HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٨١

وحدثنا محمد بن المثنى. حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا. قَالَ فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ. قَالَ ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا. وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ. قَالَ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مازال بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ. فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ. فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ المرء في بيته. إلا الصلاة المكتوبة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص188
ج ١ ص ٥٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص١٦٣
٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ «سورة البقرة» بلا كراهة، وأما كَراهة من كَرِهَ قول: «سورة البقرة» ونحوها، وقال: إنما يقال: السورة التي تُذكَر فيها البقرة، فرأي باطل، تردّ عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وسبقت المسألة، وسنعيدها قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- في أبواب فضائل القرآن. ٥ - (ومنها): بيان فضيلة «سورة البقرة» حيث إنها تطرد الشيطان، فلا يقرب البيت الذي تُقرأ فيه، وسيأتي مزيد بيان لفضلها في أبواب فضائل القرآن قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. (ومنها): ما قيل: إنما خصّت «سورة البقرة» بهذه الفضيلة؛ لطولها، وكثرة أسماء اللَّه تعالى، واشتمالها على الأحكام الكثيرة، وبيان الشرائع، والقِصَص، والمواعظ، والوقائع الغريبة، والمعجزات العجيبة، وذكر خاصّة أوليائه، والمصطفَيْنَ من عباده، وفضيحة قبائح الشيطان وكيده، وكشف ما توسّل به إلى التسويل على آدم -﵇- وذرّيّته. قال بعض العلماء: هي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٥] (٧٨١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حُجَيْرَةً بخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ، قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ، حَتَّى ظنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن أبي هِنْد الْفَزَاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦]. رَوَى عن أبيه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيِّب، وإسماعيل بن أبي حكيم، وبكير بن الأشج، وسالم أبي النضر، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه يزيد بن الهاد، ومات قبله، ومالك، وابن المبارك، ويحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعيسى بن يونس، وغندر، وعبد الرزاق، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو بكر بن خلاد الباهليّ: سألت يحيى بن سعد عنه، فقال: كان صالحًا تَعرِفُ وتُنكِر، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، روى عنه يحيى ولم يرفعه كما رفع غيره، وروى عنه مالك كلامًا، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وثّقه ابن المدينيّ، وابن الْبَرْقيّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يخطئ. قال البخاريّ عن مكي بن إبراهيم: سمعت منه سنة (١٤٤)، وقال أحمد، عن مكي: سمعت منه سنة (١٤٧) وذكر ابن حبان أنه مات فيها، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة ست أو سبع وأربعين يعني: ومائة، وكذا أخرجه ابن أبي خيثمة، قال: فيما بلغني. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٨١)، وحديث (٩٥٠): «مستريح ومستراح منه. . .»، و(١٥٠٩): «من أعتق رقبة مؤمنةً. . .». ٤ - (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٥ - (بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. ٦ - (زيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ الشهير، أبو سعيد، وأبو خارجة، مات -﵁- سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٢/ ٧٩٣. لطائف هذا الإسناد. ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵁-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبد اللَّه بن سعيد، والباقيان بصريان. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، كان كاتب الوحي للنبيّ -ﷺ-، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁- أنه (قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) بالراء، قال النوويّ -﵀-: معنى «احتجر حُجْرة» أي: حَوَّط موضعًا من المسجد بحصير؛ ليستره؛ ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مارٌّ، ولا يتهَوَّش بغيره، ويتوفر خشوعه، وفراغ قلبه. انتهى. وفي رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر التالية: «أن النبيّ -ﷺ- اتّخذ حجرةً في المسجد من حصير». وفي رواية البخاريّ: «اتَّخَذَ حُجْرَةً، قال: حسبت أنه قال من حصير في رمضان. . .». قال في «الفتح»: قوله: «حُجْرةً» كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن اثحمميهنيّ بالزاي؛ أي: شيئًا حاجزًا؛ يعني: مانعًا بينه وبين الناس. (حُجَيْرَةً) بضمّ الحاء المهملة: تصغير حُجْرة، قال في «المصباح»: «الحُجْرة» أي -بضمّ، فسكون-: البيتُ، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها. انتهى. (بِخَصَفَةٍ) بفتحات، قال ابن الأثير -﵀-: «الْخَصَفَةُ» بالتحريك: واحدة الْخَصَفِ، وهي الْجُلَّةُ التي يُكْنَز فيها التَّمْرُ، وكأنها فَعَلٌ بمعنى مفعول، من الْخَصْفِ، وهو ضمّ الشيء إلى الشيء؛ لأنه منسوجٌ من الْخُوص«. انتهى . وقال في«القاموس»:«الْخَصَفَةَ» محرَّكةً: الْجُلّةُ تُعْمَل من الْخُوص للتمر، والثوبُ الْغَليظُ جدًّا، والجمع خَصَفٌ وخِصَافٌ، بالكسر . وقال القرطبيّ -﵀-: الْخَصَفَة: حَصِيرٌ يُخْصَفُ؛ أي: يُخاط من السَّعَفِ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ أي: يَخِيطان، والْخَصَفَة: ما يُخْصَفُ، والْحَصِيرُ: ما يُنْسَجُ، وهو على الشك من الراوي، وكان هذا العمل منه -ﷺ-، وهذا القول في رمضان، وقد تقدّم في حديث عائشة -﵂-. انتهى . (أَوْ) للشكّ من الراوي (حَصِيرٍ) وفي نسخة: «أو حصيرة»، قال النوويُّ -﵀-: والْخَصَفَةُ والْحَصِير بمعنًى، شَكّ الراوي في المذكورة منهما. انتهى. وقال في «القاموس»: الْحَصِير: الباريّة، وقال في مادّة «بور»: الباريّة: الحصير المنسوج. انتهى. وقال في «المصباح»: الحصير: الباريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. انتهى. (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي: من بيته (يُصَلِّي فِيهَا) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه مصلّيًا في تلك الْحُجْرة، وكان ذلك في رمضان، كما سبق بيانه في حديث عائشة -﵂-. واستُشْكِلَ صلاته -ﷺ- في المسجد؛ لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: «صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وأجيب عنه بأوجه: [منها]: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ؛ لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد. [ومنها]: أنه -ﷺ- كان معتكفًا، إذ ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد. [ومنها]: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه. [ومنها]: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبيّ -ﷺ- منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويظهر لي وجه آخر، وهو أنّ ذلك لبيان الجواز، والنبيّ -ﷺ- إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقّه، وإن كان في حقّنا أدون، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) زيد -﵁- (فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ) قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه، وكذا هو في النسخ، وأصل التتبع الطلبُ، ومعناه هنا: طلبوا موضعه، واجتمعوا إليه. انتهى. وفي رواية موسى بن عقبة التالية: «حتى اجتمع إليه ناسٌ» (وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً) أي: غير هذه الليلة، وفي رواية موسى بن عقبة التالية: «فصلّى رسول اللَّه -ﷺ- فيها ليالي»؛ أي: من رمضان، وقد بُيّنت تلك الليالي في حديث عائشة -﵂-، المتقدّم، من رواية عروة عنها، ولفظه: «عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه -ﷺ-، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه -ﷺ- حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تُفْرَض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها». فتبيّن بهذا أن هذه الليلة التي لم يخرُج فيها إليهم رسول اللَّه -ﷺ- ليست الليلة الثانية، بل هي الرابعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَحَضَرُوا) إلى المسجد (وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ) أي: تأخّر عن الخروج إليهم، فقوله: (قَالَ) زيد (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ) تأكيد لمعنى الإبطاء (فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ) أي: ليعلم بحضورهم، فيخرُج إليهم، وفي حديث عائشة -﵂- عند أحمد:«حتى سمعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة». (وَحَصَبُوا الْبَابَ) أي: رَمَوهُ بالحصباء، وهي الحصى الصغار؛ حرصًا على خروجه إليهم ليصلّي بهم، وتنبيهًا له؛ لظنهم نسيانه، وهذا ظاهر في كونه -ﷺ- دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعدما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته؛ ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها. (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُغْضَبًا) وكان خروجه -ﷺ- ذلك لصلاة الفجر، كما سبق في حديث عائشة -﵂- المذكور، لا عند رفع أصواتهم، وحصبهم بابه، كما يوهمه ظاهر هذا الرواية، فتنبّه، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي: بعد صلاته الصبح، وتشهّده، وقوله: «أما بعدُ»، كما في حديث عائشة -﵂- المذكور («مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ). قال في»الفتح«: كذا للأكثر، وللكشميهنيّ:»صُنْعكم«بضم الصاد، وسكون النون، قال: وليس المراد به صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم، وسبّحوا به؛ ليخرُج إليهم، وحصب بعضهم الباب؛ لظنّهم أنه نائمٌ ، وفي حديث عائشة -﵂-:»فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم«. (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ) أي: قيام الليل، وفي حديث عائشة -﵂-:«ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها»، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في«الفتح». زاد في رواية موسى بن عقبة التالية:«ولو كُتب عليكم ما قمتم به»؛ أي: لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري:«ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجِزوا عنها»؛ أي: تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ؛ لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله. (فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: الزموا أداء النوافل التي لا تستحبّ فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ للاستحباب، وإنما قيّدنا بالنوافل؛ لأن المكتوبة تؤدَّى في المساجد، لا في البيوت، كما بيّنه بالاستثناء في قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ) هذا عامّ في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختصّ بالمسجد، كركعتي تحية المسجد، كما ذكرناه آنفًا. قال في «الفتح»: المراد بالمكتوبة الصلوات الخمس لا ما وجب بعارض كالمنذورة، والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يرد استثناء النساء؛ لثبوت قوله -ﷺ-: «لا تمنعوهنّ المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ»، أخرجه مسلم . وقال السنديّ -﵀-: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده -ﷺ-، فإذا كان صلاة رمضان في البيت خيرًا منها في مسجده -ﷺ-، فكيف غيرها في مسجد آخر؟ نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث؛ لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن يقال: صار أفضل حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى صار أداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر -﵁- بعدما جمع الناس على إمام واحد: «نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون»، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، رواه البخاريُّ -﵀-. والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ») أي: المفروضة، قال النوويّ -﵀-: وإنما حثّ على التنفّل في البيت؛ لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، ولتحصل البركة للبيت به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر منه الشيطان، قال في«الفتح»: وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله:«في بيته»بيت غيره، ولو أَمِنَ فيه من الرياء. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت -﵁- عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٥ و١٨٢٦] (٧٨١)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٧٣١) و«الاعتصام»(٧٢٩٠) و«الأدب»(٦١١٣)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٤٤٧)، و(الترمذيّ) في«الصلاة»(٤٥٠)، و(النسائيّ) في«قيام الليل»(١٥٩٨)، و«الكبرى»(١٢٩٢ و١٢٩١)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١٨٢ و١٨٣ و١٨٤ و١٨٦ و١٨٧)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(٢٥٠)، و(الدارميّ) في«سننه»(١٣٧٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٤٩١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٢١٠ و٢٢١١)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٧٧٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٣/ ١٠٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الصلاة في البيوت، وبيان فضل ذلك، ووجهه أنه -ﷺ- فَضَّلَ الصلاة في البيت على الصلاة في مسجده، مع أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ٢ - (ومنها): بيان جواز اتّخاذ حجرة ونحوه في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم، ولم يتخذه دائمًا؛ لأن النبيّ -ﷺ- كان يحتجرها بالليل، يصلي فيها، ويُنَحِّيها في النهار ويبسطها كما سيأتي في حديث عائشة -﵂- في الباب التالي، ثم ترك ذلك النبيّ -ﷺ- بالليل والنهار، وعاد إلى الصلاة في البيت. ٣ - (ومنها): مشروعيّة قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛ لأن الخشية الّتي علّل بها النبيّ -ﷺ- عدم خروجه إليهم أُمنت بعده -ﷺ-، ولذا جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيّ بن كعب، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا لا ينافي أفضلية الصلاة في البيت، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن الكبير إذا فعل شيئًا، خلافَ ما اعتاده منه أتباعه يَذْكُر لهم عذره، وحكمه، والحكمة فيه. ٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الزهادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم، ومراعاة مصالحهم، فينبغي لولاة الأمور، وكبار الناس، والمتبوعين في علم وغيره الاقتداء به -ﷺ- في ذلك. ٦ - (ومنها): ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين. ٧ - (ومنها): جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة. ٨ - (ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلّيتْ جماعةً. ٩ - (ومنها): الإنكار على من يتكلّف ما لم يكلَّف به، فقد أنكر النبيّ -ﷺ- عليهم صنيعهم هذا حيث تكلّفوا ما لم يأمرهم به من التجمّع في المسجد لصلاة الليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ، مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهَا لَيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥] (ت ١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: قال في «الفتح»: ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى، فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه النسائيّ في «الكبرى» (٢/ ١٢٩١). قال الحافظ -﵀-: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد، لكن لم يرفعه في «الموطأ»، وقد أخرجه من طريقه النسائيّ في «الكبرى» أيضًا (٢/ ١٢٩٢)، ورُوي عنه خارج «الموطأ» مرفوعًا. انتهى .
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع:«تفسير ابن كثير»١/ ٧٠.

٢. وفي نسخة:«أو حصيرة».

٣. «النهاية» ٢/ ٣٧.

٤. «القاموس المحيط» ٣/ ١٣٤.

٥. «المفهم» ٢/ ٤١٢.

٦. «الفتح»٢/ ٢٥٢.

٧. «الفتح» ٢/ ٢٥٢.

٨. «الفتح» ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.

٩. وفي نسخة: «حدّثني».

١٠. «الفتح» ٢/ ٢٥٢ «كتاب الأذان» رقم (٧٣١).