HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١٦

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيل، عَنْ قَيْسٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بشر. قالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل عَنْ قَيْسٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص201
ج ١ ص ٥٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٤٥٠
والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) أي على خصلتين اثنتين، و«على» هنا سببيّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٦] (٨١٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بهَا وَيُعَلِّمُهَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ) بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء، مناقبه جمة، وأمَّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، فـ «إسماعيل»: هو ابن أبي خالد، و«قيس»: هو ابن أبي حازم، و«ابن نُمير»: هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديثَ، والعنعنة، والسماع، وكلّها من صيغ الاتّصال. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس. ٦ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة، ولا مشارك له في ذلك، كما سبق قريبًا. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃- فقهًا وتجويدًا للقرآن، وتقدّمًا في الإسلام. شرح الحديث: (عَنْ قَيْسِ) بن أبي حازم أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا حَسَدَ) الحسد تمني الرجل أن يُحَوِّل اللَّه إليه نعمة الآخر، أو فضيلته، ويسلبهما عنه، وفي»مجمع الغرائب«: الحسد أن يرى الإنسان لأخيه نعمةً، فيتمنى أن تكون له، وتزول عن أخيه، وهو مذموم، والغبطةُ أن يرى النعمة، فيتمناها لنفسه من غير أن تزول عن صاحبها، وهو محمود، وقال ثعلب: المنافسة أن يتمنى مثل ما له من غير أن يفتقر، وهو مباح، ويقال: الحسد تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، وبعضهم خصه بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعمّ. ونقل الأزهريّ في«التهذيب»عن ابن الأعرابيّ أنه قال: الْحَسْدَلُ: الْقُرادُ، قال: ومنه أُخِذ الْحَسَدُ؛ لأنه يَقْشِر القلب، كما يَقْشِر القُرَاد الجلدَ، فَيَمتَصُّ دَمَه. انتهى ، وتقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي لا حسد في شيء إلَّا في اثنتين، أي في خصلتين، ويُرْوَى«إلا في اثنين»أي شيئين، قال في«العمدة»: [فإن قلت]: الحسد موجود في الحاسد، لا في اثنتين، فما معنى هذا الكلام؟. [أجيب]: بأن المعنى لا حسد للرجل إلا في شأن اثنتين، لا يقال: قد يكون الحسد في غيرهما، فكيف يصحّ الحصر؛ لأنا نقول: المراد لا حسد جائزٌ في شيء من الأشياء إلَّا في اثنتين، أو المعنى: لا رُخْصَة في الحسد في شيء إلَّا في اثنتين. [فإن قلت]: ما في هذين الاثنين غِبْطَة، وهو غير الحسد، فكيف يقال: لا حسد؟. [أجيب]: بأنه أَطْلَق الحسد، وأراد الغبطة، من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب. وقال الخطابيُّ: معنى الحسد ههنا شِدّة الحرص والرغبة، كَنَى بالحسد عنهما؛ لأنهما سببه، والداعي إليه، ولهذا سماه البخاريّ اغتباطًا، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يُبَيِّن ذلك، فقال فيه: «ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعَمِلت مثل ما يعمل»، ذكره البخاري في «كتاب فضائل القرآن» في «باب اغتباط صاحب القرآن»، من حديث أبي هريرة -﵁-، فلم يَتَمَنّ السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار. وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، وإخراج له عن جملة ما حُظِر منه، كما رُخِّص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة، فالمعنى: لا إباحة في شيء من الحسد، إلَّا فيما كان هذا سبيله، أي لا حسد محمودٌ إلَّا هذا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا رأي ضعيف، يظهر ضعفه بالتأمّل في سياق طُرُق الحديث، فإنه واضح في كون المراد الغبطة، لا الحسد المذموم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: إنه استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنتين. وقال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن يكون من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي لا حسد إلَّا في هذين الاثنين، وفيهما لا حسد أيضًا، فلا حسد أصلًا. وتعقّبه العينيّ، فقال: المعنى في الآية: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوقع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ موقع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها في المستقبل، ولا يتأتى هذا المعنى في قوله: «لا حسد إلا في اثنين»، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة؟ وفي الآية جميع الموت منفيّ بخلاف الحسد، فإن جميعه ليس بمنفيّ، فإن الحسد في الخيرات ممدوحٌ، ولهذا نُكِّر الحاسد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٥]؛ لأن كل حاسد لا يضرّ، قال أبو تمام: وَمَا حَاسِدٌ فِي الْمَكْرُمَاتِ بِحَاسِدٍ وكذلك نُكّر الغاسق؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشرّ، وإنما يكون في بعض دون بعض، بخلاف النفاثات، فإنه عُرِّف؛ لأن كل نفاثة شريرةٌ. انتهى . (رَجُلٌ) تقدّم أنه يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة (آتَاهُ اللَّهُ) بالمدّ في أوله: أي أعطاه اللَّه من الإيتاء، وهو الإعطاء (مَالًا) قال في «العمدة»: إنما نَكّره، وعَرَّف الحكمة؛ لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، يعني الشريعة، فأراد التعريف بلام العهد، أو المراد منه القرآن، كما سيأتي، فاللام للعهد أيضًا، بخلاف المال، فلهذا دخل صاحبه بأيّ قدر من المال أهلكه في الحقّ تحت هذا الحكم. انتهى. (فَسَلَّطَهُ) عَبَّر بالتسليط؛ لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشحّ . (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللام والكاف: أي إهلاكه، وعَبَّر بذلك؛ ليدل على أنه لا يُبقي منه شيئًا، وكَمَّله بقوله: (فِي الْحَقِّ) أي في الطاعات؛ ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم، قاله في «الفتح» . (وَرَجُلٌ) عطف على «رجل» الأول، وإعرابه في الأوجه كإعرابه (آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً) هكذا في رواية المصنّف بالتنكير، وعند البخاريّ «الحكمة» بالتعريف، قال في «الفتح»: قوله: «الحكمة» اللام للعهد؛ لأن المراد بها القرآن، على ما أشرنا إليه قبلُ، وقيل: المراد بالحكمة كلُّ ما مَنَعَ من الجهل، وزَجَرَ عن القبيح. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون المراد بالحكمة القرآنَ هو الأرجح؛ لأن حديث ابن عمر -﵁- الماضي، أوضح ذلك، حيث قال: «رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به. . .»، واللَّه تعالى أعلم. (فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا») قال النوويّ: معناه: يَعمل بها، ويُعلّمها؛ احتسابًا. انتهى. وقال الطيبيُّ: قوله:«فسَلَّطَهُ على هلكته»، في هذه العبارة مبالغتان: إحداهما التسليط، فإنه يدلّ على الغلبة، وقهر النفس المجبولة على الشحّ البالغ، والأخرى قوله:«على هلكته»، فإنه يدلّ على أنه لا يُبقي من المال شيئًا، فلما أوهم القرينتان الإسراف والتبذير المقول فيهما: لا خير في السرف، كمّله بقوله:«في الحقّ» كما قيل: لا سرف في الخير. وكذا القرينة الأخرى اشتَمَلَت على مبالغات: إحداها: الحكمة، فإنها تدلّ على علم دقيتي مع إتقان في العمل، وثانيتها: القضاء بين الناس، وهي مرتبة النبيّ -ﷺ-، وثالثتها: التعليم، وهي أيضًا من مرتبة النبيّ -ﷺ-، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية [الجمعة: ٢]. وقال أيضًا: الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحسن دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيمٌ. قال: وهذا الحديث على ما تقرّر شاهد صدقٍ على وجوب أداء لفظ الحديث من غير إبدال؛ إذ لو وُضع مكان «لا حسد» لا غبطة، ومكان «سُلِّط» ملك، وغيرهما، وأُبدلت الحكمة بالعلم، وهلُمّ جرّا لفاتت تلك الفوائد المقصودة. انتهى كلام الطيبيُّ . وقال في «العمدة»: ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي،
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. «تهذيب اللغة»للأزهريّ ٤/ ١٦٤.

٣. راجع«عمدة القاري» ٢/ ٨٥.

٤. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦ - ٨٧.

٥. «الفتح» ١/ ١٦٦.

٦. «الفتح» ١/ ١٦٦.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٦٣.