HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٣٢

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَمَّارٍ، ويَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ ووَاثِلَةَ. وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ، وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ. وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ. فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا. فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي. فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مستخفيا، جرءاء عَلَيْهِ قَوْمُهُ. فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ «أَنَا نَبِيٌّ» فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ «أَرْسَلَنِي اللَّهُ» فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ «حُرٌّ وَعَبْدٌ» (قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ) فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ. قَالَ «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا. أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ. فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي» قَالَ فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَكُنْتُ فِي أَهْلِي. فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ. وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ «نَعَمْ. أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟» قَالَ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ. أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ. ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ. فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ. وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ. ثُمَّ صَلِّ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ. حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ. ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ. فَإِنَّ، حِينَئِذٍ، تُسْجَرُ جَهَنَّمُ. فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ. حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ. ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ. حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ. وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ«. قَالَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَالْوُضُوءَ؟ حَدِّثْنِي عَنْهُ. قَالَ»مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ. ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ. فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ! انْظُرْ مَا تَقُولُ. فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو. يَا أَبَا أُمَامَةَ! لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ) مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا. وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. بَاب لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص208
ج ١ ص ٥٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٦٠٧
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٩] (٨٣١)، و(أبو داود) (٣١٩٢)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٠٣٠)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٦٠ و٥٦٥) وفي «الجنائز» (٢٠١٣) وفي «الكبرى» (١٥٤٣) و(١٥٤٨)، و(ابن ماجه) في إقامة الصلاة«(١٥١٩)، و(أحمد) في»مسنده« (٤/ ١٥٢). وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٣٠] (٨٣٢) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ، وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَخْفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ»، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللَّهُ»، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» ، قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ»، قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ، فَأْتِنِي»، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَي، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَمنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَة مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ:«مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيَتَمَضْمَضُ ، وَيَسْتَنْشِقُ، فَيَنْتَثِرُ ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) نزيل مكة، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م) تقدم في «الصلاة» ١١/ ٨٨٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشِيّ -بالجيم المضمومة، والشين المعجمة- أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٤ - (شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ) القرشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٣٧. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يُدَلِّس ويُرْسِل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان الباهليّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات -﵁- بها سنة (٨٦) (ع) تقدم في «المسافرين» ٤٣/ ٨٧٤. ٧ - (عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ) هو: عمرو بن عبسة -بموحّدة، ومهملتين مفتوحات- ابن عامر بن خالد بن غاضرة بن عَتّاب بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم السُّلَميّ، أبو نَجِيح، وقيل: أبو شُعيب، وقيل غير ذلك في نسبه، أسلم قديمًا بمكة، وكان أخا أبي ذرّ لأمه. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وروى عنه ابن مسعود، وسهل بن سعد، وأبو أمامة الباهليّ، ومعدان بن أبي طلحة اليعمريّ، وأبو عبد اللَّه الصُّنابحيّ، وغيرهم. قال الواقديّ: أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، حتى مضت بدر، وأُحد، والخندق، والحديبية، وخيبر، ثم قَدِمَ على رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك المدينة، وقال ابن سعد: يقولون: إنه رابع، أو خامس في الإسلام، وقال أبو نعيم: كان قبل أن يُسلم يَعتزل عبادة الأصنام، وقال الحاكم أبو أحمد: نزل الشام، وقال غيره: مات بِحِمْصَ. قال الحافظ -﵀-: وكانت وفاته في أواخر خلافة عثمان -﵁- فيما أظنّ، فإني ما وجدت له ذكرًا في الفتنة، ولا في خلافة معاوية -﵁-. وذكر في «الخلاصة» أن له ثمانية وأربعين حديثًا، انفرد مسلم بحديث. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، إلَّا مرّة. شرح الحديث: (قَالَ عِكْرِمَةُ) بن عمّار -﵀- (وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ) الباهليّ -﵁-، أشار عكرمة -﵀- بهذا الكلام إلى بيان اتّصال هذا الحديث عن طريق شدّاد بن عبد اللَّه؛ لأنه لقي أبا أمامة -﵁-، وسمع منه، بخلاف طريق يحيى بن أبي كثير، فإنها منقطعة، لَمْ يسمع من أبي أمامة، بل لَمْ يسمع من صحابيّ أصلًا، إلَّا أنه رأى أنسًا -﵁- رؤيةً، رآه يُصلي في المسجد الحرام، ولم يرو عنه حديثًا. والحاصل أنه لما رَوَى عكرمة هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وشدّاد بن عبد اللَّه، وكلاهما قالا: عن أبي أمامة، ورواية شدّاد عنه متّصلة، لأنه لقيه، بخلاف رواية يحيى، فإنها منقطعة لَمْ يسمع منه، ويحيى معروف بالإرسال والتدليس، بيّن أن الحديث متّصل عن طريق شدّاد، ولا يضرّه انقطاعه عن طريق يحيى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (وَ) لقي شدّاد أيضًا (وَاثِلَةَ) هو: واثلةُ بن الأسقع بن كعب بن عامر بن ليث بن عبد مناة، ويقال: ابن الأسقع بن عبيد اللَّه بن عبد ياليل بن ناشب بن غِيرَة بن سعد بن ليث، أبو الأسقع، ويقال: أبو قرصافة، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد الليثيّ، أسلم قبل تبوك، وشهدها، وصحح ابن عبد البر القول الثاني في نسبه، قال الحافظ: وهو الصواب، أو يكون سقط من الأول عدّة آباء. انتهى. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبي مَرْثَد الْغَنَويّ، وأبي هريرة، وأم سلمة، وروت عنه ابنته فُسَيلة، ويقال: حُصيلة، ويقال: جميلة، وأبو إدريس الخولانيّ، وشداد أبو عمار، ومكحول، وعبد الواحد بن عبد اللَّه البصريّ، وأبو المليح بن أسامة، ومعروف بن الخطاب، وآخرون. قال ابن سعد: كان من أهل الصُّفّة، فلما قُبِض رسول اللَّه -ﷺ- خرج إلى الشام، وقال أبو حاتم: نزل الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق وحِمْصَ، وقال أبو الحسن بن سُمَيع، عن دُحَيم: مات بدمشق في خلافة عبد الملك، وقال أبو المغيرة، عن ابن عياش، عن سعيد بن خالد: مات سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، وكذا قال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين، وقال أبو مسهر، وجماعة: مات سنة خمس، وقال سعيد بن بشير، عن قتادة: كان آخر الصحابة موتًا بدمشق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٧٢): «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها»، وأعاده بعده، و(٢٢٧٦): «إن اللَّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. . .». (وَصَحِبَ) شدّاد أيضًا (أنسًا) أي: أنس بن مالك -﵁- (إِلَى الشَّامِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا) أي: أثنى عكرمة على شدّاد بن عبد اللَّه بفضل وخير، أي: وصفه بهما، يقال: أثنيت عليه خيرًا وبخير، وأثنيت عليه شرًّا وبشرّ، بمعنى وصفته بهما، وبعضهم يخصّه بالخير، والصواب إطلاقه، وقد سبق تمام البحث في هذا الخلاف عند شرح حديث: «أهلَ الثناء والمجد. . .»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) تأكيد للأول (قَالَ) أبو أمامة -﵁- (قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) بفتحات (السُّلَمِيُّ) بضمّ السين المهملة، وفتح اللام: منسوب إلى سُليم قبيلة من العرب، يقال لها: سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضَر، تفرّقت في البلاد، وجماعة كثيرة منهم نزلت حِمْصَ، قاله في «الأنساب» . (كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) جملة حاليّة من التاء، و«الجاهليّة»: زمن الفترة قبل الإسلام (أَظُنُّ) أي: أعلم، وأتيقّن، فإن الظنّ قد يُطلق على اليقين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] . (أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ) أي: من الدين الحقّ (وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ) جملة في نصب على الحال، وفي نسخة: «وأنهم يعبدون الأوثان»، فيكون معطوفًا على ما قبله. و«الأوثان» بفتح الهمزة: جمع وَثَنٍ بفتحتين، وهو الصنم، سواءٌ كان من خشب، أو حجرٍ، أو غيره، ويُجمع أيضًا على وُثْنٍ بضمّ فسكون، مثلُ أَسَد وأُسْد . (فَسَمِعْتُ) وفي نسخة: «قال: فسمعت» (بِرَجُلٍ) يريد النبيّ -ﷺ- (بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا) أي: من الوحي السماويّ (فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي) أي: ركبتها، و«الراحلة»: هي الْمَرْكب من الإبل، ذكرًا كان أو أُنثى (فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ) أي: على ذلك الرجل (فَإِذَا) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) حال كونه (مُسْتَخْفِيًا) أي: متواريًا، ومستترًا عن المشركين؛ لئلا يُلحقوا عليه ضررًا (جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع الأصول «جُرَآء» بالجيم المضمومة، جمع جَرِيء بالهمز من الجرأة، وهي الإقدام والتسلّط، وهذا هو سرّ استخفائه. وذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» «حِرَاء» بالحاء المهملة المكسورة، ومعناه: غِضَابٌ، ذوو غَمّ قد عِيل صبرهم به حتى أَثَّر في أجسامهم، من قولهم: حَرَى جسمه يَحْرِي، كضرب يضرب: إذا نَقَصَ من ألم وغيره، والصحيح أنه بالجيم. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «جُرآء عليه قومه» أي: يجترئون عليه، من الْجُرْأة، وهو مرفوعٌ على أنه خبر مقدّمٌ، و«قومه» مبتدأ مؤخَرٌ، على مذهب البصريين. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأفصح في إعراب قوله: «جرآءُ عليه قومه» أن يكون «جرآء» خبرًا مقدّمًا، و«قومه» مبتدأ مؤخّرًا، وإليه أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» حيث قال: وَالثَّانِ مُبْتَدًا وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ … إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ ويجوز أن يكون «جرآءُ» مبتدأً، و«قومه» فاعلًا أغنى عن الخبر على لغة «أكلوني البراغيث»، وهذا الوجه ممنوع عند البصريين؛ لأنه لَمْ يتقدّمه نفي، ولا استفهام، وأجازه الكوفيّون والأخفش، مستدلّين بقول الشاعر [من الوافر]: فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ … إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا وقوله: [من الطويل]: خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا … مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ والجملة في محلّ نصب على الحال من «رسول اللَّه -ﷺ-»، واللَّه تعالى أعلم. (فَتَلَطَّفْتُ) أي: ترفّقت، وتحيّلتُ في الدخول عليه (حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول: «ما أَنت؟»، وإنما قال: «ما أنت»، ولم يقل: «من أنت؟» ؛ لأنه سأله عن صفته، لا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل. انتهى. وقال الأبيّ -﵀-: ذكر ابن الحاجّ في نقده على «المقرب» عن سيبويه أن «ما» تقع على آحاد أولي العلم، مثل «من»، وعلى أنها للصفة، فيُحتجّ به للقول بأن النبوّة والرسالة مترادفان؛ لا أن النبوّة أعمّ؛ لأن «ما» يُسأل بها عن تمام الحقيقة، فلولا أنهما مترادفان لكان الجواب غير مفيد؛ لأن الأعمّ، وهي النبوّة لا إشعار لها بالأخصّ التي هي الرسالة، ويكون انتقاله إلى قوله: «رسول» من قبيل التعريف اللفظيّ، وهو تبديل لفظ بلفظ أشهر منه. انتهى كلام الأبيّ ببعض تصرّف . (قَالَ) -ﷺ-: («أَنَا نَبِيٌّ»، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟) سؤال عن النبوّة، وهى من جنس ما لا يعقل؛ لأنَّها معنى من المعاني، قاله القرطبيّ، وهو محلّ نظر، فتأمل. (قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللَّهٌ»)، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ) في هذا دلالة ظاهرةٌ على الحثّ على صلة الأرحام؛ لأن النبيّ -ﷺ- قرنها بالتوحيد، ولم يذكر له جزئيّات الأمور، وإنما ذكر له مهمّها، وبدأ بالصلة، قاله النوويّ . وقال الأبيّ -﵀-: صحّ أن جواباته -ﷺ- كانت بحسب السائل، وبحسب الزمان والحال، فتخصيص صلة الرحم بالذكر يَحْتَمِلُ كونه لرعي حال العرب فيها، أو أن غيرها من الفرائض لَمْ يكن فُرِض. انتهى . (وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ») وفي نسخة:«وأن توحّد اللَّه، ولا تشرك به شيئًا»(قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟) أي: فمن تبعك على هذا الدين الذي أرسلك اللَّه تعالى به من الناس؟ (قَالَ): («حُرٌّ وَعَبْدٌ») خبر لمحذوف دلّ عليه السوال؛ أي: معي حرّ، وعبد (قَالَ) عمرو بن عَبَسَة (وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (وَبِلَالٌ) هو ابن رباح مؤذّن رسول اللَّه -ﷺ-، مولى أبي بكر الصَدّيق -﵄- (مِمَّنْ آمَنَ بِهِ) أي: ممن صدّق برسالته، واتّبعه على ملّته وفيه منقبة عظيمة لأبي بكر وبلال -﵄-، حيث إنهما من أوائل من أسلم، بل قد احتجّ به من قال: إنهما أول من أسلم، لكن الصحيح في ذلك التفصيل، فأول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار أبو بكر -﵁-، ومن الأرقّاء بلال -﵁-، ومن الموالي زيد بن حارثة -﵁-، ومن الصبيان عليّ بن أبي طالب -﵁-، ومن النساء خديجة -﵂-، وإلى هذا أشار السيوطيُّ -﵀- في ألفيّة الحديث حيث قال: وَاخْتَلَفُوا أَوَّلَهُمْ إِسْلَامَا … وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي الرِّجَالِ … صِدِّيقُهُمْ وَزَيْدُ فِي الْمَوَالِي وَفِي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ … عَلِيُّ وَالرِّقِّ بِلَالٌ اشْتَهَرْ وقال القرطبيّ -﵀-: إنما لم يذكر النبيّ -ﷺ- له عليًّا -﵁-؛ لصغره، فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر، ولم يذكر خديجة -﵂- أيضًا؛ لأنه فهم منه أنه إنما سأله عن الرجال، فأجابه حسب ذلك، ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-، فإنه قال: «ما أسلم أحدٌ إلَّا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام» ، وظاهره أن أبا بكر وبلالًا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام لَمْ يُسلم مع الثلاثة أحدٌ، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبيّ -ﷺ- يوم جاء عمرو بن عَبَسَة أبو بكر، وسعد، وبلالٌ، لكن سكت النبيّ -ﷺ- عن سعد إما نسيانًا، وإما لعدم حضوره إذ ذاك بمكة، أو لأمر آخر. انتهى . قال عمرو: (فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ) قال النوويّ -﵀-: معناه إني متّبعك على إظهار الإسلام هنا، وإقامتي معك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إني متّبعك» معناه: أصحبك، وأكون معك في موضعك، ولذلك أجابه بقوله: «إنك لا تستطيع يومك هذا»، ولم يردّ عليه إسلامه، وإنما ردّ عليه كونه معه. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا) أي: لقوّة شوكة المشركين، وضعف حال المسلمين، فأخاف عليك أن يلحقك منهم ضرر، واللَّه تعالى أعلم. (أَلَا) أداة عرض (تَرَى حَالِي) من قلّة الأعوان (وَحَالَ النَّاسِ) من قُوّة شوكتهم، وشدّة عداوتهم (وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ) أي: ولكن قد حصل لك أجرك، فابقَ على إسلامك، وارجع إلى قومك، واستمرّ على الإسلام في موطنك حتى تعلم أني قد ظهرت على المشركين، وانتصرت عليهم، فعند ذلك فأتني، كما قال: (فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ) أي: غلبت على المشركين، وانتشرت الدعوة في الأرض (فَأْتِنِي») وفيه علمٌ من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ -ﷺ-، حيث أخبر عمرو بن عبسة بأنه سيظهر على قومه الْجُرآء عليه، ويقهرهم، ويُخمِد نارهم، ويَظْهَر منتصرًا على أرض اللَّه -﷿- جميعها، فوقع كما أخبر به، كما وعد اللَّه تعالى بذلك حيث قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١]. (قَالَ) عمرو -﵁- (فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ) أي: بعد أن مكث في مكة نبيًّا مرسلًا ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد، ونبذ الشرك (وَكُنْتُ فِي أَهْلِي) أي: جلست فيهم، ومكثتُ معهم (فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ) أي: أتطلّب، وأبحث، وأسأل أخبار رسول اللَّه -ﷺ- بشدّة رغبة، وصدق عزيمة (وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي: أتى النبيّ -ﷺ- (الْمَدِينَةَ) مهاجرًا من مكة سنة ثلاث عشرة من بعثته (حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌّ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ) بفتح الياء المثنّاة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء: اسم المدينة قبل الإسلام، قال ابن الأثير: يثرب اسم مدينة النبيّ -ﷺ- قديمة، فغيّرها، وسمّاها طيبة وطابةَ؛ كراهية التثريب، وهو اللوم والتعيير، وقيل: هو اسم أرضها، وقيل: سُمّيت باسم رجل من الْعَمَالقة. انتهى . وقال في «المصباح»: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضَرَبَ: عَتَبَ ولامَ، وبالمضارع بياء الغائب سُمّي رجلٌ من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ -ﷺ-، فسُمّيت المدينة باسمه، قاله السهيليّ، وثَرَّبَ بالتشديد مبالغة وتكثيرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية [يوسف: ٩٢] انتهى . وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟) يريد النبيّ -ﷺ-، وإنما أخرج السؤال هذا المخرج؛ تعميةً لحاله على المسؤولين؛ خشية أن يكونوا من أعدائه -ﷺ-، فلا يُخبرونه بحقيقة الأمر إذا علموا أنه على دينه، وهذا من فقه عمرو بن عبسة -﵁-، وقوّة فطنته وذكائه (فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاع) بكسر السين المهملة، وتخفيف الراء؛ أي: مسرعون إلى الإيمان بالنبيّ -ﷺ-، واتباع دينه، يقال: جاء القومُ سِرَاعًا؛ أي: مسرعين (وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ) الظاهر أراد ما دبّرت قريش للنبيّ -ﷺ- بعد هجرته من غزوة بدر وأُحد والأحزاب، وغيرها، فلم يستطيعوا القضاء عليه، بل نصره اللَّه تعالى عليهم. ويَحْتَمِل أن يكون المراد ما ذكره اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]، وذلك حين ائتمروا عليه بهذه الأمور، فأذن اللَّه في الهجرة، فهاجر إلى المدينة، فأنزل اللَّه تعالى عليه بعد قدومه المدينة «سورة الأنفال» يُذَكِّر نِعَمَه عليه، وبلاءه عنده ، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) -ﷺ- (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ): («نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ»، قال) عمرو (فَقُلْتُ: بَلَى) أي: أنا الذي لقيتك بها، قال النوويّ -﵀-: فيه صحّة الجواب بـ «بلى» وإن لَمْ يكن قبلها نفي، وصحّة الإقرار بها، وهو الصحيح في مذهبنا، وشرط بعض أصحابنا أن يتقدّمها نفيٌ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: صرّح النحويّون بأن «بلى» لا تقع في إيجاب الإثبات، ويردّ عليهم ما وقع في هذا الحديث، وكذا في أحاديث أخرى صحيحة. قال ابن هشام الأنصاريُّ -﵀- في «مغنيه» بعد قوله: إنها تختصّ بالنفي، وأنها لا تقع بعد الإيجاب، وقال أيضًا: لا يجاب بها الإيجاب، وذلك متفق عليه، ما نصّه: ولكن وقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرَّد -أي: عن النفي- ففي «صحيح البخاريّ» في «كتاب الإيمان والنذور» أنه -ﷺ- قال لأصحابه: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجَنَّة؟ قالوا: بلى»، وفي «صحيح مسلم» في «كتاب الهبة»: «أيَسُرُّك أن يكونوا لك في الْبِرّ سواءً؟ قال: بلي، قال: فلا إذن»، وفيه أيضًا أنه قال: «أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له المجيب: بلى»، وليس لهؤلاء أن يحتجُّوا بذلك؛ لأنه قليل، فلا يتخرج عليه التنزيل. انتهى . فتبيّن بهذه الأحاديث ونحوها أن الحقّ وقوع «بلى» في إيجاب الإثبات، فترك الاحتجاج بها بدعوى أن الأحاديث لا تكون حجة في القواعد النحويّة، لجواز روايتها بالمعنى، كما تفوّه به بعضهم مكابرةٌ ظاهرةٌ، قد فنّده المحقّقون، كابن مالك وغيره. وأما ما أجاب به الأبيّ مؤيّدًا قول النحاة بأن النفي هنا مقدَّر، فتكلّف بارد، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم. (فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَأَجْهَلُهُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو: «عما علّمك»، وهو صحيحٌ، ومعناه: أخبرني عن حكمه وصفته، وبيّنه لي. انتهى. (أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ) أي: عن وقتها الجائزة فيه بدليل الجواب، وقال القرطبيّ -﵀-: هذا سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفّل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه -ﷺ- فَهِمَ عنه ذلك، فأجابه به، ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان جوابه مطابقًا للسؤال. انتهى . (قَالَ) -ﷺ-: («صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ) أي: سنته وفرضه (ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ) بقطع الهمزة، من الإقصار؛ أي: انته، وكُفّ عنها (حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ) وقوله: (حَتَّى تَرْتَفِعَ) بدل مما قبله، وفيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بطلوع الشمس، بل لا بدّ من ارتفاعها، فالمراد بالطلوع المطلق المذكور في بعض الأحاديث الطلوع المخصوص، وهو الارتفاع، لا مجرّد الظهور، وقد ورد قدر الارتفاع مفسّرًا في رواية أبي داود والنسائيّ، فقال: »ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين«، ولفظ النسائيّ: »قِيد رُمح«، والقِيس والقاس، والقِيد والقاد، والقيب والقاب: معناها القدر. (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ) بالتنكير، قيل: هو للتحقير، ووقع في بعض النسخ بالتعريف، وقد تقدّم اختلاف العلماء في المعنى المراد بقرني الشيطان، وأن الأرجح أن المراد به ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره، ومعناه أنه يُدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون للشمس كالساجدين له في الصورة، واللَّه تعالى أعلم. (وَحِينَئِذٍ) وفي نسخة: «فإنه حينئذ» (يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) أي: الذين يعبدونها (ثُمَّ) بعد ارتفاع الشمس قدر رُمح (صَلِّ) أي: ما شئت، ففي رواية أبي داود: «ثم صلّ ما شئت»، وعند ابن ماجه: «فصلّ ما بدا لك» (فَإِنَّ الصَّلَاةَ) أي: بعد ارتفاع الشمس، أو الصلاة المشروعة (مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ) قال النوويّ -﵀-: أي: تحضرها الملائكة، فهي أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة، وقال القاري -﵀-: أي: يحضرها الملائكة؛ ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلّاها، ويؤيّده أن في رواية أبي داود: «مشهودة مكتوبة»، وقال الطيبيّ -﵀-: أي: يحضرها أهل الطاعة، من سكان السماء والأرض، وعلى المعنيين، فـ «محضورة» تفسير لـ «مشهودة»، وتأكيد لها، ويَحْتَمل أن يُجعل «مشهودة» على المعنى الأول، و«محضورة» على الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرّك، والتأسيس أولى من التأكيد. انتهى كلام القاري -﵀- . (حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ) أي: حتى يرتفع الظلّ مع الرمح، أو في الرمح، ولم يبق على الأرض منه شيءٌ، من الاستقلال بمعنى الارتفاع. قال ابن الملك: يعني: لَمْ يبق ظل الرمح، وهذا بمكة، والمدينة، وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظلّ على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر يقع الظل على الأرض. وقيل: من القِلَّةِ، يقال: استقله: إذا رآه قليلًا؛ أي: حتى يَقِلَّ الظلُّ الكائن بالرمح، أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال. وقال القاري -﵀-: وروي: «حتى يستقل الرمحُ بالظل»؛ أي: يرفع الرمح ظله، فالباء للتعدية، وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض، وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر؛ لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت رَكَزُوا رِمَاحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «حتى يستقل الظل بالرمح»؛ أي: يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلًا إلى المغرب، ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء. وقال التوربشتي -﵀-: كذا في نسخ «المصابيح»، وفيه تحريف، وصوابه: حتى يَسْتَقِلَّ الرمحُ بالظل، ووافقه صاحب «النهاية» حيث قال: حتى يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض، أدْنَى غايةِ القلَّةِ والنقص، فقوله: «يستقل» من القلة، لا من الإقلال، والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع، والاستبداد. قال الطيبيُّ -﵀-: كيف تُرَدّ نسخ «المصابيح» مع موافقتها بعض نسخ مسلم، وكتاب الحميديّ؟ على أن لها محامل: أحدها: أن معناه أن يرتفع الظل معه، ولا يقع منه شيء على الأرض، من قولهم: استقلَّت السماءُ: ارتفعت. وثانيها: أن يقدر المضاف؛ أي: يُعْلَم قلة الظل بواسطة ظل الرمح. وثالثها: أن يكون من باب عَرَضتُ الناقةَ على الحوض، وطَيَّنتُ بالفَدَن السياعا، و«السياع»: الطين، و«الفَدَنُ»: القَصْرُ. قال صاحب «المفتاح»: ولا يشجع على القلب إلَّا كمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح. انتهى . ووقع في رواية لأحمد: «حتى يستقل الرمح بالظل»، وفي أخرى: «حتى يقوم الظل قيام الرمح»، وفي رواية أبي داود: «حتى يعدل الرمح ظله»، وفي رواية لأحمد، وهي عند ابن ماجه أيضًا: «حتى يقوم العمود على ظله». قال السنديّ: العمود: خشبة يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلَّا تحت العمود، ومحلّ قيامه، فيصير كأن العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. انتهى . (ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ) أي: حين يستقلّ الظلّ بالرمح. قال الطيبيّ -﵀-: وفي اسم «إنّ» وجهان: أحدهما «تُسْجَرُ» على إضمار «أن» المصدريّة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]. والثاني: ضمير الشأن محذوفًا من «إنّ» المكسورة المشدّدة، كقول الشاعر [من الطويل]: فَلَا تَخْذُلِ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا … فَإِنَّ بِهِ تَنَالُ الأُمُورَ وَتَرْأَبُ فالتقدير فإنه، يقول: لا تخذل مولاك، وإن ظلمك، فربّما تحتاج إليه، وترجع إلى معاونته في بعض الأمور، فيجبر كسرك، قيل: لا حذف؛ لأن المقصود من الكلام المصدّر به التعظيم والفخامة، فلا يلائمه الاختصار. وأجيب بأن ضمير الشأن إنما ينبئ عن التعظيم لإبهامه، وحذفه أدلّ على الإبهام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، حَذَف اسم «كاد» وضميرَ الشأن؛ ليزيد التفخيم والتهويل، وله في الأحاديث نظائر، سنذكرها - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام الطيبيُّ -﵀- . (تُسْجَرُ) بالتخفيف والتشديد مبنيًّا للمجهول؛ أي: يوقد عليها إيقادًا بليغًا، من سجر التَّنُّور -بالتخفيف والتشديد-: ملأه وَقُودًا، وأحْمَاهُ، قال الراغب: السَّجْرُ: تهييج النار، يقال: سَجَرْتُ التّنّور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. انتهى. وقال ابن الملك: أي: تُملأ نيران جهنم، وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها. وقال الخطابيّ -﵀-: ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تُذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الْحِسّ والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق للمخبِر بها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها. انتهى . (جَهَنَّمُ) قال النوويّ -﵀-: اختَلَف أهل العربية، هل جهنم اسم عربي، أم عجمي؟ فقيل: عربي، مشتقّ من الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهام؛ أي: عميقة، فعلى هذا لَمْ تصرف للعلمية والتأنيث، وقال الأكثرون: هي عجمية مُعَرَّبة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. انتهى . (فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ) أي: ظهر إلى جهة المشرق، و«الفيء» مختصّ بما بعد الزوال، وأما «الظلّ» فيقع على ما قبل الزوال وما بعده، قاله النوويّ، وقال القاري: أي: رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر، و«الفيء»: ما نسخ الشمسَ، وذلك بالعشيّ، و«الظلُّ»: ما نسخته الشمس، وذلك بالغدوّ. انتهى. (فَصَلِّ) أي: أيَّ صلاة تريدها (فَإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ) أي: فرضه، قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلاة غير المصلّي، وإنما يكره لكلّ إنسان بعد صلاته العصر، حتى لو أخّرها عن أول الوقت لَمْ يكره التنفّل قبلها. انتهى. (ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) أي: بالكلّيّة (فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ») أي: فلا يجوز مشابهة أهل النار في عبادتهم فضلًا عن غيرها. (قَالَ) عمرو بن عبسة -﵁- (فَقُلْتُ: يَا نَبِي اللَّهِ، فَالْوُضُوءُ) بالرفع، وقيل: بالنصب (حَدِّثْنِي عَنْهُ) أي: أخبرني عن فضله (قَالَ) -ﷺ- («مَا) نافية (مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ) بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء، من التقريب، مبنيًّا للفاعل، قيل: أو للمفعول (وَضُوءَهُ) بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به (فَيَتَمَضْمَضُ) وفي نسخة: »فيُمَضْمِضُ«، يقال: مَضْمَضْتُ الماءَ في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمض بالماء: إذا فعل ذلك، قال الفارابيّ: المضمضمة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها، قاله الفيّوميّ . (وَيَسْتَنْشِقُ) أي: يُدخل الماء في الأنف، ويجذبه بالنفس؛ ليُنزل ما في الأنف، قال ابن الأثير -﵀-: أي: يُبلغُ الماءَ خياشيمه، وهو من استنشقتُ الريحَ: إذا شَمَمتها مع قوّة. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: نَشِقْتُ منه رائحةً أَنْشَقُ، من باب تَعِبَ نَشْقًا، مثلُ فلس، واستنشقتُ الريحَ: شَمِمْتُها، واستنشقتُ الماءَ، وهو جعله في الأنف، وجذبه بالنّفَسِ؛ ليُنْزِل ما في الأنف، فكأن الماء مجعول للاشتمام، مجازٌ، والفقهاءُ يقولون: استَنْشَقتُ بالماء بزيادة الباء. انتهى . (فَيَنْتَثِرُ) وفي نسخة: «فيستنثر»، أي: يُخرج ما في الخيشوم من الأوساخ، قال الفيّوميّ -﵀-: نَثَرَ المتوضئ، واستَنْثَرَ بمعنى استنشق، ومنهم من يفرّق، فيجعل الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إخراج ما في الأنف من مخاط وغيره، ويدلّ عليه الحديث: «كان -ﷺ- يستنشق ثلاثًا في كلّ مرّة يستنثر»، وفي حديث: «إذا استنشقت فانتثر» بهمزة وصل، وتُكسر الثاء وتضمّ، وأنثر المتوضئ إنثارًا لغةٌ، وحَمَل أبو عبيد الحديث على هذه اللغة. انتهى . (إِلَّا خَرَّتْ) استثناء مفرغّ، قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «إلّا خرّت» خبر «ما»، والمستثنى منه مقدّرٌ؛ أي: ما منكم رجلٌ متّصفٌ بهذه الأوصاف، كائنٌ على حال من الأحوال إلَّا على هذه الحالة، وعلى هذا المعنى ينزَّل سائر الاستثناءات، وإن لَمْ يصرّح بالنفي فيها؛ لكونها في سياق النفي بواسطة «ثُمّ» العاطفة؛ أي: سقطت (خَطَايَا وَجْهِهِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه «خَرّت» بالخاء المعجمة، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، إلَّا ابن أبي جعفر، فرواه «جَرَت» بالجيم. انتهى. ومعنى «خَرَّت» بالخاء: أي: سقطت، وهو كناية عن مغفرة الذنوب، ومعنى«جَرَت» أي؛ ذهبت ذنوب وجهه مع ماء الوضوء. والمراد من الخطايا هي الصغائر عند عامّة العلماء. والمراد بالخطايا الصغائر كما سبق في «كتاب الطهارة» قوله -ﷺ-: «ما اجتنبت الكبائر». وقوله: (وَفِيهِ) أي: خطايا فمه من جهة الكلام والطعام (وَخَيَاشِيمِهِ) أي: أنفه، وهو: جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف، وقيل: الخياشيم: عِظام رِقَاقٌ في أصل الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل: غير ذلك. والمراد: ما اكتسبه من الإثم من جهة رائحة طيبة محرّمة على جهة القصد، والظاهر أن عطف «فيه وخياشيمه» على «وجهه» تفسيريّ؛ لقوله: (ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) بأن استوعب بالغسل جميعه (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ) بكسر اللام: هو الشعر النازل على الذَّقَنِ، والجمع: لِحًى، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضًا، مثلُ حِلْية وحُلًى . (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) أي: منضمّتين إليهما، أو «إلى» بمعنى «مع»، و«المرفق» بفتح الميم وكسر الفاء، كالمسجِد، وبالعكس لغتان، وهو كما في «القاموس» موصل الذراع في العَضُد (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ) أي: رؤوس أصابعه، وهي: جمع أَنْمَلة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل الضم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم، فيصير تسع لغات، وهي من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول: الأنامل رءوس الأصابع، وعليه قول الأزهريّ: الأنملةُ: الْمَفْصِل الذي فيه الظفر، أفاده الفيّوميُّ -﵀- . وقال في «شرح القاموس» نقلا عن شيخه: وقد جمع العزّ القسطلانيّ اللغات التسعة في البيت المشهور مع لغات الإصبع، فقال [من البسيط]: وَهَمْزَ أنْمَلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالثَةً … وَالتّسْعُ في أُصْبُع وَاخْتمْ بأُصْبُوع (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ظاهر الاستيعاب، وقد سبق في أبواب الوضوء بيان الخلاف في وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وأن الراجح هو القول بالوجوب، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ) ومنها خطايا الأذنين؛ لأنهما من الرأس (مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ) بفتح العين وسكونها (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ لمذهب العلماء كافّةً أن الواجب غسل الرجلين، وقال الشيعة: الواجب مسحهما، وقال ابن جرير: هو مُخَيَّرٌ، وقال بعض الظاهرية: يجب الغسل والمسح. انتهى . (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ) قال الطيبيّ -﵀-: «إن» شرطيّة، ورافع «هو» فعلٌ مضمرٌ يفسّره قوله: «قام»، فلما حُذف أُبرز الضمير المستكنّ فيه، وجواب الشرط محذوفٌ، وهو المستثنى منه؛ أي: فلا ينصرف من شيء من الأشياء إلَّا من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، وجاز تقدير النفي لما مرّ من أن الكلام في سياق النفي، قال: هذا مذهب ابن مالك، وصاحب «الكشّاف»، وأما ابن الحاجب فيجيز الاستثناء المفرّغ في الموجب بشرط كونه فضلةً، وأن تحصل به فائدةٌ، كما يقال: قرأت إلَّا يوم الجمعة، ونظير هذا الشرط قول الحماسيّ [من الطويل]: وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا … فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ انتهى كلام الطيبيُّ -﵀- بزيادة . أي فإن قام بعد الفراغ من الوضوء (فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) أي: ذكر اللَّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وقيل: فائدته الإعلام بأنّ لفظ الحمد غير متعيّن (وَمَجَّدَهُ) أي: عظّمه بالقلب واللسان، فهو تعميم بعد تعميم، فهو تأكيد لما قبله. (بِالَّذِي) متعلّق بما قبله على سبيل التنازع؛ أي: بالتحميد والثناء والتمجيد (الذي هُوَ لَهُ أَهْلٌ) أي: يليق بجلاله وعظمته وكماله -﷾-، وضمير «هو» عائد على اللَّه تعالى، وضمير «له» عائد على الموصول (وَفَرَّغَ) بتشديد الراء، من التفريغ (قَلْبَهُ لِلَّهِ) أي: جعل قلبه حاضرًا مع اللَّه تعالى، وخاليًا عما سواه، فهو كقوله في الحديث الآخر: «لا يُحدّث فيهما نفسه» (إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ) أي: كصفته وحالته (يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ«) يجوز في»يوم«البناء على الفتح؛ لإضافته إلى جملة فعليّة فعلها ماض، ويجوز إعرابه بالكسرة، والأول أولى، وإلى هذا أشار في»الخلاصة«بقوله: وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ«إِذْ»قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا قال القرطبيّ -﷾-: معناه: لا يبقى عليه شيء، لا كبيرة، ولا صغيرةٌ، هذا ظاهره، وقد بيّنّا هذا المعنى في الطهارة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في«كتاب الطهارة»أن الجمهور على أن إطلاق هذا الحديث ونحوه مقيّد بالصغائر، جمعًا بينه وبين الأحاديث التي قيّدته بذلك، كحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا:«الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهنّ، إذا اجتنب الكبائر»، رواه مسلم. (فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) -﵁- (بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ) الباهليّ -﵁- (صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ) أي: فَكِّر، وتَأنَّ فيما تتكلم به من هذا الفضل الجزيل على هذا الفعل القليل (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟) ولفظ النسائيّ:«أكلَّ هذا يُعطَى في مجلس واحد؟ »، وليس هذا اتهامًا من أبي أمامة لعمرو -﵄-، وإنما هو استغراب، وتعجُّب من عظيم فضل اللَّه تعالى. (فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي) يقال: كَبِرَ الصبيُّ يَكْبَر، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثلُ مَسْجِد، وكِبَرًا وزان عِنَبٍ، فهو كَبِير، وجمعه كِبَار، قاله في«المصباح». وفي«القاموس»، وكَبِرَ كفَرِحَ كِبَرًا كعنب، ومَكبِرًا، كمنزل: طعن في السنّ. انتهى. والسنّ -بكسر السين وتشديد النون-: مقدار العمر، مؤنثة في الناس وغيرهم جمعه أسنان، قاله في«القاموس». (وَرَقَّ عَظْمِي) كناية عن ضعفه (وَاقْتَرَبَ أَجَلِي) أي: وقت موتي، قال في«القاموس»: الأجل محركة: غاية الوقت في الموت. انتهى. (وَمَا بِي حَاجَةٌ) وفي رواية النسائيّ:«وما بي من فقر»؛ أي: ليس بي حاجة إلى الناس (أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ) -﷾-، وفي رواية النسائيّ:«فأكذب على رسول اللَّه (وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) وفي بعض النسخ: »ولا على رسوله -ﷺ-«. والمعنى أن الأسباب الحاملة على الكذب عادةً منتفيةٌ عني، فلست كاذبًا. (لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا) وفي نسخة: «ما حدّثت به أحدًا أبدًا». وفي رواية النسائيّ: «ولقد سمعته أُذناي، ووعاه قلبي، من رسول اللَّه -ﷺ-»؛ يعني: أنه متثبت في ثقل هذا الكلام من رسول اللَّه -ﷺ-، ثم إن قلبه وعاه له، ولم يطرأ عليه نسيان. (وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال النوويّ -﵀-: هذا الكلام قد يُسْتَشكل من حيث إن ظاهره أنه لا يرى التحديث إلَّا بما سمعه أكثر من سبع مرات، ومعلوم أن من سمع مرةً واحدةً جاز له الرواية، بل تجب عليه إذا تعيّن لها. وجوابه أن معناه: لو لَمْ أتحققه، وأجزم به لَمَا حدثت به، وذَكَر المرّات بيانًا لصورة حاله، ولم يُرِدْ أن ذلك شرطٌ. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن عبَسَةَ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٣٠] (٨٣٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٧٧)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٣٥٧٩)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١٤٧)، وفي «الصلاة» (٥٧٢ و٥٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١١١ و١١٢)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (٢٩٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١١٤٧)، والدارقطني في «سننه» (١/ ١٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٤٦ و١١٤٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما لقيه النبيّ -ﷺ- من جراءة قومه عليه، وأذاهم له، وصدّهم عن سبيل اللَّه تعالى، فكان يستخفي عنهم حال أداء العبادة. ٢ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر وبلال -﵄-، حيث كانا سابقين إلى الإسلام. ٣ - (ومنها): بيان فضل عمرو بن عَبَسَة -﵁- وكمال عقله حيث كان يدرك في الجاهليّة أن الناس في ضلال حيث يعبدون الأوثان من دون اللَّه تعالى، فلما سمع ببعثة النبيّ -ﷺ- خرج إليه مستخبرًا عنه، فلما علم أنه نبيّ من عند اللَّه بادر بالإسلام -﵁-. ٤ - (ومنها): بيان مشروعية سؤال الشخص العلماء عن أحكام دينه، وعَمَّا لَه في ذلك عند اللَّه من الأجر؛ لأن ذلك يبعثه على العمل به، وتزداد رغبته، ويَقْوَى نشاطه. ٥ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للمسلم أن يسأل عن أفضل الأوقات والأماكن ليتقرب فيها إلى ربه، ويكثر من طاعته. ٦ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وبيان تسلط الشيطان في ذلك الوقت للإغواء. ٧ - (ومنها): النهي عن مشابهة الكفار في عبادتهم. ٨ - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الاستواء؛ لأنه وقت فتح أبواب جهنم، وتسجيرها. ٩ - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الغروب؛ للعلة المتقدمة في الطلوع، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة في هذه الأوقات، وترجيح القول بجواز ذوات الأسباب؛ جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): بيان فضل الوضوء، وأنه من مكفّرات الذنوب. ١١ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمذهب العلماء كافّة أن الواجب غسل القدمين، خلافًا للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحهما، ولابن جرير حيث قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بيّنه النوويُّ -﵀-. ١٢ - (ومنها): بيان فضل الصلاة بعد الوضوء. ١٣ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص، وفضل حضور القلب في حال العبادة. ١٤ - (ومنها): مشروعيّة الاستثبات في الإخبار، وإن كان المخْبِر صادقًا؛ إذ ربما يطرأ له نسيان، أو نحوه. ١٥ - (ومنها): أن في كلام عمرو بن عَبَسَةَ -﵁- هنا ما يدلّ على أن الحاجة ربما حملت الشخص على التزيد في الخبر، كما اطُّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على الأحاديث ما ليس منها، ليتكسبوا بذلك أموال الأمراء وغيرهم. مثل ما وقع لغياث بن إبراهيم حيث زاد الجناح في حديث: «لا سبق إلَّا في نصل، أو خف، أو حافر»؛ إرضاءً للمهديّ حيث إنه كان يلعب بالحمام،
مصادر المؤلف (٤٨)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. وفي نسخة: «وأنهم».

٣. وفي نسخة: «قال: فسمعتُ».

٤. وفي نسخة: «وأن توحِّد اللَّه، لا تُشرك به شيئًا».

٥. وفي نسخة: «بين قرني الشيطان».

٦. وفي نسخة: «فإنه حينئذ».

٧. وفي نسخة: «فيُمَضمِض».

٨. وفي نسخة: «فيستنثر».

٩. وفي نسخة: «ولا على رسوله».

١٠. وفي نسخة: «ما حدّثتُ به أحدًا أبدًا».

١١. بفتح الميم، وإسكان العين المهملة، وكسر القاف: منسوب إلى مَعْقِر، وهي ناحيةٌ باليمن. «شرح النووي» ٦/ ١١٤ - ١١٥.

١٢. وقوله في «التقريب»: «مقبول» غير مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وهو شيخ مسلم في «صحيحه»، ولم يتكلّم عنه أحد بجرح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.

١٣. «الأنساب» للسمعانيّ ٣/ ٣٠١، و«اللباب» ١/ ٤٤٧.

١٤. «المفهم» ٢/ ٤٥٩.

١٥. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٧.

١٦. «المفهم» ٢/ ٤٦٥.

١٧. راجع: «شرح ابن عقيل مع حاشية الخضري» ١/ ١٢٥ - ١٢٦.

١٨. وقع في نسخة«المفهم»بلفظ:«من أنت».

١٩. «شرح الأبيّ »٢/ ٤٣٨.

٢٠. «شرح النوويّ»٦/ ١١٥.

٢١. «شرح الأبيّ» ٢/ ٤٣٨.

٢٢. أخرجه البخاريّ في «صحيحه» برقم (٣٧٢٧) «كتاب المناقب».

٢٣. «المفهم» ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١.

٢٤. «شرح النووي» ٦/ ١١٦.

٢٥. «المفهم» ٢/ ٤٦١.

٢٦. راجع: «لسان العرب» ١/ ٢٣٥.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٨١.

٢٨. راجع: «تفسير ابن كثير» ٢/ ٣٠٤.

٢٩. «شرح النووي» ٦/ ١١٦.

٣٠. «مغني اللبيب» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

٣١. «المفهم» ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢.

٣٢. راجع: «المرعاة» ٣/ ٤٥٨.

٣٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١١٩.

٣٤. راجع: «شرح السنديّ على النسائيّ» ١/ ٢٨٤، و«المرعاة» ٣/ ٤٥٩.

٣٥. الشطر الثاني فيه انكسار، فليُحرّر.

٣٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١٢٠.

٣٧. «معالم السنن» ١/ ٢٧٦.

٣٨. «شرح مسلم» ٦/ ١١٧.

٣٩. راجع: «المصباح» ٢/ ٥٧٥.

٤٠. «النهاية» ٥/ ٥٩.

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٦.

٤٢. «المصباح» ٢/ ٥٩٣.

٤٣. «المصباح» ٢/ ٥٥١.

٤٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٦.

٤٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٨/ ١٤٧.

٤٦. «شرح النوويّ» ٦/ ١١٨.

٤٧. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١١٢٠ - ١١٢١ بزيادة من«حاشية الخضري»على«الخلاصة»١/ ٣٠٥.

٤٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.