HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٤٥

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أخبرني يونس عن ابن شهاب. حدثنني سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ. فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ. فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَان يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ!
ج ٢ ص ٥٨٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٤٨
(١٩٠٠) حدّثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم (ح) وثنا محمد بن إبرأهيم، ثنا أبو العباس بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- وهو قائم على المنبر- يقول: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٥] (٨٤٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وهم المذكورون في السند السابق، سوى: ١ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، مشهورٌ جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّاته. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه مرّتين. ٥ - (ومنها): أن عمر -﵁- أحد الخلفاء الراشدين جمّ المناقب، وأن عبد اللَّه أحد العبادلة الأربعة، وأكثر المكثرين من الرواية، جمّ المناقب أيضًا، وأن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبدًا للَّه بن عمر -﵄- (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁-. [تنبيه]: قال في «الفتح» ما حاصله: أورد البخاريّ هذا الحديث من رواية جويرية بن أسماء، عن مالك، وهو عند رواة «الموطأ» عن مالك ليس فيه ذكر «ابن عمر»، فحَكَى الإسماعيليّ، عن البغويّ بعد أن أخرجه من طريق رَوْح بن عُبادة عن مالك، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك، عبدَ اللَّه بن عمر غير رَوْح بن عُبادة، وجُوَيرية. انتهى. وقد تابعهما أيضًا عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه، بذكر ابن عمر. وقال الدارقطنيّ في «الموطأ»: رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات عنه خارج «الموطأ» موصولًا عنهم، فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: وأبو عاصم النبيل، وإبراهيم بن طَهْمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب بن عطاء، وذكر جماعةً غيرهم، في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك. وزاد ابن عبد البرّ فيمن وصله عن مالك: القعنبيّ في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه. ورواه عن الزهريّ موصولًا بونس بن يزيد عند مسلم، ومعمر عند أحمد، وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ. ولِجُويرية بن أسماء فيه إسناد آخر أعلى من روايته عن مالك، أخرجه الطحاويّ وغيره من رواية أبي غَسّان، عنه، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-. انتهى . (بَيْنَا) هي «بين» الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تزاد فيها «ما»، فتصير «بينما»، وهما ظرف زمان، فيه معنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة فعليّة، أو اسميّة، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجواب «بينا» هنا قوله: «دخل رجلٌ». (هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية للبخاريّ: «إذ دخل رجل»، وفي بعض روايته: «إذ جاء رجلٌ». [تنبيه]: الرجل المذكور هو عثمان بن عفّان -﵁-، كما سمّاه أبو هريرة -﵁- في الرواية التالية، وكذا سمّاه ابنُ وهب، وابن القاسم في روايتهما عن مالك في «الموطأ»، وكذا سماه معمرٌ في روايته عن الزهريّ، عند الشافعيّ وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك . (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ: «إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأولين، من أصحاب النبيّ -ﷺ-». وقوله: «من المهاجرين الأولين» قيل في تعريفهم: مَن صَلَّى إلى القبلتين، وقيل: مَن شَهِدَ بدرًا، وقيل: من شهد بيعة الرضوان، ولا شك أنها مراتب نسبية، والأول أولى في التعريف؛ لسبقه، فمن هاجر بعد تحويل القبلة وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة إلى من هاجر قبل التحويل، قاله في «الفتح» . وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيُّ -﵀- في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ … فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتِيْنِ أَوْ هُمُ … بَدْرِيَّةٌ أَقَبْلَ فَتْح أَسْلَمُوا (فَنَادَاهُ عُمَرُ) أي: قال له يا فلان (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟) «أَيَّةُ» بتشديد التحتانية تأنيث «أَيّ» يُستفهَم بها، وأنّث «أيّة» لأجل «ساعة»، ويجوز تذكيرها وتأنيثها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقرى في الشاذّ: «بأيّة أرض تموت»، وتقول: أيُّ امرأة جاءتك؟، وأيّةُ امرأة جاءتك؟، وشبّه سيبويه تأنيث «أيّة» بتأنيث «كل» في قولهم: «كلّهنّ»، قاله في «العمدة» . و«الساعة»: اسم لجزء من النهار مُقَدَّرٍ، وتُطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة -﵁- عند البخاريّ، ولفظه: «فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟»، وفي رواية مسلم التالية: «فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء». قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن عمر -﵁- قال ذلك كله، فَحَفِظ بعضُ الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طَوَت الملائكة الصحف، كما سيأتي قريبًا، وهذا من أحسن التعريضات، وأرشق الكنايات، وفَهِمَ عثمان -﵁- ذلك، فبادر إلى الاعتذار عن التأخر. انتهى . (فَقَالَ) عثمان -﵁-: (إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ) ببناء الفعل للمفعول، وقد بَيَّنَ جهة شغله في رواية عبد الرحمن ابن مهدي حيث قال: «انقلبت من السوق، فسمعت النداء». (فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي) أي: لم أرجع إليهم، قال في «العمدة»: الانقلاب: الرجوع من حيث جاء، وهو انفعال، من قَلَبْتُ الشيءَ: إذا كببته، أو رددته. انتهى . (حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ) بكسر النون أشهر من ضمّها، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب (فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ) أي: لم أشتغل بشيء بعد أن سماعي للنداء إلا بالوضوء، وهذا يدل على أنه دخل المسجد في ابتداء شروع عمر -﵁- في الخطبة. (قَالَ عُمَرُ) -﵁- (وَالْوُضُوءَ أَيْضًا) فيه إشعار بأنه قَبِلَ عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتَّجَهَ له عليه فيه إنكار ثانٍ مضاف إلى الأول. قال في «الفتح»: وقوله: «والوضوء» في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر النوويّ في «شرح مسلم»: أي: والوضوءَ أيضًا اقتصرت عليه، أو اخترته دون الغسل، والمعنى: ما اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء. وجَوَّز القرطبيّ الرفع، على أنه مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: والوضوءُ أيضًا يُقْتَصَرُ عليه. وأغرب السُّهَيليّ، فقال: اتَّفَقَ الرواة على الرفع؛ لأن النصب يخرجه إلى معنى الإنكار؛ يعني: والوضوء لا ينكر، وجوابه ما تقدم، والظاهر أن الواو عاطفةٌ، وقال القرطبيّ: هي عوض عن همزة استفهام، كقراءة ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «والوضوء أيضًا» جاءت الرواية فيه بالواو، وحذفها، وبنصب «الوضوء» ورفعه، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول، وهو قوله: «أيّةُ ساعة هذه؟»؛ لأن معنى الإنكار: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفَوَّتَّ فضيلة السبق، حتى أتبعته بترك الغسل، والقناعة بالوضوء؟، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولًا عليها بتلك اللفظة. وأما وجه حذف الواو فظاهر، ولكن يكون لفظ «الوضوءُ» بالرفع والنصب، أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حُذِف خبره، تقديره الوضوءُ أيضًا يُقْتَصَر عليه، ويجوز أن يكون خبرًا محذوفَ المبتدأ، تقديره: كفايتك الوضوءُ أيضًا، وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل، والتقدير: أتتوضأ الوضوءَ فقط؛ يعني: اقتصرتَ على الوضوء وحده. انتهى . وقوله: (أَيْضًا) منصوب على أنه مصدرٌ، من آض يئيض؛ أي: عاد ورجع، قال ابن السِّكِّيت: تقول: فعلته أيضًا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. انتهى. وقال في «الفتح»: وقوله: «أيضًا»؛ أي: ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل المرغَّب فيه. قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان -﵁- عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه؛ اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان ذاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل؛ لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالغسل، وكلٌّ منهما مُرَغَّبٌ فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره، واللَّه أعلم. انتهى . وقوله: (وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أنك قد علمت أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: قوله: «كان يأمر بالغسل» كذا في جميع الروايات، لم يُذكَر المأمور، إلا أن في رواية جويرية، عن نافع، بلفظ: «كنا نؤمر»، وفي حديث ابن عباس -﵄- عند الطحاويّ في هذه القصة: أن عمر قال له: لقد عَلِمَ أَنَّا أُمِرنا بالغسل، قلت: أنتم المهاجرون الأولون، أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، ورواته ثقات، إلا أنه معلول. وقد وقع في رواية أبي هريرة -﵁- في هذه القصة: أن عمر -﵁- قال: ألم تسمعوا أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل»، كذا هو في «الصحيحين» وغيرهما، وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين الأولين. انتهى ، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى) حديث عمر بن الخطّاب -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٩٥٥] (٨٤٥)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٨٧٨)، و(الترمذيّ) في «الجمعة» (٤٩٤ و٤٩٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١٥٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٩ و٤٥)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٠١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالغسل للجمعة. ٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة القيام للخطبة، وأنه من سننها، وأنه على المنبر. ٣ - (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على من خالف السنّة، وإن كان عظيم القدر. ٤ - (ومنها): أن فيه مواجهةَ الإمام بالإنكار للكبير في مجمع من الناس؛ ليرتدع من هو دونه بذلك. ٥ - (ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها، وأنه يسقط منع الكلام عن المخاطب بذلك. ٦ - (ومنها): الاعتذار إلى ولاة الأمور. ٧ - (ومنها): إباحة الشغل والتصرّف يوم الجمعة قبل النداء، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر -﵁- لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصّة. ٨ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به مالك على أن السوق لا تُمنع يوم الجمعة قبل النداء؛ لكونها كانت في زمن عمر -﵁-، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان -﵁- وإنما يجب السعي، وحرمة البيع والشراء بالأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر؛ لأنه هو الأصل، وبهذا قال الشافعيّ وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار، ثم اختَلَف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت، فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعيّ يجوز البيع مع الكراهة، وعند مالك، وأحمد، والظاهرية البيع باطل، ذكره في «العمدة» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأهل الظاهر هو الحقّ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): جواز شهود الفضلاء السوق، ومزاولة التجارة فيها. ١٠ - (ومنها): أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين. ١١ - (ومنها): أنه قال القاضي عياض -﵀-: فيه حجة لكون السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية. وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من التأخُّر إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل تقدم ما يدلّ على أنه لم يفت عثمان -﵁- من الخطبة شيءٌ، وعلى تقدير أن يكون فاته منها شيء فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهودها على من تنعقد به الجمعة، قاله في «الفتح» . ١٢ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ بعضهم بقوله: «كان يأمر بالغسل» أن الغسل يوم الجمعة واجب، وهذا الاستدلال ضعيفٌ؛ لأنه لو كان واجبًا لرجع عثمان حين كلمه عمر -﵄-، أو لَرَدّه عمر حين لم يرجع، فلما لم يرجع، ولم يؤمر بالرجوع، وبحضرتهما المهاجرون والأنصار دَلّ على أنه ليس بواجب، وهذه قرينة على أن المراد من قوله -ﷺ- في الحديث الذي فيه: «فليغتسل» ليس أمر إيجاب، بل هو للندب الأكيد، وكذا المراد من قوله: «واجب» أنه في التأكّد كالواجب جمعًا بين الأدلة، قاله في «العمدة» ، واللَّه تعالى أعلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) وله اثنتان وسبعون (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. و«عمر» -﵁- ذُكر قبله. وقوله: (فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ) بتشديد الراء، من التعريض، يقال: عرّضتُ به تعريضًا: إذا قلت قولًا، وأنت تعنيه، فالتعريض خلاف التصريح من القول، قاله في «المصباح» . وقوله: (فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟) قال القرطبيّ -﵀-: هذا إنكار منه على عثمان تأخّره عن وقت وجوب السعي، ثم عَذَرَ عثمان حين اعتذر بقوله: «ما زدت على أن توضّأت» يعني: أنه ذَهِلَ عن الوقت، ثم تذَكَّرَه، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مسوّغ. انتهى . وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الفتح» ٢/ ٤١٨.

٢. راجع: «الفتح» ٢/ ٤١٨.

٣. «الفتح» ٢/ ٤١٨.

٤. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ٢٤٠.

٥. «الفتح» ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.

٦. «عمدة القاري» ٦/ ٢٤١.

٧. «الفتح» ٢/ ٤١٩.

٨. راجع: «العمدة» ٦/ ٢٤١.

٩. «الفتح» ٢/ ٤١٩.

١٠. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ٢٣١.

١١. «الفتح» ٢/ ٤١٩.

١٢. «عمدة القاري» ٦/ ٢٤١.

١٣. «الفتح» ٢/ ٤٢٠.

١٤. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢.

١٥. وفي نسخة: «ألم تسمعوا أن رسول اللَّه -ﷺ-».

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٣.

١٧. «المفهم» ٢/ ٤٨٠.