HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٤٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ. فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا. فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَخْبَرُوهُ؛ أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ. فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ «أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟» فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ. وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا. وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا. فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا. ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا. فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ. فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا. فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا. لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا. قَالَ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ. فَجَاءَ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ. فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا. فَأَذِنَتْ لَنَا. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتْهُ) فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ. فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ خَيْرًا. (قَالَ قَتَادَةُ وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فقالت: ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا. وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ. حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ، فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ. فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ. فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ. لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ. فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ. ثُمَّ يَنْهَضُ ولا يسلم. ثم يقوم فيصلي التَّاسِعَةَ. ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ. ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا. ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد ما يسلم وهو قاعد. فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بني. فلما سن نبي الله ﷺ، وأخذه اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ. وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صنعيه الأَوَّلِ. فَتِلْكَ تِسْعٌ، يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا. وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ. وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ. وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا. فَقَالَ: صَدَقَتْ. لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لَأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي - بِهِ. قَالَ قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عليها ما حدثتك حديثها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص168
ج ١ ص ٥١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٥٢٨
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٣٩] (٧٤٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذلِكَ. وَأَخْبَرُوهُ، أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: «أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟» فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رِجْعَتِهَا. فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَأْتِهَا فَاسْأَلَهَا، ثُمَّ ائْتِني فَأَخْبِرْنِي بَردِّها عَلَيْكَ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا. فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا، لأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا. قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلى عَائِشَةَ، فَأَسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتْهُ) فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامِ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ. فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ خَيْرًا. (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّه -﷿- افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّه خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه، فِي آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثهُ اللَّه مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يُجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدَعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ، يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- إِذا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي به. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٥ - (زُرَارَةُ) بن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٣) فَجْأةً في الصلاة (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس -﵁-، ثقة [٣] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ١٥/ ١٦٨٨. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين -﵂-، ماتت (٥٧) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زُرارة، والباقيان مدنيّان. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد، ورواية زرارة عن سعد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي، وتخفيف الراء العامريّ الْحَرَشيُّ -﵀- (أَنَّ سَعْدَ) بسكون العين المهملة (ابْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس بن مالك -﵁- (أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ليقاتل الكفّار؛ لإعلاء كلمة اللَّه، قال ابن الأثير -﵀-: قد تكرّر في الحديث ذكر «سبيل اللَّه»، فالسبيل الأصل الطريق، ويُذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل اللَّه عامّ يقع على كل عمل خالص سُلِك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقعٌ على الجهاد، حتى صار؛ لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. انتهى . (فَقَدِمَ) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ) النبويّة -على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام- لأنها المرادة عند الإطلاق؛ لكون المدينة عَلمًا عليها بالغلبة، كما قال في «الخلاصة»: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مَضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ «أَلْ» كـ «الْعَقَبَهْ» والمعنى: أنه جاء من البصرة إلى المدينة؛ لأنه كان مقيمًا بالبصرة، حيث إن أباه كان ممن نزلها. (فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا) -بفتح العين المهملة، وتخفيف القاف-: قال الفيّوميُّ -﵀-: «الْعَقَارُ» مثلُ سَلَامٍ: كلُّ مِلكٍ ثابتٍ له أصلٌ، كالدار، والنخل، قال بعضهم: ورُبّما أُطلق على المتاع، والجمع عقارات. انتهى . (لَهُ بِهَا) أي: بالمدينة (فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ) -بكسر السين المهملة، وتخفيف اللام، آخره حاء مهملة-: هو ما يُقاتل به في الحرب، ويُدافَع، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير أَسْلِحَةً، وعلى التأنيث سِلَاحات، والسِّلْح -وزانُ حِمْل- لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم؛ أي: أخذ كلُّ واحد سِلَاحه، أفاده في «المصباح» . وقال في «القاموس»: السِّلَاحُ بالكسر، والسِّلَح، كعِنَب، والسُّلْحَانُ بالضمّ: آلة الحرب، أو حديدتها، ويُؤنّثُ، والسبقُ، والقَوْسُ بلا وَتَرٍ، والْعَصَا. انتهى . (وَالْكُرَاعِ) -بضمّ الكاف-، وزان غُرَاب: اسم لجماعة الخيل خاصّةً، أفاده في «المصباح»، و«القاموس» . (وَيُجَاهِدَ الرُّومَ) بالضمّ: جِيلٌ من ولد عِيصُو، قاله في «القاموس»، وقال في «اللسان»: الرُّوم: جِيلٌ معروفٌ، واحدهم رُوميّ، يَنتمون إلى عِيصُو بن إسحاق النبيّ -ﷺ-. انتهى . (حَتَّى يَمُوتَ) غاية لجهاده. (فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (أُنَاسًا) بضم الهمزة، لغة في ناس، بحذفها (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمّا قصده من غزو الروم إلى أن يموت بعد تخلّيه عن أهله، وماله (وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرهط والنَّفَر، والقوم، والْمَعْشَر، والْعَشِيرة معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهط، والعشيرة بمعنى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجلِ: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى . وقوله: (سِتَّةً) منصوب على البدليّة لـ «رهطًا» (أَرَادُوا ذَلِكَ) أي: ما ذُكر من طلاق أزواجهم، وبيع ما يملكونه من العقار وغيره، وتفرّدهم للجهاد إلى أن يموتوا (فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ) -ﷺ- («أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟») زاد في نسخة: «حَسَنَة»، و«الأُسْوَة» بكسر الهمزة، وضمّها: الْقُدوة، وتأسّيتُ به، وائتسيتُ: اقتديتُ . والمعنى: أنه -ﷺ- قال لمن أراد ما ذُكر من التبتّل والانقطاع للجهاد: إن من سنّتي النكاح وغيره من منافع الدنيا مع إقامة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فعليكم الاقتداء بسنتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمَّا حَدَّثُوهُ) أي: حدّث الأناس الذين لقيهم سعد بن هشام في المدينة (بِذَلِكَ) أي: بما وقع لبعض الصحابة من عزمهم على ما عزم به سعد من الانقطاع عن الدنيا، والمثابرة على الجهاد مدى الحياة (رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ طلَقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح عند الأكثرين، وقال الأزهريّ: الكسر أفصح، ذكره النوويُّ -﵀- . وإنما أشهد على رجعتها؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]، قال الإمام ابن كثير -﵀-: أي: أشهدوا على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود (٢١٨٦)، وابن ماجه (٢٠٢٥) عن عمران بن حصين -﵄- أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشْهِد على طلاقها، ولا على رجعتها؟، فقال: طَلَّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ، وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجَاع إلا شاهدا عدل، كما قال اللَّه -﷿- إلا أن يكون من عذر. انتهى . (فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ) أي: أتى سعد بن هشام إلى ابن عبّاس -﵄- (فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (الأ) أداة عرض وتحضيض (أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ) وفي رواية أَبي داود: «على أعلم الناس»، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه وقع أيضًا بعض نسخ مسلم، واللَّه تعالى أعلم. (بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويَعْرِف أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة، ويتضمّن مع ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع. (قَالَ) سعد (مَنْ؟) استفهاميّة؛ أي: من هو أعلم أهل الأرض بوتره -ﷺ-؟ (قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (عَائِشَةُ) خبر لمحذوف؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا؟ وإنما كانت عائشة -﵂- أعلم بذلك؛ لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤدّى في البيت، وأمهات المؤمنين -﵅- أعلم بذلك، وأَولاهنّ به عائشة -﵂-، لشدة حرصها على حفظ آثار النبيّ -ﷺ-، وكان يخصّها بما لم يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيرًا، وقد تنازلت لها سودة بنت زَمْعة -﵂- عن نَوْبتها، فبذلك كانت أعلم الناس بوتره -ﷺ-، وبغير ذلك من الأعمال التي يعملها -ﷺ- داخل البيت، ولا سيّما في الليل، واللَّه تعالى أعلم. (فَأْتِهَا، فَاسْأَلْهَا) وفي نسخة: «فسَلْهَا»، وهو لغة في «اسأل»، قال في «المصباح»: والأمر من سَأَلَ اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو واسألوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ سَالَ يَسَالُ، من باب خاف يَخَافُ، والأمرُ من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس؛ إذ القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا. انتهى بزيادة . (ثُمَّ ائْتِنِي، فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ) أي: بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة حرص ابن عبّاس -﵄- على تعلم سنة النبيّ -ﷺ-، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها؛ لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث. قال سعد بن هشام: (فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا) أي: ذهبتُ إلى عائشة -﵂-؛ لأسألها عن ذلك (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ) هو: حجازيّ، رَوَى عن أبي مسعود، وعائشة -﵂-، وروى عنه جعفر بن عبد اللَّه، والد عبد الحميد، لم يرو عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في «ابن ماجه» حديث واحد في ما للمسلم على المسلم، وذكره ابن حبّان في «الثقات» . (فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا) أي: طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى عائشة -﵂-، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد بن هشام، كما يدلّ عليه ما يأتي. (فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة أخرى، كتَعِبَ، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقْرَبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الْحِمَى؛ أي: لا تَدْنُ منه. وأما قرُب بضم الراء، ككَرُم، فإنه لازم يتعدى بـ «من»، يقال: قرُب الشيءُ منّا، قُرْبًا، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى . ثمّ بيّن سبب عدم قربه منها، فقال: (لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ) أي: تتكلّم، وتتدخّل (فِي) شأن (هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ) أي: الطائفتين، والفرقتين، والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتي عليّ ومعاوية -﵁- (شَيْئًا) أي: شيئًا من القول، أو الفعل المؤيّد لإحداهما (فَأَبَتْ فِيهِمَا) أي: في الطائفتين (إِلَّا مُضِيًّا) أي: إلا أن تذهب إلى مناصرة إحداهما، أو تداوم على ذلك، يقال: مضى الشيءُ يَمضي مُضِيًّا، ومَضَاءً بالفتح والمدّ: ذَهَبَ، ومضيتُ على الأمر مُضِيًّا: داومته، ومَضَى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف: أنفذته . والمعنى: أن عائشة -﵂- امتنعت من قبول نصحي لها، ومضت على وجهها، حتى حصلت وقعة الْجَمَل المشهورة. (قَالَ) سعد (فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي: حلفت عليه على أن يذهب معي، وفي رواية أبي داود: «فناشدته» (فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ) -﵂- (فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا) أي: طلب الإذن بالدخول عليها في بيتها (فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟) أي: أأنت حكيم؟ (فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ) أي: أنا حكيم (فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟) أي: من هذا الشخص الذي دخل عليّ معك؟ (قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) أي: هو سعد بن هشام، وفي رواية النسائيّ: «فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟» (قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ) أي: هو ابنُ عامر (فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ) أي: دعت له بالرحمة، وفي رواية للنسائيّ، من طريق الحسن، عن سعد بن هشام: «قالت: رحم اللَّه أباك» (وَقَالَتْ خَيْرًا) وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد التالية: «قالت: نعم المرءُ كان عامرٌ، أصيب يوم أُحُدٍ»، وفي لفظ: «نعم المرءُ كان، أُصيب مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم أحد». [تنبيه]: قوله: «نعم المرء كان عامرٌ» هكذا هو في رواية المصنّف -﵀- برفعه، وهو الظاهر، ووقع في رواية النسائيّ: «كان عامرًا» بالنصب. قال أبو البقاء الْعُكبريُّ -﵀- في «إعراب الحديث»: «المرء» فاعل «نعم»، و«عامرٌ» المخصوص بالمدح، و«كان» يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون الجملة من «نِعْمَ» والمرفوعين بعدها خبرَ «كان»، ويكون في «كان» ضمير الشأن، كما تقول: كان نعم الرجلُ زيد، وزيد نعم الرجلُ كان، ليس من ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدَّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على هذا اسم كان مضمرًا فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبرًا لها مُقدّمًا، ونظير زيادة «كان» ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن زيدًا. انتهى كلام أبي البقاء -﵀- . (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة (وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) ظاهر هذا أنه من كلام قتادة، ولكن الرواية الآتية ظاهرة في كونه من كلام عائشة -﵂-، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُمكن حمله على أن قتادة أحيانًا ينقله روايةً، وأحيانًا يقوله، واللَّه تعالى أعلم. (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مقتبس من قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، شُبِّهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ، واحترامهنّ، وتحريم نكاحهنّ، وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيّات، قاله الطيبيُّ -﵀- . قال الحافظ العراقيُّ في «ألفيّة السيرة»: زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ … هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أُمَّهَاتُ نِكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ … مَعَ الْوُجُوبِ لاحْتِرَامِهِنَّهْ (أَنْبِئِينِي) أي: أخبريني، ولأبي داود: «حدثيني» (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي: عن صفاته وسَجِيّته، قال في «القاموس»: «الْخُلُقُ» بالضمّ، وبضمّتين: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. انتهى . وقال في «المنهل»: و«الخُلُق» بضم المعجمة، واللام، وقد تسكّن، في الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيئ، والمراد به هنا ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الآداب والمكارم . (قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟) الظاهر أنه استفهام تقريريّ؛ لأنها تعرف أنه ممن قرأ القرآن، ويَحْتَمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا؛ بناء على أنها لم تعرف قراءته. (قُلْتُ: بَلَى) أي: بلى قرأت القرآن، فـ «بلى»: حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، أو في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ [القيامة: ٣، ٤] والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله الفيّوميُّ -﵀- . (قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ الْقُرْآنَ) قال القرطبيُّ -﵀-: أي: كان يتخلّق بما فيه من محمود الأوصاف، ويَجتنب ما فيه من ممنوعها، ويَحْتَمِلُ أن تُريد بقولها: «القرآن» الآيات التي اقتضت الثناء على رسول اللَّه -ﷺ-، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وما في معنى ذلك، واللَّه أعلم. انتهى . وقال النوويُّ -﵀-: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته. انتهى . وحاصل المعنى: أنه -ﷺ- كان متمسكًا بآداب القرآن، وأوامره، واقفًا عند حدوده، معتبرًا بأمثاله وقصصه، محسّنًا لتلاوته، فكان عاملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالى إخبارًا عن لقمان: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ الآية [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وغيرِ ذلك. متحلّيًا بما حثّ عليه اللَّه تعالى بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]. متجنّبًا ما نهى اللَّه عنه، بنحو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. وبالجملة، فكلّ ما قصّ اللَّه تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذُكر بالوصف الأتمّ، والنعت الأكمل، كان النبيّ -ﷺ- متحلّيًا به، ومتوليًا له، ومتخلّقًا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى جُمِع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما نَهَى اللَّه عنه كان -ﷺ- لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى اللَّه تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] . (قَالَ) سعد بن هشام (فَهَمَمْتُ) أي: قصدت، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمًّا، من باب قَتَلَ: إذا أردته، ولم تفعله، وفي الحديث: «لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الْغِيلة. . .» الحديث؛ أي: عن إتيان المرضع، قاله في «المصباح» . (أَنْ أَقُومَ) أي: من مجلس سؤالي لها (وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ) أي: من أخلاق رسول اللَّه -ﷺ- (حَتَّى أَمُوتَ) يعني أن سعدًا أراد أن يقوم من عند عائشة -﵂- حيث أجملت له ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، على وجهٍ أكملَ، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع أخلاقه -ﷺ- منه إجمالًا وتفصيلًا، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من أخلاقه -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، وهذا من فصاحة عائشة -﵂-، وغزارة علمها، حيث أوجزت، وأبلغت، وأتقنت. وقال القرطبيّ -﵀-: إنما هَمّ سعد أن لا يسأل أحدًا حتى يموت؛ استقصارًا لفهمه؛ إذ لم يَفهم ذلك من القرآن مع وُضوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضًا لهمّته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاءً بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم. انتهى . (ثُمَّ بَدَا لِي) أي: ظهر لي، أن أسأل عائشة -﵂- عن غير ما أحالتني على القرآن، وهو خلق رسول اللَّه -ﷺ- (فَقُلْتُ: أَنْبئِينِي) أي: أخبريني (عَنْ قِيَامِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-) أي: تهجّده بصلاة الليل (فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قُلْتُ: بَلَى) أي: قرأتها (قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- افْتَرَضَ) وفي نسخة: «قد افترض» (قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي: في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ (فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا) أي: سَنَة، قال في «المصباح»: حال حَوْلًا، من باب قال: إذا مضى، ومنه قيل للعام: حَوْلٌ، ولو لم يَمْضِ؛ لأنه سيكون تسميةً بالمصدر، والجمع أحوال. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ» أي: من طول قيامهم. قال القرطبيُّ -﵀-: قولها: إن النسخ كان بعد حول، خولفت في ذلك، فقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكيّة، ومن أوّل ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها، نزلتا بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيح، فصحيح الأحاديث، والنقلِ المشهور على ما قدّمناه في «كتاب الإيمان». انتهى كلام القرطبيُّ -﵀- . (وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا) أي: آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ الى آخر السورة [المزمل: ٢٠] (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) وهو معنى قولها: «حولًا» (فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ) أي: أنزل تخفيف فرضيّة قيام الليل بنسخه بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الآية (فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ) وفي رواية النسائيّ: «بعد أن كان فريضة». قال النوويّ -﵀-: هذا ظاهر أنه صار تطوّعًا في حقّ رسول اللَّه -ﷺ- والأمة، فأما الأمة، فهو تطوّع في حقهم بالإجماع، وأما النبيّ -ﷺ-، فاختلفوا في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض -﵀- عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. انتهى . وقال القرطبيُّ -﵀-: ظاهر قولها هذا يدلّ على أنه كان فرضًا عليه، وعلى الناس، قال مكيّ: وهو قول كافّة أهل العلم. وقيل: إنه لم يكن فرضًا عليه، ولا عليهم، حكاه الأبهريّ عن بعضهم، قال: لقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣ - ٤]، وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب. وقيل: كان فرضًا على النبيّ -ﷺ- وحده، مندوبًا لغيره، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبيّ -ﷺ- بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾، فخُصّ بالخطاب، وبما رُوي عن ابن عبّاس -﵄-، مرفوعًا: «ثلاثٌ عليّ فريضةٌ، ولكم تطوّع: الوتر، والضُّحى، وركعتا الفجر»، وهو ضعيف، والصحيح ما نقلته عائشة -﵂-. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) سعد بن هشام (قُلْتُ) وفي نسخة: «فقلت» (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي: عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته، وفي رواية النسائيّ: «فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-»؛ أي: ظهر لي السؤال عن وتره -ﷺ- (فَقَالَتْ) عائشة -﵂- (كنَّا نُعِدُّ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، مضارع أعدّ رباعيًّا، من الإعداد؛ أي: نهيّء لَهُ (سِوَاكَهُ) بكسر السين: عُود الأراك، والجمع سُوكٌ بسكون الواو، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، والمِسْوَاك مثله، وهو مأخوذ من تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكه سَوْكًا، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ، ومنه اشتقاق السِّوَاك، والسواك أيضًا يُطلَقُ على المصدر . (وَطَهُورَهُ) بفتح الطاء المهملة: أي: الماء الذي يَتَطَّهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي: يوقظه اللَّه -﷿- من نومه في الوقت الذي يريد إيقاظه فيه، يقال: انبعث فلان بشأنه: إذا سار ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته، و«ما» موصولة، والعائد محذوفٌ: أي: القدر الذي شاء البعث فيه، قال الطيبيُّ -﵀-: [فإن قلت]: قد تقرّر عند علماء المعاني أن مفعول «شاء»، و«أراد» لا يُذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن أبكي دمًا لبكيتُه، ولو شاء اللَّه أن يتخذ ولدًا، فأين الغرابة في قوله: «ما شاء أن يبعثه»؟. [قلت]: كفى بلفظ البعث شاهدًا على الغرابة، كأنه تعالى نبّه حبيبه -ﷺ- لقضاء نهمته من حبيبه -﷾- مناغاةً ومناجاةً بينهما، من مكاشفات وأحوال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١٠ - ١١]، فأيُّ غرابة أغرب من هذا؟. انتهى كلام الطيبيُّ -﵀- . وفي رواية النسائيّ: «فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ -﷿- لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ» واللام للتوقيت؛ أي: في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، فتكون بمعنى «حين»، أي: يوقظه حين شاء اللَّه -﷿-. وقوله: (مِنَ اللَيْلِ) بيان لـ «ما شاء»، و«من» تبعيضيّة؛ أي: بعض ساعات الليل، وأوقاته، وقيل: بيانية (فَيَتَسَوَّكُ) أي: يستعمل السواك، وفيه استحباب السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ) ووقع في رواية للنسائيّ: «ويصلي ثماني ركعات»، والصواب: «تسع ركعات»، كما هو عند المصنّف، وعند النسائيّ أيضًا في رواية أخرى. (لَا يَجْلِسُ فِيهَا) وللنسائيّ: «لا يجلس فيهنّ»؛ أي: في خلال تلك الركعات (إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ) وللنسائيّ: «إلا عند الثامنة». وفيه دليلٌ على عدم وجوب الجلوس عند الركعتين؛ لأنه -ﷺ- كان يصلي ثمانيًا متّصلًا بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات، وفي ردّ على الحنفية القائلين بوجوب الجلسة عند كل ركعتين. وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل، قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه؛ لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف للنصّ الصريح -قاتل اللَّه التعصّب- كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها إلخ، وقد صرّحت بقولها: «لا يجلس فيها إلا في الثامنة»؟ فأين السكوت المزعوم؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَكن أسير التقليد، واللَّه تعالى المستعان. والحاصل أنه -ﷺ- أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم. (فَيَذْكُرُ اللَّهَ) أي: يقرأ التشهّد (وَيَحْمَدُهُ) أي: يُثني عليه، قال الطيبيُّ -﵀-: أي: يتشهّد، فالحمد إذًا لمطلق الثناء؛ إذ ليس في التحيّات لفظ الحمد. انتهى. زاد في رواية لأبي عوانة: «ويصلي على نبيه -ﷺ-» (وَيَدْعُوهُ) أي: بالدعاء المتعارف بعد التشهّد (ثُمَّ يَنْهَضُ) أي: يقوم، يقال: نَهَضَ عن مكانه يَنْهَضُ نُهُوضًا: ارتفع عنه، ونَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه، ونَهَضتُ إلى فلان، وله نَهْضًا ونُهُوضًا: تحرّكتُ إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضًا، وكان منه نَهْضَةٌ إلى كذا: أي: حركةٌ، والجمع: نَهَضات، وأنهضته للأمر بالألف: أقمته إليه، قاله الفيّوميّ . (وَلَا يُسَلِّمُ) وقوله: (ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ) توضيح للمراد بقوله: «ثم ينهض، ولا يسلّم» (ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ) زاد في رواية لأبي عوانة: «ويصلي على نبيّه -ﷺ-» (وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) من الإسماع؛ أي: يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعل الأمر في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» مختصًّا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النوويُّ على أنه -ﷺ- فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض بينهما. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويُّ -﵀- من وجه الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكانيّ من أنه لا يعارض فعله قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختصّ بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم الردّ عليه غير مرة، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم. (وَتِلْكَ) أي: الركعات المذكورة بهذه الأوصاف (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ) هذا من باب الإيناس، والتلطّف، وإلا فليس سعد ابنها -﵄- (فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-) أي: كَبِرَ، قال الفيّوميّ: وأسنّ الإنسان سَنَّ وغيره إسنانًا: إذا كَبِرَ، فهو مُسِنٌّ، والأنثى مُسِنّةٌ، والْجَمعُ مَسَانٌّ، قال الأزهريّ: وليس معنى إِسنان البقر والشاة كِبَرَها كالرجل، ولكن معناه: طُلُوعُ الثنيّة. انتهى . [تنبيه]: وقع في نسخة «شرح النوويّ» بلفظ: «فلما سنّ نبيّ اللَّه -ﷺ-. . . إلخ» قال النوويُّ -﵀-: هكذا هو في معظم الأصول «سَنَّ»، وفي بعضها «أسنّ»، وهذا هو المشهور في اللغة. انتهى . (وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ) وفي بعض النسخ: «وأخذ اللحمَ»، قيل: أي: السمن، وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل. وقال السنديُّ -﵀-: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره -ﷺ-، ولعلّ ذلك لفرحه بقدومه على اللَّه بما جاءه من البشارات الأخروية -ﷺ-. انتهى. (أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ) أي: بأن صلاهما جالسًا بعدما يسلم (فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ) أي: فنقص ركعتين بسبب ضعفه (وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي: من النوافل (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) أي: كان من هديه -ﷺ- أنه إذا صلّى صلاة تطوّع واظب عليها، فلا يتركها إلا لعذر، أو لبيان الجواز، كما في هاتين الركعتين اللتين صلّاهما بعد الوتر، قاله في «المنهل» . وإنما أحبّ النبيّ -ﷺ- الدوام على تلك الصلاة؛ لأن أحبّ الأعمال إلى اللَّه -﷿- ما داوم عليه صاحبه، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة -﵂- قالت: وكان -ﷺ- يقول: «أحب العمل إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ»، وأخرجا أيضًا من حديثها: «وكان أحبّ الصلاة إلى رسول اللَّه -ﷺ- ما داوم عليها، وإن قلَّت». وفي رواية شعبة الآتية: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا عَمِلَ عَمَلًا أثبته». (وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ) بفتحتين: يُطلق على كلّ مرض، وجمعه أوجاعٌ، مثلُ سبَبِ وأسبابٍ، ووِجَاعٌ أيَضًا بالكسر، مثل جَبَلٍ وجِبَالٍ . (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ) أي: في النهار، فـ «من» بمعنى «في»، أو تبعيضيّهّ، كما سبق قريبًا، وفي نسخة: «بالنهار»، والباء بمعني «في»، والمراد: في أول النهار ما بين طلوع الشمس، وزوالها. وفي رواية أبي عوانة الآتية: «كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع، أو غيره، صلّى من النهار. . .»، وفي رواية شعبة: «وكان إذا نام من الليل، أو مَرِضَ صلّى من النهار ..» (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) تعتي: أنه -ﷺ- إذا منعه من قيام الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة؛ بدلًا مما فاته من قيام الليل، وهو ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط، وإنما لم تذكر الوتر؛ لأنه لم يقضه، والظاهر أنه لم يفته، فلعلّه -ﷺ- كان إذا طرأ عليه ما يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر في أول الليل، وأخّر غيره، فقضاه بالنهار. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد يحتجّ بهذا الحديث بعضهم على عدم مشروعيّة قضاء الوتر، وهو غلطٌ؛ لأنه ليس صريحًا في كونه -ﷺ- فاته الوتر، بل الظاهر أنه لم يفته، بل صلّاه بالليل، وإنما فاته التهجّد غير الوتر، والصحيح أنه إذا فات الوتر يُقضى؛ لما أخرجه أبو داود في «سننه» بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره»، ولدخوله في عموم ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «من نَسِيَ صلاة، فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويُّ -﵀-: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تُقضَى. انتهى. (وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-) قال الطيبيُّ: هذا من نفي الشيء بنفي لازمه، ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حقّ من أحاط علمه بالعلوم، ويتمكّن منه تمكّنًا تامًّا، وهذا في علم اللَّه تعالى مطّردٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الآية [يونس: ١٨] أي: بما لم يوجد، ولم يثبُت؛ لأنه لو وُجد لتعلّق به علم اللَّه -سبحانة وتعالى-، وكذلك الصدّيقة ابنة الصدّيق -﵂- كانت مراقبة أحوال رسول اللَّه -ﷺ- ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدةً ومساءلةً؛ أي: لم يكن يفعل المذكور؛ إذ لو فعله لعلمته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . (قَرَأَ الْقُرْآنَ كلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) تعني أنه -ﷺ- ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة (وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ) هذا على حسب علمها -﵂-، كما يدل عليه قولها: «ولا أعلم»، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب بن الأرتّ -﵁- عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ بسند صحيح أنه راقب رسول اللَّه -ﷺ- في ليلة، فصلى الليلة كلها حتى كان مع الفجر. . . الحديث . (وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه -ﷺ- كان يصوم شعبان كلّه؛ لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ) سعد بن هشام -﵀-: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-؛ أي: ثم، بعد أن سمعت الحديث من عائشة -﵂- على وجهه، جئتُ إلى ابن عباس -﵄-؛ لأخبره بما سمعت منها حيث طَلَب مني ذلك. (فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) ابن عبّاس -﵄- (صَدَقَتْ) عائشة -﵂- فيما حدّثتك به (لَوْ كنْتُ أَقْرَبُهَا) بضمّ الراء، وفتحها، فقد تقدّم قريبًا أنه من بابي قتل وتَعِبَ (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا) وفي رواية النسائيّ: «أما إنى لو كنت أدخل عليها لأتيتها». قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين عليّ ومعاوية -رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين-. (حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ) أي: حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهةً (قَالَ) سعد (قُلْتُ) أي: لابن عبّاس -﵄- (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا، مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا) وهذا قاله سعد: معاتبةً لابن عباس -﵄- على مقاطعته إياها -﵂-، وعدم دخوله عليها. = حدّثنا شعيب بن أبي حمزة (ح) وأبو اليمان، أنبأنا شعيب، قال: وقال الزهريّ: حدّثني عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن عبد اللَّه بن خباب، عن أبيه خباب بن الأرتّ، مولى بني زُهْرة، وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال راقبت رسول اللَّه -ﷺ- في ليلة صلاها رسول اللَّه -ﷺ- كلها حتى كان مع الفجر، سلّم رسول اللَّه -ﷺ- من صلاته، جاءه خباب، فقال: يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، لقد صلّيت الليلة صلاةً، ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أجلْ، إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألت ربي ﵎ ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألت ربي ﵎ أن لا يُهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي -﷿- أن لا يُظهر علينا عدوًّا غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﵎، أن لا يَلْبِسنا شِيَعًا فمنعنيها». انتهى. [فإن قلت]: كيف جاز لابن عباس -﵄- مقاطعتها، وقد صحّ عنه -ﷺ-: «لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» متفق عليه؟. [أجيب]: بأنه ليس المنهيّ عنه ترك الكلام مطلقًا، وإنما المنهيّ عنه الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله: «يلتقيان إلخ»، وابن عباس -﵄- لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب منها -﵂-. أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه، وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن هجران العاصي جائز، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٧٣٩ و١٧٤٠ و١٧٤١ و١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤] (٧٤٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥)، و(الترمذيّ) فيها (٤٤٥) وفي «الشمائل» (٢٦٧)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (٣/ ٦٠ و١٩٩ و٢١٨ و٢٣٤ و٢٤٠ و٢٤١ و٢٥٩ و٤/ ١٥١ و١٩٩)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٩١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤٧١٤ و٤٧٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٣ و٩٤ و١٠٩ و١٦٣ و١٦٨ و٢٣٦ و٢٥٨)، و(الدارمي) في «سننه» (١٤٨٣)، و(البخاريّ) في «خلق أفعال العباد» (٤٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٠٧٨ و١١٢٧ و١١٦٩ و١١٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٢٩٤ و٢٢٩٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢ و١٦٩٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٨٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على التنفير من الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة؛ لما فيها من مخالفة هدي رسول اللَّه -ﷺ-، وعلى أنه يتأكّد الوقوف على ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من العبادة، والتأسّي به. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية قيام الليل. ٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة النبيّ -ﷺ- حتى يقتدوا به فيها. ٤ - (ومنها): أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه أن يرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة. ٥ - (ومنها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث كانت أعلم الناس بعبادة النبيّ -ﷺ- بشهادة ابن عباس -﵄- لها بذلك. ٦ - (ومنها): ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه -ﷺ-، حيث أدّبه بآداب القرآن، فكان المثل الأعلى في التخلّق بالأخلاق الكريمة، كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٧ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يتأدّب بآداب القرآن؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-. ٨ - (ومنها): بيان أن قيام الليل كان واجبًا، ثم نُسِخ رحمةً من اللَّه تعالى ولطفًا. ٩ - (ومنها): استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطَّهُور. ١٠ - (ومنها): استحباب السواك لمن قام من النوم. ١١ - (ومنها): مشروعية الوتر بتسع ركعات، يجلس في الثامنة منها، دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم، وكذا بسبع، يجلس في السادسة بلا سلام، وفي السابعة بسلام. ١٢ - (ومنها): أن أحب العمل إلى النبيّ -ﷺ-، وهو المحبوب عند اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ. ١٣ - (ومنها): استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه. ١٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة؛ لأنه ليس من هدي رسول اللَّه -ﷺ-، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان، وسبب كراهته أنه يُضعف البدن، ويُذهب الْقُوى، فلا يكون الشخص مستعدًّا للجهاد، ونحوه من العبادة الشاقّة، ويضعفه أيضًا عن القيام بما يجب عليه من الاكتساب لكفاية نفسه وعياله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون كلّهم ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الفاعل ضمير هشام؛ أي: ذكر هشام الدستوائيّ، عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة المتقدّم عنه. [تنبيه]: رواية هشام، عن قتادة هذه ساقها الإمام الدارميُّ في «سننه»، فقال: (١٤٣٩) حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام، أنه طَلَّق امرأته، وأتى المدينة لبيع عقاره، فيجعله في السلاح والكُراع، فلقي رهطًا من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فمنعهم، وقال: «أما لكم فيّ أسوة؟»، ثم إنه قَدِم البصرة، فحدّثنا أنه لقي عبد اللَّه بن عباس، فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدّثك بأعلم الناس بوتر رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: بلى، قال: أم المؤمنين عائشة، فأتها فاسألها، ثم ارجع إليّ، فحدّثني بما تحدثك، فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا اَتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا، قلت: أقسمت عليك لَمّا انطلقتَ، فانطلقنا، فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرءُ، قُتِل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خلق رسول اللَّه -ﷺ-، فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَضَ لي القيام، فقلت: أخبرينا عن قيام رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول اللَّه -ﷺ-، أنزل أول السورة، فقام رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا، ثم أُنزل، فصار قيام الليل تطوُّعًا بعد أن كان فريضةً. فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا نام وضع سواكه عندي، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ رسول اللَّه، وحَمَلَ اللحم، صلى سبع ركعات، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك تسع يا بُنَيّ، وكان النبي -ﷺ- إذا غلبه نوم، أو مرضٌ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أخذ خُلُقًا أحب أن يداوم عليه، وما قام نبي اللَّه -ﷺ- ليلةً حتى يصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان، فأتيت ابن عباس، فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال: فقلت: أما إني لو شَعَرْتُ أنك لا تدخل عليها ما حدثتك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف -﵀- تقديم هذه الرواية على ما قبلها؛ لتكون روايتا سعيد بن أبي عروبة متتاليتين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الفاعل ضمير سعيد بن أبي عروبة. وقولها: (نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ) بالرفع على أنه المخصوص بالمدح، وقد تقدّم إعرابه في الحديث الماضي. وقولها: (أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) تعني أن عامرًا استُشهد في وقعة أُحُد. [تنبيه]: رواية سعيد، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٣٢٣) فقال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، قال: ثنا قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلى ابن عباس، فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: من؟ قال: عائشة ائتها فسلها، ثم أعلمني ما ترُدّ عليك، قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا، فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال: حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: ابن عامر، قالت نعم المرء كان عامرًا أصيب يوم أحد، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي اللَّه -ﷺ- كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت: فقيام رسول اللَّه -ﷺ- يا أم المؤمنين، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي وتر رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: كنا نُعِدّ لرسول اللَّه -ﷺ- سواكه وطَهُوره، فيبعثه اللَّه فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوّك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه، ويصلي على نبيّه -ﷺ-، ثم يَنْهَض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيّه -ﷺ-، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ نبي اللَّه -ﷺ-، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين بعدما يسلم يا بُنَيّ، وكان نبي اللَّه -ﷺ- إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان النبيّ -ﷺ- إذا غلبه قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه -ﷺ- قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس، فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت، وكان أول مرّة أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلَقِيَ رهطًا من قومه، فذكر لهم ذلك، فأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه -ﷺ-، فنهاهم عن ذلك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ كَانَ جَارًا لَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَفيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ، أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ، وَفيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عمرو البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كَانَ جَارًا لَهُ) أي: كان سعد بن هشام جارًا لزرارة بن أوفى. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. . . إلخ) الفاعل ضمير معمر. وقوله: (فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ. . . إلخ) ظاهر هذه الرواية أن القائل لابن عبّاس: «لو علمت أنك لا تدخل عليها. . . إلخ» هو حكيم بن أفلح، لا سعد بن هشام، وهذا بعيد، والظاهر أنه وَهَمٌ؛ لأنه تقدّم أن حكيمًا أيضًا كان لا يدخل عليها، حيث قال لسعد لَمّا طلب منه أن ينطلق معه إليها: «ما أنا بقاربها»، فكيف يمكن أن ينكر على ابن عبّاس ذلك؟ فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن قتادة هذه ساقها أيضًا أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ٣٤٠) فقال: (١٦٩١) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى (ح) وثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمران، ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، أن سعد بن هشام بن عامر، كان جارًا له، فأخبره أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له ومالًا، فيجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقيه رهط من قومه، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فنهاهم رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: «أليس لكم فيّ أُسْوَةٌ؟»، فلما حَدَّثوه بذلك راجع امرأته، فلما قَدِم علينا أخبرنا أنه أتى ابن عباس، فسأله عن الوتر، فقال له ابن عباس: ألا أنبئك، أو ألا أدلك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: مَنْ؟ قال: عائشة، فائتها فسلها عن ذلك، ثم ارجع، فأخبرني بردّها عليك، قال سعد بن هشام: فأتيت حَكِيم بن أفلح، فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في ما بين الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا فيهما، فأقسمت عليه، فجاء معي، فسلّمنا عليها، فدخلنا، فعرفَته، فقالت: أحكيمٌ؟ قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء كان عامرًا، أصيب مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم أحد، قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني على خلق رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول اللَّه -ﷺ- كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت لها: أنبئيني عن قيام رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: أما تقرأ هذه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، فقلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي اللَّه -ﷺ- وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه عن خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه -﷿- التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد إذ كان فريضةً، فهممت أن أقوم، فبدا لي، فسألتها، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: كنا نُعِدُّ له سواكه وطَهوره من الليل، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيتسوك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ويحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد بعدما يسلّم، فتلك إحدى عشرة أي بُنَيّ، فلما أسن رسول اللَّه -ﷺ-، وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين، وهو قاعد بعدما سَلَّم، فتلك تسع أي بُنيّ، وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى أحب أن يداوم عليها، وكان نبي اللَّه -ﷺ- إذا غلبه عن قيام الليل نوم، أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه -ﷺ- قرأ القرآن في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير شهر رمضان. قال: فأتيت على ابن عباس، وأنبأته بحديثها، فقال: صدقت، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك لا تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها. لفظ إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، ويقاربه ابن أبي عمر في اللفظ، ويوافقه في المعنى. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ، مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخُرَاسانيّ، نزيل مكهّ، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤٤] (.. -) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إَذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٤٥)

١. «النهاية» ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢١.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٤.

٤. «القاموس المحيط» ١/ ٢٢٩.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٣١، و«القاموس المحيط» ٣/ ٧٨.

٦. «لسان العرب» ١٢/ ٢٥٨.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١.

٨. «المصباح المنير» ١/ ١٥.

٩. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٥.

١٠. تفسير ابن كثير ٤/ ٣٨٠.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

١٢. راجع: «تهذيب التهذيب» ١/ ٤٧٢.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٥.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٥.

١٥. «إعراب الحديث لأبي البقاء» ص ٤٧٤ - ٤٧٦.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢١٩.

١٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٢٢٩.

١٨. «المنهل العذب المورود» ٧/ ٢٧٣.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ٦٢.

٢٠. «المفهم» ٢/ ٣٧٨.

٢١. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٦.

٢٢. «المنهل العذب المورود» ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤.

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤١.

٢٤. «المفهم» ٢/ ٣٧٨.

٢٥. «المصباح المنير» ١/ ١٥٧.

٢٦. «المفهم» ٢/ ٣٧٩.

٢٧. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٦ - ٢٧.

٢٨. «المفهم» ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.

٢٩. راجع:«المصباح المنير»١/ ٢٩٧.

٣٠. يقال: ناغاه: إذا ناداه، وَبَاراه، أفاده في«القاموس»٤/ ٣٩٦. والمراد هنا المناداة، فيكون بمعنى المناجاة.

٣١. «الكاشف»٤/ ١٢٢٠ - ١٢٢١.

٣٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٨.

٣٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٢.

٣٤. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٧.

٣٥. «المنهل العذب المورود» ٧/ ٢٧٥.

٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨.

٣٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢٢١.

٣٨. قال الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» (٢٠٥٤٨): حدّثنا عليّ بن عيّاش الحمصيّ، =

٣٩. وفي نسخة: «حدّثنا».

٤٠. وفي نسخة: «حدّثنا أبي».

٤١. هكذا النسخة «عامرًا» بالنصب، وقد تقدّم توجيهه، فلا تنس.

٤٢. هكذا النسخة بـ «على»، فليُحرّر.

٤٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٤٤. وفي نسخة: «حدّثنا».

٤٥. وفي نسخة: «حدّثنا».