HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٨٩

وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. قَالَ فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ. حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ. وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ. فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى. فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا. فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي. يَا ابْنَ أَخِي! إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ. فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة﴾ [٣٣/الأحزاب/ الآية-٢١].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص144
ج ١ ص ٤٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٧٠
(١٤٤٤) أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدّثنا قتادة، أن موسى بن سلمة حدّثهم، أنه سأل ابن عباس، قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم -ﷺ-. انتهى. وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقد ساقها الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ٢٨٣) فقال: (١٥٤٨) أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الْهُذَليّ، قال: قلت لابن عباس: إذا فاتني الصلاة في المسجد الحرام، وقال يونس: إذا لم أدرك الصلاة أصلي بالبطحاء؟، قال: ركعتين تلك سنة أبي القاسم -ﷺ-، ولفظهما واحد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٩] (٦٨٩) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي ، يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مُدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدَويّ، أبو أيّوب المدنيّ، لقبه رَبَاح -بموحّدة- وهو عم عبيد اللَّه بن عمر، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي مروان. ورَوَى عنه سليمان بن بلال، ويحيى القطان، ووكيع، والدَّرَاورديّ، وجعفر بن عون، وأبو عامر الْعَقَديّ، والواقديّ، وعثمان بن عمر بن فارس، والقاسم بن عبد اللَّه العمريّ، والقعنبيّ. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الحاكم: قال فيه القعنبيّ: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربما عُرِف بقبيلة أخواله. قال ابن حبان، وابن قانع: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وذكر ابن سعد عن الواقديّ أنه مات سنة سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر، وهو ابن ثمانينِ سنةً، قال ابن سعد: وكان قليل الحديث، ونقل ابن خلفون أن العجليّ وَثَّقه. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٨٩) و(١٣٧٧)، وقال في «التهذيب»: له عندهم حديثان: أحدهما عن أبيه، عن ابن عمر في قصر الصلاة، والآخر عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة . انتهى. ٣ - (أَبُوهُ) حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه -﵀-، المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٠١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، والقعنبيّ، وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عمر -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أنه (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: «فَصلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين» (ثُمَّ أَقْبَلَ) أي: إلى رحله، وفي رواية النسائيّ: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ» (وَأقبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ) أي: منزله، وهو -بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة- قال الفيّوميّ: هو كلُّ شيء يُعَدّ للرَّحِيل، من وِعَاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُل، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس، وسِهَامٍ. انتهى . (وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ) أي: حضرت، وحصلت (مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) واحدة الالتفات، وهو التوجّه والانصراف، يقال: التَفَتَ بوجهه يَمْنةً ويسرةً، ولَفَتهُ لَفْتًا، من باب ضرب: إذا صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال . (نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى) أي: إلى جهة المكان الذي صلّى فيه الظهر (فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا) أي: قائمين (فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) «ما» استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل هو حفص بن عاصم (يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون النافلة، فالسبحة معناها النافلة (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي) وفي نسخة: «أتممتُ صلاتي»، يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِمَ من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ، قاله في «الفتح» . وقال السنديّ -﵀-: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها؛ أي: لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها لإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَرِدَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج؛ إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج؛ لكونها إلى خِيرة المصلي . انتهى. وقال النوويّ -﵀-: معناه: لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتي أربعًا أحبّ إليّ، ولكني لا أرى واحدًا منهما، بل السنة القصر، وترك التنفل. ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر والعصر وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة، فقد كان ابن عمر -﵄- يفعلها في السفر، ورَوَى عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يفعلها، كما ثبت في مواضع من «الصحيح» عنه. انتهى . (يَا ابْنَ أَخِي) نداء لحفص بن عاصم؛ فإنه ولد أخيه عاصم بن عمر بن الخطّاب (إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) أي: في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعتَرَض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلَّى ركعتين إجماعًا. قال ابن دقيق العيد -﵀-: يَحْتَمِل هذا اللفظ -يعني: «كان لا يزيد في السفر على ركعتين»- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويَحْتَمِل أن يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. قال الحافظ -﵀-: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه: «صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؛ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت»، فذكر المرفوع. انتهى. قال النوويّ -﵀-: أجابوا عن قول ابن عمر -﵄- هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خِيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويُخيّر فيها. انتهى. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله: «لو كنت مسبحًا لأتممت» يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ. انتهى. (حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) غاية لقصره في السفر (وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ) بن الخَطّاب (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ) بن عفّان -﵁- (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) وإنما ذكر ابن عمر -﵄- الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع؛ ليُبيّن أن العمل استمرّ على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارِضٌ، ولا راجحٌ. واستُشْكِل قوله: «ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه»؛ لأنه ثبت فيما سيأتي في الباب التالي من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست. وأجيب: بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يَزِد على ركعتين حتى قبضه اللَّه في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصّةً، وقد فَسَّر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى، أفاده النوويّ -﵀- . ثم ذكر ابن عمر -﵄- دليلًا على أن الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يقتدي بالنبيّ -ﷺ-، فيفعل ما فعله، ويترك ما تركه، ومن جملته ترك السنن الرواتب، فقال: (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) زاد في رواية لأبي عوانة: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومعنى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: قُدْوة صالحة، يقال: لي في فلاة أُسوة: أي: لي به أسوة، والأسوة من الائتساء، كالقُدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر. وقال القرطبيّ في «تفسيره»: و«الأسوة»: القُدوة، وقرأ عاصم ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الهمزة، والباقون بالكسر، وهما لغتان، والجمع فيهما واحدٌ عند الفراء، والعلَّة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، فيقولون: كِسْوة وكُسًا، ولحية ولُحى، قال الجوهري: والأُسوة والإِسوة بالضم والكسر لغتان، والجمع أُسًى وإسًى. والأسوة: القدوة: والأسوة: ما يُتَأَسَّى به؛ أي: يُتَعَزَّى به، فَيُقْتَدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شُجّ وجهه -ﷺ-، وكُسِرت رباعيته، وقُتِل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلا صابرًا محتسبًا، وشاكرًا راضيًا . وقال الإمام ابن كثير -﵀-: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه -ﷺ- في أقواله، وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبيّ -ﷺ- يوم الأحزاب في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه -﷿- صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تَضَجَّروا، وتزبزلوا، واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به، وتأسيتم بشمائله -ﷺ-، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. انتهى . وقال الشوكاني -﵀-: وفي هذه الآية عِتَاب للمتخلفين عن القتال مع رسول -ﷺ-؛ أي: لقد كان لكم في رسول اللَّه حيث بَذَل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنُصرة دين اللَّه أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصًّا، فهي عامّة في كل شيء، ومثلها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. واللام في: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ متعلّق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو بمحذوف هو صفة لـ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: كائنة لمن يرجو اللَّه. وقيل: إن الجملة بدل من الكاف في ﴿لَكُمْ﴾، وردّه أبو حيان، وقال: إنه لا يُبْدَل من ضمير المخاطب بإعادة الجارّ. ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش، وإن منعه البصريون. والمراد بمن كان يرجو اللَّه: المؤمنون، فإنهم الذين يرجون اللَّه ويخافون عذابه، ومعنى يرجون اللَّه: يرجون ثوابه، أو لقاءه، ومعنى يرجون اليوم الآخر: أنهم يرجون رحمة اللَّه فيه، أو يُصَدِّقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ معطوف على ﴿كَانَ﴾ أي: ولمن ذكر اللَّه في جميع أحواله ذكرًا كثيرًا، وجَمَع بين الرجاء للَّه والذكر له؛ لأن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول اللَّه -ﷺ-، قاله الشوكانيّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: واختُلِف في هذه الأسوة بالرسول -ﷺ- هل هى على الإيجاب، أو على الاستحباب؟ على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب، ويَحْتَمِل أن يُحْمَل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح أن الاقتداء بالنبيّ -ﷺ- مستحبّ ما لم يقم دليل الوجوب، فيجب، وقد حقّقت المسألة في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها» في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٧٩ و١٥٨٠] (٦٨٩)، و(البخاريّ) في «تقصير الصلاة» (١١٠١ و١١٠٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٢٣)، و(النسائيّ) في «تقصير الصلاة» (١٤٥٨)، و«الكبرى» (١٩١٦)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٠٧١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤ و٢/ ٥٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٨٢٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٥٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٣٣٥ و٢٣٣٦ و٢٣٣٧ و٢٣٣٨ و٢٣٣٩ و٢٣٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٤٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ترك السنن الرواتب في السفر. ٢ - (ومنها): بيان ملازمة النبيّ -ﷺ- للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى توفاه اللَّه تعالى، وكذا الخلفاء -﵃- بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر. ٣ - (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة. ٤ - (ومنها): فضل ابن عمر -﵄-، حيث كان شديد الاتباع للنبيّ -ﷺ-، في جميع أفعاله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في السفر: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في التطوع في السفر، فثبت أن ابن عمر -﵄- لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها، ولا بعدها، إلا من جوف الليل. ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر، وعليّ، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأبو ذرّ -﵃-، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يُسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبيّ، ومكحول، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-. انتهى . وقال الإمام الترمذيّ -﵀-: ثم اختلف أهل العلم بعد النبيّ -ﷺ-، فرأى بعض أصحاب النبيّ -ﷺ- أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها، ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوّع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون التطوع في السفر. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها الشافعيّ، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته -ﷺ- الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم -﵀-: كان من هديه -ﷺ- الاقتصار على الفرض، ولم يُحفَظ عنه -ﷺ- أنه صلى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنه لم يكن لِيَدَعَهما حضرًا، ولا سفرًا. قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبيّ -ﷺ- كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها، ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيِّد هذا أن الرباعية قد خُفّفت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها، وقد خُفّف الفرض ركعتين؟ فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان التمام أولى به. وقال أيضًا -﵀-: كان -أي النبيّ -ﷺ- يواظب على سنة الفجر، والوتر أشدّ من جميع النوافل، دون سائر السنن، ولم يُنْقَل أنه -ﷺ- صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر؟ فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممت، وهذا من فقهه -﵁-، فإن اللَّه -﷾- خَفَّف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شُرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما ذُكر أن النفل المطلق ثابت عن النبيّ -ﷺ- في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلَّم فيها، وإن ثبتت فتُحْمَل على أنه -ﷺ- فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما لازمه النبيّ -ﷺ-، فإن خير الهدي هدي محمد -ﷺ-. والحاصل أن الأولى للمسافر أن يتطوّع بمطلق النافلة، كصلاة الليل، وصلاة الوتر، وصلاته -ﷺ- على راحلته في الطريق حيثما توجّهت به، وأما السنن الرواتب فالأولى له تركها، غير سنّة الصبح؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾).
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة: «أتممتُ صلاتي».

٢. هو الحديث الآتي للمصنّف برقم (١٣٧٧): حدّثني زهير بن حرب، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا عيسى بن حفص بن عاصم، حدّثنا نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «مَن صبر على لأوائها، كنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة». انتهى.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٥.

٥. «الفتح» ٢/ ٦٧٣.

٦. «الْخِيرة» بالكسر: اسم من الاختيار، كالفِدْية من الافتداء، قاله في «المصباح» ١/ ١٨٥.

٧. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩٨.

٨. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩٨ - ١٩٩.

٩. «الجامع لأحكام القرآن» ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦.

١٠. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٧١.

١١. فتح القدير ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.

١٢. «الجامع لأحكام القرآن» ١٤/ ١٥٦.

١٣. «الأوسط» ٥/ ٢٤١ - ٢٤٤.

١٤. «جامع الترمذيّ» بنسخة «تحفة الأحوذيّ» ٣/ ١١٨ - ١١٩.

١٥. «زاد المعاد» ١/ ٤٧٣ - ٤٧٥.