وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠٢] (٨١٩) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ، فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلَفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة (٦٨) بالطائف (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤.
والباقون ذُكروا قبل إسناد.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، إلا في موضع.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه عبيد اللَّه أحد الفقهاء السبعة المشهورين، وقد تقدّموا في شرح حديث أول الباب.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فإنه ابن عم
رسول اللَّه -ﷺ-، ودعا له رسول اللَّه -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والْحَبْر؛ لسعة علمه، وقال عمر -﵁-: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عَاشره منا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة -﵃-، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة المشهورين بالفتوى -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود حفيد عتبة بن مسعود الصحابيّ، أخي عبد اللَّه بن مسعود -﵄- (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (حَدَّثَهُ) أي حدّث عبيدَ اللَّه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ) قال في «الفتح»: هذا مما لم يُصَرِّح ابن عباس بسماعه له من النبيّ -ﷺ-، وكأنه سمعه من أبي بن كعب، فقد أخرج النسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبَيّ بن كعب نحوه، والحديث مشهور عن أُبّيّ، أخرجه مسلم وغيره من حديثه، وهو الحديث التالي لهذا («أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ ﵇) القرآن (عَلَى حَرْفٍ) واحد، أي في الأمر (فَرَاجَعْتُهُ) أي جبريل ﵇، أي طلبت منه أن يراجع اللَّه ﷿ في التخفيف على أمتي، وليس المراد أنه -ﷺ- راجع جبريل حتى يُخفّف له من عنده؛ لأنه لا يستطيع ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وفي حديث أُبيّ -﵁- الآتي:«أُرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هَوِّن على أمتي»، وفي رواية:«وإن أمتي لا تطيق ذلك».
(فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) أي أطلب منه الزيادة في التخفيف، والتوسعة.
وقال النوويّ -﵀- معناه: لم أزل أطلب منه أن يطلب من اللَّه تعالى الزيادة في الحرف، للتوسعة والتخفيف، ويسأل جبريل ربه ﷾، فيزيده حتى انتهى إلى السبعة. انتهى .
وفي رواية أبي داود من حديث أُبَيّ -﵁-:«فقال لي الملك الذي معي: قل: على حرفين، حتى بلغت سبعة أحرف»، وفي رواية للنسائيّ من طريق أنس، عن أُبيّ بن كعب:«أن جبريل وميكائيل أتياني، فقال جبريل: اقرأ
القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده»، ولأحمد من حديث أبي بكرة نحوه.
(فَيَزِيدُنِي) أي ويسأل جبريل ﵇ ربّه في الزيادة (حَتَّى انْتَهَى) أي بلغ طلبه من الزيادة (إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي أوجه يجوز أن يُقرأ بكلّ وجه منها، كما تقدّم بيان ذلك، وتحقيقه قريبًا.
وقال في«الفتح»: قوله:«فلم أزل أستزيده، ويزيدني»في حديث أُبَيّ:«ثم أتاه الثانية، فقال: على حرفين، ثم أتاه الثالثة، فقال: على ثلاثة أحرف، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تُقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأَيُّما حرف قرؤوا عليه، فقد أصابوا».
وفي رواية للطبريّ:«على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة»، وفي أخرى له:«من قرأ حرفًا منها فهو كما قرأ».
وفي رواية أبي داود:«ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب».
وللترمذيّ من وجه آخر أنه -ﷺ- قال:«يا جبريل إني بُعِثتُ إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط. . . »الحديث.
وفي حديث أبي بكرة -﵁- عند أحمد:«كلها كافٍ شافٍ، كقولك: هَلُمَّ، وتَعَالَ، ما لم تختم. . . » الحديث.
قال الحافظ -﵀-: وهذه الأحاديث تُقَوِّي أن المراد بالأحرف اللغات، أو القراءات، أي أُنزل القرآن على سبع لغات، أو قراءات، والأحرف جمع حرف، مثل فَلْس وأَفْلُس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازًا؛ لكونه بعضها. انتهى ، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى قريبًا، فلا تنس نصيبك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريُّ راوي الحديث عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه (بَلَغَنِي) هذا صريح في أن الزهريّ أخذه من غيره، وأن الذي وقع في رواية أحمد، والبيهقيّ من نسبة هذا الكلام إلى الزهريّ نفسِهِ، حيث وقع عقب الحديث: قال الزهريّ: وإنما هذه الأحرف. . . إلخ فيه اختصار من بعض الرواة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ) بالنصب على البدل (إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ) قال الطيبيّ -﵀-: معناه أن ذلك الاختلاف يرجع إلى معنى واحد، وإن اختلف اللفظ من هيئته إلى سبعة أنحاء، وأما إذا اختلف اللفظ بحسب الاختلاف في الأداء إلى أن يصير المنفيّ مثبتًا، والمثبت منفيًّا، والحرام حلالًا، والحلال حرامًا مثلًا، فلا يجوز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. انتهى ، أي وهذا لَمّا كان من عند اللَّه تعالى لم يجدوا فيه اختلافًا يسيرًا، وكأن ابن شهاب -﵀- قصد بذلك ردّ ما سبق في شرح حديث عمر -﵁- من قول طائفة في بيان معنى الحديث: إن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن أُنزل على سبعة أصناف من الكلام، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٩٠٢ و١٩٠٣] (٨١٩)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢١٩) و«فضائل القرآن» (٤٩٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٦٣ و٢٩٩ و٣١٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٨٤٥ و٣٨٤٦ و٣٨٤٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٥٤)، وفوائده تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.