HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٣٠

وحدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ. فَقَالَ «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا. فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ». (والشاهد النجم).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص208
ج ١ ص ٥٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٥٩٢
الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ»). هذا الإسناد هو الإسناد الماضي بعينه. وقوله: (إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ)«بدا»هنا غير مهموز، ومعناه: ظهر، و«حاجب الشمس»: كناية عن طرفها الذي يبدو أَوّلًا، وقال القرطبيّ: حاجب الشمس: أول ما يبدو منها في الطلوع، وهو أول ما يغيب منها. انتهى . وقوله: (حَتَّى تَبْرُزَ) بالتاء المثنّاة فوقُ: أي: حتى تصير الشمس بارزةً ظاهرةً، والمراد أن ترتفع، ويخرج وقت كراهة الصلاة، بأن تكون قدر رمح، كما سبق تحقيقه. والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم الكلام قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٢٧] (٨٣٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم» ، فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ«). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (خَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ) هو: خَيْر بن نُعَيم بن مرة بن كُريب، أبو نعيم، ويقال: أبو إسماعيل الحضرميّ المصريّ، القاضي بمصر وببَرْقَة، صدوقٌ فقيهٌ [٦]. رَوَى عن عبد اللَّه بن هُبيرة، وسهل بن مُعَلَّى بن أنس، وأبي الزبير، وعطاء، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، والليث، ويزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي أيوب، في آخرين. قال أبو زرعة: صدوقٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ضمام بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب: ما أدركت من قُضاة مصر أفقه منه. وقال ابن يونس: تُوُفِّي سنة (١٣٧). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، وله عند النسائيّ حديثان: هذا، وحديث في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ٢]. [تنبيه]: «الْحَضْرَميّ»: -بفتح أوله، والراء، وسكون المعجمة- نسبة إلى حضرموت، بلد بأقصى اليمن، وقبيلة، قاله في «لب اللباب» ١/ ٢٤٩. ٤ - (ابْنُ هُبَيْرَةَ) هو: عبد اللَّه بن هُبيرة بن أسعد بن كهلان السَّبئيّ -بفتح المهملة والموحدة، ثم همزة مقصورة- الحضرميّ المصريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مَسْلَمة بن مُخَلَّد، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبي تَمِيم الْجَيشانيّ، وعبد الرحمن بن جُبير، وبلال بن عبد اللَّه بن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. ورَوَى عنه بكر بن عمرو، وحيوة بن شُريح، وخير بن نُعَيم، وابن لَهِيعة، وجماعة. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال أبو داود: معروفٌ، ووثقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في «الثقات». وفي «صحيح مسلم» من طريق ابن إسحاق: حدّثني يزيد، عن خير بن نُعَيم، عن عبد اللَّه بن هُبيرة، وكان ثقةً. وقال ابن يونس: وُلد سنة الجماعة، ومات سنة ست وعشرين ومائة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٥ - (أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ) -بجيم، وياء ساكنة، بعدها معجمة- عبد اللَّه بن مالك بن أبي الأسحم -بمهملتين- مشهور بكنيته الرُّعَينيّ المصريّ، أصله من اليمن، وُلِد هو وأخوه سيف في حياة النبيّ -ﷺ-، وهاجر زمن عمر -﵁-، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]. رَوَى عن عمر، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وأبي بَصْرَة، وأبي ذر الغفاريين، وقيس بن سعد بن عُبادة، وعقبة بن عامر الجهنيّ. ورَوى عنه عبد اللَّه بن هُبيرة، وبكر بن سَوَادة، وجعفر بن ربيعة، وأبو الخير مَرْثَد بن عبد اللَّه، وكعب بن علقمة التَّنُوخيّ، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد: كان من أعبد أهل مصر، وقال أبو يونس: قرأ القرآن على معاذ باليمن، وشَهِدَ فتح مصر، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات عن أهل مصر، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، مات قديمًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكره الدُّولابيّ في الصحابة من «كتاب الكنى»، ولعل ذلك لإدراكه. وقال ابن يونس: مات سنة سبع وسبعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود في «القدر»، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: لَمْ يُعْلِم له المزيّ علامة البخاريّ، وقد أخرج له أثرًا، من رواية أبي الخير اليزنيّ عنه، وهو في الصلاة، وقد ذكره المزيّ في «الأطراف» في ترجمة أبي الخير، عن عقبة بن عامر. انتهى . [تنبيه آخر]: «الجَيْشانيّ» -بفتح أوله، والمعجمة- نسبة إلى جيشان قبيلة من اليمن، وموضع. انتهى. «لب اللباب» ١/ ٢٢٩. ٦ - (أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ) هو: حُمَيل -مثلُ حُمَيد، لكن آخره لام، وقيل: بفتح أوله، وقيل: بالجيم- ابن بَصْرة -بفتح الموحدة- ابن وَقّاص بن حاجب بن غِفَار، أبو بصرة الغِفَاريّ الصحابيّ، سكن مصر، ومات بها. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبي ذرّ -﵁-. ورَوَى عنه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو الخير مَرْثَد الْيَزَنيّ، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وأبو تميم الجيشانيّ، وغيرهم. قال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، واختطّ بها، ومات بها، ودُفن في مقبرتها. [تنبيه]: وقع في اسم أبي بصرة اختلاف، قيل: حَمِيل -بفتح الحاء- قاله الدراوَرْديّ في روايته، وذكر ابن المدينيّ عن بعض الْغِفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاريّ أنه وَهَمٌ. وقيل: حُمَيل بالضمّ، وعليه الأكثر، وصححه ابن المدينيّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وابن ماكولا، ونَقَل الاتفاق عليه وغيرهم. وقيل: جَمِيل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاريّ، وابن حبان أنه وَهَمٌ. وقيل: اسمه زيد، حكاه الباروديّ، وقد قيل فيه: بصرة بن أبي بصرة، كأنه قلب، قاله في «التهذيب» . واللَّه أعلم أخرج له البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٣٠)، وحديث (٢٥٤٣): «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط. . .» الحديث. [تنبيه]: «الغفاريّ»: بالكسر، وتخفيف الفاء، وراء: نسبة إلى غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انتهى. «لب اللباب» ٢/ ١٣٤، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، إلَّا شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل مصر. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ابن هُبَيرة، عن أبي تَميم. ٤ - (ومنها): أن خير بن نعيم، وابن هُبَيرة، وأبا تَمِيم، وأبا بَصْرة، هذا الباب أول محل ذكرهم، وليس لهم في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، إلَّا أبا بصرة، فله حديث آخر، كما أسلفته آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَصْرَةَ) بالموحّدة، والصاد المهملة، تقدّم الخلاف في اسمه آنفًا (الْغِفَارِيِّ) أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ) -بميم مضمومة، وخاء معجمة مفتوحة، ثم ميم مفتوحة مشدّدة، وقيل: بميم مفتوحة، وخاء ساكنة، وميم مكسورة بعدها، وفي آخرها صاد مهملة-: اسم موضع معروف . وفي «القاموس» وشرحه: و«المَخْمِص»، كَمَنْزِل، وضبطه الصاغاني، كمَقْعَد: اسم طريق في جبل عَيْرٍ إلى مكة -حرسها اللَّه تعالى-. وقد جاء ذكره في الحديث، قال أبو صَخْرٍ الْهُذَلِيّ [من الطويل]: فَجَلَّلَ ذَا عَيْرٍ وَوَالَى رهَامُهُ … وَعَن مَخْمِصِ الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِنَاكِبِ انتهى . وعند أحمد من طريق ابن لَهِيعة، عن ابن هُبَيرة: «صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- في واد من أوديتهم، يقال له المخمص صلاة العصر». (فَقَالَ) -ﷺ-، ولأحمد «فلما انصرف قال»: («إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) أي: صلاة العصر (عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول، يقال: عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إِيَّاه . (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وفي نسخة:»على من قبلكم«؛ أي: اليهود، والنصارى قاله القاري (فَضَيَّعُوهَا) أي: لَمْ يقوموا بحقّها، وما حافظوا على مراعاتها، فأهلكهم اللَّه تعالى، فاحذروا أن تكونوا مثلهم، ولذا قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: العصر على الصحيح، خصت بالمحافظة، قاله القاري. وفي رواية لأحمد:«فَتَوَانَوْا فيها، وتَرَكُوها». (فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا) ولأحمد:«فمن صلاها منكم»(كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) إحداهما: للمحافظة عليها، خلافًا لمن قبلهم، والثانية أجر عمله كسائر الصلوات، قاله الطيبيُّ -﵀-، أو أجر للمحافظة على العبادة، وأجر لترك البيع والشراء بالزَّهَادة، فإن وقت العصر كان زمان سوقهم، وأوان شغلهم، وقال ابن حَجَرٍ الهَيْتَمِيّ: مرةً لفضلها؛ لأنَّها الوُسْطَى، ومرة للمحافظة عليها، ومشاركةُ بقية الصلوات لها في هذا لا يؤثر في تخصيصها بمجموع الأمرين، قاله في«المرقاة». قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الطيبيُّ -﵀- أظهر، فتأمل، واللَّه أعلم. (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا) أي: بعد صلاة العصر (حَتَّى يَطْلُعَ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب قعد (الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ») مبتدأ وخبره، سُمِّي شاهدًا؛ لأنه يَشْهَدُ الليلَ؛ أي: يَحْضُر ويظهر فيه، ومنه قيل لصلاة المغرب: صلاة الشاهد، ويجوز أن يُحْمَل على الاستعارة، شُبِّهَ النجمُ عند طلوعه دليلًا على وجود الليل بالشاهد الذي تَثبتُ به الدَّعَاوِي، قاله الطيبيُّ -﵀- . وقال في «اللسان»: ورَوَى شَمِر فِي حديث أبي أيوب الأنصاريّ -﵁-: أنه ذكر صلاة العصر، ثم قال: ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد، قال: قلنا لأبي أيوب: ما الشاهد؟ قال: النجم، كأنه يَشْهَدُ في الليل؛ أي: يَحْضُرُ، ويَظهَرُ، وصلاةُ الشاهد: صلاة المغرب، وهو اسمها، قال شَمِر: هو راجع إلى ما فسره أبو أيوب أنه النجم. وقال غيره: وتسمى هذه الصلاة صلاة البَصَرِ؛ لأنه تُبْصَر في وقته نجوم السماء، فالبَصَرُ يدرك رؤية النجم، ولذلك قيل له: صلاة البصر. وقيل في صلاة الشاهد: إِنَّها صلاة الفجر؛ لأن المسافر يُصَلّيها كالشاهد، لا يَقْصُرُ منها، قال [من الرجز]: فَصَبَّحَتْ قَبْلَ أَذَانِ الأوَّلِ … تيْمَاءَ وَالصُّبْحُ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ قَبْلَ صَلاةِ الشَّاهِدِ الْمُسْتَعْجِلِ ورُويَ عن أبي سعيد الضرير أنه قال: صلاة المغرب تسمى شاهدًا؛ لاستواء المقيم والمسافر فيها، وأنها لا تقصر. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: اختلف العلماء في تأويل قوله: «حتى يطلع الشاهد»، فمنهم من حمله على كراهة التنفّل قبل المغرب حتى تُصلَّي، وهو قول من كَرِهَ ذلك من العلماء، وقال: قوله: «لا صلاة بعدها» إنما هو نهي عن التنفّل بعد العصر، فيستمرّ النهي حتى يُصلِّي المغربَ، فإذا فَرَغ منها جاز التنفّل، وحينئذ تطلُع النجوم غالبًا. ومنهم: من قال: إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس، وإنما علّقه بطلوع الشاهد؛ لأنه مظنّةٌ له، والحكم يتعلّق بالغروب نفسه. ومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفيٌّ يراه من كان حديد البصر بمجرّد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها. وزعم بعضهم أن المراد بالشاهد الليل، وفيه بُعْدٌ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأظهر والأرجح أنه عَنَى بقوله: «حتى يطلع الشاهد» غروب الشمس؛ وذلك لأن ظهور النجم ورؤيته لا يكون إلَّا بغروبها، وهذا لا ينافي النصوص الثابتة أنه -ﷺ- صلى المغرب بغروب الشمس، كما في «الصحيحين» وغيرهما. فلا حاجة لتضعيف هذا الحديث بالأحاديث التي دلّت على استحباب التعجيل في المغرب، كما أبداه في «الفتح»، حيث قال: واستُدلّ بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة الغفاريّ -﵁- رفعه في أثناء حديث: «ولا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد»، والشاهد النجم. انتهى . فإن المراد برؤية الشاهد غروب الشمس، كما قرّرته آنفًا، فلا تنافي بين الأحاديث، فتبصّر. والظاهر أن الحافظ ما استحضر إخراج مسلم له في «صحيحه»، ولذا لَمْ يتعرّض لإخراجه له، واللَّه تعالى أعلم. وكذلك لا وجه لاستدلال النسائيِّ -﵀- بهذا الحديث على تأخير المغرب، وقد أوضحت ذلك في «شرح المجتبى» ، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: قوله: «والشاهِدُ النجم»، يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا، كما هو ظاهر رواية المصنّف والنسائيّ. ويَحْتَمِل أن يكون مُدرجًا من أحد الرواة، ويدل عليه ما في «المسند»: (٦/ ٣٩٧) قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، ثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني ابن لَهِيعة، أنا عبد اللَّه بن هُبَيرة، قال: سمعت أبا تميم الجَيْشَاني، عن أبي بَصْرَة الغِفَارِي، قال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- في وادٍ من أوْدِيَتِهِمْ يقال له: المخمص صلاة العصر، فقال: «إن هذه الصلاة صلاةَ العصر عُرِضَت على الذين من قبلكم، فضيعوها، إلا ومن صلاها ضُعِّف له أجره مرتين، إلا ولا صلاة بعدها حتى تَرَوُا الشاهدَ». قلت لابن لهيعة: ما الشاهد؟ قال: الكوكب، الأعرابُ يُسَمُّون الكوكب شاهد الليل. انتهى . فهذا يدلّ على أن التفسير من ابن لهيعة، وفيه ابن لهيعة؛ وهو متكلم فيه. وما أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» قال: حدّثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحوطيّ، ثنا أحمد بن خالد الوَهْبي، ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي تميم الجيشانيّ، عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: قال النبيّ -ﷺ-: «إن هذه الصلاة -يعني: العصر- فرضت على من كان قبلكم، فضيّعوها، فمن حافظ منكم اليوم عليها، أعطي أجرها مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد»؛ يعني: النجم. فظاهر هذا أنه مدرج، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو معروف بالتدليس، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بصرة الغفاريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٧ و١٩٢٨] (٨٣٠)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٢١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١/ ٥٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٩٦ و٣٩٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢/ ٢٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٤٨ و٢/ ٤٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٣٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٧٤ و١٨٧٥)، و(الحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٥٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عِظَم شأن صلاة العصر، وشدّة الحثّ عليها، حيث إنها عُرضت على الأمم السابقة، وأمروا بالمحافظة عليها. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذه الأمة، حيث إنها قامت بالمحافظة على صلاة لَمْ يقم بها من تقدّمها من الأمم، وهذا فضل من اللَّه -﷿- عظيم، وتوفيقٌ منه جسيم، فله الحمد أوّلًا وآخرًا. ٣ - (ومنها)؛ بيان مضاعفة الأجر لمن حافظ على صلاة العصر مرّتين. ٤ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، ولكن ليس على إطلاقه، فقد صحّ إباحة الصلاة بعد العصر، والشمس بيضاء مرتفعة، في حديث عليّ -﵁-، وكذا إباحة ذوات الأسباب كما أسلفت تحقيق ذلك كلّه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطَّلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق، يُدَلِّس، ورُمِي بالتشيع والقدر، من صغار [٥] (ت ١٥٠) ويقال: بعدها (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٥. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريّ، أبو رجاء، واسم أبيه سُوَيد، ثقةٌ فقيهٌ، يُرْسِل [٥] (ت ١٢٨) وقدَ قارب الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَكَانَ ثِقَةً) الظاهر أنه من كلام خير بن نُعيم. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث الليث؛ يعني: أن حديث يزيد بن أبي حبيب، عن خير بن نُعيم مثلُ حديث الليث بن سعد الماضي عنه.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «المفهم»٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.

٢. وفي نسخة:«حدّثنا».

٣. وفي نسخة:«على من قبلكم».

٤. هو السند التالي لهذا الحديث رقم [١٩٢٨].

٥. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤١٤.

٦. «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٠٢.

٧. «شرح النووي» ٦/ ١١٣، و«مرقاة المفاتيح» ٣/ ٤٧٦.

٨. «القاموس» وشرحه ٤/ ٣٩٠.

٩. راجع: «القاموس» ١/ ٨٣٢.

١٠. «مرقاة المفاتيح» ٣/ ١٣٩.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١٢٤.

١٢. «لسان العرب» ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١.

١٣. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٣٥٥.

١٤. «الفتح» ٢/ ٥٢.

١٥. راجع: «ذخيرة العقبى» ٧/ ١٣ - ٢٠.

١٦. «المسند» ٦/ ٣٩٧.

١٧. وفي نسخة: «يعقوب بن إبراهيم بن سعد».