HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٤٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح قَالَ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا محمد بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصلي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ. وَالْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ. وَالْمَغْرِبَ، إِذَا وَجَبَتْ. وَالْعِشَاءَ، أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ. كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ قد أبطأوا أَخَّرَ. وَالصُّبْحَ، كَانُوا أَوَ (قَالَ) كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يصليها بغلس.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص119
ج ١ ص ٤٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص١٣٦
وقوله: (مِنَ الْغَلَسِ) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، قال الأزهريّ: الغَلَسُ: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، وفي «القاموس» و«الصحاح»: الغَلَس محركةً: ظلمةُ آخر الليل . فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله في «الفتح» (٢/ ٦٧). وقوله: (وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ) هو إسحاق بن موسى، شيخه الثاني. (مُتَلَفِّفَاتٍ) بفاءين: ومعناه: متغطّيات، والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦١] (٦٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوْ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشار بُنْدَار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام البصريّ واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٦ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب، الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، أمه رَمْلَة بنت عَقِيل بن أبي طالب، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن عمّة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس، وجابر. وروى عنه سعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، وأبو الْجَحّاف داود بن أبي عوف، وعبد اللَّه بن ميمون. قال أبو زرعة، والنسائيّ، وابن خراش: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عند جميعهم حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث: «ليس من البرّ الصوم في السفر» . ٨ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلافهم في صيغ الأداء، فالأول قال: «حدّثنا غندرٌ، عن شعبة»، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في سبعة، والأخيران قالا: «حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة»، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّحا بالتحديث في شعبة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن نصف السند الأول مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٥ - (ومنها): أن فيه: روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: سعد عن محمد، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب، وفي رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة التالية، عن سعد، سمع محمد بن عمرو بن الحسن (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ) جواب «لَمّا» محذوف، تقديره: أخّر الصلوات، وفي الرواية التالية: «كان الحجّاج يؤخّر الصلوات»، وفي نسخة: «قال: قَدِم الحجّاج» بإسقاط «لَمّا». و«الْحَجّاج -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، آخره جيم- هو: ابن يوسف الثقفيّ، قال الحافظ -﵀-: وزعم الكرمانيّ أن الرواية بضم أوله، قال: وهو جمع حاجّ. انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة في»صحيحه«من طريق أبي النضر، عن شعبة:»سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة«، وفي رواية مسلم من طريق معاذ، عن شعبة:»كان الحجّاج يؤخر الصلوات«. (الْمَدِينَةَ) أي النبويّة، وكان قدوم الحجاج إليها أميرًا عليها من قِبَلِ عبد الملك بن مروان سنة (٧٤) وذلك عَقِبَ قتل ابن الزبير، فَأمَّرَهُ عبد الملك على الحَرَمَينِ، وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق، قاله في«الفتح». (فَسَأَلْنَا) عطف على جواب«لَمّا»المقدّر (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) لم يُبَيَّن المسؤول عنه ما هو؟ وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت الصلاة، وكيف كان النبيّ -ﷺ- يصلي فيها؟، وقد جاء مفسرًا في رواية أبي عوانة المتقدمة، حيث قال:«سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة»(فَقَالَ) جابر -﵁- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بالْهَاجِرَةِ) هي شدّة الحرّ، والمراد بها نصف النهار بعد الزوال، سميت بها؛ لأَن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرّف حينئذ لشدّة الحرّ؛ لأجل القيلولة وغيرها، قاله في«العمدة». قال العلامة ابن دقيق العيد -﵀- ما حاصله: هذا يدلّ على تقديمها في أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهَجِيرِ: إنهما شدّة الحرّ وقُوَّتُهُ، ويعارضه ظاهر قوله -ﷺ-:«إذا اشتدّ الحرّ، فأبردوا». ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حرّ شديد، وفيه بُعْد، وقد يقرب بما نُقِل عن صاحب«العين»، أن الْهَجِير والهاجرة نصف النهار، فإذا أخذ بظاهر هذا الكلام كان مطلقًا على الوقت. انتهى . والذي ارتضاه العلامة الصنعانيّ -﵀- في«حاشيته»أن يقال: إن أحاديث التهجير منسوخة كما قال أحمد، ودلّ له حديث المغيرة -﵁-، وأنه كان أول الأمر صلاته بالهاجرة، ثم نسخه بالإبراد، وهو خاصّ بأيام شدة الحرّ. وقد يقال: إن الصحابيّ إذا عبَّر بعبارة تدلّ على أن هِجّيرَاهُ وعادته كان التهجيرَ بالصلاة، فمراده الأغلبُ ذلك؛ إذ أيام شدّة الحرّ قليلة بالنسبة إلى خلافها في المدينة. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- ، وهو جمع حسن، واللَّه تعالى أعلم. (وَ) كان يصلي (الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) وفي رواية النسائيّ:«والشمس بيضاءُ نقيّةٌ»، والجملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، ومعنى نَقِيَّةٌ: خالصةٌ صافيةٌ، لم يدخلها بَعْدُ صفرةٌ، ولا تغيرٌ. (وَ) كان يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي غابت الشمس، وأصل الوجوب السقوط، كما سبق، وحُذف ذكر الشمس؛ للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، قاله النوويّ -﵀- . وقال ابن رجب -﵀-: وجوبها سقوطها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والمعنى: إذا سقط قُرص الشمس، وذهب في الأرض، وغاب عن أعين الناس. انتهى . وقال في «الفتح»: المراد سقوط قرص الشمس، وفيه دليلٌ على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محلّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربةً، وبين الرائي حائل. انتهى . (وَالْعِشَاءَ) مفعول مقدّم لـ «يؤخّرها»، وقوله: (أَحْيَانًا) ظرف له، وهو بفتح الهمزة: جمع حِينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، على المشهور، وهو المراد هنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة أشهر، قاله في «العمدة» . (يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ) بحذف المفعول، أي يعجّلها، والمعنى: أنه -ﷺ- كان يصلي العشاء في أوقات مختلفة، يقدِّم في بعضها، ويؤخِّر في بعضها، ثم بيّن معنى قوله: «أحيانًا يعجّل» بقوله: (كَانَ إِذَا رَآهُمْ) أي رأى الصحابة -﵃- (قَدِ اجْتَمَعُوا) في المسجد لصلاتها (عَجَّلَ) صلاة العشاء. والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجّل بصلاة العشاء؛ لأن في تأخيرها تنفيرًا لهم. وبيّن معنى قوله: «أحيانًا يؤخّرها» بقوله: (وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا) من الإبطاء رباعيًّا، أي تأخروا عن الحضور (أَخَّرَ) صلاة العشاء، والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة تأخّروا أخّر صلاة العشاء؛ ليحرزوا فضيلة الجماعة، وفي رواية للبخاريّ: «إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر»، ونحوه لأبي عوانة في روايةٍ. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: إذا تعارض في شخص أمران: أحدهما أن يُقَدِّم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخِّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلّ عليه؛ لقوله: «وإذا رآهم أبطئوا أخَّر»، فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم. قال الحافظ -﵀-: ورواية: «إذا كَثُر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر»، تدلّ على أخصّ من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أن محلّ ذلك ما إذا لم يفحُش التأخير، ولم يَشُقّ على الحاضرين. انتهى . (وَالصُّبْحَ) منصوب على الاشتغال، أي وكان يصلّي الصبح (كَانُوا) خبرها محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه، أي كانوا يصلّونها، وقوله: (أَوْ قَالَ) «أو» للشكّ من الراوي، أي أو قال الراوي: (كَانَ النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل. ولفظ البخاريّ: «والصبحَ كانوا، أو كان النبيّ -ﷺ- يصلّيها بغلس»، قال الكرمانيّ: الشك من الراوي عن جابر -﵁-، ومعناهما متلازمان؛ لأن أيّهما كان يَدْخُل فيه الآخر، إن أراد النبيّ -ﷺ-، فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة فالنبيّ -ﷺ- كان إمامهم، أي كان شأنه التعجيل لها دائمًا لا كما كان يصنع في العشاء، من تعجيلها، أو تأخيرها. وخبر «كانوا» محذوفٌ يدلّ عليه قوله: «يصليها»، أي كانوا يصلون. وقال ابن بطال: ظاهره أن الصبح كان يصلّيها بغلس اجتَمَعوا، أو لم يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان: حذف خبر «كانوا»، وهو جائزٌ، كحذف خبر المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: أي فعدتهن مثل ذلك، ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف الجملة التي هي الخبر؛ لدلالة ما تقدّم عليه، وحذف الجملة التي بعد «أو» مع كونها مقتضيةً لها. وقال السفاقسيّ: تقديره: «أو لم يكونوا مجتمعين»، ويصحّ أن تكون «كان» تامّةً، غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد «أو» خاصّةً. وقال ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي، هل قال: كان النبيّ -ﷺ-، أو كانوا، ويَحْتَمِل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع النبيّ، أو كان النبيّ -ﷺ- وحده يصليها بغلس. قال العينيّ بعد ذكر هذا كلّه: الأوجه ما قاله الكرمانيّ، وقول كلّ واحد من الثلاثة لا يخلو عن تعسّف، لا يخفى ذلك على المتأمّل. انتهى . وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدّم: والتقدير المتقدِّم أولى، والحقّ أنه شكّ من الراوي، فقد وقع في رواية مسلم: «والصبح كانوا، أو قال: كان النبيّ -ﷺ-»، وفيه حذف واحد، تقديره: والصبح كانوا يصلونها، أو كان النبيّ -ﷺ- يصليها بغلس، فقوله: «بغلس» يتعلق بأيّ اللفظين كان هو الواقع، ولا يلزم من قوله: «كانوا يصلونها» أن النبيّ -ﷺ- لم يكن معهم، ولا من قوله: «كان النبيّ -ﷺ-» أنه كان وحده، بل المراد بقوله: «كانوا يصلونها»، أي النبيّ -ﷺ- بأصحابه، وهكذا قوله: «كان النبيّ -ﷺ- يصليها»، أي بأصحابه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦١ و١٤٦٢] (٦٤٦)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٦٠ و٥٦٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٣٩٧)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٢٧)، وفي «الكبرى» (١٥٠٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٠٣ و٣/ ٣٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٢٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٤٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٥١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس. ٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيَّد بما إذا اجتمع الناس؛ كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى، كما تقدم بيانه. ٣ - (ومنها): بيان التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول أيضًا على غير شدة الحرّ، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهذا هو الأولى. ٤ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، خلافًا للحنفية، وقد سبق تحقيق ذلك مفصّلًا. ٥ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائمًا. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من اهتمامهم بسؤال أهل العلم عما يُشكل عليهم، ولا سيّما الأمور المهمّة، كأوقات الصلوات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ).
مصادر المؤلف (١٦)

١. راجع: «العدة حاشية العمدة» للصنعانيّ ٢/ ١٧ بتصرف.

٢. وفي نسخة: «محمد بن جعفر، عن شعبة».

٣. وفي نسخة: «قال: قدم الحجاج».

٤. سيأتي للمصنّف برقم (١١١٥).

٥. «الفتح»٢/ ٥٠.

٦. «عمدة القاري»٥/ ٥٦.

٧. «إحكام الأحكام»٢/ ٢٣ - ٢٤.

٨. «العدة حاشية العمدة» ٢/ ٢٦.

٩. «شرح النوويّ» ٥/ ١٤٥ - ١٤٦.

١٠. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٣٥١.

١١. «الفتح» ٢/ ٥٠.

١٢. «عمدة القاري» ٥/ ٥٧.

١٣. «الفتح» ٢/ ٥١.

١٤. «عمدة القاري» ٥/ ٥٧.

١٥. يعني تقدير الكرمانيّ.

١٦. «الفتح» ٢/ ٥١.