رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا، فشيخه، ومسعر، ذُكرا في السند الماضي، والباقيان تقدّموا في السند الذي قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد مِسْعر الماضي، وهو: عن ثابت بن عُبيد، عن ابن البراء، عن البراء -﵁-.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال:
(١٨٢٣٦) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا مع رسول اللَّه -ﷺ- مما أُحِبّ، أو نُحِبّ أن نقوم عن يمينه، وسمعته يقول: «ربّ قني عذابك يوم تجمع عبادك»، أو «تبعث عبادك».
وقال أيضًا:
(١٨٠٨٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء بن عازب، عن البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- مما أُحِبّ، أو مما يُحِبُّ أن يقوم عن يمينه، قال: وسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك»، أو «تجمع عبادك».
حدّثناه أبو نعيم، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال ثابت: عن ابن البراء، عن البراء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ بَعْدَ شُرُوعِ المُؤَذِّنَ فِي الإِقَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٤] (٧١٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، الثقة الحافظ الفقيه الحجة، رأس [١٠] (٢٤١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ٩٩٩.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم من رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عطاء بن يسار.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: إذا شَرَع المؤذّن في الإقامة، كما صرّح بذلك محمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، فيما أخرجه ابن حبّان بلفظ:»إذا أخذ المؤذِّن في الإقامة«(فَلَا صَلَاةَ) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوّع في وقت إقامة الفريضة، وبه قال أبو هريرة -﵁-، وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع إذا أُقيمت عليه المكتوبة، ورُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة. انتهى .
وقال في«الفتح»: قوله:«فلا صلاة»: أي: صحيحة، أو كاملة، قال: والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبيّ -ﷺ- صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على أن المراد نفي الكمال.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«لكن. . . إلخ»فيه نظرٌ لا يخفى، ومن أين له القطع بأنه لم يقطع عليه، وأنه أتمّ تلك الصلاة، بعد هذا الإنكار الشديد؟ ولا سيّما وقد ورد بصيغة النهي، ومعلوم أن النهي للفساد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون النفي بمعنى النهي؛ أي: فلا تصلُّوا حينئذ، ويؤيده ما رواه البخاري في«التاريخ»، والبزار، وغيرهما من رواية محمد بن عمار، عن شريك بن أبي نَمِر، عن أنس -﵁-، مرفوعًا، وفيه:«ونهى أن يُصَلَّيَا إذا أقيمت الصلاة».
وورد بصيغة النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر، عن ابن بُحَينة في قصته الآتية، فقال:«لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما فصلًا»، والنهي المذكور للتنزيه؛ لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. انتهى كلام الحافظ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في حمله النهي على التنزيه نظر؛ إذ عدم النقل بقطع الصلاة ليس نصًّا في عدم قطعها، كما أسلفته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال العلامة الشوكانيّ -﵀-: قوله:«فلا صلاة»يَحْتَمِل أن يتوجه النفي إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازَين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة، كما نقل عن أبي هريرة -﵁-، وأهل الظاهر.
قال العراقيّ -﵀-: إن قوله:«فلا صلاة» يَحْتَمِل أن يراد: فلا يَشرَع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شَرَع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يَحْتَمِل كُلًّا من الأمرين.
وقد بالغ أهل الظاهرية، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر، أو غيرهما من النوافل، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلِّم منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتمّ الفريضة، فإن شاء ركعهما، وإن شاء لم يركعهما، قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمنًا: مدّة السلام، أو مدة إقامة الصلاة؟ بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة.
نعم، قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل، خروجه من النافلة إذا أدّاه إتمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما نُقِلَ عن أبي هريرة -﵁-، وأهل الظاهر، هو الذي يكون موافقًا لظاهر النص، ففيما قاله العراقيّ في الردّ عليهم نظر لا يخفى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ») الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، فقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ:«فلا صلاة إلا التي أقيمت»، وكذلك في رواية لأبي هريرة -﵁-، ذكرها ابن عبد البر في«التمهيد».
وقال في«الفتح»: فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، وزاد مسلم بن خالد، عن عمرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟ قال:«ولا ركعتي الفجر»، أخرجه ابن عديّ في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب، وإسناده حسن.
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصرّح بذلك أحمد، والطحاويّ، من طريق أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ:«إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت». انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث الباب يدلّ على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، وأن من أقيمت الصلاة، وهو في النافلة يقطعها، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعيّة، كما قاله في«الفتح»، وخصّ آخرون النهي بمن أنشأ النافلة؛ عملًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والقول الأول هو الصواب، وأما الثاني فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ هي نهت عن إبطال الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها، حيث نفى الشارع صحّتها عند الإقامة بقوله:«فلا صلاة إلا المكتوبة»، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله الآية، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٤٤ و١٦٤٥ و١٦٤٦ و١٦٤٧ و١٦٤٨] (٧١٠)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٢٦٦)، و(الترمذيّ) فيها (٤٢١)، و(النسائيّ) في«الإمامة»(٨٥٦ و٨٦٥)، وفي«الكبرى»(٩٣٧ و٩٣٨)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(١١٥١)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٣١ و٤٥٥ و٥١٧)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٣٣٨)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١١٢٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢١٩٠ و٢١٩٣)، و(الطبرانيّ) في«الصغير»(٢١ و٥٢٩)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ٣٧١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٣٥٦ و١٣٥٧ و١٣٥٨ و١٣٥٩)، و(أبو نُعيم) في«مستخرجه»(١٥٩٨ و١٥٩٩ و١٦٠٠ و١٦٠١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٤٨٢)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٨٠٤)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اختُلف في رفعه، ووقفه، وقد رجّح المصنّف -﵀- رفعه، ولذا أخرجه هنا في الأصول، وكذا رجّح الترمذيّ -﵀- رفعه أيضًا، حيث قال في«الجامع»بعد إخراجه الحديث مرفوعًا ما نصّه: وهكذا رَوَى أيوب، ووَرْقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-.
ورَوَى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، فلم يرفعاه، والحديث المرفوع أصحّ عندنا. انتهى كلام الترمذيّ -﵀-.
وقال في«الفتح»في شرح قول البخاريّ -﵀-:«بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، وابنُ خزيمة، وابن حبان، من رواية عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، واختُلِف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقيل: إن ذلك هو السبب في كون البخاريّ لم يُخرجه، ولما كان الحكم صحيحًا ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه. انتهى .
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- في«شرح البخاريّ»عند قوله:«بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»ما نصّه: بَوَّب عَلَى هذه الترجمة، ولم يُخَرِّج الحَدِيْث الَّذِي بلفظها، وقد خرّجه مُسْلِم من حَدِيث عَمْرِو بن دينار، عَن عَطَاء بْن يسار، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ:«إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وخرَّجه أبو داود موقوفًا.
وقد اختُلِف فِي رفعه ووقفه، واختَلَف الأئمة فِي الترجيح، فرجّح الترمذيّ رفعه، وكذلك خرّجه مُسْلِم فِي«صحيحه»، وإليه ميل الإمام أحمد، ورجّح أبو زُرْعَة وقفه، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين، وإنما لم يُخَرِّجه البخاريّ؛ لتوقفه، أو لترجيحه وقفه، واللَّه أعلم.
وقد خرّجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد اللَّه، عَن مُحَمَّد بْن جُحادة، عَن عَمْرٍو، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ:«إذا أخذ المؤذن فِي الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وهذا لفظ غريبٌ.
وقد روي من وجوه أُخَر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-.
وخرّجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة: ثنا عياش بْن عباسٍ، عَن أَبِي تميم الزُّهْرِيّ، عن أبي هريرة، عَن النَّبِيّ -﵁-، قَالَ:«إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِى أُقيمت».
وخرّجه الطبراني بهذا اللفظ -أيضًا- من رِوَايَة أَبِي صالح: ثنا الليث، عن عَبْد اللَّه بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني، عَن أبيه، عَن أَبِي تميم، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ -ﷺ-. انتهى كلام ابن رجب -﵀- .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما ذهب إليه المصنّف -﵀- من ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ، وهو أيضًا رأي الترمذيّ، وإليه ميل الإمام أحمد؛ لأن الذين رفعوا جماعة، ومعهم زيادة علم، فتُقبل زيادتهم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة:
(اعلم): أنه قد اختلف الصحابة، والتابعون، ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال:
[أحدها]: الكراهة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه بن عمر، على خلاف في ذلك، وأبو هريرة -﵁-.
ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير.
ومن الأئمة: سفيان الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذيّ الرواية عن الثوريّ، وروى عنه ابن عبد البر، والنوويّ تفصيلًا، وهو أنه إذا خَشِي فوت
ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم، وترك سنة الفجر، وإلا صلاها، وسيأتي.
[القول الثاني]: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر، وغيرهما، قاله ابن عبد البر في «التمهيد»، وهذا القول هو الحقّ، كما سيأتي.
[القول الثالث]: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح، والإمام في الفريضة، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصريّ، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حيّ، ففرّق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها.
واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة -﵁-، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح».
وأجيب عن ذلك بأن البيهقيّ قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي إسنادها حجّاج بن نُصَير، وعباد بن كثير، وهما ضعيفان، على أنه قد روى البيهقي عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة»، قيل: يا سول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟، قال: «ولا ركعتي الفجر»، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في «صحيحه».
[القول الرابع]: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإمام، أو لا، وهو قول مالك، فقال: إذا كان قد دخل المسجد، فليدخل مع الإمام، ولا يركعهما -يعني ركعتي الفجر- وإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة، فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام، فليدخل وليصلّ معه.
[القول الخامس]: أنه إن خَشِيَ فوت الركعتين معًا، وأنه لا يُدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما -يعني ركعتي الفجر- خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البرّ، وحُكي عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه، وحكى النوويّ عنه مثل قول الأوزاعيّ الآتي ذكره.
[القول السادس]: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النوويّ عن أبي حنيفة، وأصحابه.
[القول السابع]: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوريّ، حَكَى ذلك عنه ابن عبد البرّ، وهو مخالف لما رواه الترمذيّ عنه.
[القول الثامن]: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإمام، إذا كان الوقت واسعًا، قاله ابن الجلاب من المالكية.
[القول التاسع]: أنه إذا سمع الإقامة لم يَحِلّ له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عَصَى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعيّ، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابيّ. وحُكِي الكراهة عن الشافعيّ، وأحمد.
وحَكَى القرطبيّ في «المفهم» عن أبي هريرة -﵁-، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة.
قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف.
قال العراقيّ: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديثُ المذكورةُ في شرح الحديث الذي بعد هذا -يعني حديث عبد اللَّه ابن بحينة الآتي- تدلّ على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقيّ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذّن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقيّ: يحتمل أن يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام.
ومما يدلّ على ذلك، قوله في حديث أبي موسى -﵁- عند الطبرانيّ: إن النبىّ -ﷺ- رأى رجلًا صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقيّ:
وإسناده جيد، ومثله حديث ابن عباس -﵄- عند أبي داود الطيالسيّ، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي اللَّه -ﷺ-، وقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟»، ورواه أيضًا البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبرانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن القول بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة هو الأرجح؛ لظهور أدلته، فمن ابتدأ بالنافلة، ثم أقيمت الصلاة وهو فيها يقطعها، ويقتدي بالإمام، ولا حجة لمن يقول: إن فيه إبطال الصلاة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه ما أبطل عمله بنفسه، وإنما أبطلها الشارع، حيث قال: «إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة»، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ، صدوقٌ فاضل، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤.
٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨.
٣ - (شَبَابَةُ) بن سوّار، تقدّم قبل بابين، و«ورقاء» ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) وفي نسخة: «بهذا الإسناد مثله»؛ أي: بإسناد
ورقاء الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية شبابة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيِّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٠.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨.
و«زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ» ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد زكريّا الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، يقول عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن زكريّا هذه ساقها أبو داود -﵀- في «سننه»، فقال:
(١٢٦٦) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حماد بن سلمة (ح) وحدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن ورقاء (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وحدّثنا محمد بن المتوكل، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا زكريا بن إسحاق، كلهم عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ).
١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ن ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥.