HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٤٤

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة عن أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ. أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ. وهم يعتمون بالإبل».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص118
ج ١ ص ٤٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص١١٤
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٥] (. . .) (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: يُخَفِّفُ). هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٨٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ) أي مشابهًا لما تصلّونه من حيث الوقت. وقوله: (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا من الوقت الذي تصلّون فيه. وقوله: (وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء بمعنى يُخفّف بفاءين في الرواية الأخرى، قال في «اللسان»: وأخفّ الرجل، فهو مُخِفُّ، وخَفِيفٌ وخِفٌّ: أي خفّت حاله، ورَقّت، وإذا كان قليل الثِّقَل. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٦] (٦٤٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المَدني، نزيل الكوفة، ثقة، رُمِي بالقدر [٦]. رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والمطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعبد اللَّه بن سُليمان بن يسار. وروى عنه ابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والسفيانان، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: مَدَنِيٌّ قَدِمَ الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الحميديّ عن سفيان: وكان من عباد أهل المدينة. وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: كان يُرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم، وقال ابن عديّ: أما في الروايات، فلا بأس به، وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقة، وقال الساجيّ: كان صدوقًا، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال العقيليّ: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة، وذكره ابن حبّان في «الثقات». قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث برقم (٦٤٤) وأعاده بعده، وحديث (٧٣٨): «كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة»، و(١١٥٦): «يصوم حتى نقول: قد صام. . .». ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى زهير وابن أبي لبيد فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن أبي عمر فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا) ناهيةٌ (تَغْلِبَنَّكُمُ) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال: غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، قاله الطيبيّ -﵀-. (الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابيّ، بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ، وارتِيَادٍ لِلْكَلِأ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحَاء. ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وهي لغات الحجاز، وما والاها، قاله في «المصباح». (عَلَى اسْمِ صَلَاِتِكُمْ) وفي رواية النسائيّ: «على اسم صلاتكم هذه»، فاسم الإشارة نحتٌ، أو بدلٌ من «صلاتكم»، والإشارة إلى العشاء (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد «ألا» الاستفتاحيّة (الْعِشَاءُ) أي سمّاها اللَّه تعالى في كتابه بهذا الاسم، فلا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسميتها بالعَتَمة، فتَغْصِبَ منكم اسمَ العشاء التي سماها اللَّه تعالى به. والمعنى: أنه لا ينبغي العدول عما في كتاب اللَّه تعالى من تسميتها عشاء، إلى ما ألِفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قُبْحُ لفظه؟ إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها، قاله القاري -﵀- . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام -﵀-: المعنى فيه: أن العادة أن العُظَماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، واللَّه ﷿ سماها في كتابه العشاء، في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيَقْبُح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدولُ إلى غيره. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: قال الأزهريّ: أرباب النَّعَم في البادية يُريحون الإبل، ثم يُنيخونها في مراحها حتى يُعْتِموا، أي يدخلوا في عَتَمَة الليل، وهي ظلمته، وكانت الأعراب يُسمُّون صلاة العشاء صلاة العَتَمة؛ تسميةً بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستَحَبّ لهم التمسّك بالاسم الناطق به لسان الشريعة. انتهى . وقال في «الفتح»: ونَقَل القرطبيّ عن غيره إنما نُهِي عن ذلك؛ تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطْلَق عليها ما هو اسم لفِعْلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة. وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يَعتمدونها في زمان الْجَدْب؛ خوفًا من السُّؤَّال والصعاليك، فعلى هذا فهى فِعْلة دنيوية مكروهة، لا تُطْلَق على فِعْلة دينية محبوبة. ومعنى الْعَتْم في الأصل تأخير مخصوص، وقال الطبريّ: الْعَتَمة بقية اللبن، تُغْبَق بها الناقة بعد هويّ من الليل، فسُمِّيت الصلاة بذلك؛ لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة. وروى ابن أبي شيبة، من طريق ميمون بن مهران، قال: قلت لابن عمر: مَن أول مَن سَمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. انتهى . وقال السنديّ -﵀- ما حاصله: الاسمُ الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثِروا استعمالَ ذلك الاسم؛ لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء؛ موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلًا، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي سبقت في الباب، وغيرها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره العلامة السنديّ -﵀- من الجمع بين الأحاديث بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسنٌ جدًا، وهو الذي يدلّ عليه تعبيره بقوله: «لا تغلبنكم»، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا بالاستعمال أحيانًا للحاجة، مثل أن يُعرّفها لمن لا يعرف إلا اسم العَتَمَة، كما سبق في قوله: «التي تسمّونها العتمة»، واللَّه تعالى أعلم. (وَهُمْ) أي الأعراب، ولفظ النسائيّ: «فإنهم» بالفاء التعليليّة (يُعْتِمُونَ) من الإعتام رباعيًّا، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العَتَمَة وهي الظلمة، كأصبح: إذا دخل في الصباح، أفاده في «المصباح». (بِالإِبِلِ») بحلب الإبل، وللنسائيّ:«على الإبل»، فـ«على»بمعنى اللام، للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام. وقال السنديّ -﵀-: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل، وحلبها. انتهى. وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، وشممون ذلك الوقتَ العَتَمَةَ، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تُطلقوا هذا الاسم على العشاء؛ لئلا يغلب مصطلَحُهُم على ما جاء في كتاب اللَّه ﷿ تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ» بعد ذكر حديث ابن عمر -﵄- هذا من رواية مسلم -﵀- ما نصّه: كذا رواه ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، وابنُ أبي لبيد كان يُتّهم بالقدر، وقال العقيليّ: كان يُخالف في بعض حديثه، وتابعه عليه ابنُ أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابنُ أبي ليلى ليس بالحافظ، ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، وقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه، وليس بمحفوظ، وفيه أيضًا: عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبيّ -ﷺ-، وفي إسناده جهالة. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية المصنّف لا طعن فيها، وابن أبي لبيد وثقه جماعة، وإنما تكلموا فيه للقدر، ولم يتكلموا في روايته، وأما قول العقيليّ، فلم يتابعه عليه غيره، وأما المخالفة المذكورة في الروايات المذكورة فلا يُلتفت إليها؛ لأن أسانيدها ضعيفة. والحاصل أن رواية المصنّف -﵀- صحيحة دون شكّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٦ و١٤٥٧] (٦٤٤)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٩٨٤)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٤١ و٥٤٢)، و«السنن الكبرى» (١٥٢٢ و١٥٢٣)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٧٠٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢١٥١ و٢١٥٢)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٠ و١٩ و٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٤١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٢٩ و١٤٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٧٢)، و(البغوي) في «شرح السنّة» (٣٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن تسمية العشاء بالعتمة؛ حملًا على كثرة الاستعمال، أو حملًا على التنزيه، وتقدم أنه محمول على كثرة استعماله حتى يغلب على الاسم الشرعيّ، أو محمول على التنزيه. ٢ - (ومنها): أن الاسم الذي سماها اللَّه تعالى به في كتابه هو العشاء، حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. ٣ - (ومنها): أن الأسماء الشرعية إذا خالفت الأسماء العرفية ينبغي أن تقدم عليها. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن لا يُقَلِّد الجاهلية حتى في الأسماء، بل يتبع الشرع في جميع أموره، فإن للشارع حكمةً في اختيار الأسماء وغيرها، فلا ينبغي العدول عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كراهة تسمية العشاء بالعتمة: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب ذكر العشاء، والْعَتَمَة، ومن رآه واسعًا». قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرحه»: مراده أن العشاء الآخرة تُسمّى العشاء، وتُسمّى الْعَتَمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل؟ اتّباعًا لقول اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، وهذا قول كثير من العلماء، أو أكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعيّ في «الأمّ»: أحبُّ إليّ أن لا تُسمّى العشاء الآخرة عتمةً، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم. ومنهم من قال: يكره أن تسمّى عتمةً، وهو وجه ضعيفٌ لأصحابنا، وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر، وكان يكرهه كراهة شديدةً، ويقول: أول من سقاها بذلك الشيطان، وكرهه أيضًا ابنه سالم، وابن سيرين. قال: وقد حمله -يعني حديث: «لا تغلبنّكم الأعراب. . . إلخ»- بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء، وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب، وتسميتها في كتاب اللَّه بالعشاء، لا يدلّ علىكراهة تسميتها بغيره، كما أن اللَّه تعالى سمّى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . وقال في «الفتح»: واختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر، عن مالك، والشافعيّ، واختاره. وقال أيضًا بعد ذكره أنه ورد تسميتها بالعتَمَة في حديث ابن عمر، وأبي برزة، وعائشة -﵃- ما نصّه: وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار مَن عَرَفَ النهي عن ذلك يَحتاج إلى ذكره؛ لقصد التعريف. قال النوويّ وغيره: يُجْمَع بين النهي عن تسميتها عَتَمَةً وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين: [أحدهما]: أنه استَعْمَل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم. [والثاني]: بأنه خاطب بالعَتَمَة مَن لا يعرف العشاء؛ لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف، لا لقصد التسمية. ويَحْتَمِل أنه استَعْمل لفظ العتمة في العشاء؛ لأنه كان مشتهرًا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: «لو يعلمون ما في الصبح والعشاء» لتوهموا أنها المغرب. قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: «لو يعلمون ما في الصبح والعشاء»، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، وبالعتمة تارةً من تصرف الرواة. وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عَتَمَةً نسخ الجواز. وتُعُقّب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من القولين نظر؛ للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بُعْد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كَثُر إطلاقهم له نُهُوا عنه؛ لئلا تغلب ألسنة الجاهلية على السنّة الإسلامية . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن الأرجح أنه يجوز إطلاق اسم العتمة على العشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا»، متّفقٌ عليه، وغير ذلك، وأيضًا فان الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، فدلّ على جواز ذلك، لكن الأولى اجتنابه؛ لحديث ابن عمر -﵄- المذكور في الباب، وبهذا تجتمع الأدلّة دون تخالف وتعارض، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه ورد النهي أيضًا عن تسمية المغرب بالعشاء: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب من كِره أن يقال للمغرب: العشاء». قال الزين ابن الْمُنِّير -﵀-: عَدَلَ البخاريّ -﵀- عن الجزم كأن يقول: باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانًا، بل يجوز أن يُطلَق على وجه لا يُتْرَك له التسمية الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفًا مع عادتهم، قال: وإنما شُرع لها التسمية بالمغرب؛ لأنه اسم يُشعِر بمسماها، أو بابتداء وقتها، وكَرِه إطلاق اسم العشاء عليها؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أيضًا أن تسمى العشاء بقيد، كأن يقول: العشاء الأولى، ويؤيِّده قولهم: العشاء الآخرة، كما ثبت في الصحيح. ونَقَلَ ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويَحتاج إلى دليل خاصّ، أما من حديث الباب فلا حجة له، قاله في «الفتح». ثمّ أخرج البخاريّ بسنده عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب»، قال: «وتقول الأعراب: هي العشاء»، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة. قال الطيبيّ -﵀-: يقال: غلبه على: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيَغْصِبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها اللَّه بها، قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم. وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسمًا، وهم يسمونها اسمًا، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه: صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب، ولا أخذ. وقال التوربشتيّ -﵀-: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيَغْلِبَ مصطلحُهم على الاسم الذي شرعته لكم. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد استدلّ بحديث ابن مغفّل -﵁ هذا من كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول أصحاب الشافعيّ وغيرهم، وقال أصحابنا -يعني الحنابلة-: لا يُكره ذلك، واستدلُّوا بأن العشاء تسمّى العشاء الآخرة، كما قال النبيّ -ﷺ-: «أيّما امرأة أصابت بَخُورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»، رواه مسلم، فهذا يدلّ على أن المغرب العشاء الأولى. وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى. وقد حُكي عن الأصمعيّ أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يُلتَفت إليه. وفي «صحيح مسلم» عن عليّ -﵁- أن النبيّ -ﷺ- العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء. قال أصحابنا -يعني الحنابلة-: وحديث ابن مُغفَّل -﵁- يدلّ على أن تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك، ومن متأخّريهم من قال: حديث ابن مغفَّل إنما يدلّ على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب، حتى يُهجَر اسم المغرب، أو يقِلّ تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجّه النهي حينئذ إليه. وقد تقدّم أنها تُسمّى صلاة البصر أيضًا، فإذا سُمّيت بذلك من غير أن يُهجر تسميتها بالمغرب، ويَغلب تسميتها بذلك جاز. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح جواز تسمية المغرب بالعشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، لكن الأولى تسميتها بالمغرب؛ لحديث عبد اللَّه بن مغفّل -﵁-، كما سبق القول في تسمية العشاء بالعتمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا في كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ»).
مصادر المؤلف (١١)

١. «المرقاة شرح المشكاة» ٢/ ٣٢٥.

٢. «ازهر الربى في شرح المجتبى» للسيوطيّ -﵀- ١/ ٢٧٠.

٣. «النهاية» ٣/ ١٨٠.

٤. غبق الإبلَ والغنم، من بابي نصر، وضرب: حلبها بالعشيّ، أفاده في«لسان العرب»١٠/ ٢٨١.

٥. «الفتح» ٢/ ٥٤.

٦. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٣٦٤.

٧. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٥.

٨. راجع: «الفتح» ٢/ ٤٦.

٩. «الفتح» ٢/ ٥٢.

١٠. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢.

١١. وفي نسخة: «حدّثنا».