HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٨٢

وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ الْعُطَارِدِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ. فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا. فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ. قَالَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ. وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ. فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ. فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ. حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ «ارْتَحِلُوا» فَسَارَ بِنَا. حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ. فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا فُلَانُ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ. فَصَلَّى. ثُمَّ عَجَّلَنِي، فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَطْلُبُ الْمَاءَ. وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ. فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ. أَيْهَاهْ. لَا مَاءَ لَكُمْ. قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا. فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا. وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ. لها صبيان أيتام. فأمر بروايتها. فَأُنِيخَتْ. فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ. ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا. فَشَرِبْنَا. وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عِطَاشٌ. حَتَّى رَوِينَا. وَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ. وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا. غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا. وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ (يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ) ثُمَّ قَالَ «هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ» فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ وَتَمْرٍ. وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً. فَقَالَ لَهَا «اذْهَبِي فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ. وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ» فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ. أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ. كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ. فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ. فأسلمت وأسلموا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص140
ج ١ ص ٤٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٥٧٨
١١ - (ومنها): مشروعيّة الجماعة في قضاء الفوائت. ١٢ - (ومنها): مشروعيّة الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة في قضاء صلاة الصبح بالنهار؛ لظاهر قوله: «فصلّى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم»، ومن قال: لا يجهر، فقد خالف هذا الظاهر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): الحثّ على تحسين الخلُق بين الناس، ولا سيّما في محلّ المزاحمة، والمضايقة، وقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وصححه، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلُقًا». وأخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن عائشة -﵂-، قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إن المؤمن لَيُدْرِك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، حديث صحيح. وأخرج أحمد، والترمذيّ، وصححه عن أبي ذرّ -﵁- قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: «اتَّقِ اللَّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ١٤ - (ومنها): بيان أدب ساقي القوم، وهو أن يكون آخرهم شُربًا، حيث قال النبيّ -ﷺ-: «إن ساقي القوم آخرُهم شُربًا»، وقاس عليه العلماء ما أشبهه، كمن يقوم بتفريق شيء من المأكول: لحم، أو فاكهة، أو مشموم، أو غير ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٣] (٦٨٢) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا، فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا، حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ، وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ، قَالَ : «ارْتَحِلُوا»، فَسَارَ بِنَا، حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ، نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟»، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَطْلُبُ الْمَاءَ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ، لَا مَاءَ لَكُمْ، قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا، حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلهَا، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا ، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ، لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأُنِيخَتْ، فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوينِ الْعُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا، فَشَرِبْنَا، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، عِطَاشٌ حَتَّى رَوِينَا، وَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ، يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ»، فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ، وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: «اذْهَبِي، فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ» ، فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا، قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ، فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ، وَأَسْلَمُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الْحَنَفيّ، أبو عليّ البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «المساجد» ٤٠/ ١٤٥١. ٣ - (سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ الْعُطَارِدِيُّ) أبو بشر البصريّ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن أبي رجاء العُطَارديّ، وعبد الرحمن بن طَرَفَة، وبُريد بن أبي مريم السَّلُوليّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وحَبّان بن هلال، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، وأبو علي الحنفيّ، وعِدّة. قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، ما به بأسٌ، وقال ابن معين: ضعيفٌ، وقال أبو داود: ليس بذاك، وقال ابن عديّ: أحاديثه قليلةٌ، وليس في مقدارها أن يُعْتَبَر ضعفها، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال العجليّ: في عداد الشيوخ ثقةٌ، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال الحاكم: أخرج له محمد في الأصول، ومسلم في الشواهد، وضعفه يحيى بن معين؛ لقلة اشتغاله بالحديث، وقد حدَّث بأحاديث مستقيمة، وقال ابن حبان في «الضعفاء»: لم يكن الحديث صناعته، وكان الغالب عليه الصلاح، يُخطئ خطأً فاحشًا، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، وذكره أيضًا في «الثقات»، وسكت عنه. وقال أبو إسحاق الصَّرِيفينيّ: بَقِي إلى حدود الستين ومائة، وفي «تاريخ البخاريّ»: قال ابن مهديّ: سلم بن رزين -يعني بالنون، وتقديم الراء- قال أبو أحمد الحاكم: وهو وَهَمٌ، وقال أبو علي الجيّانيّ: وقع لبعض رواة «الجامع» زُرَير -بضم الزاي- وهو خطأ، والصواب الفتح. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث . ٤ - (أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ) عمران بن تَيْم، وقيل: مِلْحان -بكسر، فسكون- وقيل في اسم أبيه غيره، ثقةٌ مُخضرمٌ معمَّرٌ [٢] (ت ١٠٥) وله (١٢٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٢/ ٣٤٥. ٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَفَ الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد الصحابيّ، وأبوه أيضًا صحابيّ على الصحيح، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له النسائيّ، وابن ماجه، وسلم بن زرير، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فسَرَخْسيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄- على الصحيح، وكان من أفاضل الصحابة -﵃-، بعثه عمر -﵁- إلى البصرة؛ ليفقههم في الدين، وكانت الملائكة تسلم عليه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) -﵄- أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَسِيرٍ لَهُ) وفي الرواية التالية من طَريق عوف الأعرابيّ، عن أبي رجاء: «كنّا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر». قال في «الفتح»: اختُلِف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- يعني الحديث الماضي- أنه وقع عند رجوعهم من خيبر قريبٌ من هذه القصة. وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن مسعود -﵁- أقبل النبيّ -ﷺ- من الحديبية ليلًا، فنزل، فقال: «مَن يكلؤنا؟»، فقال بلال: أنا. . . الحديث. وفي «الموطأ» عن زيد بن أسلم مرسلًا: «عَرَّس رسول اللَّه -ﷺ- ليلةً بطريق مكة، ووَكَّل بلالًا». وفي «مصنف عبد الرزاق» عن عطاء بن يسار مرسلًا أن ذلك كان بطريق تبوك، وللبيهقيّ في «الدلائل» نحوه من حديث عقبة بن عامر، ورَوَى مسلم من حديث أبي قتادة مُطَوّلًا -يعني الحديث الماضي- والبخاريّ مختصرًا في الصلاة قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضًا في السفر، لكن لم يعيِّنه. ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء. وتَعَقَّبه ابن عبد البر بأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة، ولم يشهدها النبيّ -ﷺ-، وهو كما قال، لكن يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة. وقد اختَلَفَ العلماء، هل كان ذلك مرةً، أو أكثر؟ أعني نومهم عن صلاة الصبح، فجزم الأَصِيليّ بأن القصة واحدةٌ. وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرةٌ لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبيّ -ﷺ- لَمَّا نام، وقصة عمران فيها أنهما كانا معه، وأيضًا فقصة عمر أن فيها أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيّ -ﷺ- حتى أيقظه عمر بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها أن أول من استيقظ النبيّ -ﷺ-، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكنٌ، لا سيما ما وقع عند مسلم وغيره أن عبد اللَّه بن رَبَاح، راوي الحديث عن أبي قتادة، ذَكَرَ أن عمران بن حصين، سمعه وهو يحدث بالحديث بطوله، فقال له: انظر كيف تحدِّث؟ فإني كنت شاهدًا القصة، قال: فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، فهذا يدلّ على اتحادهما، لكن لمدَّعي التعدد أن يقول: يَحْتَمِل أن يكون عمران حضر القصتين، فحدَّث بإحداهما، وصَدَّق عبد اللَّه بن رباح لَمّا حدث عن أبي قتادة بالأخرى، واللَّه تعالى أعلم. ومما يدُلّ على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما قدمناه، وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريبٌ من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدُقُ عليهما، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترُدّ عليه. ورَوَى الطبراني من حديث عمرو بن أمية شبيهًا بقصة عمران، وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مِخْبَرٍ -وهو بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة- وأخرجه من طريق ذي مِخَبرٍ أيضًا، وأصله عند أبي داود. وفي حديث أبي هريرة -﵁- عند مسلم إن بلالًا هو الذي كلأ لهم الفجر، وذكر فيه أن النبيّ -ﷺ- كان أولهم استيقاظًا، كما في قصة أبي قتادة، ولابن حبان في «صحيحه» من حديث ابن مسعود -﵁- أنه كلأ لهم الفجر، وهذا أيضًا يدلّ على تعدّد القصة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح في وجه الجمع بين الروايات هو الحمل على تعدّد الواقعة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا) أي سرينا ليلتنا، يقال: أدلج -بقطع الهمزة، وسكون الدال- يُدلِج إدلاجًا، كأكرم يُكرم إكرامًا: إذا سار الليل كلّه، و«ادّلَج» -بوصل الهمزة، وتشديد الدال- يَدّلِج ادِّلَاجًا، من باب الافتعال: إذا سار من آخره، وهذا هو الأشهر في اللغة، وقيل: هما بمعنى واحد. (حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ) اسم «كان» ضمير يعود إلى الوقت المفهوم من المقام، وخبرها الجارّ والمجرور، و«الوَجْه» -بفتح الواو، وسكون الجيم-: مُسْتَقبَلُ كلِّ شيء، والْوِجهة بكسر الواو قيل: مثلُ الوجه، وقيل: كلُّ مكان استقبلته، وتُحذف الواو منه، فيقال: جِهَةٌ، مثلُ عِدَةٍ، أفاده في «المصباح» . والمعنى هنا: حتى إذا الوقت مواجهًا لطلوع الصبح، وهو كناية عن قرب طلوعه. (عَرَّسْنَا) بتشديد الراء: أي نزلنا للاستراحة، يقال: عرّس المسافر: إذا نزل؛ ليستريح نَزْلَةً، ثم يرتحل، قال في «القاموس»، و«شرحه»: وأعرس القومُ في السفر: نزلوا في آخر الليل للاستراحة، ثم أناخوا، وناموا نَوْمةً خفيفةً، ثم ساروا مع انفجار الصبح سائرين، كعَرَّسُوا تعريسًا، وهذا أكثرُ، وأعرسوا لغة قليلةٌ، والموضع مُعْرَسٌ، كَمُكْرَمٍ، ومُعَرَّسٌ، كمُعَظَّمٍ، وقيل: التعريس أن يسير النهار كلّه، وينزل أوّل الليل، وقيل: هو النزول في الْمَعْهَد أيّ حين كان، من ليل أو نهار. انتهى . وقد بُيِّنَ في حديث أبي قتادة -﵁- عند البخاريّ سببُ نزولهم في تلك الساعة، وهو سؤال بعض القوم بقول: «لو عَرَّست بنا يا رسول اللَّه»، وفيه قال -ﷺ-: «أخاف أن تناموا عن الصلاة»، فقال بلالٌ: أنا أوقظكم. (فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا) أي غلب النوم على أعيننا، فاستغرقنا فيه (حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ) أي طلعت، يقال: بزغت الشمس بَزْغًا وبُزُوغًا: شَرَقَت، أو البُزُوغُ: ابتداء الطلوع، قاله في «القاموس» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا هو معنى الطلوع، وأما تفسير القرطبيّ والنوويّ بأوّل الطلوع، وإن كان صحيحًا من حيثُ اللغةُ، فلا يناسب هنا، بدليل الروايات الأخرى أنهم ما استيقظوا إلا بحرّ الشمس، ففي رواية عوف الأعرابيّ، عن أبي رجاء التالية: «كنّا حتى إذا كان من آخر الليل قُبيل الصبح وقعنا وَقْعَةً تلك الوقعة التي لا وقعة عند المسافر أحلى منها، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس»، فدلّ على أنهما ما استيقظوا عند بداية الطلوع، بل بعد طلوعها، وارتفاعها، واشتداد حرّها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) عمران -﵁- (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁-، هذا تصريح باسم أول من استيقظ، وهو كذلك عند البخاريّ في «علامات النبوّة»، وفي رواية البخاريّ في «التيمّم»: «وكان أولَ من استيقظ فلانٌ، ثم فلانٌ، ثم فلانٌ، يسمّيهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطّاب الرابع». قال في «الفتح»: ويشبه -واللَّه أعلم- أن يكون الثاني عمرانَ، راوي القصة؛ لأن ظاهر سياقه أنه شاهَدَ ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلا بعد استيقاظه، ويشبه أن يكون الثالث مَن شارك عمران في رواية هذه القصّة المعيَّنَة، ففي الطبرانيّ من رواية عمرو بن أمية: قال ذو مِخْبَر: «فما أيقظني إلا حرُّ الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته، وأيقظ الناس بعضهم بعضًا، حتى استيقظ النبيّ -ﷺ-». انتهى . وتعقّب العينيّ تعيين الثاني والثالث، وقال: وهذا تصرُّف بالحدس والتخمين. انتهى . (وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَنَامِهِ) أي نومه، فهو مصدر ميميّ لـ «نام» (إِذَا نَامَ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) -ﷺ- هو بنفسه، زاد في رواية البخاريّ من طريق عوف المذكورة: «لأنا لا ندري ما يَحْدُث له»، وهو بضم الدال بعدها مثلثة، أي من الوحي، كانوا يخافون من إيقاظه قَطْعَ الوحي، فلا يوقظونه؛ لاحتمال ذلك، قال ابن بطال -﵀-: يؤخذ منه التمسك بالأمر الأعمّ؛ احتياطًا. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: كانوا يمتنعون من إيقاظه -ﷺ-؛ لما كانوا يتوقعون من الإيحاء إليه في المنام، ومع هذا فكانت الصلاة قد فات وقتها، فلو نام آحاد الناس اليومَ، وحضرت صلاةٌ، وخيف فوتها نَبَّهه مَن حضره؛ لئلا تفوت الصلاة. انتهى . (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) تقدّم في رواية البخاريّ أنه الرابع من المستيقظين (فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ) أي شرع (يُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بالتَّكْبِيرِ) وفي رواية عوف الآتية: «فلما استيقظ عمر بن الخطاب، ورأى ما أَصاب الناس، وكان أجوف جَلِيدًا، فكبّر، ورفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ رسول اللَّه -ﷺ-؛ لشدّة صوته بالتكبير». (حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) «حتى» غاية لتكبيره، ورفع صوته (فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) -ﷺ- (وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ) أي طلعت (قَالَ: «ارْتَحِلُوا») أمر من الارتحال، واستُدِلّ به على جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها، إذا لم يكن عن تغافل أو استهانة. وفي رواية عوف الآتية: «فلما استيقظ رسول اللَّه -ﷺ- شَكَوْا إليه الذي أصابهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:»لا ضير، ارتحلوا«، وقد تقدّم في حديث أبي هريرة -﵁- سبب أمره لهم بالارتحال، حيث قال:»ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حَضَرَنا فيه الشيطان«. ولأبي داود من حديث ابن مسعود -﵁-:«تَحَوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة». وفيه رَدٌّ على ما زُعِم أن العلة فيه كون ذلك كان وقت الكراهة، بل في هذا الحديث من رواية عوف التالية:«فما أيقظنا إلا حرّ الشمس»، وفي حديث أبي هريرة -﵁- الماضي:«فلم يستيقظ رسول اللَّه -ﷺ-، ولا بلالٌ، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس»، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة. وقد قيل: إنما أخر النبيّ -ﷺ- الصلاة؛ لاشتغالهم بأحوالها، وقيل: تحرُّزًا من العدوّ، وقيل: انتظارًا لما ينزل عليه من الوحي، وقيل: لأن المحلّ محلُّ غفلة، كما تقدّم عند أبي داود، وقيل: ليستيقظ من كان نائمًا، ويَنْشَطَ مَن كان كسلان. ورُوي عن ابن وهب وغيره أن تأخير قضاء الفائتة منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وفيه نظرٌ؛ لأن الآية مكيةٌ، والحديث مدنيّ، فكيف ينسَخ المتقدِّم المتأخرَ؟. (فَسَارَ) -ﷺ- (بِنَا) معشر الصحابة (حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ) أي صارت ذات بياض، يقال: ابيضّ الشيءُ ابْيِضَاضًا: إذا صار ذا بياض . (نَزَلَ) -ﷺ- عن راحلته (فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ) أي صلاة الصبح، وفيه مشروعية الجماعة في الفوائت. وفي رواية البخاريّ: «فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوَضُوء، فتوضّأ، ونُودي بالصلاة، فصلّى بالناس». واستُدِلّ به على مشروعيّة الأذان للفوائت، وتُعُقّب بأن النداء أعمّ من الأذان، فيَحْتَمِل أن يراد به هنا الإقامة، وأجيب بأنه وقع التصريح بالتأذين في حديث أبي قتادة -﵁- الماضي، وقد ترجم له البخاريّ بقوله: «باب الأذان بعد ذهاب الوقت»، ثم أورد حديث أبي قتادة -﵁- المذكور، أفاده في «الفتح». (فَاعْتَزَلَ) أي تنحّى، وابتعد (رَجُلٌ) قال في «الفتح»: لم أقف على تسميته، ووقع في «شرح العمدة» للشيخ سراج الدين ابن الملقن -﵀- ما نصه: هذا الرجل هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاريّ، أخو رفاعة، شَهِدَ بدرًا، قال ابن الكلبيّ: وقُتِل يومئذ، وقال غيره: له رواية، وهذا يدلّ على أنه عاش بعد النبيّ -ﷺ-. قال الحافظ -﵀-: أما على قول ابن الكلبيّ، فيستحيل أن يكون هو صاحبَ هذه القصة؛ لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصة بعد قتله؟ وأما على قول غير ابن الكلبيّ، فيَحْتَمِل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبيّ -ﷺ-؛ لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة، أو متصلةً، لكن نقلها عنه صحابيّ آخر ونحوه، وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال: إنه قُتِل ببدر، إلا أن تجيء روايةٌ عن تابعيّ غير مخضرم، وصَرَّح فيها بسماعه منه، فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبيّ -ﷺ-، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصة، إلا إن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولم أقف عليها إلى الآن. انتهى كلام الحافظ -﵀- . وقوله: (مِنَ الْقَوْمِ) متعلّقٌ بـ «اعتَزَلَ»، وقوله: (لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا) جملة في محلّ رفع صفة لـ «رجل» (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) «رسول اللَّه» تنازعه «انصرف»، و«قال» («يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟»، قَالَ) الرجل (يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ) زاد في رواية البخاريّ: «ولا ماءَ»، بفتح الهمزة، أي معي، أو موجود، وهو أبلغ في إقامة عذره. (فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) حذف مفعوله؛ لدلالة السياق عليه، أي أمره أن يتيمّم بالصعيد، وفي رواية البخاريّ: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، قال في «الفتح»: واللام فيه للعهد المذكور في الآية الكريمة، ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يَحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية، ولم يُصَرِّح له بها، ودَلَّ قوله: «يكفيك» على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: «يكفيك» أي للأداء، فلا يدلّ على ترك القضاء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى كون الاحتمال الأخير بعيدًا، فالحقّ أنه لا قضاء على من صلّى بالتيمّم، وقد مضى البحث مستوفًى في أبواب التيمّم، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَتَيَمَّمَ) الرجل (بِالصَّعِيدِ) تقدّم في «التيمّم» أن الصحيح أن الصعيد وجه الأرض، ترابًا كان، أو غيره، قال الزجّاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك، قاله في «المصباح» . والحاصل أن أرجح الأقوال في المراد بالصعيد من الآية هو ما قاله أهل اللغة، فلا يشترط في التيمّم أن يكون ترابًا، كما قاله بعض الأئمة، وقد مضى البحث مستوفًى في أبواب التيمّم أيضًا، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَصَلَّى) ذلك الرجل بالتيمّم. قال عمران -﵁-: (ثُمَّ عَجَّلَنِي) بتشديد الجيم: أي أمرني بالاستعجال، وأكّده عليّ (فِي رَكْبٍ) أي مع جماعة راكبين، فـ «في» بمعنى «مع» (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه (نَطْلُبُ الْمَاءَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وكذا قوله: (وَقَدْ عَطِشْنَا) بكسر الطاء (عَطَشًا شَدِيدًا) وفي رواية البخاريّ: «ثم سار النبيّ -ﷺ-، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنَزَلَ، فدعا فلانًا، كان يسقيه أبو رجاء، نسيه عوفٌ، ودعا عليًّا، فقال: اذهبا، فابتغِيا الماءَ». وقوله: «فدعا فلانًا» هو عمران بن حصين -﵄-، كما دلّت عليه رواية المصنّف هذه، ودلّت رواية البخاريّ هذه على أنه كان هو وعليّ فقط؛ لأنهما خوطبا بلفظ التثنية، ويَحْتَمِلُ أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتَّجِهُ إطلاق لفظ ركب في رواية مسلم هذه، وخُصّا بالخطاب؛ لأنهما المقصودان بالإرسال. وفيه الجري على العادة في طلب الماء وغيره، دون الوقوف عند خرقها، وأن التسبب في ذلك غير قادح في التوكل، أفاده في «الفتح» . (فَبَيْنَمَا) وفي نسخة: «فبينا»، وتقدّم البحث فيهما قريبًا (نَحْنُ نَسِيرُ، إِذَا) هي الفجائيّة (نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا) السادلة: هي المرسلة المُدَلِّية، قال القرطبيّ: كذلك رواية الجماعة، وللعذريّ: «سابلة» -بالباء الموحّدة- والأول أصوب؛ لأنه لا يقال: سَبَلَت، وإنما يقال: أسبلت. انتهى . وقوله: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) ظرف لـ «سادلة»، وهو -بفتح الميم والزاي-: القربتان، وقيل: هي القِرْبَةُ الكبيرةُ التي تُحْمَلُ على الدابّة، سُمِّيت بذلك؛ لأنها يزاد فيها جلدٌ من غيرها؛ لتكبُر، وتُسَمَّى أيضًا السَّطِيحة (فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ) هكذا هو في الأصول، وهو بمعنى هيهات هيهات، ومعناه الْبُعْدُ من المطلوب، واليأسُ منه، كما قالت بعده: «لا ماء لكم»، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: (أيهاه أيهاه) كذا رُوي هنا بالهمز في أولهما، وبالهاء في آخرهما، ويُروى بالتاء أيضًا في آخرهما، وهي هيهات المذكورة في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون: ٣٦] أُبدلت الهاء همزةً، ومعناها الْبُعْدُ، والهاء في آخرها للوقف، وقيل: هي مركّبةٌ من «هَيْ» للتأسّف، و«هاه» للتأوّه، فقُلبت الهاء في الوصل تاءً، ثمّ حُرّكت بالفتح، والضمّ، والكسر، وقد قُرئ بها في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾، وهي اسم من أسماء الأفعال، فتارة تقدّر بِبَعُدَ، كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَأَهْلُهُ … وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ تُوَاصِلُهْ أي بَعُد العقيقُ وأهله، وتارةً تقدّر بِبُعْدٍ الذي هو المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون: ٣٦] أي بُعْدًا بُعْدًا للذي توعدونه، وهي حكاية عن قول الكفّار. انتهى . (لَا مَاءَ لَكُمْ) أي ليس لكم ماءٌ حاضرٌ، ولا قريبٌ. (قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟) هذا يدلّ على أن المرأة كانت قريبةً من منازل أهلها وقت ذاك (قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) برفع «مسيرةُ» على الابتداء، وخبره محذوف بدلالة السؤال عليه، أي كائن بينهما مسيرة يوم وليلة، أي مقدار سير يوم وليلة، وفي رواية البخاريّ: «قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونَفَرُنا خُلُوفٌ». وقولها: «أمسِ» خبر لمبتدأ، وهو مبنيّ على الكسر، و«هذه الساعةَ» بالنصب على الظرفية، وقال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، أي بعد حذف «في». وقولها: «ونَفَرُنا خُلُوفٌ» قال ابن سِيدَهْ: النفر ما دون العشرة، وقيل: النفر الناس، وهو اللائق هنا؛ لأنها أرادت أن رجالها تخلَّفوا لطلب الماء، والْخُلُوف بضم الخاء المعجمة واللام: جمع خالف، قال ابن فارس: الخالف المستقي، ويقال أيضًا لمن غاب، ولعله المراد هنا، أي إن رجالها غابوا عن الحيّ، ويكون قولها: «ونفرُنا خُلُوفٌ» جملة مستقلةً زائدةً على جواب السؤال، وفي رواية: «ونفرنا خلوفًا» بالنصب، على الحال السادّة مسد الخبر، أفاده في «الفتح» . (قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ: «قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قا لا: إلى رسول اللَّه -ﷺ-» (قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟) وفي رواية البخاريّ: «قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قال: هو الذي تعنين، فانطلقي»، وقولها: «الصابي» بلا همز، أي المائل، ويروى بالهمز من صبأ يصبا: أي خرج من دين إلى دين، وقولهم: «هو الذي تعنين» فيه أدبٌ حسنٌ، ولو قالا لها: لا، لفات المقصود، أو نعم، لم يحسن بهما؛ إذ فيه تقرير ذلك، فتخلّصا أحسن تَخَلُّص، قاله في «الفتح»، وقال أيضًا: وفيه جواز الخلوة بالأجنبية في مثل هذه الحالة عند أمن الفتنة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنهما اثنان، والخلوة الممنوعة أن يخلو رجل واحد بامرأة، فقد أخرج الترمذيّ وغيره بسند صحيح، من حديث عمر -﵁-، مرفوعًا: «ألا لا يخلونّ رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان»، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا) أي لم نتركها على اختيارها، بل أجبرناها بالذهاب إليه -ﷺ- (حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلهَا) أي عن الماء (فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا) وفي نسخة: «أخبرتنا به» (وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ) -بضمّ الميم، وسكون الهمزة، وكسر التاء-، أي ذات أيتام، قال في «القاموس»: «الْيُتْمُ» بالضمّ: الانفراد، أو فِقْدان الأب، ويُحرّك، وفي البهائم فِقْدان الأمّ، والْيَتِيمُ: الفرد، وكلُّ شيء يَعِزّ نظيره، وقد يَتِمَ كَضَرَبَ، وعَلِمَ يُتْمًا، ويُفْتَحُ، وهو يتيم، ويَتْمَانُ: ما لم يَبْلُغ الْحُلُمَ، جمعه: أيتامٌ، ويتامى، ويَتَمَةٌ، ومَيْتَمَةٌ، وامرأة مُؤْتِمٌ، ونسوةٌ مَيَاتِيمُ، وقد أيتمت: صار أولادها يتامى. انتهى . وقال في «المصباح»: يَتُمَ يَيْتُمُ، من بابي تَعِبَ وقَرُبَ يُتْمًا بضمّ الياء وفتحها، والْيُتْمُ في الناس من قبل الأب، وفي غير الناس من قِبَل الأمّ، وأيتمت المرأة إِيتَامًا، فهي موتِمٌ: صار أولادها يتامى، فإن مات الأبوان فالصغير لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ . انتهى . وقد نظمت ما ذُكر، فقلت: مَعْنَى الْيَتِيمِ فَاقِدُ الأَبِ إِذَا … كَانَ مِنَ النَّاسِ وَالأُمِّ غَيْرُ ذَا وَسَمِّهَ اللَّطِيمَ إِنَ ذَيْنِ فَقَدْ … أَوْ أُمَّهُ الْعَجِيُّ فَاحْفَظْ مَا وَرَدْ وقوله: (لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ) توضيحٌ لمعنى «مؤتمة» (فَأَمَرَ بِرَاوَيتِهَا) قال الفيّوميّ -﵀-: رَوَى البعيرُ الماءَ يَرْويه، من باب رَمَى: حَمَلَهُ، فهو راويةٌ، والهاء فيه للمبالغة، ثمّ أُطلقت الراويةُ على كل دابّة يُستقَى الماء عليها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: «الراوية» عند العرب: هي الجمل الذي يَحْمِل الماء، وأهل العرف قد يستعملونه في الْمَزَادة؛ استعارةً، والأصل البعير. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «الراوية»: الجمل الذي يُستقى عليه الماء، وهذه رواية الجماعة، وعند السمرقنديّ: «فأمر براويتيها»، وكأنه أراد المزادتين، وفيه بُعْدٌ من جهة اللفظ. انتهى . (فَأُنِيخَتْ) أي أُبْرِكت، يقال: أناخ الرجلُ الجمل إناخةً: أبركها، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فناخ، بل يقال: فبَرَكَ، وتنَوّخَ، وقد يقال: فاستناخ، والْمُنَاخُ بضمّ الميم: موضع الإناخة، أفاده في «المصباح» . وفي رواية البخاريّ: «فاستنزلوها عن بعيرها»، قيل: إنما أخذوها، واستجازوا أخذ مائها؛ لأنها كانت كافرةً حربيّةً، وعلى تقدير أن يكودن لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلا فنفس الشارع تُفَدَّى بكل شيء على سبيل الوجوب. انتهى . (فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ) أي طرح فيهما الماء من فيه، ومعناه: بَزْق فيهما. و«العزلاوان»: تثنية الْعَزْلاء بفتح، فسكون، ممدودًا، وهي مخرج الماء منها، وقيل: فمها الأسفل، أفاده في «المفهم» . وقال في «المصباح»: «الْعَزْلاءُ»، وزانُ حَمْرا: فم المزادة الأسفل، وقال الخليل: هي مَصَبّ الماء من الراوية، ولكل مَزَادة عزلاوان من أسفلها، والجمع الْعَزَالي بفتح اللام، وكسرها. انتهى بزيادة . والعزالي بفتح المهملة والزاي وكسر اللام ويجوز فتحها جمع عزلاء بإسكان الزاي. وقال النوويّ -﵀-: «العزلاء» بالمدّ هو الْمِشْعَبُ الأسفل للمزادة، الذي يُفْرَغُ منه الماء، ويُطْلَق أيضًا على فمها الأعلى، كما قال في هذه الرواية: «العزلاوين الْعُلْياوين»، وتثنيتها عَزْلاوان، والجمع الْعَزَالِي، بكسر اللام، ويجوز فتحها. انتهى بزيادة يسيرة . وقوله: (الْعُلْيَاوينِ) صفة لـ «الْعَزْلاوين»، وهو بضم العين المهملة، وسكون اللام: تثنية «الْعُلْيا» قال الفيّوميّ: «الْعُلْيَا»: خلاف السُّفْلَى، تُضمّ العينُ، فتُقصَرُ وتُفْتَحُ فتُمَدّ، قال ابن الأنباريّ: والضمّ مع القصر أكثر استعمالًا، فيقال: شَفَةٌ عُلْيَا، وعَلْيَاء، وأصل الْعَلْيَاءِ: كلُّ مكان مُشرِفٍ، وجمعُ الْعُلْيَا عُلًى، مثلُ كُبْرَى وكُبَر. انتهى . (ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا) أي أقام الجمل من موضع إناخته (فَشَرِبْنَا) أي فنزل الماء، فشربنا منه، وفي رواية البخاريّ: «فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبيّ -ﷺ- بإناء، ففرَّغَ فيه من أفواه المزادتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العَزَالي» ، زاد الطبرانيّ والبيهقيّ: «فتمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين»، قال في «الفتح»: وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وإطلاق الأفواه هنا كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؛ إذ ليس لكل مَزَادة سوى فم واحد، وعُرِف منها أن البركة إنما حَصَلَت بمشاركة ريقه -ﷺ- الطاهر المبارك للماء. وحاصل الصورة أنه -ﷺ- أفرغ من أفواه المزادتين العلويّة بعض الماء، ومجّ فيه، وأعاده من حيث أخذه، وربط الأفواه التي فتحها، ثم بَعَثَ الجمل، فقام واقفًا، ثم فَتَحَ وفكّ رباط المزادتين من أسفل، مع الإمساك والضغط على فتحة كل مزادة؛ ليؤخذ منها، ثم نادى في الناس: اسقوا، واستقوا، واللَّه تعالى أعلم. (وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، عِطَاشٌ) بالرفع على أنه نعت لـ «أربعون»، وهو: بكسر العين المهملة: جمع عَطْشان، يقال: عَطِشَ عَطَشًا، من باب فَرِحَ، فهو عَطِشٌ، وعَطْشَانُ، وامرأةٌ عَطِشَةٌ، وعَطْشَى، ويُجمعان على عِطَاش بالكسر، ومكان عَطِشٌ ليس به ماء، وقيل: قليل الماء . ووقع في بعض النسخ: «عطاشًا» منصوبًا على الحال، واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى رَوِينَا) بكسر الواو، من باب رَضِيَ: ضدُّ عَطِشَ (وَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا) قال في «القاموس»: «القِرْبَةُ» بالكسر: الْوَطْبُ من اللبن، وقد تكون للماء، أو هي الْمَخْرُوزةُ من جانبٍ واحد، جمعه: قِرْبَاتٌ -بكسر، فسكون- وقِرِبَاتٌ -بكسرتين- وقِرَبَاتٌ، وقِرَبٌ -بكسر، ففتح فيهما- وكذلك كلُّ ما كان على فِعْلَةٍ، كفِقْرَةٍ، وسِدْرَة. انتهى . وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا أَنِلْ … إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحَ فَكُلًّا قَدْ رَوَوْا (وَإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة: هي الْمِطْهَرَةُ، وجمعُها الأَدَوَى . (وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا) بتشديد السين المهملة: أي أعطيناه ما يَغتسل به، والمراد بالصاحب هو الرجل الذي أصابته الجنابة، وفيه دليلٌ على أن المتيمم عن الجنابة إذا أمكنه استعمال الماء اغتسل. وفي رواية البخاريّ: «ونودي في الناس: اسقوا، واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء، قال: اذهب، فأفرغه عليك». وقوله: «أسقوا» بهمزة قطع مفتوحة، من أسقى، أو بهمزة وصل مكسورة، من سقى، والمراد أنهم سَقَوا غيرهم كالدوابّ ونحوها، واستَقَوا هم. واستُدِل بهذه القصة على تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره، كمصلحة الطهارة بالماء؛ لتأخير المحتاج إليها عَمّن سَقَى واستَقَى، ولا ينافي هذا قوله في رواية مسلم هنا: «غير أنا لم نُسق بعيرًا»؛ لأنا نقول: هو محمول على أن الإبل لم تكن محتاجةً إذ ذاك إلى السقي، فَيُحْمَل قوله في رواية البخاريّ: «فسقى» على غيرها، أفاده في «الفتح» . (غَيْرَ أَنَّا لَمْ نُسْقِ بَعِيرًا) «غير» منصوب على الاستثناء، و«أنّا» أصلها أنّنا، خُفّفت بحذف النون الثانية من «أَنّ»، ثم أدغمت في نون الضمير، و«نُسْقِ» بفتح النون، من سقى ثلاثيًّا، وضمّها، من أسقى رباعيًّا، وقد تقدّم قريبًا. و«البِعِيرُ -بفتح الموحّدة، وقد تُكسر-: مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبتُ بعيري، والجملُ بمنزلة الرجل يَختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى ، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أبواب التيمّم، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَهِيَ) أي المزادتان (تَكَادُ تَنْضَرِجُ) أي تَنْشَقُّ، وهو بفتح التاء، وإسكان النون، وفتح الضاد المعجمة، وبالجيم، ورُوِيَ«تَتَضَرَّجُ»بتاء أخرى بدل النون، وهو بمعناه، والأول هو المشهور . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«تنضرج من الماء»كذا عند ابن ماهان بتاءين، وبـ«مِنْ»، وعند الجماعة:«تنضرج بالماء»، وهما بمعنى واحد، أي تُقارب أن تنشقّ من الامتلاء. انتهى . (مِنَ الْمَاءِ) متعلّقٌ بـ«تنضرج»، وقوله: (يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ) أي يقصد بقوله:«وهي تكاد. . . إلخ»، ولعلّ إفراد الضمير باعتبار أنه جمع، عند من يقول: إن أقلّ الجمع اثنان، وهو الأرجح عندي، كما بيّنته في«التحفة المرضيّة»في الأصول، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ:«وهي قائمة، تنظر ما يفعل بمائها، وايْمُ اللَّه لقد أُقلع عنها، وإنه لَيُخَيَّل إلينا أنها أشدّ مِلأَةً منها حين ابتدأ فيها». (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- تطييبًا لخاطرها، وشفقةً عليها، ورأفة بها، حيث ذكرت له أنها مؤتمة («هَاتُوا) أي أحضروا (مَا) موصولة، أي الذي (كَانَ عِنْدَكُمْ») أي من الطعام (فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ) بكسر، ففتح: جمع كِسْرَة، قال الفيّوميّ: الكسرة: القِطعة من الشيء المكسور، ومنه الْكِسْرةُ من الخبز، والجمع: كِسَر، مثلُ سِدْرَة وسِدَر. انتهى . (وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا) أي شدّ ما جمعه لأجلها، يقال: صَرَّ الشيءَ يَصُرُّه صَرًّا، من باب نصر: إذا شدّه، وقوله: (صُرَّةً) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء، قال في«القاموس»:«الصُّرَّة»بالضمّ: شَرْجُ الدراهم ونحوها ، وقال أيضًا:«الشَّرْجُ»: شدُّ الْخَرِيطة، كالإشراج، والتشريج. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: فعلى هذا يكون«صُرّةً»منصوبًا على أنه مفعول مطلقٌ، أي شدّ لها شَدًّا، وأما إذا أريد بالصُّرّة صُرّة الدراهم المعروفة، فيكون مفعولًا به لـ«صرّ»، أي شدّ لها وِعَاءً، يعني أنه -ﷺ- ربط ما جُمع من الكِسَرِ والتمر في وعاءً، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ:«فقال النبيّ -ﷺ-: »اجمعوا لها«، فجمعوا لها من بين عَجْوة، ودقيقة، وسَوِيقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها. وفيه جواز الأخذ للمحتاج برضا المطلوب منه، أو بغير رضاه إن تعيّن، وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الهبات، والإباحات، من غير لفظ من المعطي والآخذ، قاله في «الفتح». (فَقَالَ) -ﷺ- لَهَا: («اذْهَبِي) إلى أهلك (فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الياء بوزن كِتاب: من تتكفّل بهم، جمعه عالَةٌ، قاله في»القاموس«، وقال الصاغانيّ في»التكملة«: العيال: جمع عَيِّل، كجِيَاد جمع جيِّد، وهو من يلزم الإنفاق عليه، ويكون اسمًا للواحد، كما استعمله الحريريّ في»مقاماته«، وذكره المطَرِّزيّ في»شرحه«، ذكره نصر الهورينيّ . (وَاعْلَمِي أَنَّا) بفتح الهمزة؛ لسدّها مسدّ مفعول«اعلمي»(لَمْ نَرْزَأْ) -بنون مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم زاء، ثم همزة-: أي لم نَنْقُص (مِنْ مَائِكِ«) زاد في نسخة: »شيئًا«. وفي رواية البخاريّ: «قال لها: تعلمين ما رَزِئْنَا من مائك شيئًا، ولكنّ اللَّه هو الذي أسقانا». وقوله: «تَعَلَّمين»: أي اعلمي، وقد اشتَمَلَ هذا على عَلَمٍ عظيم من أعلام النبوة. وقوله: «ما رَزِئنا» بفتح الراء، وكسر الزاي، ويجوز فتحها، وبعدها همزة ساكنةٌ-: أي نقصنا. وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده اللَّه تعالى، وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع، وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله: «ولكن اللَّه هو الذي أسقانا». ويَحْتَمِل أن يكون المراد: ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا. واستُدِلّ بهذا على جواز استعمال أواني المشركين، ما لم يُتَيَقَّن فيها النجاسة، وفيه إشارة إلى أن الذي أعطاها ليس على سبيل العِوَض عن مائها، بل على سبيل التكرُّم والتفضُّل، قاله في «الفتح». (فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا، قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ) أي أقوى الناس سحرًا (أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ) أي كما قال (كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ) قال أهل اللغة: هو بمعنى كَيْتَ وكَيْتَ، وكذا وكذا، وهو كناية عن حديث معلوم . وفي رواية البخاريّ: «فأتت أهلها، وقد احتَبَست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العَجَبُ، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللَّه إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء، تعني السماء والأرض، أو إنه لرسول اللَّه حقًّا». (فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ) وفي نسخة: «ذلك» (الصِّرْمَ) بكسر الصاد المهملة: الأبيات المجتمعة (بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ) أي بسببها، فقوله: (فَأَسْلَمَتْ، وَأَسْلَمُوا) بيان لمعنى «فهدى اللَّه. . . إلخ»، وتوضيحٌ له. زاد في رواية البخاريّ: «فكان المسلمون بعد ذلك يُغِيرون على مَن حولها من المشركين، ولا يُصيبون الصِّرم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يَدَعُونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام». قال في «الفتح»: قوله: «فقالت يومًا لقومها: ما أرى هؤلاء القوم يَدَعُونكم عمدًا»، هذه رواية الأكثر، قال ابن مالك: «ما» موصولة، و«أَرَى» بفتح الهمزة، بمعنى أعلم، والمعنى: الذي أعتقده أن هؤلاء يتركونكم عمدًا، لا غفلة، ولا نسيانًا، بل مُراعاةً لما سَبَقَ بيني وبينهم، وهذه الغاية في مراعاة الصحبة اليسيرة، وكان هذا القول سببًا لرغبتهم في الإسلام. وفي رواية أبي ذرّ: «ما أرى أن هؤلاء القوم»، وقال ابن مالك أيضًا: وقع في بعض النسخ: «ما أدري» يعني رواية الأصيليّ، قال: و«ما» موصولة، و«أَنّ» بفتح الهمزة، وقال غيره «ما» نافية، و«أَنّ» بمعنى «لَعَلّ»، وقيل: «ما» نافيةٌ، و«إنّ» بالكسر، ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام مع أنهم يَدَعُونكم عمدًا. ومُحَصَّل القصة أن المسلمين صاروا يُراعون قومها على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم. وبهذا يحصل الجواب عن الإشكال الذي ذكره بعضهم، وهو أن الاستيلاء على الكفار بمجرده، يوجب رقّ النساء والصبيان، وإذا كان كذلك، فقد دخلت المرأة في الرقّ باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها، وتزويدها كما تقدم؛ لأنا نقول: أُطلقت لمصلحة الاستئلاف الذي جَرَّ دخول قومها أجمعين في الإسلام. ويَحْتَمِل أنها كان لها أَمَانٌ قبل ذلك، أو كانت من قوم لهم عَهْدٌ. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٥٦٣ و١٥٦٤] (٦٨٢)، و(البخاريّ) في «التيمّم» (٣٤٤ و٣٤٨) و«المناقب» (٣٥٧١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٤٣) من رواية الحسن البصريّ، عن عمران، وليست فيه هذه القصّة، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٧١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٥٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥٦)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٤٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧١ و٩٨٧ و٩٩٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٠١ و١٤٦١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢١٨ و٢١٩ و٤٠٤) وفي «دلائل النبوّة» (٤/ ٢٧٦ و٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٢٧٦ و٢٧٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٠٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٩٨ و٢٠٩٩ و٢١٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٣٤ و١٥٣٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما في فعل عمر -﵁- في إيقاظ النبيّ -ﷺ-. ٢ - (ومنها): إظهار التأسّف لفوات أمر من أمور الدين. ٣ - (ومنها): أنه لا حرج على من تفوته صلاة لا بتقصير منه؛ لقوله -ﷺ- في رواية عوف الأعرابيّ التالية: «لا ضير». ٤ - (ومنها): أن من أجنب، ولم يجد ماءً، فإنه يتيمم؛ لقوله -ﷺ-: «عليك بالصعيد»، وفي رواية: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، وفيه دليل على أن التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء، ولهذه المعنى جعله البخاريّ -﵀- دليلًا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عتد عدم الماء، فيؤخذ من هذا أنه يصلي به كما يصلي بالماء، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء . ٥ - (ومنها): أن العالم إذا رأى أمرًا محتملًا، يسأل فاعله عنه؛ ليُوَضِّحه، فيُوَضِّح له هو وجه الصواب، فقد سأل النبيّ -ﷺ- الرجل المعتزل عن سبب اعتزاله، فأخبره بحاله، فبيّن له أن واجبه التيمّم بالصعيد. ٦ - (ومنها): استحباب الملاطفة والرفق في الإنكار على أحد فيما فعله. ٧ - (ومنها): التحريض على الصلاة بالجماعة ولو كانت فائتة، وأنه يؤذّن لها، ويقام، كما ثبت في بعض طرق الحديث. ٨ - (ومنها): الإنكار على ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين بغير عذر. ٩ - (ومنها): أن قضاء الفوائت واجبٌ، ولا يسقط بالتأخير، ويأثم بتأخيره بغير عذر. ١٠ - (ومنها): أن من حَلّت به فتنة في بلد، فليخرُج منه، وليهرُب من الفتنة بدينه، كما فعل النبيّ -ﷺ- وأصحابه، حيث ارتحلوا عن بطن الوادي الذي حضرهم فيه الشيطان. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على جواز أخذ أموال الناس عند الضرورة بثمن، إن كان له ثمن، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ؛ لأنه بناه على أن الماء كان مملوكًا للمرأة، وأنها كانت معصومة النفس والمال، ويُحتاج إلى ثبوت ذلك، وإنما قدمناه احتمالًا، وأما قوله: «بثمن»، فكأنه أخذه من إعطائها ما ذُكِرَ، وليس بمستقيم؛ لأن العطية المذكورة متقوَّمة، والماء مثليّ، وضمان المثليّ إنما يكون بالمثل، وينعكس ما قاله من جهة أخرى، وهو أن المأخوذ من فضل الماء للضرورة لا يجب العوض عنه. وقال بعضهم: فيه جواز طعام المخارجة؛ لأنهم تخارجوا في عوض الماء، وهو مبني على ما تقدم. ١٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك، فإنه -ﷺ- أمر الرجل بالتيمم، ولم يأمره بطلب، ولا بسؤال رفقته. ١٣ - (ومنها): أن النبي -ﷺ- لما جاءه الماء أعطى الرجل الجنب ماءً، وأمره أن يغتسل به، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذر -﵁-: «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك» ، وفيه رد على أبي سلمة في قوله: إنه لا غسل عليه. ١٤ - (ومنها): أن فيه معجزةً عظيمة، وعَلَمٌ من أعلام نبوة النبيّ -ﷺ- بتكثير الماء القليل ببركته -ﷺ-، وإرواء العِطاش منه، واستعمالهم، وأخذهم منه في قِرَبهم من غير أن ينقُص الماء المأخوذ منه شيئًا، ولذلك قال للمرأة: «ما رزئنا من مائك شيئًا، وإنما سقانا اللَّه ﷿». وإنما لم يستأذن النبيّ -ﷺ- المرأة أولًا في الشرب من مائها، والأخذ منه؛ لأن انتفاعهم إنما كان بالماء الذي أمدّه اللَّه تعالى بالبركة لم يكن من نفس مائها، ولذلك قال لها: «ما رَزِئنا من مائك شيئًا، وإنما سقانا اللَّه». ونظير هذا: أن جابرًا صنع للنبي -ﷺ- طعامًا يسيرًا في عام الخندق، وجاء إلى النبي -ﷺ- فسارّه بذلك، وقال له: تعال أنت في نفر معك، فصاح النبي -ﷺ-: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع لكم سُورًا، فحيهلا بكم»، ثم جاء بهم جميعًا، فأكلوا حتى شبعوا، والطعام بحاله. فإن أكل أهل الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركة بسبب النبي -ﷺ-، فكان -ﷺ- هو الداعي لأهل الخندق كلهم إلى الطعام في الحقيقة، فلذلك لم يحتج في استئذان جابر في ذلك. وهذا بخلاف ما جرى لأبي شعيب اللحام لما دعاه النبي -ﷺ- وجلساءه، فلما قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دعوا، فقال النبي -ﷺ- لصاحب المنزل: «إنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل» فأذن له فدخل. وقد خرّجاه في «الصحيحين» بمعناه من حديث أبي مسعود، فإن ذلك اليوم لم يحصل فيه ما حصل في طعام جابر وماء المرأة المشركة -واللَّه ﷾ أعلم-، فإن غالب ما كان يقع منه -ﷺ- تكثير الطعام والشراب في أوقات الحاجة العامة إليه، قاله الحافظ ابن رجب -﵀- . وقال في «العمدة»: فيه فوائد من دلائل النبوة، حيث توضؤوا، وشربوا، وسَقَوا، واغتسل الجنب مما سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين ببركته، وعظيم برهانه، وكانوا أربعين نصّ عليه في رواية سَلْم بن زَرِير، وأنهم ملأوا كل قِرْبة معهم. وقال القاضي عياض: وظاهر هذه الرواية أن جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول اللَّه يخرج في هذا العدد، فلعل الركب الذين عَجَّلهم بين يديه لطلب الماء، وأنهم وجدوا المرأة، وأنهم استسقوا النبيّ -ﷺ- قبل الناس، وشَرِبوا، ثم شرب الناس بعدهم. وفيه أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده اللَّه، وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من ماء تلك المرأة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وفيه دلالة أن عمر -﵁- أجلد المسلمين، وأصلبهم في أمر اللَّه تعالى. انتهى . ١٥ - (ومنها): أن العطشان يُقَدَّم على الجنب عند صرف الماء إلى الناس. ١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: إن بعض العلماء أخذ بهذا، فقال: من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر، فليتحول عن موضعه، وإن كان واديًا، فيخرج عنه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاصّ بالنبيّ -ﷺ-؛ لأنه لا يعلم من حال ذلك الوادي ولا غيره ذلك إلا هو، وقال غيره: يؤخذ منه أن مَن حَصَلت له غفلة في مكان عن عبادة استُحِبّ له التحوّل منه، ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحوّل من مكانه إلى مكان آخر. انتهى. ١٧ - (ومنها): جواز الاجتهاد بحضرة النبيّ -ﷺ-؛ لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلومًا عندهم، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر؛ بناءً على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأما الحدث الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبيّ -ﷺ- عن هذا الحكم، ويَحْتَمِل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلًا، فكان حكمه حكم فاقد الطهورين. ١٨ - (ومنها): جواز استعمال ماء المشركين الذي في قِربهم، ونحوها من أوعية الماء المعدّة له. ١٩ - (ومنها): تقديم مصلحة شرب الآدميّ، والحيوان على غيره، كمصلحة الطهارة بالماء. ٢٠ - (ومنها): أن فيه مراعاةَ ذِمَام الكافر، والمحافظة به، كما حَفِظ النبيّ -ﷺ- هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذِمَامها، وإن كانت من صميمهم. ٢١ - (ومنها): مشروعيّة الشكوى من الرعايا إلى الإمام عند حلول أمر شديد. ٢٢ - (ومنها): استحباب التعريس للمسافر إذا غلبه النوم. ٢٣ - (ومنها): أنه ذكر في «العمدة» فوائد تتعلّق بقوله: «وكنّا لا نوقظ نبيّ اللَّه -ﷺ- من منامه»، فقال: [فإن قلت]: هذا النوم في هذه القصة هل كان مثل نوم غيره أم لا؟. [قلت]: قد يكون نومه كنوم البشر في بعض الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأن رؤيا الأنبياء -صلوات اللَّه على نبينا، وعليهم- وحيٌ. [فإن قلت]: ما تقول في نومه يوم الوادي، وقد قال: «إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي»؟. [قلت]: نعم هذا حكم قلبه عند نومه، وعينيه في غالب الأوقات، وقد يندُر منه غير ذلك، كما يندر من غيره بخلاف عادته، والدليل على صحة هذا في الحديث نفسه: «إن اللَّه قبض أرواحنا»، وفي الحديث الآخر: «لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم»، ويكون هذا منه لأمر يريده اللَّه تعالى من إثبات حكم، وإظهار شرع. وجواب آخر أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه؛ لما رُوي أنه كان محروسًا، وأنه كان ينام حتى ينفُخ، وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ. [فإن قلت]: في حديث ابن عباس -﵄- ذُكِر وضوؤه عند قيامه من النوم. [قلت]: النوم فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذا صلى، ذلك لملامسته الأهل، أو حدث آخر، ألا ترى في آخر الحديث: «نام حتى سمعت غطيطه، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضأ». وقيل: لا ينام قلبه من أجل الوحي، وأنه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال: «إن اللَّه قبض أرواحنا، ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا». [فإن قلت]: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: «اكلأ لنا الصبح». [قلت]: كان من شأنه التغليس بالصبح، ومراعاة أول الفجر، ولا يصح هذا ممن نامت عينه، إذ هو ظاهر يُدْرَك بالجوارح الظاهرة، فوكل بلال بمراعاة أوله؛ ليعلمه بذلك، كما لو شُغِل بشغل غير النوم عن مراعاته. [فإن قلت]: هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرةً أو أكثر؟. [قلت]: قد جزم الأصيلي بأن القصة واحدةٌ، ورَدّ عليه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين؛ لأن في قصة أبي قتادة لم يكن أبو بكر وعمر -﵄- مع النبيّ -ﷺ- لَمّا نام، وفي قصة عمران أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيّ -ﷺ- حتى أيقظه عمر -﵁-، ومِن الذي يدُلّ على تعدد القصة اختلاف مواطنها، كما ذكرناها. ولقد تكلَّف أبو عمر بن عبد البرّ في الجمع بينهما بقوله: إن زمان رجوعهم كان قريبًا من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن طريق مكة يصدُق عليهما. وفيه تعسّف على أن رواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك يرُدّ عليه، ثم إن أبا عمر زعم أن نوم النبيّ -ﷺ- كان مرة واحدة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: ثلاث مرات: إحداها: رواية أبي قتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر، الثانية: حديث عمران، وحضراها، والثالثة: حضرها أبو بكر وبلال. وقال عياض: حديث أبي قتادة غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران، ومن الدليل على أن ذلك وقع مرتين أنه قد رُوِيَ أن ذلك كان زمن الحديبية، وفي رواية بطريق مكة، والحديبية كانت في السنة السادسة، وإسلام عمران وأبي هريرة الراوي حديث قفوله من خيبر كان في السنة السابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الواقعة. قال العينيّ: وفيه نظر؛ لأن إسلام عمران كان بمكة، ذكره أبو منصور الماورديّ في «كتاب الصحابة»، وقال ابن سعد، وأبو أحمد العسكريّ، والطبرانيّ في آخرين: كان إسلامه قديمًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعواه أن إسلام عمران كان بمكة محلّ نظر، بل المشهور أنه عام خيبر، ولم يذكر في «الإصابة» ، ولا في «التهذيب» خلافًا في هذا، إلا قولهم: كان إسلامه قديمًا، وهذا لا يدلّ على أنه أسلم قبل الهجرة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَسَرَيْنَا لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ الَّتِي لَا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَزَادَ، وَنَقَصَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ أَجْوَفَ، جَلِيدًا، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِشِدَّةِ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهورٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ) هو: عوف بن أبي جَمِيلة العَبْديّ الْهَجَريّ، أبو سهل البصريّ المعروف بالأعرابيّ، واسم أبي جَمِيلة بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رُزينة، ثقةٌ رُمي بالقدر وبالتشيّع [٦] (ت ٦ أو ١٤٧) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدّمت ترجمته في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥، وليست له رواية في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وإنما ذُكر في المقدّمة عند ذكر الموازنة بين الرواة في الحفظ والإتقان. والباقيان ذُكرا في السند السابق. وقوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ) تقدّم الخلاف في تعيين هذا السفر في الحديث الماضي. وقوله: (فَسَرَيْنَا لَيْلَةً) وفي رواية البخاريّ: «وإنا أسرينا». قال الجوهريّ: تقول: سَرَيتُ، وأسريت، بمعنًى: إذا سِرْتَ ليلًا، وقال صاحب «المحكم»: السُّرَى: سَيْرُ عامة الليل، وقيل: سير الليل كله، وهذا الحديث يخالف القول الثاني، قاله في «الفتح». وقوله: (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) «كان» تامّة، و«من» زائدة على رأي الأخفش في كونها تزاد في الإثبات، و«آخر الليل» مرفوع على الفاعليّة لـ «كان»، ويَحْتَمِل أن تكون «كان» ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى الأمر المفهوم، والجارّ والمجرور خبرها، و«من» بمعنى «في»، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ: «حتى إذا كنا في آخر الليل». وقوله: (قُبَيْلَ الصُّبْحِ) بدل من الجارّ والمجرور. وقوله: (وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ) أي نِمْنَا تلك النومة، كأنهم سقطوا عن الحركة. وقوله: (لَا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا) كلمة «لا» لنفي الجنس، و«وقعة» اسمها، وقوله: «عند المسافر» متعلّق بقوله: «أحلى»، وهو خبر لـ «لا»، وقوله: «منها» أي من تلك الوقعة. وقوله: (فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) هذا يدلّ على أن الشمس كانت قد ارتفعت، وزال وقت النهي عن الصلاة؛ لأن حرها لا يكاد يوجد إلا بعد ذلك، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة، بل كان تباعدًا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان، كما جاء التصريح به في حديث آخر . وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لعوف بن أبي جَمِيلة. وقوله: (وَكَانَ أَجْوَفَ) أي رفيع الصوت، يَخرُج صوته من جوفه بقوة. وقوله: (جَلِيدًا) هو من الجلادة، بمعنى الصلابة. وقوله: (فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ) في استعماله التكبير سلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين، وخَصَّ التكبير؛ لأنه أصل الدعاء إلى الصلاة. وقوله: (لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا) أي لا ضرر عليكم في هذا النوم، وتأخير الصلاة به، و«الضَّيْرُ»، و«الضُّرّ»، و«الضَّرَرُ» بمعنى واحد، يقال: ضارهُ يضوره، ويضيره ضَوْرًا وضَيْرًا: أي ضَرّه. وإنما قال ذلك لتأنيس قلوبهم؛ لما عَرَض لهم من الأسف على فوات الصلاة من وقتها؛ لأنهم لم يتعمدوا ذلك. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لعوف أيضًا. [تنبيه]: رواية عوف الأعرابيّ، عن أبي رجاء هذا ساقها الإمام البخاريّ -﵀-، فقال: (٣٤٤) حدّثنا مسدد، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدّثنا عوفٌ، قال: حدّثنا أبو رجاء، عن عمران، قال: كنا في سفر مع النبيّ -ﷺ-، وإنا أسرينا، حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعةً، ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، وكان أولَ من استيقظ فلانٌ، ثم فلانٌ، ثم فلانٌ، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوفٌ، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبيّ -ﷺ- إذا نام لم يوقَظْ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يَحْدُث له في نومه، فلما أستيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلًا جَلِيدًا، فكبّر، ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبّر، ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته النبيّ -ﷺ-، فلما استيقظ، شَكَوْا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير»، أو «لا يَضِير، ارتحلوا»، فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوَضُوء، فتوضأ، ونودي بى الصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟»، قال: أصابتني جنابة، ولا ماءَ، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، ثم سار النبيّ -ﷺ-، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلانًا، كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوفٌ، ودعا عليًّا، فقال: «اذهبا، فابتغيا الماء»، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مَزَادتين، أو سَطِيحتين، من ماء، على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونَفَرُنا خُلُوفًا، قالا لها: انطلقي
مصادر المؤلف (٦٣)

١. وفي نسخة: «فقال».

٢. وفي نسخة: «ما شغلك».

٣. وفى نسخة: «فبينا».

٤. وفي نسخة: «سابلة».

٥. وفي نسخة: «أخبرتنا به».

٦. وفي نسخة: «عِطاشًا».

٧. وفي نسخة: «تتضرّج».

٨. وفي نسخة: «من مائك شيئًا».

٩. وفي نسخة: «ذلك».

١٠. هذا قول أبي زرعة، وهو الأعدل، ومن الغريب أن صاحب «التقريب» خالف فيه اصطلاحه، فراجعه (ص ١٢٩).

١١. وقال في «تهذيب التهذيب» ٤/ ١١٣ - ١١٤: رَوَى له مسلم حديثًا واحدًا في نومهم عن صلاة الصبح، والبخاري ثلاثةً: هذا، والخبأ لابن صياد، والثالث تقدم في أكثر أهل الجنّة والنار. انتهى.

١٢. «الفتح» ١/ ٥٣٤ - ٥٣٥.

١٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٩.

١٤. «تاج العروس من جواهر القاموس»٤/ ١٨٩.

١٥. «القاموس المحيط»٣/ ١٠٢.

١٦. «الفتح» ١/ ٥٣٥ «كتاب التيمّم» رقم (٣٤٤).

١٧. «عمدة القاري» ٤/ ٢٧.

١٨. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩٠.

١٩. «المصباح» ١/ ٦٩.

٢٠. «الفتح» ١/ ٥٣٧.

٢١. «المصباح» ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠.

٢٢. «الفتح» ١/ ٥٣٨.

٢٣. «المفهم» ٢/ ٣١٦.

٢٤. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩١.

٢٥. «المفهم» ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠.

٢٦. «الفتح» ١/ ٥٣٨.

٢٧. «القاموس المحيط» ٤/ ١٩٣.

٢٨. «العَجِيّ» -كغَنِيّ-: فاقد أمه من الناس، وغيره، أفاده في «القاموس» ٤/ ٣٥٩.

٢٩. راجع: «المصباح» ٢/ ٦٧٩.

٣٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٦.

٣١. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩١.

٣٢. «المفهم» ٢/ ٣٢٠.

٣٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٩ بزيادة يسيرة من «اللسان».

٣٤. راجع: «الفتح» ١/ ٥٣٩.

٣٥. ٢/ ٣٢٠.

٣٦. «المصباح» ٢/ ٤٠٨.

٣٧. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩١.

٣٨. «المصباح» ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨.

٣٩. قوله: «وأوكأ»: أي رَبَطَ، وقوله: «وأطلق»: أي فتح.

٤٠. راجع: «المصباح» ٢/ ٤١٦.

٤١. «الوَطْبُ»: سِقَاءُ اللبَنِ، وهو جِلْدُ الْجَذَع، فما فوقه، جمعه: أوطُبٌ، ووِطَابٌ، وأوطابٌ، قاله في «القاموس» ١/ ١٣٧.

٤٢. «القاموس المحيط» ١/ ١١٤ - ١١٥.

٤٣. «المصباح» ١/ ٩.

٤٤. «الفتح»١/ ٥٣٩.

٤٥. «المصباح»١/ ٥٣.

٤٦. «شرح النووي»٥/ ١٩٢.

٤٧. «المفهم»٢/ ٣٢١.

٤٨. «المصباح»٢/ ٥٣٣.

٤٩. «القاموس»٢/ ٦٨.

٥٠. «القاموس»١/ ١٩٦.

٥١. «القاموس المحيط»٤/ ٢٢.

٥٢. راجع: هامش القاموس ٤/ ٢٢.

٥٣. «المفهم» ٢/ ٣٢١، و«شرح النووي» ٥/ ١٩٢.

٥٤. «الفتح» ١/ ٥٤٠ «كتاب التيمّم» رقم (٣٤٤).

٥٥. «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢٧٤.

٥٦. انظر «المسند» ٥/ ١٤٦.

٥٧. «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢٧٦.

٥٨. «عمدة القاري» ٤/ ٣٢.

٥٩. «عمدة القاري» ٤/ ٢٨ - ٢٩.

٦٠. راجع: «الإصابة» ٤/ ٥٨٤ - ٥٨٦.

٦١. راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣١٦.

٦٢. وفي نسخة: «بمثل».

٦٣. «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢٧٢.