HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٦٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ. قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ. فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُمْ «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ» قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ «يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ. تُكْتَبْ آثاركم. دياركم. تكتب آثاركم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص131
ج ١ ص ٤٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٣٧٢
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٩] (٦٦٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٠٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٩١)، وفوائد الحديث تُعلم مما مضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٠] (٦٦٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شُعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلَطَ قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. وجابر -﵄- ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن الجريريّ قد اختلط، ولكن الراوي هنا هو عبد الوارث، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، ولذا أخرج له المصنّف هنا، وقد ذكرت الآخذين عنه قبل الاختلاط في منظومتي «عمدة المحتاط»، فقلت: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِي وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى و«حماد» الأول هو ابن سلمة، والثاني هو ابن زيد، و«الثقفيّ» هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- أنه (قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ) بكسر الموحّدة: جمع بَقْعة بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: «الْبُقْعَةُ» من الأرض: القِطعة منها، وتُضمّ الباءُ في الأكثر، فتُجمَع على بُقَعٍ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، وتُفْتَح، فتُجمَعُ على بِقَاعٍ، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلَابٍ. انتهى . وقوله: (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) ظرف متعلّق، بحال مقدّر من «البِقاع»، أو صفة له، على تقدير «أل» فيه جنسيّة، كما قيل في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وفي رواية السَّرّاج: «أرادوا أن يَقْرُبُوا من أجل الصلاة»، ولابن مردويه قال: «كانت منازلنا بِسَلْعٍ»، ولا يعارض هذا حديث أنس -﵁- الآتي في «كتاب الاستسقاء»: «وما بيننا وبين سَلْعٍ من دار»؛ لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سَلْع والمسجد قدرُ مِيل، قاله في «الفتح» . (فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: بطنٌ من الأنصار، وهو سَلِمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جُشم بن الخزرج، والنسبة إليه بفتح اللام عند النحويين، والمحدّثون يكسرونها ، والأول هو الموافق لقواعد النسب، وإلى هذا أشرت بقولي: السَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ … بَطْنٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ وَهْيَ بِكَسْرِ اللَّامِ لَكِنِ النَّسَبْ … فَتَحَهُ النُّحَاةُ وَفاقًا لِلْعَرَبْ وَالْفَتْحُ لِلْمُحَدّثِينُ نُسِبَا … فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا وقال في «الفتح»: بنو سَلِمة -بكسر اللام-: بطن كبير من الأنصار، ثم من الخزرج، وقد غَفَل القَزّاز، وتبعه الجوهريّ حيث قال: ليس في العرب سَلِمة -بكسر اللام- غير هذا القبيل، فإن الأئمة الذين صَنَّفُوا في «المؤتلف والمختلف» ذكروا عددًا من الأسماء كذلك، لكن يَحْتَمِل أن يكون أراد بقيد القبيلة، أو البطن فله بعض اتجاه. انتهى . (أَنْ) بالفتح مصدريّة (يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ) النبويّ؛ ليسهل عليهم ملازمة صلاة الجماعة مع النبيّ -ﷺ- (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي إرادتهم الانتقال إلى قرب المسجد، فاسم الاشارة في محلّ رفع على الفاعليّة، وقوله: (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) منصوب على المفعوليّة (فَقَالَ) -ﷺ- (لَهُمْ: «إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ما تُفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ») النبويّ، وفي رواية ابن حبّان عن ابن المبارك، عن الْجُرَيريّ: «فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فأتانا في دارنا، فقال: يا بني سَلِمة بلغني أنّكم تريدون النُّقْلة إلى المسجد» (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وقوله: (قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ) مؤكّد لـ «نعم»؛ لأنها تصديق لما تقدّمها من الكلام، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: «فقالوا: يا رسول اللَّه، بَعُدَ علينا المسجد، والبقاع حوله خاليةٌ» (فَقَالَ) -ﷺ- («يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ) منصوب على الإغراء، مفعول لفعل محذوف، أي الزموا دياركم، كما قال في»الخلاصة«بعد بيان أحكام التحذير: وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا«إِيَّا»اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا وقوله: (تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) مجزوم في جواب فعل الأمر، كما قال في«الخلاصة»أيضًا: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ (دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ») كرّر الجملة لتأكيد هذا الأمر، والاهتمام به؛ لأنه أمر غريبٌ عند المخاطبين؛ لأن المعروف أن من أراد أن يقترب من الشخص يدلّ على شدّة محبّته له، فبنو سلمة ما أرادوا الانتقال إلى قرب المسجد إلا لظنّهم أنه مما يؤيّد النبيّ -ﷺ-، ويفرح به، لكنه نهاهم عن ذلك، وبيّن لهم في عدم الانتقال مصلحة عظيمة، وهي كثرة ثوابهم بكثرة خطاهم إلى المسجد. وزاد في رواية كهمس التالية: «فقالوا: ما يسرُّنا أنا كنّا تحوّلنا»، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: «قال: فما ودِدْنا أنا بحضرة المسجد؛ لما قال رسول اللَّه -ﷺ- قال». [تنبيه]: هذا الحديث هو سبب نزول قول تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقد أخرج الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعديّ، عَن أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ: كَانَتْ بنو سَلِمَة فِي ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فَنَزَلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقام رَسُول اللَّه -ﷺ-: «إن آثاركم تكتب»، فَلَمْ ينتقلوا. وأبو سُفْيَان فِيهِ ضعف، والصحيح: رِوَايَة مسلمٍ، عَن أَبِي نضرة، عَن جابر المذكور في الباب، كذا قاله الدارقطنيّ وغيره. وأخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك، عَن عَكْرِمَة، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقربوا، فَنَزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قَالَ: فثبتوا. وفي حَدِيْث أَنَس: فكره رَسُول اللَّه -ﷺ- أن يعروا المدينة أو منازلهم. يعني: يخلوها فتصير عراةً من الأرض. والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] . [تنبيهٌ آخر]: بيّن النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث سبب نهيه لهم عن النُّقْلة، وهو قلّة ثوابهم في قربهم المسجد بسبب قلّة آثارهم، وكثرته في بعدهم، وزاد في حديث أنس -﵁- عند البخاريّ سببًا آخر، وهو أنه -ﷺ- كَرِه أن تُعْرَى نواحي المدينة من سُكّانها، فقد أخرج الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه» عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال النبيّ -ﷺ-: «يا بني سَلِمَة ألا تحتسبون آثاركم؟». ثم أخرج عن أنس -﵁- أن بني سَلِمَة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبيّ -ﷺ-، قال: فكره رسول اللَّه -ﷺ- أن يُعْرُوا المدينة، فقال: «ألا تحتسبون آثاركم». وزاد في رواية للبخاريّ: «فأقاموا»، وللترمذي من حديث أبي سعيد: «فلم ينتقلوا». وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: خُطاهم. وقال أيضًا: خطاهم: آثارهم أن يُمْشَى في الأرض بأرجلهم. انتهى . قال في «الفتح»: «قوله: ألا تحتسبون» كذا في النسخ التي وقفنا عليها بإثبات النون، وشرحه الكرمانيّ بحذفها، ووَجّهَهُ: بأن النحاة أجازوا ذلك، يعني تخفيفًا، قال: والمعنى: ألا تَعُدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد، فإن لكل خطوة ثوابًا. انتهى. والاحتساب، وإن كان أصله العَدّ لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنيّة خالصة. وقوله: «أن يُعْرُوا المدينة»، وفي رواية الكشميهنيّ: «أن يُعْرُوا منازلهم»، وهو بضم أوله، وسكون العين المهملة، وضم الراء: أي يتركونها خاليةً، يقال: أعراه: إذا أخلاه، والعراء الأرض الخالية، وقيل: الواسعة، وقيل: المكان الذي لا يُسْتَتَر فيه بشيء. ونَبّهَ بهذه الكراهة على السبب في منعهم من القرب من المسجد؛ لتبقى جهات المدينة عامرةً بساكنيها واستفادوا بذلك كثرة الأجر؛ لكثرة الْخُطَا في المشي إلى المسجد . وقال القرطبيّ -﵀-: وهذا تنبيه على علّة أخرى تَحْملهم على مُقامهم بمواضعهم، وهي أنه كَرِه أن تُترَك جهات المدينة عَرَاءً، أي فَضَاءً خاليةً، فيُؤتَوْنَ منها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي بموضع خال. انتهى . وأشار البخاريّ -﵀- إلى أن قصة بنى سَلِمَة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مُصَرَّحًا به من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أخرجه ابن ماجه، وغيره وإسناده قويّ، قاله في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وقد أخرجه البخاريّ من حديث أنس -﵁- (٦٥٥ و١٨٨٧) كما أسلفناه آنفًا. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥٢٠ و١٥٢١] (٦٦٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٨٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٢ و٣٣٣ و٣٧١ و٣٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٣٨٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٩١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد. ٢ - (ومنها): بيان أن أعمال البرّ إذا كانت خالصةً تكتب آثارها حسنات. ٣ - (ومنها): دَلّت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يُكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ، وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى الأشعريّ -﵁-، مرفوعًا: «أعظم النَّاس أجرًا فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى»، وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَن النَّبِىّ -ﷺ-: «وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة»، متّفقٌ عليه. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: «الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا». وقد سبق في حديث أُبَيّ بْن كعب -﵁- قول ذلك الرجل: إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: «قَدْ جمع اللَّه لَكَ ذَلِكَ كله»، وفي رِوَايَة: «إن لَكَ مَا احتسبت». وهذا يدلّ عَلَى أَنَّهُ يثاب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله. وأخرج أحمد في «مسنده»، وابن حبّان في «صحيحه»، عَن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو -﵄-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: «من راح إلى المسجد جماعةً فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا». وهذا المطلق قَدْ ورد مقيَّدًا بقيدين: أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله. والثاني: أن لا يخرج إلَّا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاصّ. وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص -وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات- لا يحصل بذلك . ٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حَصَلَت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لم يَحْمِل على نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي عَلِمُوه منه، فما أنكر عليهم النبيّ -ﷺ- ذلك، بل رَجَّح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد، أو يزيد عليه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في «الفتح»، والذي يظهر لي أن الحديث لا يدلّ على فضل القرب من المسجد، بل إنما يدلّ على عكسه، فإنه -ﷺ- لم يقرّهم على الانتقال، بل أنكر عليهم ذلك، وبيّن لهم أن البعد فيه الأجر الكثير، فالحقّ أن البعد هو الأفضل، كما يدلّ عليه ظاهر الحديث. وأما ما أخرج أحمد في «مسنده» عَن حذيفة -﵁-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: «فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد»، فهو حديث ضعيف؛ لضعفه وانقطاعه، فإن الراوي عن حذيفة -﵁- وهو علي بن يزيد الألهانيّ الدمشقيّ، ضعيفٌ، بل قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: متروك الحديث، وقال في روايته، أنه بلغه عن حذيفة، فلا يصلح للاحتجاج به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه اختُلِف فيمن كانت داره قريبةً من المسجد، فقارب الخطا بحيث تساوى خطا مَن داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟، وإلى المساواة جَنَح الطبريّ، ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق أنس، قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد. قال في «الفتح»: وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل، وإن دلّ على أن في كثرة الخطا فضيلةً؛ لأن ثواب الخطا الشاقّة ليس كثواب الخطا السهلة، وهو ظاهر حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- المذكور أول الباب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرًا. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتمّ ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر اللَّه أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعًا، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاستنباط يردّه ما أخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «ليُصلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبّع المساجد»، وهو حديث صحيح، فلا يستحبّ الذهاب إلى المسجد الأبعد، إلا لحاجة، كما قدّمنا تحقيقه، قريبًا. وقد استنبط القرطبيّ -﵀- عكس الاستنباط المذكور، فقال: وهذا الحديث، والأحاديث التي قبله تدلّ على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختُلِف فيه، فرُوي عن أنس -﵁- أنه كان يُجاوز الْمُحْدَثَ إلى القديم، ورُوي عن غيره أنه قال: الأبعدُ، فالأبعدُ من المسجد أعظم أجرًا، وكَرِه الحسن وغيره هذا، وقال: لا يَدَع مسجدًا قربه، ويأتي غيره، وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تخطّي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت مما أسلفته من حديث ابن عمر -﵄- أن القول بكراهية ترك المسجد القريب هو الأرجح، إلا إذا كان لحاجة، فقد كان الصحابة -﵃- يتركون مساجدهم ويأتون إلى النبيّ -ﷺ-؛ لقضاء غرضهم، ويصلّون معه، وقد تقدّم ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ ، قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»، فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمرو البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في «المساجد» ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَا كَانَ يَسُرُّنَا) «ما» نافية، و«يَسُرُّنا» بفتح أوله، وضمّ الراء المشدّدة، من باب نصر، أي يُفرحنا.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المصباح المنير» ١/ ٥٧.

٢. «الفتح» ٢/ ١٦٤.

٣. راجع: «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٤٧.

٤. «الفتح» ٢/ ١٦٤.

٥. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٢٩ - ٣٠.

٦. وقوله: «وقال مجاهد: خطاهم آثارهم، والمشي في الأرض بأرجلهم»، كذا لأبي ذَرّ، وللباقين: «وقال مجاهد: ونكتب ما قدموا وآثارهم، قال: خطاهم»، وكذا وصله عبد بن حميد، من طريق ابن أبي نَجِيح، عنه، قال في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال: أعمالَهُم، وفي قوله: «وآثارهم» قال: خطاهم، قاله في «الفتح» ٢/ ١٥٦.

٧. «الفتح» ٢/ ١٦٥.

٨. «المفهم» ٢/ ٢٩٢.

٩. «الفتح» ٢/ ١٦٥.

١٠. راجع «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٢٩ - ٣٢.

١١. «المفهم» ٢/ ٢٩٢.

١٢. وفي نسخة: «قُرْبَ المسجد»، في الموضعين.