HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٨٣

وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا. كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً. وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يستطيع؟.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص189
ج ١ ص ٥٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص١٨٢
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٨] (٧٨٢)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٤٦٤ و٦٤٦٥ و٦٤٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٢٥ و١٧٦ و١٨٠ و٢٧٣)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١٥١٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٧٧)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٩] (٧٨٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَطِيعُ؟) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد (٦٠) أو بعد (٧٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٧ - (عَائِشَةُ) -﵂- ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال زهير: حدّثنا جرير» وفائدته بيان تصريح زهير بالتحديث بخلاف إسحاق، فلم يصرّح، وَيحتمل أن يكون المراد أن لفظ الحديث لزهير، وأما إسحاق فرواه بمعناه، وقد تقدّم هذا في «شرح المقدّمة» مفصّلًا، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه أيضًا، كما مرّ آنفًا، وعائشة -﵂- مدنيّة. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما يُعدّ من أصحّ الأسانيد، كما قاله في «الفتح». ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين، وفيه رواية الراوي عن خاله، فعلقمة خال لإبراهيم. ٧ - (ومنها): أن عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس -﵀- أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) -﵂-، مقتبس من قوله -﷾-: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقوله: (عَائِشَةَ) بالنصب على البدليّة وقوله: (قَالَ: قُلْتُ) بيان لكيفيّة سؤاله إياها (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟) أي: من الصلاة، والصوم وغيرهما؟ وقوله: (هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟) بدل من «كيف كان. . . إلخ»؛ يعني: أنه -ﷺ- هل كان يخصّ بحض الأيام بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره؟ (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (لَا) أي: ما كان يخصّ بعض الأيام بشيء من العبادة. قال في «الفتح»: وقد استُشكل قولها هذا بما ثبت عنها أن أكثر صيامه كان في شعبان كما سيأتي تقريره في «كتاب الصيام»، وبأنه كان يصوم أيام البيض، كما ثبت في «السنن». وأجيب بأن مرادها تخصيص عبادة معينة في وقت خاص، وإكثاره الصيام في شعبان إنما كان؛ لأنه كان يعتريه الْوَعْك كثيرًا، وكان يكثر السفر في الغزو، فيفطر بعض الأيام التي كان يريد أن يصومها، فيتفق أن لا يتمكن من قضاء ذلك إلا في شعبان، فيصير صيامه في شعبان بحسب الصورة أكثر من صيامه في غيره، وأما أيام البيض فلم يكن يواظب على صيامها في أيام بعينها، بل كان ربما صام من أول الشهر، وربما صام من وسطه، وربما صام من آخره، ولهذا قال أنس -﵁-: ما كنت تشاء أن تراه صائمًا من النهار إلا رأيته، ولا قائمًا من الليل إلا رأيته. انتهى . (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً) -بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية- أي: دائمًا، والدِّيمة في الأصل: المطر المستمرُّ مع سكون، بلا رَعْد ولا بَرْق، ثم استُعْمِل في غيره، وأصلها الواو، فقُلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها. (وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ) وفي رواية للبخاريّ في «كتاب الصوم»: «يُطيق» في الموضعين (مَا) موصولة مفعول «يستطيع» (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَطِيعُ؟) هكذا في النسخ بحذف العائد، وهو جائزٌ، كما نبّهت عليه قريبًا، وفي بعض النسخ: «ما كان يستطيع رسول اللَّه -ﷺ-»؛ أي: الذي يستطيعه -ﷺ-، من العبادة كميّةً كانت، أو كيفيةً، من خشوع، وخضوع، وإخبات، وإخلاص. [تنبيه]: أخرج المصنّف -﵀- في «كتاب الصيام» ما يعارض حديث عائشة -﵂- هذا من حديث عائشة -﵂- نفسِها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما أخرجه من طريق أبي سلمة، ومن طريق عبد اللَّه بن شقيق جميعًا، عن عائشة -﵂- أنها سئلت عن صيام رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: «كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر»، وأخرج نحوه البخاريّ من حديث ابن عباس -﵂-، ومن حديث أنس -﵁-. ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: «كان عمله ديمة» معناه: أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم، ثم من الفطر كان مُستدامًا مستمِرًّا، وبأنه -ﷺ- كان يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل، فيقضيها على التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة -﵂-: «كان عمله ديمة» مُنَزَّلٌ على التوظيف، وقولها: «كان يصوم حتى نقول: قد صام. . . إلخ» مُنَزَّل على الحال الثاني. وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلًا ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يومًا بعينه كالخميس مثلًا داوم على صومه ، والجمع الأول أوضح، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال ابن التين -﵀-: استَدَلَّ بعضهم بحديث عائشة هذا على كراهة تحري صيام يوم من الأسبوع. وأجاب الزين ابن الْمُنَيِّر بأن السائل في حديث عائشة -﵂- إنما سأل عن تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أيامًا، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام، فإنما خُصِّص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام، كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، وجميع ما عُيّن لمعنى خاصّ، وإنما سأل عن تخصيص يوم؛ لكونه مثلًا يوم السبت. قال الحافظ -﵀-: ويُشْكِل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس، فقد وردت فيهما أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة -﵂-، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان من طريق رَبِيعة الْجُرَشيّ عنها، ولفظه: «أن النبيّ -ﷺ- كان يتحرى صيام الاثنين والخميس»، وحديث أسامة -﵁-: «رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته، فقال: إن الأعمال تُعْرَض يوم الاثنين والخميس، فأُحِبّ أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم»، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة. ويُجاب عن هذا الإشكال أن يقال: لعلّ المراد بالأيام المسئول عنها الأيامُ الثلاثةُ من كل شهر، فكأن السائل لَمّا سمع أنه -ﷺ- كان يصوم ثلاثة أيّام، ورَغَّب في أنها تكون أيام البيض، سأل عائشة -﵂-، هل كان يخصها بالبيض؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، تعني لو جعلها البيض لتعينت، وداوم عليها؛ لأنه كان يحب أن يكون عمله دائمًا، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها، فكان لا يبالي من أيّ الشهر صامها، فقد رَوَى مسلم من حديث عائشة -﵂- أنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أيّ الشهر صام. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جمع الحافظ -﵀-، وأحسن منه ما جمع به القرطبيُّ -﵀-، حيث قال: جواب عائشة -﵂- هذا بقولها: «لا» محمول على غير الصيام؛ لأنه قد ثبت عنه -ﷺ- أنه كان يخصّ الاثنين والخميس بالصيام، فتعيّن صرف حمله إلى غير ذلك. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي جمع به القرطبيّ -﵀- جمع حسنٌ جدًّا، وحاصله أن جواب عائشة -﵂- سؤال علقمة هل كان النبيّ -ﷺ- يخصّ شيئًا من الأيام؟ بقولها: «لا، كان عمله ديمة» محمول على غير الصوم؛ لأنه -ﷺ- كان يخصّ بعض الأيام بصوم، كيومي الاثنين والخميس. ثم وجدت ما يوضّح هذا الجمع، فقد أخرج الحديث أبو عوانة في «مسنده» من طريق أبي النضر، عن شعبة، ولفظه: «سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقالت: كانت صلاته ديمة»، فتبيّن بهذا أن السؤال ليس عن عموم أعماله -ﷺ-، بل كان عن صلاته فقط، فزال الإشكال من أصله -وللَّه الحمد- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٩ و١٨٣٠] (٧٨٣)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٨٧) و«الرقاق» (٦٤٦٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٧٠) و(النسائيّ) في «الرقائق» من «الكبرى» ، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٣٠٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٣٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣ و٥٥ و١٧٤ و١٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٢ و٣٦٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٠٥٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل العمل الدائم من قيام الليل وغيره. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من كثرة الاجتهاد في الوفاء بما التزمه من العبادة، قال القرطبي -﵀-: هذا يدلّ على شدّة ما كان النبيّ -ﷺ- فيه من كثرة التكاليف والاجتهاد في الوفاء بها، وذلك أنه -ﷺ- كُلّف بتكاليف خاصّةً به، كما خُصّ به من الواجبات زيادةً على ما ساوى فيه جميع المكلّفين، ثم إنه قد كُلّف مراعاة مصالح أهل بيته، ومصالح الخلق كلّهم خاصّةً وعامّةً الدينيّة والدنيويّة، هذا بالنظر إلى ظاهر أمره، وأما بالنظر إلى خواصّ باطنه مما لا يُدْرَكُ، ولا يمكن وصفه، وغاية العبارة عنه قوله: «إني أعلمكم باللَّه، وأشدّكم له خشيةً»، متّفقٌ عليه، ولذلك كان -ﷺ- متواصل الأحزان والعبادات والمشقّات، ليست له راحة، وقال في لفظ آخر: «إني أخشاكم للَّه، وأعلمكم به وبحدوده»، رواه أحمد، وقد كان يتفطّر قدماه من القيام، ويُجهد نفسه من الجوع، ويَربِط على بطنه الحجر والحجرين، وكان ينتهي من إجهاد نفسه إلى
مصادر المؤلف (٦)

١. وفي نسخة: «ما كان يستطيع رسول اللَّه -ﷺ-».

٢. «الفتح» ١١/ ٣٠٥.

٣. راجع:»الفتح«٤/ ٢٧٧»كتاب الصوم«رقم (١٩٨٧).

٤. راجع: «الفتح» ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨ «كتاب الصوم» رقم (١٩٨٧).

٥. «المفهم» ٢/ ٤١٤.

٦. كتب في هامش «تحفة الأشراف» (١١/ ٦٤١) أن «كتاب الرقائق» غير مطبوع، واللَّه أعلم.