HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٦٠

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص177
ج ١ ص ٥٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٦٧١
ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عَزَمَ، فجمعهم على أُبَيّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨١] (٧٦٠) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي الكلام على ليلة القدر قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقُهَا -أُرَاهُ قَالَ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار الفزاريّ مولاهم المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ٩٩٩. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والصحابيّ -﵁- ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشبابة، وورقاء، فمدائنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج. ٥ - (ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، على ما رُوي عن البخاريُّ -﵀-. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «مَنْ) شرطيّة (يَقُمْ) -بفتح الياء- من قام يقوم، قال في»العمدة«: وهو مُتَعَدٍّ هنا، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى للبخاريّ ومسلم، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول لرمضان:»من قامه إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه«، وفي رواية للنسائيّ:»فمن صامه، وقامه إيمانا واحتسابًا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه«، قال: قوله: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) مفعول به لـ»يَقُم«، وليس مفعولًا فيه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد في كتب اللغة التي بين يديّ أن«قام»هذا يتعدّى بنفسه، والذي يظهر لي أن«ليلةَ القدر»منصوب على الظرفيّة لـ«يقم»، وأما ما احتجّ به على تعدّيه بنفسه من قوله:«قامه»، فجوابه من باب الحذف والإيصال؛ أي: قام فيه، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبيُّ -﵀-: اختُلِف في الْقَدَرِ الذي أُضيفت الليلة إليه، فقال ابن عبّاس -﵄-: الْقَدَرُ: العَظَمَةُ، من قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ عَظَمته، وقال مجاهد: الْقَدَر: تقدير الأشياء من أمور السنة، وقال ابن الفضل: يعني سَوْقَ المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن. انتهى . وقال في «العمدة»: قيل: سُمِّيت ليلة القدر؛ لما تَكتُب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ أي: يُظْهِرهم اللَّه تعالى عليه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وقيل: لعظم قدرها وشرفها، وقيل: لأن من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر، وقيل: لأن الطاعات لها قدر زائد فيها . وقال الحافظ وليّ الدين -﵀-: «ليلة القدر» -بفتح القاف، وإسكان الدال، ويجوز فتحها، كما سأبينه- سُمَّيت بذلك لعظم قدرها؛ لما لها من الفضائل؛ أي: ذات القدر العظيم، أو لِمَا يَحصُل لِمُحْيِيها بالعبادة من القدر العظيم، أو لأن الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضُى، أقوال، ويؤيد الأولين قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ٣]، ويؤيد الأخير قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤]. وإنما جَوَّزت فتح الدال؛ لأنها إن كانت سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، فقد قال في «الصحاح»: قَدْرُ الشيء مبلغه، وقَدْرُ اللَّهُ وقَدَرُهُ بمعنى، وهو في الأصل مصدرٌ، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ تعظيمه، وإن كان من التقدير، فقد قال في «الصحاح» عقبه: والقَدْرُ والْقَدَرُ أيضًا: ما يُقَدِّره اللَّه من القضاء، وأنشد الأخفش: أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ … وَلِلأَمْرِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي وكذا قال في «المحكم»: الْقَدْرُ وَالْقَدَرُ: القضاء. انتهى. وقال ابن العربيُّ في «شرح الترمذيّ: هي ليلة القَدْرِ والقَدَر، فأما الأول، فالمراد به الشَّرَف، كقولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس، يَعْنُون بذلك مزيةً وشَرَفًا، والثاني القَدَر بمعنى التقدير، قال اللَّه تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤]، قال علماؤنا: يُلْقِي اللَّه فيها لملائكته ديوان العام. انتهى. وهو يوهم أنه لا يجوز مع تسكين الدال إرادةُ التقدير، وليس كذلك، كما علمت، وقد جَوَّز المفسرون في الآية إرادةَ الشرف والتقدير، مع كونه لم يُقْرأ إلا بالإسكان، وجزم الهرويّ وابن الأثير في تفسيرها بالتقدير، فقالا: وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق، وتُقْضَى، وصححه النوويّ، فقال في «شرح المهذب»: سُمَّيت ليلة القدر؛ أي: ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور، وحكاه في «شرح مسلم» عن العلماء. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- ، وهو بحثٌ مفيدٌ. [فإن قلت]: لماذا عَبَّر هنا في ليلة القدر بالمصارع في الشرط، وبالماضي في جوابه، بخلافه في رمضان؟. [قلت]: أجاب الكومانيّ -﵀-: بأن لذلك نكتةً لطيفةً، قال: لأن قيام رمضان محقَّق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى. قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء؛ إشارةً إلى تحقق وقوعه، فهو نظير قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ١]. وفي استعمال الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون، لكن بقلّة، استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ الآية [الشعراء: ٤]؛ لأن قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلّوا أيضًا بهذا الحديث. قال الحافظ: وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الوواة؛ لأن الروايات فيه مشهورة، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، وقد رواه النسائيّ عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان، شيخ البخاريّ فيه، فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال: «من يقم ليلة القدر، يغفر له»، ورواه أبو نعيم في «المستخرج» عن سليمان، وهو الطبرانيّ، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة، عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين، فقال: «لا يقوم أحدكم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا، إلا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه». وقوله في هذه الرواية: «فيوافقها» زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدُق قيام ليلة القدر إلا على من وافقها، والحصر المستفاد من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحدٌ. انتهى كلام الحافظ -﵀- . وتعقّبه العينيُّ -﵀- في دعواه تصرّف الرواة، فقال: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائيّ والطبرانيّ، وأن ما رواه البخاريّ بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبويّ، بل الأمر كذا؛ لأن رواية محمد بن عليّ بن ميمون، عن أبي اليمان، لا تعادل رواية البخاريّ عن أبي اليمان، ولا روايةُ أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة عن أبي اليمان، مثل رواية البخاريّ عنه، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضًا ولفظه: «من يقم ليلة القدر، فيوافقها -أُراه- إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، ولفظ حديث الطبرانيّ ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير، والتصرف من الرواة فيه؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاريّ ومسلم. انتهى كلام العينيُّ -﵀-، وهو عندي تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: «من قام ليلة القدر»، مع قوله: «من قام رمضان»، قال النوويُّ -﵀-: قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر. وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها، سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعَرَفَها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: الأحسن عندي الجواب بأنه -ﷺ- ذكر للغفران طريقين: [أحدهما]: يمكن تحصيلها يقينًا إلا أنها طويلة شاقّة، وهي قيام شهر رمضان بكماله. [والثاني]: لا سبيل إلى اليقين فيها، إنما هو الظن والتخمين، إلا أنها مختصرة قصيرة، وهي قيام ليلة القدر خاصّةً، ولا يَتَوَقّف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها، بل لو قامها غير عارفٍ بها غُفر له ما تقدم من ذنبه، لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث عبادة بن الصامت -﵁- عند أحمد، والطبرانيّ مرفوعًا: «فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». قال: معنى توفيقها له، أو موافقته لها أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر، هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَيُوَافِقُهَا) قال النوويُّ -﵀-: معناه يعلم أنها ليلة القدر. انتهى . وتعقّبه الحافظ وليّ الدين -﵀-، فقال: إنما معنى توفيقها له أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك، وما ذكره النوويّ من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللفظ ما يقتضي هذا، ولا المعنى يساعده. انتهى كلام وليّ الدين -﵀-، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيُّ -﵀-: قوله: «يَقُم» في هذه الرواية، يعني به يطلُب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله: «يوافقها»؛ لأن معنى «يوافقها» يصادفها، ومن صلّى فيها، فقد صادفها، ويَحْتَمِل أن تكون الموافقة هنا عبارة عن قبول الصلاة فيها والدعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب، متأهّلًا لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كلُّ دعاء يُسمع، ولا كل عَمَل يُقبل، فإنه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذه الاحتمالات، والحقّ ما سبق من أن معنى «يوافقها» كون تلك الليلة التي قامها قاصدًا لها هي ليلة القدر في الواقع، كما صوّبه وليّ الدين -﵀- في كلامه السابق، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (أُرَاهُ قَالَ: إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) الظاهر أن القائل: «أُراه» هو محمد بن رافع؛ لأن أبا نعيم أخرجه في «مستخرجه» (٢/ ٣٥٥) من رواية رزق اللَّه بن موسى، وأبي مسعود، كلاهما عن شبابة، وليس فيه «أُراه قال»، ولفظه: (١٧٣٣) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن العباس، ثنا رزق اللَّه بن موسى، قال: وثنا محمد بن سهل، ثنا أبو مسعود، قالا: ثنا شبابة، ثنا ورقاءُ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «من يقم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له». انتهى. وأخرجه البيهقيّ في «الكبرى» (٤/ ٣٠٦) من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، وليس فيه أيضًا: «أُراه قال»، ولفظه: (٨٣٠٧) أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو حامد بن بلال البزاز، ثنا محمد بن حيويه الإسفرائيني في سنة ثمان وخمسين ومائتين، أنبأ أبو اليمان، أنبأ شعيب، أنبأ أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من يقم ليلة القدر، فيوافقها، إيمانًا واحتسابًا يُغْفَر له ما تقدم من ذنبه». انتهى. (إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة (وَاحْتِسَابًا) أي: إرادةَ وجه اللَّه تعالى، لا لرياء ونحوه، فقد يَفْعَل الإنسان الشيءَ الذي يعتقد أنه حقّ، لكن لا يفعله مخلصًا، بل لرياء، أو خوف، أو نحو ذلك، يقال: احتسبتُ بكذا أجرًا عند اللَّه تعالى، والاسم الْحِسْبة، وهي الأجر، وفي «العُباب»: احتسبت بكذا أجرًا عند اللَّه، أي: اعتددته، أنوي به وجه اللَّه تعالى، واحتسبت عليه كذا: أي: أنكرته عليه، قاله ابن دريد، ومنه مُحْتَسِب البلد . (غُفِرَ لَهُ») بالبناء للمفعول جواب الشرط، وهو من الغَفْر، وهو الستر، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده: إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبَهُ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:
مصادر المؤلف (١١)

١. «عمدة القاري» ١/ ٣٥٧.

٢. احترزتُ به عن «قام الرجل أهله» أي قام بشأنهم، فإنه يتعدّى بنفسه، كما قاله في «القاموس» ٤/ ١٦٨.

٣. «المفهم» ٢/ ٣٩٠.

٤. راجع: «عمدة القاري» ١/ ٣٥٥.

٥. راجع لهذا البيت: «لسان العرب» ٥/ ٧٤.

٦. «طرح التثريب» ٤/ ١٤٩ - ١٥٠.

٧. «الفتح» ١/ ١١٤ «كتاب الإيمان» رقم (٣٥).

٨. «طرح التثريب» ٤/ ١٦٤.

٩. «شرح النوويّ» ٦/ ٤١.

١٠. «المفهم» ٢/ ٣٩١.

١١. راجع:«عمدة القاري» ٤/ ٣٥٦.