق- عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: «حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر»، فقرأناها على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ما شاء اللَّه أن نقرأها، لم ينسخها اللَّه ، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له رجل كان مع شقيق يقال له أزهر: وهي صلاة العصر؟ قال: قد أخبرتك، كيف نزلت، وكيف نسخها اللَّه تعالى، واللَّه أعلم. انتهى . فتبيّن بما ذُكر أن ما وقع في نسخة القرطبيّ من زيادة قوله: «والصلاة الوسطى» قبل «وصلاة العصر» غلط، والصواب ما وقع في هذه الروايات من قوله: «نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. . . إلخ»، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وعلى هذا فيكون عدم جزم البراء بأنها الوسطى هي صلاة العصر؛ لاحتمال أن تكون غيرها، ومما يدلّ على ذلك عدم إنكاره على السائل قوله: «هي إذن صلاة العصر». والحاصل أن تردّد البراء -﵁- لا يمنع أن نجزم بأنها صلاة العصر بالأدلّة الأخرى التي لا تردّد فيها كحديث عليّ -﵁- المتقدّم وغيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٣٠] (٦٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٠١)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٥٤٣٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٧٣)، و«مشكل الآثار» (٢٠٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٠٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٢٨١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٥٩)، و(ابن حزم) في «المحلَّى» (٤/ ٢٥٨)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: (قَالَ مُسْلِم: وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- زَمَانًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: غرض المصنّف بإيراد هذا المعلَّق هنا تقوية رواية فُضيل بن مرزوق المتقدّمة، حيث إنه مختلف فيه، حتى عابه بعضهم بإخراج حديثه، كما تقدّم في ترجمته، فأراد بيان أنه لم ينفرد بروايته عن شقيق بن عُقبة، بل تابعه فيه الأسود بن قيس المتّفق على توثيقه. [فإن قلت]: لماذا أورد المصنّف رواية الأسود بن قيس تعليقًا مع أنها أصحّ بلا خلاف، ولم يوردها أصلًا، ثم يذكر رواية فضيل متابعةً؟. [قلت]: إنما فعل ذلك لكون رواية الأسود لم يقع له سماعها، وإنما سمع رواية فضيل، فأورد الحديث كما سمع، ثم أزال ما يُطعن فيه من تضعيف بعضهم رواية فضيل بن مرزوق بإيراد رواية الأسود، هذا ما ظهر لي، واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْأَشْجَعِيُّ) عبيد اللَّه بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، من أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٦. ٢ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ عابدٌ حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، ويقال: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد اللَّه البجليّ، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وشقيق بن عُقبة، ونُبَيح الْعَنَزيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، والحسن بن صالح، وزهير بن معاوية، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ حسن الحديث، وقال الْفَسَويّ في «تاريخه»: كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال شريك بن عبد اللَّه النخعيّ: أما واللَّه إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مُكْرِمًا للضيف. وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: رَوَى عن عشرة مجهولين لا يعرفون. قال الحافظ: سَمَّى مسلم منهم في «الوُحْدان» أربعةً، وذكره ابن حبان في «الثقات»، فجعله اثنين، فالذي يروي عن جندب ذكره في التابعين، والذي يروي عن نُبَيح ذكره في أتباع التابعين. قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنه وَهَمٌ. أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٣٠) و(١٠٨٠) و(١٧٩٦) و(١٧٩٧) وأعاده بعده، و(١٩٦٠) وكرّره ثلاث مرّات. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ) يعني أن حديث الأسود بن قيس، عن شقيق بن عُقبة مثل حديث فضيل بن مرزوق، عنه. [تنبيه]: رواية الأشجعيّ هذه، ساقها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٩٥)، فقال: (١٠٤١) حدّثنا موسى بن سعيد الطرسوسيّ، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعيّ، عن سفيان -يعني الثوريّ- عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأنا بها مع رسول اللَّه -ﷺ- زمانا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ولا أدري أهي هيه أم لا؟. انتهى. وساقها أيضًا أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ٢٣٠)، فقال: (١٤٠٨) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أبو بكر بن معدان، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأنا مع النبيّ -ﷺ- زمانًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلا أدري هي هي أم لا؟. ثم قال: رواه مسلم بلا سماع، قال: رواه الأشجعيّ، عن سفيان. انتهى. وقد سبق كلام الحافظ رشيد الدين العطّار في مقدّمة «قرّة عين المحتاج» على هذا الحديث ، وأخرجه بسنده من طريق ابن المزكي كما مرّ عن الحافظ، وإنما عدلت هنا إلى «مسند أبي عوانة»، و«مستخرج أبي نعيم»؛ لأنهما ألصق بكتاب مسلم، ولأنهما أشهر من ابن المزكي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث عشر من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» ﵀، بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة المبارك (٢٧/ ١٢/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧ يناير - كانون الثاني ٢٠٠٦ م). أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع عشر مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابٌ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَيْفَ يَقْضِيهَا؟) رقم الحديث [١٤٣١] (٦٣١). «سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * *
مصادر المؤلف (٨)

١. وفي نسخة: «فهي».

٢. هكذا نسخة «التهذيب»: «ابن رشدين»، ولعله «ابن شاهين»، فليُحرّر.

٣. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٧٩.

٤. راجع:«المحلّى»٤/ ٢٥٨.

٥. «المفهم»٢/ ٢٥٩.

٦. هكذا نسخ «المسند»: «لم ينسخها اللَّه»، وهو في المصادر المتقدّمة: «ثم نسخها اللَّه»، والظاهر أن ما وقع في «المسند» مصحّف، ومما يؤيّد ذلك قول البراء في الآخر: «وكيف نسخها اللَّه»، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.

٧. «المسند» ٣٠/ ٦١٣ - ٦١٤.

٨. راجع: «قرة عين المحتاج» ١/ ٩٤ - ٩٥ الطبعة الأولى، و١/ ٩٢ - ٩٣ الطبعة الثانية.