HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٣٨

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ووَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن بريدة عن عبد الله بن مغفل الْمُزَنِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» قَالَهَا ثلاثا. قال في الثالثة «لمن شاء».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص212
ج ١ ص ٥٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٦٧٠
فإن الحديث هو الحديث الذي أخرجه محمد بن نصر، وليس حديثًا آخر، كما ذكرته الآن، فتبصر. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحصَّل مما سبق من التحقيق أن المذهب الصحيح هو مذهب من يقول باستحباب الركعتين قبل صلاة المغرب؛ لما سمعت من الأدلة الصحيحة الصريحة، وأما ما ادّعاه بعضهم من النسخ لها فباطل، وأما ما نقل من كراهة بعض السلف لها فيحمل على أنه لَمْ يصل إليهم الخبر الصحيح، أو تأولوه، وليس قول أحد، ولا فعله حجة، إلَّا رسول اللَّه -ﷺ- الذي قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. جعلنا اللَّه وإياكم ممن يأخذ بهديه -ﷺ- ظاهرًا وباطنًا بمنّه وكرمه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٦) - (بَابُ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ») وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٠] (٨٣٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٥١) وهو ابن ثمانين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] مات في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٥٢. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ) بن عبد نَهْم، أبو عبد الرحمن المزنيّ صحابيّ بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من كهمس، وابن بُريدة كان في البصرة، ثم انتقل إلى مرو، والباقون كوفيون. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: كهمس عن ابن بريدة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي: الأذان والإقامة، ولا يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير، لقوله:»لمن شاء«. قاله في»الفتح«. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إطلاق الأذان على الإقامة صحيح؛ لأن الأذان إعلام بدخول الوقت، وهي إعلام بحضور فعل الصلاة، ولذا قدّمنا أن الراجح أن قوله -ﷺ-:«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول»يشمل المقيم، فمن سمعه يقول مثل ما يقول، وقيل: هذا من باب التغليب، كقولهم: القمرين للشمس والقمر، وهو الذي توارد عليه الشرّاح، كما قال في«الفتح»، لكن الأول هو الأولى. (صَلَاةٌ») مبتدأ، خبره الظرف قبله؛ أي: وقتُ صلاةٍ، أو المراد صلاة نافلةٌ، أو نُكِّرت لكونها تتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة كركعتين، أو أربع، أو أكثر، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الحثّ على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة؛ لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله الزين ابن المنيِّر -﵀- . وقال في «النهاية»: يريد بها السنن الرواتب التي تصلى بين الأذان والإقامة. انتهى . (قَالَهَا ثَلَاثًا) ولفظ البخاريّ: «بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء»، ولفظ النسائيّ: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاةٌ، لمن شاء». قال القرطبيّ -﵀- أراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وغَلَّب عليهما اسم الأذان؛ لأن فيهما إعلامًا بالشروع في الصلاة، ووجه هذا الحديث أنه إذا أُذِّن للصلاة، فقد خرج وقتُ النهي، فتجوز الصلاة حينئذ. انتهى . وقال ابن الملك -﵀-: كَرّره تأكيدًا للحث على النوافل بينهما، وقال المظهر -﵀-: إنما حرَّضَ -ﷺ- أمته على صلاة النفل بين الأذانين؛ لأن الدعاء لا يُرَدّ بين الأذان والإقامة؛ لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة أكثر. وقال القاري -﵀-: وللمبادرة إلى العبادة، والمسارعة إلى الطاعة، وللفرق بين المخلص والمنافق، وليتهيأ لأداء الفرض على وجه الكمال. والحاصل أنه يسن أن يصلي بين الأذان والإقامة، وكَرِه أبو حنيفة النفل قبل المغرب؛ لحديث بريدة الأسلميّ -﵁-، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب»، كذا ذكره بعض علمائنا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث المذكور رواه الدارقطنيّ، ثم البيهقيّ في «سننيهما» عن حيان بن عبيد اللَّه العدوي، حدثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب»، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات»، ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا، قال العيني: الحديث رواه البزار في «مسنده»، فقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلَّا حيان بن عبيد اللَّه، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به. انتهى . قال الجامع: سيأتي الجواب عما قاله العيني في المسائل الآتية في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ») أي: لمن أراد أن يصلي، وفيه بيان أن قوله: «بين كل أذانين صلاة» على التخيير، لا على الإيجاب. ولفظ البخاريّ: «بين كل أذانين صلاة، ثلاثًا لمن شاء»، وفي لفظ: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». قال الحافظ -﵀-: وهذا يبيّن أنه لَمْ يقل: «لمن شاء» إلَّا في المرة الثالثة، بخلاف ما يُشعر به ظاهر الرواية الأولى من أنه قيّد كل مرّة بقوله: «لمن شاء». وفي رواية لمسلم التالية، وهي رواية الإسماعيليّ: «قال في الرابعة: لمن شاء»، وكأن المراد بالرابعة في هذه الرواية المرة الرابعة؛ أي: اقتصر فيها على قوله: «لمن شاء»، فأطلق عليها بعضهم رابعة باعتبار مطلق القول، وبهذا توافق رواية البخاريّ ، وفي حديث أنس -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا سلَّم سلّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، رواه البخاريّ، وكأنه قال: بعد الثلاث «لمن شاء» ليدلّ على أن التكرار لتأكيد الاستحباب. وقال ابن الجوزيّ: فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أُذّن لها، فبيّن أن التطوّع بين الأذان والإقامة جائز. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مغفّل -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ١٩٤٠ و١٩٤١] (٨٣٨)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٢٤ و٦٢٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٨٣)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٨٥)، و(النسائيّ) في «الأذان» (٦٨١)، و«الكبرى» (١٦٤٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٥٤ و٥٦ و٥٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٣٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٨٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٥٩ و١٥٦٠ و١٥٦١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢١١٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٨٧ و١٨٨٨)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٦٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٧٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٣٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان حديث: «إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب»: قال الحافظ أبو الحسن الدارقطنيُّ -﵀- في «سننه»: حدّثنا عليّ بن محمد المصريّ، ثنا الحسن بن غليب، نا عبد الغفار بن داود، نا حيان بن عبيد اللَّه، نا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب». قال: ونا عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حيان بن عبيد اللَّه العدويّ، قال: كنا جلوسًا عند عبد اللَّه بن بريدة، فأذّن مؤذن صلاة الظهر، فلما سمع الأذان قال: قوموا فصلُّوا ركعتين قبل الإقامة، فإن أبي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «عند كل أذانين ركعتان قبل الإقامة، ما خلا أذان المغرب»، قال ابن بريدة: «لقد أدركت عبد اللَّه بن عمر يصلي تينك الركعتين عند المغرب، لا يَدَعُهما على حال، قال: فقمنا فصلينا الركعتين قبل الإقامة، ثم انتظرنا حتى خرج الإمام، فصلينا معه المكتوبة». خالفه حسين المعلّم، وسعيد الجريريّ، وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات، وحيان بن عبيد اللَّه ليس بقويّ، واللَّه أعلم. انتهى . وكتب العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في «التعليق المغني» ما نصه: والحديث أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ورواه البزار في «مسنده»، وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلَّا حيان بن عبيد اللَّه، وهو رجل مشهور، من أهل البصرة، لا بأس به، وقال البيهقيّ في «المعرفة»: أخطأ فيه حيان بن عبيد اللَّه في الإسناد والمتن جميعًا. أما السند، فأخرجاه في «الصحيح» عن سعيد الجريريّ، وكهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: «بين كل أذانين صلاة» قال في الثالثة: «لمن شاء». وأما المتن، فكيف يكون صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، وفي رواية حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، وقال في الثالثة: «لمن شاء» خشيةَ أن يتخذها الناس سنة، رواه البخاري في «صحيحه». انتهى. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات»، ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. انتهى. وقال السيوطيّ في «اللآلئ المصنوعة»: قال البزار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلَّا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: لكنه اختلط، وذكره ابن عديّ في «الضعفاء». انتهى. وحيان هذا غير الذي كذّبه الفلاس؛ ذاك حيان بن عبد اللَّه -بالتكبير- أبو جبلة الدارميّ، وهذا حيان بن عبيد اللَّه -بالتصغير- أبو زهير البصريّ، ذكرهما في «الميزان»، وقال في ترجمة البصريّ: قال البخاريّ: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وكذا قال في «اللسان»، وزاد في ترجمة البصريّ: وقال أبو حاتم: صدوق، وقال إسحاق ابن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب. انتهى. وفي «صحيح البخاريّ» من طريق كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «بين كل أذانين صلاة». انتهى . وقال البيهقيُّ -﵀- في «سننه» بعد أن أخرج حديث كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل: رواه حيان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن بريدة، فأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لَمْ يتابَع عليها، ثم أخرجه بسنده، ثم أخرج بسنده عن ابن خزيمة، أنه قال على إثر هذا الحديث: حيان بن عبيد اللَّه هذا قد أخطأ في الإسناد؛ لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريريّ، وعبد المؤمن الْعَتَكيّ رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي كان الشافعيُّ -﵀- يقول: أخذ طريق الْمَجَرَّة، فهذا الشيخ لَمَّا رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهّم أن هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه، ولعل لما رأى العامّة لا تصلي قبل المغرب توهّم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر، وازداد علمًا بأن هذه الرواية خطأ أن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه، عن النبيّ -ﷺ- هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد اللَّه في الخبر: «ما خلا صلاة المغرب» لَمْ يكن يخالف خبر النبيّ -ﷺ-، ثم ساق نجر ابن المبارك بسنده، انظر: «السنن الكبرى» (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدم أن زيادة الاستثناء: «ما خلا صلاة المغرب» لا تصح، بل هي زيادة منكرة؛ لمخالفة حيان بن عبيد اللَّه للثقات فيها، فهو وإن قال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال ابن راهويه: رجل صدق، وقال البزار: ليس به بأس، إلَّا أن جرحه يقدَّم؛ لكونه مفسرًا، فقد قال البخاريّ: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وقال الدارقطني: ليس بقويّ، وذكره ابن عدي في «الضعفاء»، ومن المقرَّر عند المحدثين أن الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل على الراجح، بل رجّح بعضهم تقديم الجرح مطلقًا، قال الحافظ السيوطيُّ -﵀- في «ألفية الحديث»: وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ … أَكْثَرُ فِي الْأَقْوَى فَإِنْ فَصَّلَهُ فَقَالَ مِنْهُ تَابَ أَوْ نَفَاهُ … بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ وبهذا تعلم ضعف ما قاله ابن التركمانيّ في «الجوهر النقيّ» بعد ذكر من وثقه: فهذه زيادة من ثقةٌ، فيُحْمَل على أن لابن بريدة فيه سندين، سمعه من ابن مغفل بغير تلك الزيادة، وسمعه من أبيه بالزيادة. انتهى . فإن هذا ليس من تحقيق المحدثين، بل من الواجب عليه أن يذكر قول من ضعّفه، ثم يعمل بمقتضى ما قاله المحدثون، من تقديم الجرح، أو التعديل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس الْجُرَيريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل حديث كهمس، عن عبد اللَّه بن بُريدة. وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ. . . إلخ) هذه الرواية مخالفة لما سبق من رواية كهمس من أنه قال ذلك في الثالثة، وقد أشار إلى الطعن فيها الحافظ أبو الحسن ابن القطّان في «بيان الوهم والإيهام»، فقال تعقّبه على الحافظ عبد الحقّ الإشبيليّ في «أحكامه» ما نصّه: وذكر من عند مسلم حديث ابن مغفل: «بين كل أذانين صلاة»، ثم قال: وفي رواية: «قال في الرابعة: لمن شاء»، ولم يبيّن أن هذه الزيادة من رواية سعيد الجريريّ على غير لفظ كهمس في أنها قالها في الثالثة. انتهى . وذكر أبو الحسن أيضًا في موضع آخر أن هذه الرواية مما اختلط فيها الْجُريريّ، فقال: وقد ذكروا أن حديث «بين كل أذانين صلاة» مما تبين فيه اختلاطه، قال عمرو بن عليّ الفلاس في «تاريخه»: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أتيت الْجُريريّ، فقال: حدّثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن عمرو: «بين كل أذانين صلاةٌ»، فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو عن عبد اللَّه بن المغفل، فرجعت إليه، فقلت له: فقال: عن عبد اللَّه بن المغفل. انتهى كلام ابن القطّان -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال أبو الحسن القطّان -﵀-، ويعكُر عليه أن عبد الأعلى ممن أخذ عن الجُريريّ قبل اختلاطه، وتابعه عليه يزيد بن زريع، عند ابن خزيمة، وابن عليّة عند ابن حبّان، وهما أيضًا ممن روى عنه قبل الاختلاط، ولذا أخرجه مسلم هنا في «صحيحه». فالأولى أن يقال: إن معنى «في الرابعة» أن لفظ «لمن شاء» قالها -ﷺ- في الرابعة، يعنى أنه قال: «بين كل أذانين صلاة» ثلاث مرّات، ثم قال في الرابعة: «لمن شاء»، فتوافق معنى الرواية الأخرى: «ثم قال في الثالثة: لمن شاء»؛ أي: فهي رابعة في نفسها، مضافة إلى الثالثة قبلها حيث صدرت معها، فتبصرّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: رواية سعيد الجُريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة هذه بلفظ: «قال في الرابعة» لَمْ أجد من ساقها، وأوردها أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» (٢/ ١٣٦) رقم (٧٣٨٤) ولم يسق متنها، بل أحاله على لفظ كهمس، كالمصنّف، ولم يذكر قوله: «إلَّا أنه قال في الرابعة: لمن شاء»، ورأيت ابن حبّان -﵀- ساق الحديث في «صحيحه» من طريق ابن عُليّة، بغير هذا اللفظ، ونصّه: (١٥٦٠) أخبرنا الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان، قال: حدّثنا أيوب بن محمد الوزان، قال: حدّثنا إسماعيل ابن علية، قال: حدّثنا سعيد الجريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «بين كل أذانين صلاة لمن شاء». انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٧) - (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) قال العلامة ابن الملقّن -﵀-: الخوف غمّ على ما سيكون، والحزن غمّ على ما مضي، قال: وليس المراد من هذه الترجمة أن صلاة الخوف تقتضي صلاة مستقلّة، كقولنا: صلاة العيد، ولا أنه يؤثّر في تغيير قدر الصلاة، أو وقتها، كقولنا: صلاة السفر، وحديث ابن عبّاس -﵄- في «صحيح مسلم»: «إن اللَّه فرض الصلاة في الخوف ركعة» المراد للمأموم مع الإمام؛ جمعًا بين الأحاديث، وإنما المراد أنه يؤثّر في كيفيّة إقامة الفرائض، واحتمال أمور فيها كانت لا تُحتمل في غيرها، ثم هي في الأكثر لا تؤثّر في كيفيّة إقامة الفرائض، بل في إقامتها بالجماعة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله في تأويل حديث ابن عبّاس -﵄-: المراد للمأموم مع الإمام. . . إلخ هذا غير مسلّم، بل الصواب أن حديثه على ظاهره، وأن صلاة الخوف ركعة عند اشتداد الخوف، وقد قدّمنا هذا البحث مستوفًى في «كتاب صلاة المسافرين»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (اعلم): أنه لما كان لصلاة الخوف أحكام، وصفات تختصّ بها عن غيرها من الصلوات الأَمْنِيَّة دعت الحاجة إلى تقديم تنبيهات مهمة؛ ليكون الطالب على بصيرة، ويمكن الإحالة إليها عند الحاجة في بيان الأحاديث الآتية، إن شاء اللَّه تعالى، فلنذكرها في مسائل: (المسألة الأولى): قال القرطبيُّ -﵀- في «المفهم»: قولنا: صلاة الخوف، هي الصلاة المعهودة تَحْضُر، والمسلمون متعرّضون لحرب العدوّ، وقد اختلف العلماء، هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة، أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرًا في تغيير الصلاة على ما يأتي تفصيل مذاهبهم. وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المرويّ في ذلك، والذي عليه القرآن خاصًّا بالنبيّ -ﷺ-، مستدلًّا بخصوصية خطابه تعالى لنبيه -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، قال: فإذا لَمْ يكن فيهم لَمْ تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه: (أحدها): أنّا أُمرنا باتباعه، والتأسي به، فيلزم اتباعه مطلقًا، حتى يدلّ دليل واضحٌ على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلًا على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلًا على الخصوصية للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، لكن قد تقرّر بدليل إجماعيّ أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، وكذلك ما يُخاطَبُ هو به، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه كثير. (وثانيها): أنه قد قال النبيّ -ﷺ-: «صلّوا كما رأيتموني أصلي». متفق عليه. (وثالثها): أن الصحابة -﵃- اطّرحوا توهّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوْه إلى غير النبيّ -ﷺ-، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادّعى الخصوصيّة. انتهى كلام القرطبيُّ -﵀- . وقال في «الفتح»: معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] أي: سافرتم، ومفهومه أن القصر مختصّ بالسفر، وهو كذلك، وأما قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضًا، وقد سأل يعلى بن أميّة الصحابيُ عمرَ بن الخطّاب -﵁- عن ذلك، فذكر أنه سأل رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فقال: «صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته»، أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنّة. واختُلف في صلاة الخوف في الحضر، فمنعه ابن الماجشون، أخذًا بالمفهوم أيضًا، وأجازه الباقون. وأما قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤيّ من أصحابه، وإبراهيم ابن عليّة، وحُكي عن المزنيّ صاحب الشافعيّ. واحتُجّ عليهم بإجماع الصحابة -﵃- على فعل ذلك بعد النبيّ -ﷺ-، وبقوله -ﷺ-: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، فعموم منطوقه مقدّم على ذلك المفهوم. وقال ابن العربيّ وغيره: شرط كونه -ﷺ- فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بيّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كلّ عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفيةُ وردت لبيان الحَذَر من العدوّ، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم. وقال الزين ابن المنيّر: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم، كالخوف في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]. وقال الطحاويّ: كان أبو يوسف قد قال مرةً: لا تُصلّى صلاةُ الخوف بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وزعم أن الناس إنما صلّوها معه لفضل الصلاة معه -ﷺ-، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شُجاع يَعيبه، ويقول: إن الصلاة خلف النبيّ -ﷺ-، وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا، إلَّا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): أنه قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجّح ابن عبد البرّ الكيفية الواردة في حديث ابن عمر -﵄- وهو الحديث الأول هنا برقم [١٩٤٢ و١٩٤٣ و١٩٤٤] (٨٣٩) - على غيرها لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يُتمّ صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث، أو سبعة أيّها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة -﵁- الآتي برقم [١٩٤٧] (٨٤١)، وكذا رجحه الشافعيّ، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبريّ، وغير واحد، منهم ابن المنذر، وسَرَدَ ثمانية أوجه، وكذا ابن حبّان في «صحيحه»، وزاد تاسعًا. وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجهًا، وبيّنها في «جزء مفرد». وقال ابن العربي في «القبس»: جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم يُبيّنها. وقال النوويّ نحوه في «شرح مسلم»، ولم يبيّنها أيضًا، وقد بيّنها الحافظ أبو الفضل العراقيّ في «شرح الترمذيّ»، وزاد وجهًا آخر، فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن يمكن أن تتداخل. وقال صاحب «الهدي»: أصلها ستّ صفات، وبلّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبيّ -ﷺ-، وإنما هو من اختلاف الرواة. انتهى. قال الحافظ -﵀-: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا -يعني: الحافظ العراقي- بقوله: يمكن تداخلها. وحكى ابن القصّار المالكيّ أن النبيّ -ﷺ- صلاها عشر مرّات. وقال ابن العربيّ: صلاها أربعًا وعشرين مرّة. وقال الخطابيّ: صلاها النبيّ -ﷺ- في أيام مختلفة بأشكال متباينة، يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى . وقال الحافظ الزيلعيّ -﵀-: ذَكَر بعض الفقهاء أن النبيّ -ﷺ- صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقرّ عند أهل السير والمغازي أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعُسفان، وذي قَرَد. فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاريّ ومسلم، عن مالك، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّات، عن سهل بن أبي حَثْمَة، وفي لفظ للبخاريّ عمن صلى مع النبيّ -ﷺ- يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه. . . الحديث. وحديث بطن نخلة أخرجه النسائيّ، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا مع النبيّ -ﷺ- بنخل، والعدوّ بيننا وبين القبلة. . . الحديث. وحديث عُسْفان أخرجه أبو داود، والنسائيّ، عن مجاهد، عن أبي عَيّاش الزُّرَقيّ، زيد بن الصامت، قال: كنا مع النبيّ -ﷺ- بعُسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. . . الحديث، ورواه البيهقيّ في «المعرفة» بلفظ: حدَّثنا أبو عَيّاش، قال، وفي هذا تصريح بسماع مجاهد، من أبي عياش. وحديث ذي قَرَد، أخرجه النسائيّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى بذي قَرَد. . . الحديث، وروى الواقديّ في «المغازي»: حدّثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أول ما صلى رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقَاع، ثم صلاها بعدُ بعُسفان بينهما أربع سنين، قال الواقديّ: وهذا عندنا أثبت من غيره. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: اختلف الجمهور في كيفيّة صلاة الخوف على أقوال كثيرة؛ لاختلاف الأحاديث المرويّة في ذلك، فلنذكر تلك الأحاديث، ونذكر مع كل حديث من قال به إن وجدنا ذلك -إن شاء اللَّه تعالى- فلنبدأ من ذلك بالحديث الأول، وهو حديث ابن عمر -﵄-، ومضمون أنه -ﷺ- صلى بإحدى الطائفتين ركعةً، والأخرى مواجِهَة العدوّ، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ، وجاء أولئك، وصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة. وبه أخذ الأوزاعيّ، وأشهب، وحُكي عن الشافعيّ، واختُلف في تأويل قضائهم، فقيل: قضَوا معًا، وهو تأويل ابن حبيب، وعليه حمَلَ قول أشهب، وقيل: قضوا مفترقين، مثل حديث ابن مسعود -﵁-، وهو المنصوص لأشهب. الحديث الثاني: حديث جابر -﵁-، وذلك أنه -ﷺ- صفّهم صفّين خلفه، والعدوّ بينهم وبين القبلة، وصلّى بهم جميعًا صلاة واحدةً، لكنه لَمّا سجد سجد معه الصفّ الأول الذي يليه، وقام الصفّ المؤخّر، ثم تقدّموا، وتأخّر المقدّم، ثم فعلوا في الركعة الثانية كما فعلوا في الأولى، ونحوه حديث ابن عبّاس -﵄-، وبهذا قال ابن أبي ليلي، وأبو يوسف في قولٍ له، إذا كان العدوّ في القبلة، ورُوي عن الشافعيّ، واختاره بعض أصحابه، وأصحاب مالك. الحديث الثالث: حديث سهل بن أبي حَثْمَة، وهو أنه -ﷺ- صلى بالطائفة الأولى ركعةً، ثم ثبت قائمًا، فأتمّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصَفُّوا وِجاهَ العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم ركعةً، ثم ثبت جالسًا حتى أتمّوا، ثم سلّم بهم، ونحوه حديث صالح بن خَوَّات، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأبو ثور. الحديث الرابع: حديث أبي سلمة، عن جابر -﵁- أنه صلى أربع ركعات بكلّ طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذُكر عن الشافعيّ، ورواه غير مسلم من طريق أبي بكرة وجابر، وأنه سلّم من كل ركعتين، قال الطحاويّ: إنما كان هذا في أول الإسلام؛ إذ كان يجوز أن تُصلى الفريضة مرّتين، ثم نُسخ ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى النسخ غير صحيحة، وقد قدّمنا أن أصح المذاهب مذهب من يرى صحة اقتداء المفترض بالمتنفّل؛ لما صحّ من قصّة معاذ -﵁- حيث كان يصلي مع النبيّ -ﷺ- العشاء، ثم يذهب إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة، فتبصّر، وباللَّه تعالى التوفيق. الحديث الخامس: رواه أبو هريرة، وابن مسعود -﵄- أنه -ﷺ- صلى بالطائفة التي وراءه ركعة، ثم انصرفوا، ولم يُسلّموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعةً، ثم سلّم، فقضى هؤلاء ركعتهم، ثم سلّموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك، فصلّوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلّموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر أن ظاهر قضاء أولئك في حديث ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وها هنا قضاؤهم متفرّقٌ على صفة صلاتهم، وقد تأوّل بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبهذا أخذ أبو حنيفة، وأصحابه، إلَّا أبا يوسف، وهو نصّ قول أشهب من المالكيّة، خلاف ما تأوّل عليه ابن حبيب. الحديث السادس: ذكره أبو داود من حديث ابن مسعود -﵁- أنه -ﷺ- كبّر، فكبّر معه الصفّان جميعًا، وفيه أن الطائفة الثانية لَمَّا صلّت معه ركعةً، وسلّمت رجعت إلى مقام أصحابهم، وجاءت الطائفة الأولى، فصلّوا ركعةً لأنفسهم، فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتمّ أولئك لأنفسهم. الحديث السابع: ذكره أبو داود من رواية أبي هريرة -﵁- أنها قامت مع النبيّ -ﷺ- مقابلة العدوّ، وظهورهم إلى القبلة، فكبّر جميعهم، ثم صلى بالذين معه ركعةً، والآخرون قيام، ثم قام، وذهبت الطائفة التي معه إلى العدوّ، وأقبلت تلك، فصلى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلّوا ركعةً، ورسول اللَّه -ﷺ- قائمٌ، ثم صلى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلّت ركعةً، ورسول اللَّه -ﷺ- قاعد ومن معه، ثم سلّم، وسلّموا جميعًا . الحديث الثامن: حديث عائشة -﵂- عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه كبّر، وكبّرت معه الطائفة التي تليه، وصلّى بهم ركعةً وسجدةً، وثبت جالسًا، وسجدوا هم السجدة التي بقيت لهم، ثم انصرفوا القهقري، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى، فكبّروا، ثم ركعوا، يعني: لأنفسهم، ثم سجد النبيّ -ﷺ-؛ يعني: سجدته التي بقيت عليه من الركعة الأولى، فسجدوا معه، ثم قام النبيّ -ﷺ-، وأتموا هم السجدة التي بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان، فصلى بهم جميعًا ركعة كأسرع الإسراع . الحديث التاسع: حديث ابن أبي حَثْمة من رواية صالح بن خَوّات عنه، أن الطائفة الأولى لَمّا صلّت ركعتها مع النبيّ -ﷺ-، ثم صلّت الركعة الأخرى لنفسها سلّمت، ثم تقدّمت، وجاءت الأخرى، وهذا خلاف الحديث الآخر الذي ذُكر فيه آخرًا، ثم سلّم بهم جميعًا. ومن رواية القاسم في حديث ابن أبي حَثْمة أنه -ﷺ- سلّم عند تمام صلاته الركعة الثانية بالطائفة الثانية، وأتمّوا بعد سلامه خلاف الروايات الأُخَر عن القاسم، ويزيد بن رُومان أنه انتظرهم حتى قَضَوْا، ثم سلّم. وقد اختلف قول مالك لصحّة القياس أن القضاء إنما يكون بعد سلام الإمام، وهو اختيار أبي ثور، واختيار الشافعيّ في الرواية الأخرى. الحديث العاشر: ما رواه أبو داود من حديث حُذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر -﵃- أنه -ﷺ- صلّى بكل طائفة ركعةً، ولم يقضوا، ويؤيّده حديث ابن عبّاس -﵄-: صلاة الخوف ركعةٌ، وبه قال إسحاق. انتهى كلام القرطبيُّ -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»: هذه الأخبار ليس بينها تضادٌّ، ولا تهاتُرٌ، ولكن المصطفى -ﷺ- صلى صلاة الخوف مرارًا، في أحوال مختلفة، بأنواع متباينة، على حسب ما ذكرناها، أراد -ﷺ- به تعليم أمته صلاة الخوف، أنه مباح لهم أن يصلوا أَيَّ نوع من الأنواع التسعة التي صلاها رسول اللَّه -ﷺ- في الخوف، على حسب الحاجة إليها، والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع التي ذكرناها؛ إذ هي من اختلاف المباح، من غير أن يكون بينها تضادٌّ، أو تهاترٌ. انتهى . وقال الإمام ابن القيّم -﵀- في «زاد المعاد»: وكان من هديه -ﷺ- في صلاة الخوف أن أباح اللَّه -﷾- قصرَ أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصرَ العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا كان من هديه -ﷺ-، وبه تُعْلَم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف. وكان من هديه -ﷺ- في صلاة الخوف إذا كان العدوّ بينه وبين القبلة أن يَصُفَّ المسلمين كلهم خلفه، ويكبّر ويكبّرون جميعًا، ثم يركع فيركعون جميعًا، ثم يرفع ويرفعون جميعًا معه، ثم ينحدر بالسجود، والصف الذي يليه خاصّةً، ويقوم الصف المؤخر مُوَاجِهَ العدوّ، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ونَهَضَ إلى الثانية، سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا، فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم؛ لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف الثاني مع النبيّ -ﷺ- السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى، فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قَضَوْا لأنفسهم، وذلك غاية العدل، فإذا رَكَعَ صَنَعَ الطائفتان كما صنعوا أول مرّة، فإذا جلس للتشهد، سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلّم بهم جميعًا. وإن كان العدوّ في غير جهة القبلة، فإنه كان تارةً يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء العدوّ، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعةً، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلي معه الركعة الثانية، ثم تسلم وتقضي كل طائفة ركعةً ركعةً بعد سلام الإمام. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعةً، وهو واقفٌ، وتسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهد، قامت فقضت ركعةً، وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت يسلم بهم. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين، ويسلم بهم، فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، ويسلم بهم، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم، فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاةً. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، فتذهب ولا تقضي شيئًا، وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعةً، ولا تقضي شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعةً ركعةً، وهذه الأوجه كلُّها تجوز الصلاة بها. قال الإمام أحمد -﵀-: كلُّ حديث يُرْوَى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائزٌ. وقال: ستةُ أوجه، أو سبعةٌ تروى فيها كلُّها جائزة. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟، قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلِّها فحسن. وظاهرُ هذا أنه جَوَّزَ أن تصلي كل طائفة معه ركعةً ركعةً، ولا تقضي شيئًا، وهذا مذهب ابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق ابن راهويه. قال صاحب «المغني»: وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك، وأصحابنا ينكرونه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول هؤلاء الإئمة بجواز ركعة واحدة في شدّة الخوف هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وقد أسلفت تحقيقه في «كتاب صلاة المسافرين»، فارجع إليه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. قال ابن القيّم -﵀-: وقد رُوي عنه -ﷺ- في صلاة الخوف صفات أُخَرُ ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفةً، والصحيح ما ذكرناه أَوّلًا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبيّ، وإنما هو من اختلاف الرواة، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه اختُلف في أيّ سنة شُرعت صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختَلَف أهل السير في أيّ سنة كانت هي؟، فقال عامّة أهل السير، ابن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما: إنها كانت بعد بني النضير، والخندق، في جمادى الأولى سنة أربع، وقال ابن سعد، وابن حبّان: في عاشر محرّم سنة خمس، وقال أبو معشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها، وقال البخاريّ: بعد خيبر في السنة السابعة، ورجحه الإمام ابن القيّم، والحافظ، وذهب ابن القيّم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعُسْفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق، وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضًا، فعلم أنها بعد الخندق، وبعد عُسفان، وقد بسط الكلام في «الهدي» في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في «الفتح»، حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرّر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعُسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعيّن تأخرها عن الخندق، وعن قريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيَقْوَى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنهم اتفقوا على أن النبيّ -ﷺ- لَمْ يصل صلاة الخوف في غزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخرها نسيانًا، يدلّ عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: لا يا رسول اللَّه، ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، قال الحافظ: وفي صحته نظر؛ لأنه مخالف لما في «الصحيحين» من قوله -ﷺ- لعمر: «واللَّه ما صليتها»، ويمكن الجمع بينهما بتكلف. وقيل: أخّرها عمدًا؛ لأنه كان مشغولًا بالقتال، والاشتغالُ بالقتال، والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب «الهداية»، والطحاويّ، وأبو بكر الجصاص. وقيل: لأنه لَمْ يكن أُمر حينئذ أن يصلي صلاة الخوف راكبًا، فقد رُوي عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: «كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم الخندق، فشُغِلنا. . .» الحديث، وفي آخره: «وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]»، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والطيالسيّ، وعبد الرزاق، وغيرهم. وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان في الحضر، وشرط صلاة الخوف أن تكون في السفر ، قاله ابن الماجشون. وقيل: أخّرها عمدًا؛ لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإليه ذهب الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيّم في «الهدي»، والحافظ في «الفتح»، والقرطبيّ في «شرح مختصر مسلم»، وعياض في «الشفا»، وغيرهم، وهو الراجح ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١ - ١٠٢]. قد ذكر طائفة من السلف أنها نزلت في صلاة في السفر، لا في صلاة السفر بمجرده؛ ولهذا ذَكَر عقيبها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، ثم ذكر صفة صلاة الخوف، فكان ذلك تفسيرًا للقصر المذكور في الآية الأولى، وهذا هو الذي يشير إليه البخاريّ، وهو مروي عن مجاهد والسديّ والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير وغيره. وتقدير هذا من وجهين: أحدهما: أن المراد بقصر الصلاة قصر أركانها بالإيماء ونحوه، وقصر عدد الصلاة إلى ركعة. فأما صلاة السفر، فإنها ركعتان، وهي تمام غير قصر، كما قاله عمر -﵁-. ورَوَى سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عمر يقول: الركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، أخرجه ابن جرير وغيره. وروى ابن المبارك عن المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يُسأل عن الركعتين في السفر: أقصرُهما؟ قالَ: إنما القصر ركعةٌ عندَ القتال، وإن الركعتين في السفر ليستا بقصرٍ. وأخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر؟ قال: إنها ليست بتقصير، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم. وأخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع، عن ابن عباس، قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- ركعتين ركعتين، وحين أقام أربعًا أربعًا. وقال ابن عباس: فمن صلى في السفر أربعًا كمن صلى في الحضر ركعتين. وقال ابن عباس: لَمْ تقصر الصلاة إلّا مرّة واحدة حيث صلى رسول اللَّه -ﷺ- ركعتين، وصلى الناس ركعة واحدة. يعني: في الخوف. وروى وكيع، عن سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الخوف ركعة ركعة. قال سعيد: كيف تكون مقصورة وهما ركعتان؟. والوجه الثاني: أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق، يدخل فيه قصر العدد، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر، فأما إذا انفرد أحد الأمرين -وهو السفر أو الخوف- فإنه يختص بأحد نوعي القصر، فانفراد السفر يختص بقصر العدد، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان. لكن هذا مما لم يفهم من ظاهر القرآن، وإنما بيّن دلالةً عليه رسول اللَّه -ﷺ- والآية لا تنافيه، وإن كان ظاهرها لا يدل عليه. واللَّه -﷾- أعلم. وقيل: إن قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف، وإن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف. روي ذلك عن عَلِيّ -﵁-، أخرجه ابن جرير، عنه بإسناد ضعيف جدًا، لا يصح. واللَّه -﷾- أعلم. وقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف. فرَوَى منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقيّ، قال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- بعُسفان -وعلى المشركين خالد بن الوليد- فصلينا الظهر، فقال المشركونَ: لقد أصبنا غرةً، لقد أصبنا غفلةً، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول اللَّه -ﷺ- مستقبل القبلة والمشرطون أمامه، فصفَّ خلف رسول اللَّه -ﷺ- صف، وصفّ بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول اللَّه -ﷺ- وركعوا جميعًا، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول اللَّه -ﷺ- وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول اللَّه -ﷺ- والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا فسلّم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود -وهذا لفظه- والنسائي وابن حبان في «صحيحه» والحاكم. وقال: على شرطهما. وفي رواية للنسائي وابن حبان، عن مجاهد: نا أبو عياش الزرقي، قال: «كنا مع رسول اللَّه -ﷺ-» فذكره. وردّ ابن حبان بذلك على من زعم: أن مجاهدًا لَمْ يسمعه من أبي عياش، وأن أبا عياش لا صحبة له. كأنه يشير إلى ما نقله الترمذيّ في «علله» عن البخاري، أنه قال: كل الروايات عندي صحيحةٌ في صلاة الخوف، إلَّا حديث مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، فإني أراه مرسلًا. قال الحافظ ابن رجب: وابن حبان لَمْ يفهم ما أراده البخاريّ، فإن البخاري لَمْ ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ، وقد عدَّه في «تاريخه» من الصحابة، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش، وإنما مراده: أن هذا الحديث الصواب: عن مجاهد إرساله عن النبي -ﷺ- من غير ذكر أبي عياش؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد، عنه بخلاف رواية منصور، عنه، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم، عن مجاهد، عن النبي -ﷺ- مرسلًا من غير ذكر أبي عياش.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «الفتح» ٢/ ١٢٧.

٢. «زهر الربى» ٢/ ٢٨ - ٢٩.

٣. «المفهم» ٢/ ٤٦٨.

٤. «مرقاة المفاتيح» ٢/ ٣٥٦.

٥. «عمدة القاري» ٥/ ١٣٨.

٦. سيأتي في شرح الحديث التالي كلام لأبي الحسن بن القطّان أن قوله: «في الرابعة» مما وهم فيه سعيد الجريريّ؛ لاختلاطه، فالمحفوظ رواية كهمس هذه بلفظ: «في الثالثة»، وسيأتي الجواب عنه هناك -إن شاء اللَّه تعالى-.

٧. «الفتح»٢/ ١٢٧.

٨. «سنن الدارقطني» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.

٩. «التعليق المغني» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٦.

١٠. «الجوهر النقيّ» ٢/ ٤٧٦.

١١. «بيان الوهم والإيهام في كتاب الإحكام»٤/ ٣٤٤.

١٢. «بيان الوهم والإيهام في كتاب الإحكام»٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥.

١٣. «صحيح ابن حبان» ٤/ ٤٢٧.

١٤. «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ٤/ ٣٤٩.

١٥. راجع: شرح حديث رقم [١٥٧٥] (٦٨٧).

١٦. «المفهم» ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩.

١٧. راجع: «الفتح» ٣/ ١٠٢.

١٨. «نصب الراية» ٢/ ٢٤٧.

١٩. رواه أبو داود برقم (١٢٤٠).

٢٠. رواه أبو داود برقم (١٢٤٢).

٢١. «المفهم» ٢/ ٤٧٠ - ٤٧٣.

٢٢. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٧/ ١٤٥.

٢٣. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ١/ ٥٣١ - ٥٣٢.

٢٤. راجع:«الفتح»٨/ ١٨٧ - ١٨٨، و«مرعاة المفاتيح»١/ ٥.

٢٥. سيأتي أن الراجح مشروعيّتها في الحضر أيضًا.

٢٦. «المرعاة» ٥/ ١ - ٢.