HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا. فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ. ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ. فَجِئْتُ بِهِ رسول الله ﷺ. فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَرْسِلْهُ. اقرأ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»هَكَذَا أُنْزِلَتْ«ثُمَّ قَالَ لِي»اقْرَأْ«فَقَرَأْتُ. فَقَالَ»هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فاقرؤوا ما تيسر منه«.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص202
ج ١ ص ٥٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٤٦١
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه ساقها الدارميُّ في «سننه»، فقال: (٣٢٣١) أخبرنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، حدّثني عامر بن واثلة، أن نافع ابن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعُسْفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فسلم على عمر، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ فقال نافع: استَخْلَفتُ عليهم ابن أبزى، فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا، فقال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب اللَّه، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٩) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٩] (٨١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَآتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ»، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأ»، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكَير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-[٧] (١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُوَيلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان -﵁- (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِيُّ) بتشديد الياء، يقال: له رؤية، وذكره العجليّ في ثقات التابعين، واختَلَف قول الواقديّ فيه، قال تارة: له صحبة، وتارة تابعيّ [٢] (ت ٨٨) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ٢٠/ ١٧٤٥. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد جُمعوا في قوله: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) -بتشديد الياء التحتانية-: نسبة إلى القَارَة، بطن من خُزيمة بن مُدركة، والقارَة لقب، واسمه أُثَيع -بالمثلثة مصغرًا- ابن مُلَيح -بالتصغير، وآخره مهملة- ابن الْهُون -بضم الهاء- ابن خُزيمة، وقيل: بل القارّةُ هو الدِّيش -بكسر المهملة، وسكون التحتانية، بعدها معجمة- من ذرية أُثيع المذكور، وليس هو منسوبًا إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زُهْرة، وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام، وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذُكِر في الصحابة؛ لكونه أُتِي به إلى النبيّ -ﷺ-، وهو صغير، أخرج ذلك البغويّ في «مسند الصحابة» بإسناد لا بأس به، ومات سنة ثمان وثمانين، في قول الأكثر، وقيل: سنة ثمانين، قاله في «الفتح» . (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁- (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) الأسديّ، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاريّ روايةٌ، وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا مرفوعًا من رواية عروة عنه ، وهذا يدلّ على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي -﵄-، وَوَهِمَ مَن زَعَمَ أنه استُشْهِد في خلافة أبي بكر، أو عمر -﵄-، وأخرج ابن سعد، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن الزهريّ: كان هشام بن حكيم يأمر بالمعروف، فكان عمر يقول إذا بلغه الشيء: أَمّا ما عِشْتُ أنا وهشام فلا يكون ذلك . حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حِزَام، قال: مَرَّ بالشام على أناس، وقد أقيموا في الشمس، وصُبّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج، فقال: أما إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إن اللَّه يعذب الذين يعذبون في الدنيا». (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) قال «الفتح»: كذا للجميع، وكذا في سائر طُرُق الحديث، في المسانيد والجوامع، وذكر بعض الشُّرّاح أنه وقع عند الخطيب في «المبهمات»: «سورة الأحزاب» بدل «الفرقان»، وهو غلط من النسخة التي وَقَفَ عليها، فإن الذي في كتاب الخطيب «الفرقان»، كما في رواية غيره . (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا) أي على الوجه الذي أقرؤها به أنا، فـ «ما» موصولة (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَقْرَأَنِيهَا) يعني أنه أخذ تلك السورة من في رسول اللَّه -ﷺ- مباشرةً، ولم يأخذها بواسطة، ولهذا شدّد النكير عليه؛ لتأكّده من صحّة قراءة نفسه دون صاحبه (فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) وفي بعض النسخ: «أعجل عليه» بدون «أن»، وهو الغالب في الاستعمال. ومعناه: قاربت أن آخذه بعَجَلَة، وأجُرّه في الصلاة، وكاد يَفْعَل كذا يكاد، من باب تَعِبَ: قارب الفعل، قال ابن الأنباري: قال اللغويون: كِدتُ أفعلُ: معناه عند العرب قاربت الفعل، ولم أفعل، وما كِدتُ أفعل: معناه فَعَلْتُ بعد إبطاء، قال الأزهري: وهو كذلك، وشاهده قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، معناه ذبحوها بعد إبطاء؛ لتعذر وِجْدان البقرة عليهم، وقد يكون «ما كدتُ أفعلُ» بمعنى ما قاربت. وهي من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويكون خبرها غالبًا فعلًا مضارعًا، ولا يقترن غالبًا بـ «أن»، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» بقوله: كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا ومن اقتران خبرها بـ «أن» قول الشاعر [الخفيف]: كَادَتِ النَّفسُ أن تَفِيضَ عَلَيْهِ … إذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ وبعضهم خص اقترانه بالشعر، والصحيح الأول. (شُمَّ أَمْهَلْتُهُ) أي تركته (حَتَّى انْصَرَفَ) أي سلّم من صلاته، وفي رواية البخاريّ: «فكدت أُساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم» (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ) بفتح اللام، وموحّدتين الأولى مشدّدة، والثانية ساكنة: أي جعلت رداءه في عنقه، ثم جَرَرته، قال ابن منظور: ولَبَّبَ الرجلَ: جعل ثيابه في عنقه وصَدْرِهِ في الخصومة، ثم قبضه وجرّه، وأخذ بتلبيبه كذلك. انتهى. وقال القرطبيُّ: «فلبّبته»: أي جمعت ئوبه على حلقه، وأصله من اللبّة، وهي الثغرة التي في أسفل الحلق، وهذا من عمر -﵁- غَيْرةٌ على كتاب اللَّه تعالى، وقوّة في دينه. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فلببته بردائه»: أي جمعت عليه ثيابه عند لَبَّته؛ لئلا يتفلت مني، وكان عمر -﵁- شديدًا في الأمر بالمعروف، وفَعَلَ ذلك عن اجتهاد منه؛ لظنه أن هشامًا خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبيّ -ﷺ-، بل قال له: أرسله. انتهى . زاد في رواية البخاريّ: «فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: كذبت، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ». قال في «الفتح»: قوله: فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد أقرأنيها« هذا قاله عمر -﵁- استدلالًا على ما ذهب إليه من تخطئة هشام، وإنما ساغ له ذلك؛ لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فَخَشِي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف نفسه، فإنه كان قد أتقن ما سَمِعَ، وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول اللَّه -ﷺ- قديمًا، ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشامًا من مسلمة الفتح، فكان النبيّ -ﷺ- أقرأه على ما نزل أخيرًا، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرةُ عمر للإنكار محمولةٌ على أنه لم يكن سمع حديث: »أُنْزِل القرآنُ على سبعة أحرف« إلا في هذه الوقعة. انتهى . (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا) يعني هشام بن حكيم (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرْسِلْهُ) أي أطلقه من تلبيبك له، وإنما أمره بالإرسال؛ ليتمكّن من القراءة (اقْرَأْ») أي قال ﵇ لهشام: «اقرأ» بوصل الهمزة؛ لأنه ثلاثيّ، فعل أمر من قرأ يقرأ، كفتح يفتح، أمره بالقراءة؛ ليسمع ما ادُّعي عليه إفساده، ليتّضح ذلك (فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ») بالبناء للمفعول، أي أنزلها اللَّه تعالى عليّ مثل ما قرأها هشام (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- (لِي: «اقْرَأْ») وفي رواية البخاريّ: «ثم قال: اقرأ يا عمر»، أمره بالقراءة؛ لتجويز الغلط عليه، أو ليبيّن أن كل واحدة من القراءتين جائزة، كما صوّبه بقوله لكلّ منهما: «هكذا أُنزلت» (فَقَرَأْتُ) وللبخاريّ: «فقرأت القراءة التي أقرأني» (فَقَالَ) -ﷺ- («هَكَذَا) أي مثل قراءتك هذه (أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، وهو استئناف بيانيّ، وهو ما وقع جوابًا عن سؤل مقدّر، فكأنه قيل له: ما وجه قولك في هاتين القراءتين: هكذا أُنزلت؟، فأجاب بقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي على سبعة أوجه، يجوز أن يُقْرَأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة، ولا جملة منه تُقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة. [فإن قيل]: فإنا نَجِد بعض الكلمات يُقرأ على أكثر من سبعة أوجه. [فالجواب]: أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المدّ، والإمالة، ونحوهما. وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقةُ العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يُطْلَق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يُطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جَنَحَ عياض، ومن تبعه. وذكر القرطبيّ عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولًا، ولم يذكر القرطبيّ منها سوى خمسة. وقال المنذريّ: أكثرها غير مختار، قال الحافظ: ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من «صحيحه»، وسأذكر ما انتهى إليّ من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود -إن شاء اللَّه تعالى- في آخر هذا الباب. انتهى كلام الحافظ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سأذكر هذا البحث مستوفًى في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ») قال القرطبيّ -﵀-: الضمير في«منه»للقرآن، لا على الأحرف؛ إذ لو كان عائدًا على الأحرف لقال:«منها»، وإنما أعاده على القرآن ليُبيّن أنه يجوز أن يُقرأ بما تيسّر من الأحرف، ومن القرآن؛ لأنه إذا أباح الاقتصار على قراءة بعض القرآن فلأن يجوز الاقتصار على بعض الأحرف أولى. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«فاقرءوا ما تيسّر منه»: أي من المُنزَلِ، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يُقَوّي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، نَبَّهَ على ذلك ابن عبد البرّ، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة، وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٨٩٩ و١٩٠٠ و١٩٠١] (٨١٨)، و(البخاريّ) في «الخصومات» (٢٤١٩) و«فضائل القرآن» (٤٩٩٢ و٥٠٤١) و«استتابة المرتدّين» معلّقًا (٦٩٣٦) و«التوحيد» (٧٥٥٠)، و(أبو داود) في (١٤٧٥)، و(الترمذيّ) في «القراءات» (٢٩٤٣)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (٩٣٦ و٩٣٧ و٩٣٨) و«الكبرى» (٧٩٨ و١٠٠٠ و١٠٠٨ و١٠٠٩ و١١٣٦٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٥٦)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٤٥٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٣٦٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢/ ٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٥١٧ - ٥١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤ و٤٠ و٤٢ و٤٣)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١/ ١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٤١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٨٤٩ و٣٨٥٠ و٣٨٥١ و٣٨٥٢ و٣٨٥٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٥١ و١٨٥٢ و١٨٥٢٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٢٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: سبب إنزال القرآن على سبعةٍ التخفيفُ والتسهيل، ولهذا قال النبيّ -ﷺ-: «هَوّن على أمتي»، كما صُرِّح به في الرواية الأخرى. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من تعليم أصحابه -﵃- كتاب اللَّه تعالى كما أمره بالتبليغ. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر -﵁- من الصَّلابَةِ في الدين، فقد كاد يقطع الصلاة على هشام؛ لشدة غضبه عليه. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه بيان ما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن، والذبّ عنه، والمحافظة على لفظه، كما سمعوه من غير عدول إلى ما يجوز في العربية. قال: وأما أمر النبيّ -ﷺ- عمر بإرساله فلأنه لم يثبت عنده ما يقتضي تعزيره، ولأن عمر إنما نسبه إلى مخالفته في القراءة، والنبيّ -ﷺ- يعلم من جواز القراءة ووجوهها ما لا يعلمه عمر، ولأنه إذا قرأ وهو مُلَبَّبٌ لم يتمكن من حضور البال، وتحقيق القراءة تمكّن المطلَق. انتهى . ٥ - (ومنها): جواز تلبيب المجرم إذا خيف أن يَتَفَلَّت. ٦ - (ومنها): جواز إطلاق الكذب على الخطأ، فقد قال عمر -﵁- كما في رواية البخاريّ لما قاله له هشام -﵁-: أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ- قال له: كذبت، أي أخطأت وهو لغة أهل الحجاز؛ فإنهم يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، أو أطلق عليه الكذب بناءً على غلبة ظنّه. ٧ - (ومنها): بيان سعة رحمة اللَّه تعالى وكرمه على عباده؛ إكرامًا لنبيّها -ﷺ-، حيث كانت رسالته رحمة للعالمين، كما قاله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فقد وسّع عليهم قراءة كتابه الكريم، فأنزله على سبعة أحرف، حتى لا تتضايق على حرف واحد. ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله -ﷺ-: «فاقرءوا ما تيسّر منه» على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط التي تقدّمت، وهي شروط لا بدّ من اعتبارها، فمتى اختلّ شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة. وقد قرّر ذلك أبو شامة في «الوجيز» تقريرًا بالغًا، وقال: لا يُقطَع بالقراءة بأنها منزلة من عند اللَّه إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة، وأجمع أهل عصره، ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال: أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءة مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى، ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في «الوجيز» أن فتوى وردت من العجم لدمشق، سألوا عن قارئ يقرأ عشرًا من القرآن، فيخلط القراءات؟. فأجاب ابن الحاجب، وابن الصلاح، وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها، كمن يقرأ مثلًا ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فلا يقرأ لابن كثير بنصب «آدم»، ولأبي عمرو بنصب «كلمات»، وكمن يقرأ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١] بالنون ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بالرفع. قال أبو شامة: لاشك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز، واللَّه أعلم. قال الحافظ -﵀-: وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك، حتى صرَّح بعضهم بتحريمه، فظنّ كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معَتمَدًا، فتابعوهم، وقالوا: أهل كل فنّ أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يُتَلَقَّى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة، فإنه متى خلطها كان كاذبًا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى، كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية، لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة -رحمهم اللَّه تعالى- من جواز قراءة الآية الواحدة بالروايات المختلفة بالشروط المذكورة هو الصواب الحقيق بالقبول، وما عداه مردود مخذول؛ لمخالفته للنص الصحيح المنقول: «فاقرؤوا ما تيسر منه»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٩ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرُّ: فيه ما يدلّ على أن في جبلة الإنسان وطبعه، وإن كان فاضلًا أن ينكر ما يَعْرِف خلافه، وإن جَهِلَ ما أنكر من ذلك؛ لأن الذي بيده من ذلك علم يقينٌ، فلا يزول عنه إلى غير إلا بمثله من العلم واليقين، وكذلك لا يسوغ خلافه إلا بمثل ذلك. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرُّ أيضًا: فيه بيان ما كان عليه عمر -﵁- من أنه لا يراعي في ذات اللَّه قريبًا ولا بعيدًا، ولا عدوًّا، ولا صديقًا، وقد كان شديد التفضيل لهشام بن حكيم بن حزام -﵁-، فقد روى مالك قال: كان عمر إذا خَشِي وقوع أمر قال: أَمّا ما بَقِيتُ أنا وهشام بن حكيم فلا، ولكنه إذ سمع منه ما أَنكره لم يسامحه، حتى عَرَفَ موضع الصواب فيه، وكان لا يخاف في اللَّه لومة لائم . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذا البحث على من تأمله؛ لأن تفضيل عمر لهشام لم يكن في وقت اختلافهما في القراءة؛ لأنه كان في ذلك الوقت حديث عهد بالإسلام، وإنما كان تفضيله بعد أن رسخ قدمه في الإسلام، وتفقّه في دين اللَّه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أن فيه بيانَ استعمالهم لمعنى الآية العامة لهم ولمن بعدهم، وهي قوله ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] يعني: إن كان حيًّا، فإن مات فإلى سنّته، كذا قال أهل العلم بالتأويل، قاله ابن عبد البرُّ أيضًا . ١٢ - (ومنها): أنه إنما قال النبيّ -ﷺ-: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف»؛ تطييبًا لقلب عمر -﵁-؛ لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين. وقد وقع عند الطبريّ من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قرأ رجل، فَغيَّرَ عليه عمر، فاختصما عند النبيّ -ﷺ-، فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول اللَّه؟ قال: «بلى»، قال: فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبيّ -ﷺ- في وجهه، قال: فضرب في صدره، وقال: «أبعد شيطانًا»، قالها ثلاثًا، ثم قال: «يا عمر، القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمةً عذابًا، أو عذابًا رحمة». ومن طريق ابن عمر: «سمع عمر رجلًا يقرأ»، فذكر نحوه، ولم يذكر: «فوقع في صدر عمر»، لكن قال في آخره: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ». ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام -﵄-. [فمنها]: لأبَي بن كعب مع ابن مسعود -﵄- في سورة النحل، أخرجه الطبري. [ومنها]: ما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو: أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكروا ذلك للنبيّ -ﷺ-، فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تُمارُوا فيه»، قال الحافظ: إسناده حسن. ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمة: «إن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول اللَّه -ﷺ-»، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبريّ والطبرانيّ عن زيد بن أرقم -﵁-، قال: «جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبيّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول اللَّه -ﷺ- وعليّ إلى جنبه- فقال عليّ: ليقرأ كل إنسان منكم كما عُلِّمَ، فإنه حسن جميل». ولابن حبان، والحاكم من حديث ابن مسعود -﵁-: «أقرأني رسول اللَّه -ﷺ- سورة من آل حم، فَرُحتُ إلى المسجد، فقلت لرجل: اقرأها، فإذا هو يقرأ حروفًا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فانطلقنا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبرناه، فتغير وجهه، وقال:»إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف«، ثم أسرّ إلى عليّ شيئًا، فقال علي: إن رسول اللَّه -ﷺ- يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّمَ، قال: فانطلقنا، وكلُّ رجل منّا يقرأ حروفًا، لا يقرؤها صاحبه». وللبخاري في «صحيحه» عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً، سمع النبيّ -ﷺ- قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: «كلاكما محسن، فاقرآ»، قال شعبة: أكبر علمي قال: «فإن من كان قبلكم اختلفوا، فأهلكهم» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالأحرف السبعة: قال العلامة أبو عبد اللَّه القرطبيُّ في مقدمة تفسيره: قد اختَلَف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستيّ، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال: [الأول]: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، كسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن وهب، والطبريّ، والطحاويّ، وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقْبِلْ، وتَعَالَ، وهَلُمَّ، قال الطحاويّ: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة -﵁-، قال: «جاء جبريل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: اقْرَأ على حرف؛ فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف؛ فقال: اقرأ، فكلٌّ شافٍ كافٍ، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة»؛ على نحو «هلُمَّ»، و«تعال»، و«أقبل»، و«اذهب»، و«أسرع»، و«عجِّلْ». ورَوَى وَرْقَاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣] «للذين آمنوا أمهلونا»، «للذين آمنوا أخرونا»، «للذين آمنوا ارقُبُونا». وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] «مرُّوا فيه»، «سَعَوْا فيه». وفي «الصحيحين»: قال الزهريّ: إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال، ولا حرام. قال الطحاويّ -ﷺ-: إنما كانت السعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين، لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوُسِّع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول اللَّه -ﷺ-، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها. قال ابن عبد البرُّ: فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاصّ لضرورة دَعَت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الطحاويّ، وابن عبد البر بعيد من الصواب؛ لأنه يستلزم النسخ لحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. روى أبو داود عن أبي بن كعب -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «يا أبيّ إني أُقرِئت القرآن، فقيل لي: على حرف، أو حرفين؟، فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين، أو ثلاثة؟، فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شافٍ، كافٍ، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب»، حديث صحيح. وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، وذكر من كلام ابن مسعود -﵁- نحوه. قال القاضي ابن الطيب -﵀-: وإذا ثبتت هذه الرواية -يريد حديث أبَيّ- حُمِلَ على أن هذا كان مطلقًا، ثم نُسِخَ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسمًا للَّه تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعواه النسخ غير صحيح، بل الذي دلّ عليه هذا الحديث أن اللَّه ﷿ أمر نبيه -ﷺ- أن يُقْرِئ أمته على سبعة أحرف، ووَسَّع عليه أن يبدل اسمًا باسم آخر، وأما غيره فلا يجوز له أن يبدل اسمًا باسم آخر، كان كان بمعناه، إلا إذا كان ذلك التبديل منقولًا عنه -ﷺ-، فإذا أقرأ صحابيًا «سميعًا عليمًا»، وأقرأ آخر «عزيزًا حكيمًا»، جازت القراءة بهذا وبهذا، واللَّه تعالى أعلم. [القول الثاني]: قال قوم: هي سبع لغات في القرآن على لغات العرب كلها، يَمَنِها، ونِزَارِها؛ لأن رسول اللَّه -ﷺ- لم يجهل شيئًا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هُذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابيّ -﵀-: على أن في القرآن ما قد قُرئ بسبعة أوجه، وهو قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] وذكر وجوهًا، كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف، لا كله. وإلى هذا القول -أي إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، على سبع لغات- ذهب أبو عبيد، القاسم بن سلام، واختاره ابن عطية، قال أبو عبيد: وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظًا فيها من بعض. وذكر حديث ابن شهاب، عن أنس أن عثمان -﵄-، قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل بلغتهم، ذكره البخاريُّ. وذكر حديث ابن عباس -﵄-، قال: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب قريش، وكعب خُزَاعَة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة، قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران قريش، فأخذوا بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب: معنى قول عثمان -﵁-: فإنه نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره مُنزل بلغة قريش فقط؛ إذ فيه كلمات، وحروف هي خلاف قريش، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ولم يقل: قرشيًا، وهذا يدلّ على أنه منزل بجميع لسان العرب، وليس لأحد أن يقول: إنه أراد قريشًا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول: أراد لغة عدنان، دون قحطان، أو ربيعة، دون مضر؛ لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولًا واحدًا. وقال ابن عبد البرِّ: قول من قال: إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب، واللَّه أعلم؛ لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات، من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية: معنى قول النبيّ -ﷺ-: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، أي فيه عبارة عن سبع قبائل، بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هُذيل، ومرة بغير ذلك، بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ. ألا ترى أن «فطر» معناه عند غير قريش: ابتدأ خلق الشيء، وعمله، فجاءت في القرآن، فلم تَتَّجِهْ لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فَطَرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال أيضًا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتِحْك؛ أي أحاكمك. وكذلك قال ﵇ بن الخطاب -﵁-، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أي على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك -﵁-، إذ سمع النبيّ -ﷺ- يقرأ في الصلاة: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]. ذكره مسلم في «باب القراءة في صلاة الفجر» إلى غير ذلك من الأمثلة. [القول الثالث]: أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مُضَر، قاله قوم، واحتجوا بقول عثمان -﵁-: نزل القرآن بلغة مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضَبَّة، ومنها لقيس. قالوا: هذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحبّ أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر، وقالوا: في مضر شواذّ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل كَشْكَشَة قيس، وتَمْتَمَة تميم، فأما كشكشة قيس، فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينًا، فيقولون في ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] جعل ربش تحتش سريًا، وأما تمتمة تميم، فيقولون في الناس: النات، وفي أكياس: أكيات، قالوا: وهذه لغات يُرْغَب عن القرآن بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شيء. وقال آخرون: أما إبدال الهمزة عينًا، وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض، فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتجوا بقراءة ابن مسعود -﵁-: «ليسجننه عَتَّى حين»، ذكرها أبو داود، وبقول ذي الرُّمَّة [من الطويل]: فَعَيْنَاكِ عَيْنَاهَا وَجِيدُكِ جِيدُهَا … وَلَوْنُكِ إلا عَنَّهَا غَيْرُ طَائِلِ يريد «إلا أنها». [القول الرابع]: ما حكاه صاحب «الدلائل» عن بعض العلماء، وحَكَى نحوه القاضي ابن الطيب، قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة، فوجدتها سبعًا: منها: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و«أطْهَرَ»، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] و«يُضيق». ومنها: ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه بالإعراب، مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و«رَبُّنَا بَاعَدَ». ومنها: ما تبقى صورته، ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و«ننشُرُها». ومنها: ما تتغير صورته، ويبقى معناه: مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، و«كالصوف المنفوش». ومنها: ما تتغير صورته، ومعناه، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩]، «وطلع منضود». ومنها: بالتقديم والتأخير، كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، «وجاءت سكرة الحق بالموت». ومنها: بالزيادة والنقصان، مثل قوله: «تسع وتسعون نعجة أنثى»، وقوله: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين»، وقوله: «فإن اللَّه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم». [القول الخامس]: إن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب اللَّه تعالى، وهي أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذا لا يسمى أحرفًا، وأيضًا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثًا عن النبيّ -ﷺ-، ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. وقد قيل: إن المراد بقوله -ﷺ-: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»: القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة؛ لأنها كلها صحّت عن رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا ليس بشيء؛ لظهور بطلانه. انتهى كلام القرطبيُّ ببعض تصرف . وقد طوّل الكلام في تحقيق هذه المسألة الحافظ ابن حجر -﵀- في «فتحه»، أحببت إيراده هنا لكونه مكملًا لما نقلته من القرطبيّ، وشارحًا له: قال -﵀- عند قول البخاريّ -﵀-: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه تيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما. نبّه على ذلك ابن عبد البرّ، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة. وذهب أبو عبيد، وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية. وتُعُقِّب بأن لغات العرب أكثر من سبعة. وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس -﵄-، قال: نزل القرآن على سبع لغات: منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال: والعجز: سعد بن بكر، وجثيم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عُلْيا هوزان، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن، وسُفلى تميم. يعني بني دارم. وأخرج أبو عبيد من وجه آخر، عن ابن عباس -﵄-، قال: نزل القرآن بلغة الكَعْبين، كعبِ قريش، وكعبِ خزاعة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة. يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش، فسهلت عليهم لغتهم. وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. واستنكره ابن قتيبة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش. وبذلك جزم أبو علي الأهوازي. وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع متفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض، وأكثر نصيبًا. وقيل: نزل بلغة مضر خاصة، لقول عمر: نزل القرآن بلغة مضر. وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضَبَّة، وتيم الرباب، وأسد خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات. ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أوّلًا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يُكَلَّف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولِمَا كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيلِ فهمِ المرادِ، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة، كما تقدم، وتصويب رسول اللَّه -ﷺ- كلًّا منهم. قال الحافظ: وتَتِمَّةُ ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبيّ -ﷺ-، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأني النبيّ -ﷺ-، لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف، ولو لم يكن مسموعًا له، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته «عتى حين» أي «حتى حين»، وكتب إليه: «إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس لغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل»، وكان ذلك قبل أن يَجْمَع عثمانُ الناسَ على قراءة واحدة. قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يَحْتَمِل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز، قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبو شامة: ويَحْتَمِل أن يكون مراد عمر، ثم عثمان بقولهما: «نزل بلسان قريش» أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن اللَّه تعالى سهّله على الناس، فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب، ليكون بلسان عربي مبين، فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش؛ لأنه الأولى. وعلى هذا يُحْمَل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود؛ لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذًا لا بد من واحدة، فلتكن بلغة النبيّ -ﷺ-، وأما العربي المجبول على لغته، فلو كلف قراءته بلغة قريش لعسر عليه التحول مع إباحة اللَّه له أن يقرأ بلغته، ويشير إلى هذا قوله في حديث أبيّ -﵁- كما تقدم: «هوّن على أمتي»، وقوله: «إن أمتي لا تطيق ذلك». وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالبًا، وليس المراد كما تقدم أن كل لفظة منه تقرأ منه على سبعة أوجه. قال ابن عبد البرِّ: وهذا مجمع عليه، بل هو غير ممكن، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، إلا الشيء القليل، مثل ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه. ورَدَّ عليه ابنُ الأنباري بمثل ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. ويدلّ على ما قرره أنه أنزل أوّلًا بلسان قريش، ثم سهّل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديث أبيّ بن كعب -﵁-: «أن جبريل لقي النبيّ -ﷺ-، وهو عند أضَاة بني غِفَار، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تُقرِئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل اللَّه معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك. . .» الحديث. أخرجه مسلم. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، أي أنزل موسعًا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أنزل على هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم. قال ابن قتيبة -﵀- في أول تفسير المشكل له: كان من تيسير اللَّه تعالى أن أمر نبيه -ﷺ- أن يُقرئ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ «عَتَّى حين» يريد «حتى حين»، والأسدي يقرأ «تِعلَمون» بكسر أوله، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لشقّ عليه غاية المشقة، فيسّر عليهم ذلك بمثّه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال مثلًا: أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة. وقال ابن عبد البرِّ: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات؛ لما تقدم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو «أَقْبِلْ»، و«تَعَالَ»، و«هَلُمَّ»، ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك. قال الحافظ -﵀-: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات. لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نَبَّهَ عليه أبو عمرو الدانيّ أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة، فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة، لا بكلها، وهذا إنما يأتي على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر، فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السبعة في بعض القرآن، كما تقدم. وقد حَمَل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء: [الأول]: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الراء، ورفعها. [الثاني]: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و«باعَدَ بين أسفارنا» بصيغة الطلب، والفعل الماضي. [الثالث]: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة، مثل: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي. [الرابع]: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة علي: و«طلع منضود». [الخامس]: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] في قراءة أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: «وجاءت سكرة الحق بالموت». [السادس]: ما يتغير بزيادة، أو نقصان، مِثالُ الزيادة ما نقل عن ابن عباس -﵄-: «وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين»، ومِثالُ النقص، قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء -﵄-: «والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى». [السابع]: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير: «كالصوف المنفوش». وهذا وجه حسن، لكن استبعده قاسم بن ثابت في «الدلائل»؛ لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت، وأكثرُهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها، قال: وأما ما وُجِد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾، و(ننشرها) [البقرة: ٢٥٩]، فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة؛ لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى. وقال أبو الفضل الرازيّ -﵀-: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء، من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض، ومضارع، وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: الإبدال. السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار، ونحو ذلك. قال الحافظ: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقّحه. وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجوا بحديث ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا»، أخرجه أبو عبيد، وغيره. قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يَلْقَ ابنَ مسعود، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. قال الحافظ: وأطنب الطبريّ في مقدمة تفسيره في الردّ على من قال به. وحاصله: أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة، وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيّد، ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: «سبعة أحرف»، أي سبعة أوجه، كما فُسِّرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الواحدة تقرأ على وجهين، وثلاثة، وأربعة إلى سبعة، تهوينًا وتيسيرًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة. وقال أبو عليّ الأهوازي، وأبو العلاء الهمدانيّ: قوله: «زاجر، وآمر» استئناف كلام آخر، أي هو زاجر، أي القرآن، ولم يُرَدْ به تفسيرُ الأحرف السبعة، وإنما تَوَهَّمَ ذلك مَنْ توهمه من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده أنه جاء في بعض طرقه، «زاجرًا، وآمرًا». . . إلخ بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله اللَّه على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. قال الحافظ -﵀-: ومما يوضح أن قوله: «زاجر، وآمر». . . إلخ ليس تفسيرًا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس -﵄-، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام. انتهى كلام الحافظ -﵀- ببعض تصرف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَلَخّص مما تقدم مما ساقه الحافظ -﵀- من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام -رحمهم اللَّه تعالى- أن الراجح هو قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة في حديث الباب هي أوجه القراءة التي تُؤَدَّى بها المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد يكون ذلك في لغة واحدة، كما وقع لعمر وهشام بن حكيم -﵄-، فإنهما قرشيان. وأما بقية الأقوال فلا تخلو من ضعف، وأضعفها قول من قال: إنه من المتشابه الذي لا يُعْرَف معناه، كما اختاره السيوطيّ في شرح النسائيّ، فإنه من المحال أن يكون القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ويؤمر الناس أن يقرؤوه على تلك الأحرف، ولا يدرون ما هي الأحرف؟ هذا من أغرب المحال، وأما تفسير من فسّره بالقراءة السبعة المشهورة فكونه غلطًا أظهر من أن يُشْهَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الأحرف السبعة المذكورة في الحديث مجموعة في المصحف الموجود اليومَ، أم لا؟: قد جمع الحافظ -﵀- في «فتحه» أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستوفاها، مُلَخَّصةً، فأحببت إيرادها هنا لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها: قال -﵀-: قال أبو شامة -﵀-: وقد اختَلَف الناس في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟ مال الباقلاني إلى الأول، وصَرَّح الطبريّ وجماعة بالثاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» عن أبي الطاهر بن السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟، قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل «هَلُمَّ»، و«تعالَ»، و«أقبل»، أيّ ذلك قلت أجزأك، قال: وقال لي ابن وهب مثله. والحقّ أن الذي جُمِعَ في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبيّ -ﷺ-، وفيه بعض ما اختُلِف فيه من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آخر براءة، وفي غيره بحذف «من»، وكذا وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمر النبيّ -ﷺ- بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءة مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جُوّزت به توسعةً على الناس وتسهيلًا؛ فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي. قال الطبريّ -﵀-: وصار ما اتَّفَقَ عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خُيِّر فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة. قال الحافظ -﵀-: ويدل عليه قوله -ﷺ- في حديث الباب: «فاقرؤوا ما تيسر منه». وقد قرر الطبريّ ذلك تقريرًا أطنب فيه، ووَهَّى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس بن عمار في «شرح الهداية»، وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها. وضابطه: ما وافق رسم المصحف، فأما ما خالفه، مثل «أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج»، ومثل «إذا جاء فتح اللَّه والنصر»، فهو من تلك القراءات التي تُرِكت، إن صح السند بها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآنًا، ولا سيما والكثير منها مما يَحْتَمِل أن يكون من التأويل الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه. وقال البغويُّ في «شرح السنة»: المصحف الذي استقرّ عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول اللَّه -ﷺ-، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجَمَعَ الناس عليه، وأذهَبَ ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نُسِخ ورُفِع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم. وقال أبو شامة -﵀-: ظَنّ قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يَظُنّ ذلك بعض أهل الجهل. وقال ابن عمار أيضًا: لقد فعل مسبِّعُ هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قلَّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راوٍ ثالثٍ غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم، فخطأ، أو كفر. وقال أبو بكر ابن العربيّ -﵀-: ليست هذه السبعة متعينة للجواز، حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم، أو فوقهم. وكذا قال غير واحد: منهم مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السُّوسي، والدُّوري، وليس لهما مزية على غيرهما؛ لأن الجميع مشتركون في الضبط، والإتقان، والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قُضِيَ من نقص العلم، فاقتصر هؤلاء على السبعة، ثم اقتصر من بعدهم من السبعة على النزر اليسير. وقال أبو شامة -﵀-: لم يُرد ابن مجاهد ما نُسِب إليه، بل أخطأ من نَسَب إليه ذلك. وقد بالغ أبو طاهر ابن أبي هاشم صاحبه في الردّ على من نسب إليه أن مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها، أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حَمَل عنه أهل تلك الجهات، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط، امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار، مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب -﵀-: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم، قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهِم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين -كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق القاضي- قد ذكروا أضعاف هؤلاء. قال الحافظ -﵀-: قلت: اقتصر أبو عبيدة في كتابه على خمسة عشر رجلًا، من كل مصر ثلاثة أنفس: فذكر من مكة ابنَ كثير، وابن محيصن، وحُميدًا الأعرج، ومن أهل المدينة أبا جعفر، وشيبة، ونافعًا، ومن أهل البصرة أبا عمرو، وعيسى بن عمر، وعبد اللَّه بن أبي إسحاق، ومن أهل الكوفة يحيى بن وَثّاب، وعاصمًا، والأعمش، ومن أهل الشام عبد اللَّه بن عامر، ويحيى بن الحارث، قال: وذهب عني اسم الثالث، ولم يذكر في الكوفيين حمزة، ولا الكسائي، بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة، ولم يجتمع عليه جماعتهم، قال: وأما الكسائيّ، فكان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة الكوفيين بعضًا، وترك بعضًا، وقال بعد أن ساق أسماء من نقلت عنه القراءة من الصحابة والتابعين: فهؤلاء هم الذين يُحكَى عنهم عُظْمُ القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث، قال: ثم قام بعدهم بالقراءات قوم ليست لهم أسنانهم، ولا تقدمهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت عنايتهم بها، وطلبهم لها، حتى صاروا بذلك أئمة يقتدي الناس بهم فيها، فذكرهم. وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلًا، ولم يذكر فيهم ابن عامر، ولا حمزة، ولا الكسائي، وذكر الطبريّ في كتابه اثنين وعشرين رجلًا. قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمرّوا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي، وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة -مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرًا، ومثلهم أكثر من عددهم- أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة، والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة، والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل ﵇ إمامًا واحِدًا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة به، كقراءة يعقوب، وعاصم الجحدري، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي أبو عبيد، وأبو حاتم، والمفضل، وأبو جعفر الطبري، وغيرهم، وذلك واضح في تصانيفهم في ذلك. وقد صنف ابن جبير المكي، وكان قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وَجَّهَ بسبعة، هذه الخمسة، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، لكن لم نسمع لهذين المصحفين خبرًا، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف، فاستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين يكمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، وهو «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف»، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم يكن له فطنة، فظن أن المراد بالقراءات السبع الأحرف السبعة، ولا سيما، وقد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة، فقالوا: قرأ بحرف نافع، وبحرف ابن كثير، فتأكد الظن بذلك، وليس الأمر كما ظنه، والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع، ويستقيم وجهه في العربية، ويوافق خط المصحف، وربما زاد بعضهم الاتفاق عليه، ونعني بالاتفاق كما قال مكي بن أبي طالب ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة، ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم، قال: وربما أرادوا بالاتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين، قال: وأصح القراءات سندًا نافع، وعاصم، وأفصحها أبو عمرو، والكسائيّ. وقال ابن السمعانيّ في «الشافي»: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر، ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، قال: وقد صنف غيره في السبع أيضًا، فذكر شيئًا كثيرًا من الروايات عنهم غير ما في كتابه، فلم يقل أحد: إنه لا تجوز القراءة بذلك لخلو ذلك المصحف عنه. وقال أبو الفضل الرازيّ في «اللوائح» بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أن أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث، وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك. قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك، وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفًا، وجرَّد طريقًا في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خروجًا عن الأحرف السبعة. وقال الكواشي: كل ما صحّ سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا، أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة، فهو الشاذ. قال الحافظ -﵀-: وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل «التيسير»، و«الشاطبية»، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك، كأبي شامة، وأبي حيان، وآخرُ من صرح بذلك السبكي، فقال في «شرح المنهاج» عند الكلام على القراءة بالشاذ: صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذّ، توهمًا منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين: الأول: ما يخالف رسم المصحف، فلا شك في أنه ليس بقرآن. والثاني: ما لا يخالف رسم المصحف، وهو على قسمين أيضًا: الأول: ما ورد من طريق غريبة، فهذا ملحق بالأول. والثاني: ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا، فهذا لا وجه للمنع منه، كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وغيرهما. ثم نقل كلام البغوي، وقال: هو أولى من يعتمد عليه في ذلك، فإنه فقيه محدث مقرئ، ثم قال: وهذا التفصيل بعينه وارد في الروايات عن السبعة، فإن عنهم شيئًا كثيرًا من الشواذ، وهو الذي لم يأت إلا من طريق غريبة، وإن اشتهرت القراءة من ذلك المنفرد، وكذا قال أبو شامة، ونحن وإن قلنا: إن القراءة الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت، فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه. انتهى ما في «الفتح» . وإلى الشروط الثلاثة المذكورة أشار المحقّق ابن الجزريُّ في «طيبة النشر» بقوله: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهًا نَحْوِي … وَكَانَ لِلرَّسْم احْتِمَالًا يَحْوِي وَصَحَّ إسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ … فَهذِهِ الثَّلَاثَةُ الأرْكَانُ وَحَيْثُمَا يَخْتَلُّ شَرْطٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا خلاصة ما نقلوه، وتحقيق ما قالوه، وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس، لمن له رغبة في العلم، وتطلع إلى الفهم، واللَّه ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان الأحرف التي اختَلَف فيها القرّاء من «سورة الفرقان»: قال الحافظ -﵀-: لم أَقِف في شيء من طرق حديث عمر -﵁- على تعيين الأحرف التي اختَلَف فيها عمر وهشام -﵄- من سورة الفرقان، وقد زَعَم بعضهم فيما حكاه ابن التين أنه ليس في هذه السورة عند القراء خلاف فيما ينقص من خط المصحف سوى قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾، وقرئ ﴿سِرَاجًا﴾ وجمع سراج، قال: وباقي ما فيها من الخلاف لا يخالف خط المصحف. قال الحافظ: وقد تتبع أبو عمر بن عبد البرُّ ما اختَلَف فيه القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، فأوردته مُلَخَّصًا، وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادةً على ذلك، وفيه تَعَقُّبٌ على ما حكاه ابن التين في سبعة مواضع أو أكثر. قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، قرأ أبو الجوزاء، وأبو السوار: «أنزل» بألف، قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، قرأ عبد اللَّه بن الزبير، وعاصم الجحدريّ: «على عباده»، ومعاذ أبو حليمة، وأبو نهيك: «على عبيده». قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، قرأ طلحة بن مُصَرِّف، ورويت عن إبراهيم النخعيّ بضم المثناة الأولى، وكسر الثانية، مبنيًا للمفعول، وإذا ابتَدَأ ضَمّ أوله. قوله: ﴿مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ وقرأ عاصم الجحدريّ، وأبو المتوكل، ويحيى بن يعمر ﴿فَيَكُونَ﴾ بضم النون. قوله: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قرأ الأعمش، وأبو حَصِين ﴿يَكُونَ﴾ بالتحتانية. قوله: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم ﴿نَّأْكُلُ﴾ بالنون، ونقله في «الكامل» عن القاسم وابن سعد وابن مقسم. قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحميد، وتابعهم أبو بكر، وشيبان، عن عاصم، وكذا محبوب، عن أبي عمرو، ووَرْش ﴿يَجْعَلْ﴾ برفع اللام، والباقون بالجزم؛ عطفًا على محل ﴿جَعَلَ﴾، وقيل: لادغامها، وهذا يجري على طريقة أبي عمرو بن العلاء، وقرأ بنصب اللام عُمر بن ذَرّ، وابن أبي عَبْلَة، وطلحة بن سليمان، وعبد اللَّه بن موسى، وذكرها الفراء جوازًا على إضمار «أن»، ولم ينقلها، وضعّفها ابن جني. قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قرأ ابن كثير، والأعمش، وعليّ بن نصر، ومسلمة بن محارب بالتخفيف، ونقلها عقبة بن يسار، عن أبي عمرو أيضًا. قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قرأ عاصم الجحدريّ، ومحمد بن السميفع: «مقرنون». قوله: ﴿ثُبُورًا﴾ قرأ المذكوران بفتح المثلثة. قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، والأعرج، والجحدريّ، وكذا الحسن، وقتادة، والأعمش، على اختلاف عنهم بالتحتانية، وقرأ الأعرج بكسر الشين، قال ابن جني: وهي قوية في القياس، متروكة في الاستعمال. قوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن مسعود، وأبو نهيك، وعمر بن ذَرّ: «وما يعبدون من دوننا». قوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ قرأ ابن عامر، وطلحة بن مصرف، وسلام، وابن حسان، وطلحة بن سليمان، وعيسى بن عمر، وكذا الحسن، وقتادة، على اختلاف عنهما، ورويت عن عبد الوارث، عن أبي عمرو، بالنون. قوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾ قرأ أبو عيسى الأسواريّ، وعاصم الجحدريّ بضم الياء وفتح الغين. قوله: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ قرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، والباقر، وأخوه زيد، وجعفر الصادق، ونصر بن علقمة، ومكحول، وشيبة، وحفص بن حميد، وأبو جعفر القارئ، وأبو حاتم السجستانيّ، والزعفرانيّ، ورُوي عن مجاهد، وأبو رجاء، والحسن بضم أوله وفتح الخاء، على البناء للمفعول، وأنكرها أبو عبيد، وزعم الفراء أن أبا جعفر تفرد بها. قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حَكَى القرطبيّ أنها قرئت بالتخفيف. قوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ قرأ ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والأعمش، وحميد بن قيس، وابن جريج، وعمر بن ذَرّ، وأبو حيوة، ورويت عن قنبل، بالتحتانية. قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص في الأكثر عنه، عن عاصم، بالفوقانية، وكذا الأعمش، وطلحة بن مصرّف، وأبو حيوة. قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ﴾ قرئ «يذقه» بالتحتانية. قوله: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ قرئ «أنهم» بفتح الهمزة، والأصل: لأنهم، فحذفت اللام، نُقِل هذا والذي قبله من إعراب السمين. قوله: ﴿وَيَمْشُونَ﴾ قرأ عليّ وابن مسعود، وابنه عبد الرحمن، وأبو عبد الرحمن السلميّ بفتح الميم، وتشديد الشين، مبنيًا للفاعل وللمفعول أيضًا. قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قرأ الحسن، والضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، والأعمش، «حجرًا» بضم أوله، وهي لغة، وحَكَى أبو البقاء الفتح عن بعض المصريين، ولم أر من نقلها قراءةً. قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ قرأ الكوفيون، وأبو عمرو، والحسن في المشهور عنهما، وعمرو بن ميمون، ونعيم بن ميسرة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ووافقهم عبد الوارث، ومعاذ، عن أبي عمرو، وكذا محبوب، وكذا الحمصيّ من الشاميين في نقل الْهُذَليّ. قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ الأكثر بضم النون، وتشديد الزاي، وفتح اللام، «الملائكة» بالرفع، وقرأ خارجة بن مصعب، عن أبي عمرو، ورويت عن معاذ أبي حليمة، بتخفيف الزاي، وضم اللام، والأصل: تنزل الملائكة، فحذفت تخفيفًا، وقرأ أبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وعُمر بن ذَرَ، ورويت عن ابن مسعود، ونقلها ابن مقسم عن المكيّ، واختارها الهذليّ، بفتح النون، وتشديد الزاي، وفتح اللام، على البناء للفاعل، «الملائكةَ» بالنصب، وقرأ جناح بن حبيش، والخفاف، عن أبي عمرو، بالتخفيف «الملائكة» بالرفع على البناء للفاعل، ورويت عن الخفاف على البناء للمفعول أيضًا، وقرأ ابن كثير في المشهور عنه، وشعيب، عن أبي عمرو، «وننزل» بنونين الثانية خفيفة «الملائكةَ» بالنصب، وقرئ بالتشديد عن ابن كثير أيضًا، وقرأ هارون، عن أبي عمرو بمثناة أوله، وفتح النون، وكسر الزاي الثقيلة، «الملائكة» بالرفع أي تنزل ما أُمِرت به، ورُوِي عن أُبيّ بن كعب مثله، لكن بفتح الزاي، وقرأ أبو السمال، وأبو الأشهب كالمشهور عن ابن كثير، لكن بألف أوله، وعن أُبيّ بن كعب «نزلت» بفتح وتخفيف، وزبادة مثناة في آخره، وعنه مثله، لكن بضم أوله مشددًا، وعنه تنزلت بمثناة في أوله، وفي آخره بوزن تفعلت. قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ قرأ أبو عمرو بفتح الياء الأخيرة، من «ليتني». قوله: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ قرأ الحسن بكسر المثناة بالإضافة، ومنهم من أمال. قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ قرأ أبو عمرو، وروح، وأهل مكة، إلا رواية ابن مجاهد عن قنبل، بفتح الياء من «قومي». قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ قرأ ابن مسعود بالتحتانية بدل النون، وكذا رُوي عن حميد بن قيس، وأبي حَصِين، وأبي عمران الْجَوْنيّ. قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ قرأ عليّ ومسلمة بن محارب «فدمرانهم» بكسر الميم وفتح الراء، وكسر النون الثقيلة، بينهما ألف تثنية، وعن عليّ بغير نون، والخطاب لموسى وهارون. قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص: «وثمود» بغير صرف. قوله: ﴿أُمْطِرَتْ﴾ قرأ معاذ أبو حليمة، وزيد بن عليّ، وأبو نَهِيك «مطرت» بضم أوله، وكسر الطاء، مبنيًا للمفعول، وقرأ ابن مسعود: «أمطروا»، وعنه: «أمطرناهم». قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قرأ أبو السمال، وأبو العالية، وعاصم الجحدريّ، بضم السين، وأبو السمال أيضًا مثله بغير همز، وقرأ عليّ، وحفيده زين العابدين، وجعفر بن محمد بن زين العابدين، بفتح السين، وتشديد الواو، بلا همز، وكذا قرأ الضحاك، لكن بالتخفيف. قوله: ﴿هُزُوًا﴾ قرأ حمزة، وإسماعيل بن جعفر، والمفضل بإسكان الزاي، وحفص بالضم بغير همز. قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ قرأ ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب: «اختاره اللَّه من بيننا». قوله: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قرأ ابن مسعود، وأُبي: «عن عبادة آلهتنا». قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ قرأ ابن مسعود بمد الهمزة، وكسر اللام، والتنوين، بصيغة الجمع، وقرأ الأعرج بكسر أوله، وفتح اللام، بعدها ألف وهاء تأنيث، وهو اسم الشمس، وعنه بضم أوله أيضًا. قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ قرأ الشاميّ بفتح السين. قوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ قرأ ابن مسعود: «أو يبصرون». قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ قرأ ابن مسعود: «جعل». قوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وابن محيصن، والحسن: «الريح». قوله: ﴿بُشْرًا﴾ قرأ ابن عامر، وقتادة، وأبو رجاء، وعمرو بن ميمون، بسكون الشين، وتابعهم هارون الأعور، وخارجة بن مصعب، كلاهما عن أبي عمرو، وقرأ الكوفيون، سوى عاصم، وطائفة بفتح أوله، ثم سكون، وكذا قرأ الحسن، وجعفر بن محمد، والعلاء بن شبابة، وقرأ عاصم بموحدة، بدل النون، وتابعه عيسى الهمدانيّ، وأبان بن تغلب، وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ في رواية، وابن السميفع بضم الموحدة، مقصور بوزن حبلى. قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ قرأ ابن مسعود: «لننشر به». قوله: ﴿مَيْتًا﴾ قرأ أبو جعفر بالتشديد. قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، بفتح النون، وهي رواية عن أبي عمرو، وعاصم، والأعمش. قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ قرأ يحيى بن الحارث بتخفيف آخره، وهي رواية عن الكسائيّ، وعن أبي بكر بن عياش، وعن قتيبة الميال، وذكرها الفراء جوازًا لا نقلًا. قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ قرأ عكرمة بتخفيف الراء. قوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم بسكون الذال مخففًا. قوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾ قرأ أبو حَصِين، وأبو الجوزاء، وأبو المتوكل، وأبو حيوة، وعُمر بن ذَرّ، ونقلها الْهُذَليّ عن طلحة بن مصرف، ورويت عن الكسائيّ، وقتيبة الميال، بفتح الميم، وكسر اللام، واستنكرها أبو حاتم السجستانيّ، وقال ابن جني: يجوز أن يكون أراد: مالح، فحذف الألف تخفيفًا، قال: مع أن مالح ليست فصيحة، قوله: ﴿وَحِجْرًا﴾ تقدم. قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قرأ زيد بن عليّ بجر النون نعتًا للحيّ، وابن معدان بالنصب، قال: على المدح. قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قرأ الميمون، والكسائيّ، وخلف، وأبان بن يزيد، وإسماعيل بن جعفر، ورويت عن أبي عمرو، وعن نافع: «فسل به» بغير همز. قوله: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ الكوفيون بالتحتانية، لكن اختُلِف عن حفص، وقرأ ابن مسعود: «لما تأمرنا به». قوله: ﴿سِرَاجًا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم: «سُرُجًا» بضمتين، لكن سكّن الراء الأعمش، ويحيى بن وثاب، وأبان بن تغلب، والشيرازيّ. قوله: ﴿وَقَمَرًا﴾ قرأ الأعمش، وأبو حَصِين، والحسن، ورويت عن عاصم بضم القاف، وسكون الميم، وعن الأعمش أيضًا فتح أوله. قوله: ﴿أَنْ يَذَّكَّر﴾ قرأ حمزة بالتخفيف، وأُبيّ بن كعب: «يتذكر»، ورويت عن عليّ، وابن مسعود، وقرأها أيضًا إبراهيم النخعيّ، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف، وعيسى الهمدانيّ، والباقر، وأبوه، وعبد اللَّه بن إدريس، ونعيم بن ميسرة. قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ قرأ أُبيّ بن كعب بضم العين، وتشديد الموحدة، والحسن بضمتين، بغير ألف، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وأبو الجوزاء، بفتح، ثم كسر، ثم تحتانية ساكنة. قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قرأ عليّ، ومعاذ القارئ، وأبو عبد الرحمن السلميّ، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وابن السميفع بالتشديد، مبنيًا للفاعل، وعاصم الجحدريّ، وعيسى بن عمر مبنيًا للمفعول. قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قرأ إبراهيم النخعيّ: «سجودًا». قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ قرأ أبو زيد بفتح الميم. قوله: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ قرأ ابن عامر، والمدنيون، وهي رواية أبي عبد الرحمن السلميّ عن عليّ، وعن الحسن، وأبي رجاء، ونعيم بن ميسرة، والمفضل، والأزرق، والجعفيّ، وهي رواية عن أبي بكر، بضم أوله من الرباعيّ، وأنكرها أبو حاتم، وقرأ الكوفيون إلا من تقدم منهم، وأبو عمرو في رواية، بفتح أوله، وضم التاء، وقرأ عاصم الجحدريّ، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر، وهي رواية عن أبي عمرو أيضًا، بضم أوله، وفتح القاف، وتشديد التاء، والباقون بفتح أوله، وكسر التاء. قوله: ﴿قَوَامًا﴾ قرأ حسان بن عبد الرحمن، صاحب عائشة، بكسر القاف، وأبو حصين، وعيسى بن عمر، بتشديد الواو، مع فتح القاف. قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: «يلقى» بإشباع القاف، وقرأ عمر بن ذَرّ بضم أوله، وفتح اللام، وتشديد القاف، بغير إشباع. قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾ قرأ أبو بكر، عن عاصم برفع الفاء، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وشيبة، ويعقوب: «يضعف» بالتشديد، وقرأ طلحة بن سليمان بالنون، «العذاب» بالنصب. قوله: ﴿وَيَخْلُدْ﴾ قرأ ابن عامر، والأعمش، وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقرأ أبو حيوة بضم أوله، وفتح الخاء، وتشديد اللام، ورويت عن الجعفيّ، عن شعبة، ورويت عن أبي عمرو، لكن بتخفيف اللام، وقرأ طلحة بن مصرف، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وعاصم الجحدري بالمثناة مع الجزم، على الخطاب. قوله: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ قرأ ابن كثير بإشباع الهاء من «فيه» حيث جاء، وتابعه حفص عن عاصم هنا فقط. قوله: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قرأ أبو عمرو، والكوفيون سوى رواية عن عاصم بالإفراد، والباقون بالجمع. قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قرأ أبو الدرداء، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وحميد بن قيس، وعمر بن ذَرّ: «قرّات» بصيغة الجمع. قوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ قرأ ابن مسعود: «يجزون الجنة». قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ قرأ الكوفيون سوى حفص، وابن معدان بفتح أوله، وسكون اللام، وكذا قرأ النميريّ عن المفضل. قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قرأ ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير: «فقد كذب الكافرون»، وحَكَى الواقديّ عن بعضهم تخفيف الذال. قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ قرأ أبو السمال، وأبو المتوكل، وعيسى بن عمر، وأبان بن تغلب بالفوقانية. قوله: ﴿لِزَامًا﴾ قرأ أبو السمال بفتح اللام، أسنده أبو حاتم السجستانيّ، عن أبي زيد عنه، ونقلها الهذليّ عن أبان بن تغلب. قال أبو عمر بن عبد البر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في «سورة الفرقان» من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن، واللَّه أعلم بما أَنكَر منها عُمر على هشام، وما قرأ به عمر، فقد يمكن أن يكون هناك حروف أخرى لم تصل إليّ، وليس كل من قرأ بشيء نُقِل ذلك عنه، ولكن إن فات من ذلك شيء فهو النزر اليسير. قال الحافظ: كذا قال، والذي ذكرناه يزيد على ما ذكره مثله، أو أكثر، ولكنا لا نتقلد عهدة ذلك، ومع ذلك فنقول: يَحْتَمِل أن تكون بقيت أشياء لم يُطَّلَع عليها، على أني تركت أشياء مما يتعلق بصفة الأداء من الهمز والمد والروم والإشمام، ونحو ذلك، ثم بعد كتابتي هذا، وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمى بـ «الجامع الأكبر، والبحر الأزخر» تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللَّخْميّ، الذي ذكر أنه جمع فيه سبعة آلاف رواية، من طريق غير ما لا يليق وهو في نحو ثلاثين مجلدة، فالتقطت منه ما لم يتقدم ذكره من الاختلاف، فقارب قدر ما كنت ذكرته أوّلًا، وقد أوردته على ترتيب السورة. قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قرأ أدهم السدوسي بالمثناة فوق. قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ قرأ سعيد بن يوسف بكسر الهمزة، وفتح اللام، بعدها ألف. قوله: ﴿وَيَمْشِي﴾ قرأ العلاء بن شبابة، وموسى بن إسحاق، بضم أوله، وفتح الميم، وتشديد الشين المفتوحة، ونُقِل عن الحجاج بضم أوله، وسكون الميم، وبالسين المهملة المكسورة، وقالوا: هو تصحيف. قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ قرأ ابن أنعم بتحتانية أوله، وكذا محمد بن جعفر بفتح المثناة الأولى، وسكون الثانية. قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ زهير بن أحمد بمثناة من فوق. قوله: ﴿جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ سالم بن عامر: «جنات» بصيغة الجمع. قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قرأ عبد اللَّه بن سلام: «مقرنين» بالتخفيف، وقرأ سهل: «مقرنون» بالتخفيف مع الواو. قوله: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ قرأ أبو هشام: «أم جنات» بصيغة الجمع. قوله: ﴿عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ قرأها الوليد بن مسلم بتحريك الياء. قوله: ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ قرأ أبو مالك بضم النون، وتشديد السين. قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ قرأ ابن مسعود: «فما يستطيعون لكم»، وأبي بن كعب: «فما يستطيعون لك»، حَكَى ذلك أحمد بن يحيى بن مالك، عن عبد الوهاب، عن هارون الأعور، وروي عن ابن الأصبهانيّ، عن أبي بكر بن عياش، وعن يوسف بن سعيد، عن خلف بن تميم، عن زائدة، كلاهما عن الأعمش، بزيادة: «لكم» أيضًا. قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ قرأ يحيى بن واضح: «ومن يكذب» بدل «يظلم» ووزنها، وقرأها أيضًا هارون الأعور: «يكذب» بالتشديد. قوله: ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ قرأ شعيب عن أبي حمزة بالمثلثة بدل الموحدة. قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ قرأ جعفر بن محمد بفتح الهمزة والزاي، ونصب «الملائكة». قوله: ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قرئ: «عتيًا» بتحتانية بدل الواو، وقرأ أبو إسحاق الكوفيّ: «كثيرًا» بالمثلثة بدل الموحدة. قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قرأ عبد الرحمن بن عبد اللَّه: «ترون» بالمثناة من فوق. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ قرأ هشيم عن يونس: «وتقولون» بالمثناة من فوق أيضًا. قوله: ﴿وَقَدِمْنَا﴾ قرأ سعيد بن إسماعيل بفتح الدال. قوله: ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ قرأ الوكيعي: «من عمل صالح» بزيادة «صالح». قوله: ﴿هَبَاءً﴾ قرأ محارب بضم الهاء مع المد، وقرأ نصر بن يوسف بالضم والقصر والتنوين، وقرأ ابن دينار كذلك، لكن بفتح الهاء. قوله: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ قرأ طلحة بن موسى بكسر القاف. قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ قرأ أبو ضمام: «ويومٌ» بالرفع والتنوين، وأبو وجرة بالرفع بلا تنوين، وقرأ عصمة عن الأعمش: «يوم يرون السماء تشقق» بحذف الواو، وزيادة «يرون». قوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ قرأ سليمان بن إبراهيم: «الملك» بفتح الميم وكسر اللام. قوله: ﴿الْحَقُّ﴾ قرأ أبو جعفر بن يزيد بنصب الحق. قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ قرأ عامر بن نصير: «تخذت». قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾ قرأ المعلى عن الجحدريّ بفتح النون والزاي مخففًا، وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد اللَّه بن خليد كذلك، لكن مثقلًا. قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأها الحسن بن محمد بن أبي سعدان، عن أبيه بالرفع. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ قرأ حامد الرمهرمزيّ : «آيات» بالجمع. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ قرأ سورة بن إبراهيم: «القريات» بالجمع، وقرأ بهرام: «الْقُرية» بالتصغير مثقلًا. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قرأ أبو حمزة عن شعبة بالمثناة من فوق فيهما. قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ﴾ وقرأ عثمان بن المبارك بالمثناة من فوق فيهما. قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ قرأ حمزة بن حمزة بضم التحتانية، وفتح السين المهملة. قوله: ﴿سُبَاتًا﴾ وقرأ يوسف بن أحمد بكسر المهملة أوله، وقال: معناه الراحة. قوله: ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ وقرأ محمد ابن الحنفية بالمثلثة. قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قرأ ابن عرفة: «مرّج» بتشديد الراء. قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ وقرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان بكسر الذال المعجمة. قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ قرأ الحجاج بن يوسف: «سببًا» بمهملة ثم موحدتين. قوله: ﴿أَنَسْجُدُ﴾ وقرأ أبو المتوكل بالتاء المثناة من فوق. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ وقرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان عن أبيه: «خلفه» بفتح الخاء، وبالهاء، ضمير يعود على الليل. قوله: ﴿عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وقرأ ابن السميفع بضم الهاء. قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ قرأ حمزة بن عروة: «سلمًا» بكسر السين، وسكون اللام. قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قرأ جعفر بن إلياس بضم النون، وقال: هو اسم «كان». قوله: ﴿لَا يَدْعُونَ﴾ قرأ جعفر بن محمد بتشديد الدال. قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ﴾ قرأ ابن جامع بضم أوله، وفتح القاف، وتشديد التاء المكسورة، وقرأها معاذ كذلك، لكن بألف قبل المثناة. قوله: ﴿أَثَامًا﴾ قرأ عبد اللَّه بن صالح العجليّ، عن حمزة: «إثمًا» بكسر أوله، وسكون ثانية، بغير ألف قبل الميم، ورُوي عن ابن مسعود بصيغة الجمع «آثامًا». قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ قرأ عبد الحميد، عن أبي بكر، وابن أبي عبلة، وأبان، وابن مجالد، عن عاصم، وأبو عمارة، والبرهميّ، عن الأعمش بسكون الموحدة. قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قرأ أبو المظفر بنون بدل الراء. قوله: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قرأ تميم بن زياد بفتح الذال والكاف. قوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قرأ سليمان بن يزيد: «بآية» بالإفراد. قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قرأ معروف بن حكيم: «قرة عين» بالإفراد، وكذا أبو صالح من رواية الكلبيّ عنه، لكن قال: «قرّات عين». قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ﴾ قرأ جعفر بن محمد: «واجعل لنا من المتقين إمامًا». قوله: ﴿يُجْزَوْنَ﴾ قرأ أُبيّ في رواية: «يجازون». قوله: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ قرأ أبو حامد: «الغرفات». قوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ قرأ ابن عمير: «تحيات» بالجمع. قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾ قرأ الحارث: «وسلمًا» في الموضعين. قوله: ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قرأ عمير بن عمران: «ومقامًا» بفتح الميم. قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قرأ عبد ربه بن سعيد بتخفيف الذال. فهذه ستة وخمسون موضعًا ليس فيها من المشهور شيء، فليُضَف إلى ما ذكرته أوّلًا، فتكون جملتها نحوًا من مائة وثلاثين موضعًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث مفيد، واللَّه ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ، أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: «فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخَرَمَةَ) بن نوفل بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. والباقون تقدّموا في السند الماضي، الباب الماضي. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ) فاعل «ساق»، و«زاد» ضمير يونس، وهو ابن يزيد الأيليّ، يعني أنه ساق الحديث عن ابن شهاب بمثل ما ساقه مالك عنه، وزاد فيه قوله: «فكدت إلخ». وقوله: (فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ) بالسين المهملة: أي أعاجله، وأواثبه، قاله النوويُّ. وقال الفيوميّ -﵀-: سارَ يَسُورُ: إذا غَضِبَ، والسَّوْرَة اسم منه، والجمع سَوْرَاتٌ، بالسكون للتخفيف، وقال الزُّبَيدِيّ: السَّوْرة: الْحِدَّة، والسَّوْرَة البَطْش، وسار الشرابُ يَسُور سَوْرًا، وسَوْرَةً: إذا أخذ الرأسَ، وسَوْرة الجُوعِ والخَمْرِ: الحِدَّةُ أيضًا، ومنه الْمُسَاوَرَةُ، وفي «التهذيب»: والإنسان يُسَاوِر إنسانًا: إذا تناول رأسه، ومعناه المغالبة. انتهى . وقوله: (فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ) أي تكلّفت الصبر حتى سلّم من صلاته، قال في «القاموس»: الصبرُ: نقيض الْجَزَعِ، صَبَرَ يَصْبِرُ، فهو صابرٌ، وصَبِير، وصَبُورٌ، وتَصَبَّرَ، واصطبر، واصَّبَر. انتهى . والمعنى هنا: أنه حبس نفسه، ومنعها عن التعرّض لهشام بالتلبيب ونحوه إلى أن فرغ من صلاته بالتسليم. [تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيُّ في «المجتبى»، فقال: (٩٣٨) أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن المسور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه -ﷺ-، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلما سلم لَبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ فقال: أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: كذبت، فواللَّه إن رسول اللَّه -ﷺ- هو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: يا رسول اللَّه، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «هكذا أُنزلت»، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التي أقرأني، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «هكذا أنزلت»، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. وقوله: (كَرِوَايَةِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ) يعني أن رواية معمر، عن الزهريّ كرواية يونس عنه بإسناده السابق، وهو عن عروة بن الزبير، والمسور بن مخرمة، كلاهما عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، عن عمر بن الخطّاب -﵁-. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة -﵀- في «مسنده» (٢/ ٤٦٧) فقال: (٣٨٥٣) حدّثنا إسحاق، قال: قرأنا على عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حِزَام، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه -ﷺ-، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فكِدْتُ أن أسوره في الصلاة، فنظرت حتى سَلَّم، فلما سلم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت له: كذبت، فواللَّه إن رسول اللَّه -ﷺ- لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها، قال: فانطلقت أقوده إلى النبيّ -ﷺ-، فقلت: يا رسول اللَّه، إني سمعت هذا يقرأ سورة على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال النبيّ -ﷺ-: «هكذا أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التي أقرأني النبيّ -ﷺ-، فقال: «هكذا أنزلت»، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن القرءان أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٧)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. وفي نسخة: «فكدت أعجل عليه».

٣. «الفتح» ٨/ ٦٤٠ - ٦٤١ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

٤. سيأتي في «كتاب البرّ والصلة» برقم (٢٦١٣) ولفظه:

٥. «الفتح» ٨/ ٦٤١ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

٦. «الفتح» ٨/ ٦٤١.

٧. «المفهم» ٢/ ٤٤٧.

٨. «الفتح» ٨/ ٦٤١.

٩. «الفتح» ٨/ ٦٤١ - ٦٤٢.

١٠. «المفهم» ٢/ ٤٥١.

١١. «شرح النووي» ٦/ ٩٩.

١٢. «شرح النووي» ٦/ ٩٩.

١٣. «الفتح» ٦٥٣ - ٦٥٤ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

١٤. «الاستذكار» ٢/ ٤٨٧.

١٥. «الاستذكار»٢/ ٤٨٧.

١٦. راجع: «الفتح» ٨/ ٦٤٢ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

١٧. هو محمد بن الطيّب بن محمد بن جعفر القاضي أبو بكر الباقلانيّ المتوفّى سنة (٤٠٣ هـ).

١٨. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ٤٢ - ٤٦.

١٩. راجع: «الفتح» ٨/ ٦٤٢ - ٦٤٥.

٢٠. «الفتح» ٨/ ٦٤٢ - ٦٤٨ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

٢١. هكذا النسخة، فليُنظر، هل هو مصحّف، وإلا فما المراد به؟؟؟؟.

٢٢. هكذا النسخة بالراء، والظاهر أنه غلط، والصواب أبو وجزة بالزاي، وهو يزيد بن عبيد السلميّ، المتوفّى سنة (١٣٠ هـ) فليُحرّر.

٢٣. هكذا النسخة، والظاهر أنه الرامهرمزيّ بألف بعد الراء الأولى، فليُحرّر.

٢٤. «الفتح» ٨/ ٦٤٨ - ٦٥٣ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٢).

٢٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.

٢٦. «القاموس المحيط» ٢/ ٦٦.

٢٧. هكذا النسخة، ولعلّ الصواب: «أن أساوره»، كما عند مسلم، فليُحرَّر، واللَّه تعالى أعلم.