HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٥٥

وحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا. وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا. هَدَانَا اللَّهُ لَهُ. فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ. الْيَهُودُ غَدًا. وَالنَّصَارَى بعد غد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص6
ج ٢ ص ٥٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص١٦٦
الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابّة، إلا وهي مُسِيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس؛ شفقًا من الساعة، إلا الجنّ والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه»، قال كعب: ذلك في كلّ سنة مرة، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول اللَّه -ﷺ-، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد اللَّه بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، وما حدثته في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال عبد اللَّه بن سلام: كَذَبَ كعب، ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، قال عبد اللَّه بن سلام: صَدَقَ كعب. وهذا إسناد صحيح. (١٠١٦٧) حدّثنا يزيد ، أخبرنا محمد ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي، وقَبَضَ أصابعه يُقَلِّلها، يسأل اللَّه -﷿- خيرًا إلا أعطاه إياه». وهذا إسناد حسنٌ. والحاصل أن الحديث صحيح ثابت من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٧٨] (٨٥٥) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نَزَل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ الثقة الحافظٌ الفقيه الإمام الحجة، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم في السند الماضي. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم في السند الماضي أيضًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم في السند الماضي أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، ثم رَقّيّ، وسفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة -﵁-، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الْآخِرُونَ) -بكسر الخاء المعجمة- أي: المتأخرون زمانًا (وَنَحْنُ السَّابِقُونَ) أي: المتقدّمون على الأمم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحْشَر، وأول من يُحاسَب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث حذيفة -﵁- الآتي:»نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق«. وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ -﵀-: والتقييد بـ«يوم القيامة» يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تَبَعٌ له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا. وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف. [فإن قلت]: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟. [قلت]: يَحْتَمِل أنه ذُكِر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخرويّة، بل سابقون فيها. ويَحْتَمِل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، ما دام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأول؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . (بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) «بَيْدَ» -بموحّدة، ثم تحتانيّة ساكنة- مثل «غير» وزنًا وَمعنًى، وبه جزم الخليل، والكسائيّ، ورجحه ابن سِيدَهْ، وَرَوَى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى «بيد»: «من أجل»، وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزنيّ، عن الشافعيّ، وقد استبعده عياض، ولا بُعْدَ فيه، بل معناه: إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم. ويشهد له ما في «فوائد ابن المقري» من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: «نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا». وفي «موطأ» سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ: «ذلك بأنهم أوتوا الكتاب». وقال الداوديّ: هي بمعنى «على»، أو «مع». وقال القرطبيّ: إن كانت بمعنى «غير»، فالنصبُ على الاستثناء، وإن كانت بمعنى «مع»، فالنصبُ على الظرفية. وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: «نحن الآخرون» مع كونه أمرًا واضحًا. قاله في «الفتح». وقال الحافظ وليّ الدين -﵀-: «بيد» -بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهملة- وحَكَى بعضهم أنه يقال فيها: «ميد» بالميم، والمشهور أنها بمعنى «غير»، وقد جزم بذلك في «الصحاح»، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في «المحكم» مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى «على»، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحَكَى في «المشارق» قولًا آخر أنها بمعنى «إلّا»، ثم قال: وقد تأتي بمعنى «من أجل»، ومنه قوله -ﷺ-: «بيد أني من قريش»، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد. انتهى. وأنشدوا على مجيئها بمعنى «من أجل» قولَ الشاعر [من الرجز]: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي وقد ذكر ابن مالك أن «بيد» في قوله -ﷺ-: «بيد أني من قُريش» بمعنى «غير»، مثل قوله [من الطويل]: وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في «النهاية». وعبارة ابن مالك -﵀- في «التوضيح»: و«بيد» بمعنى «غير»، والمشهور استعمالها متلُوّةً بـ «أَنَّ»، كقوله -ﷺ-: «نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم»، ومنه قول الشاعر [من الرمل]: بَيْدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ … فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بِإِزَارِ وقول الراجز: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … . . . . . . . . . . البيت والأصل في رواية من روى «بيد كلّ أمة»: بيد أنّ كل أمة، فحُذفت «أنّ»، وبطل عملها، وأُضيف «بيد» إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي «أَنّ»، وهذا الحذف في «أنّ» نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف «أَنْ» فإنهما أختان في المصدريّة، وشبيهتان في اللفظ. وقد حَمَل بعض النحويين على حذف «أن» قول الزبير -﵁-: فَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَطَبْتُهَا ومما حُذف فيه «أَنْ»، واكتُفي بصلتها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والأصل أن يريكم؛ لأن الموضع موضع مبتدأ وخَبَرُهُ ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾. ومثله قوله -ﷺ-: «لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تُحِدّ على ميّت فوق ثلاث»، متّفق عليه. وقوله -ﷺ-: «لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها»، أراد: أن تُحدّ، وأن تسأل. قال: والمختار عندي في «بيد» أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى «إلا» مفهوم منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]: فتًى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ … جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِيَا والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما قوله: وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِب يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاع عَيْبًا، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: «وأوتيناه من بعدهم»؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقًا في الوجود. وعلى هذا الأسلوب أيضًا قوله: «ثم هذا يومهم. . .» إلى آخره، يعني: أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار -ﷺ- بقوله: «والناس لنا فيه تبعٌ». انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقال في «الطرح»: وإنما استبعد القاضي عياض كون «بيد» في الحديث الذي نشرحه بمعنى «من أجل»؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو «السابقون»، فهو استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى مِن سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد في المعنى كونها بمعنى «غير»، وكونها بمعنى «على»، وكونها بمعنى «إلّا». أما إذا جعلناه متعلّقا بقوله: «الآخرون» اتجه كونها بمعنى «من أجل»؛ أي: نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بيّن وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة. وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية؛ أي: إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر. وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم «بأيد» بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوة أعطاناها اللَّه، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون «إنهم» مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صُحّف، والصواب الأول عند أكثرهم. انتهى. [واعلم]: أن الحديث في «مسند الشافعي» من طريق طاوس، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ «بَيْدَ» كما هو الرواية المشهورة. ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ «بايد»، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل «بيد»، إلَّا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي بعضها «بأيد»؛ ومعناه: بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في «النهاية»، فقال: وجاء في بعض الروايات «بايد أنهم»، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها «بأيد» أي: بقوّة. ورواه البيهقيّ في «سننه» من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد «بايد»، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه. انتهى كلام ولي الدين -﵀- . وقوله: (أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: أعطيته، واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: «وأوتيناه» للقرآن، وقال القرطبيّ: المراد بـ «الكتاب» التوراة، وفيه نظر؛ لقوله: «وأوتيناه من بعدهم»، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن، قاله في «الفتح». (وَأُوتِينَاهُ) أي: الكتاب، والمراد القرآن (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد انقضاء زمن كلّ الأمم السابقة. (ثمَّ) هي لترتيب الإخبار، ويَحْتَمِل أن تكون لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليوم . (هَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ «هذا» لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا. . .» الحديث. (الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي: فرض اللَّه تعالى علينا أيتها الأمة المحمّدية تعظيمه، وفي الرواية التالية: «وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه» (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي: بالثبات عليه حين شَرَعَ لنا العبادة فيه. وقال في «الفتح»: قوله: «فهدانا اللَّه له»: يَحْتَمِل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه -ﷺ-، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: «كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة أسعد بن زُرَارة. . .» الحديث. فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ -ﷺ- علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس -﵄- عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خُلق للعبادة، فناسب أن يَشتغل بالعبادة فيه، ولأن اللَّه تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي يَنتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه. انتهى . (فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) -بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة- جمع تابع؛ كالخَدَم جمع خادم. قال الحافظ ولي الدين -﵀-: الظاهر أن معناه: إنا أول من هداه اللَّه للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تَبَعٌ لنا. وعن أبي هريرة وحذيفة -﵄- قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء اللَّه بنا، فهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم»، وفي رواية: «بينهم قبل الخلائق». ورواه البزّار في «مسنده» بلفظ: «المغفورُ لهم قبل الخلائق». ويَحْتَمِل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلًا به، واللَّه أعلم. انتهى كلام ولي الدين -﵀- . (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ») وفي رواية أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁- عند ابن خُزيمة:«فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد». والمعنى: أنه لنا بهداية اللَّه تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم. قال الطيبيّ -﵀-: قوله:«اليهود غدًا»أي: اليهود تبع لنا في غد، والنصارى تبعٌ لنا بعد غد، والقرينة قوله:«والناس لنا تبَعٌ». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-:«غدًا»هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله:«وبَعدَ غد»، ولا بدّ من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة. انتهى. وقال ابن مالك -﵀-: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد. انتهى. وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبيّ، قاله في«الفتح». قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا وجه لترجيح قول عياض وابن مالك، بل ما قاله القرطبيّ وجيهٌ أيضًا، وأوجه منهما ما قاله الطيبيّ؛ للقرينة الدالّة عليه، كما سبق، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٨/ ١٩٧٨ و١٩٧٩ و١٩٨٠ و١٩٨١] (٨٥٥)، و(البخاريّ) في «صحيحه» (٢٣٨ و٨٧٦ و٨٩٦ و٦٦٢٤ و٦٨٨٧ و٧٠٣٦ و٧٤٩٥ و٩٦٢٦)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٣٦٧) و«الكبرى» (١٦٥٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٣ و٢٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٢٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٣٤ و٢٥٣٥ و٢٥٣٦ و٢٥٣٧ و٢٥٣٨ و٢٥٣٩ و٢٧٨٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٢٤ و١٩٢٥ و١٩٢٦ و١٩٢٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٤٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الجمعة. ٢ - (ومنها): أن الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا قويًّا على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة. ٤ - (ومنها): أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة. ٥ - (ومنها): بيان سقوط القياس مع وجود النصّ، وذلك أن كلا الفريقين قال بالقياس مع وجود النصّ، فضلّوا بذلك. ٦ - (ومنها): أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل. ٧ - (ومنها): أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز. ٨ - (ومنها): أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك. ٩ - (ومنها): أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها اللَّه تعالى شَرَفًا وفضلًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ طَاوُسِ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيَرِيّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. [تنبيه]: قوله: (وابنِ طاوس. . . إلخ) بالجرّ عطفًا على «أبي الزناد»، فسفيان بن عيينة يرويه بالطريقين: طريقِ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-، وطريق عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-. والباقون ذُكروا في السند الماضي، و«سفيان» هو ابن عيينة. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيينة مثل رواية عمرو الناقد، عنه الماضية. [تنبيه]: رواية سفيان، بهذين الطريقين، ساقها النسائيّ -﵀-، فقال: (١٣٦٧) أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وابنِ طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب اللَّه -﷿- عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه -﷿- له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأَسَديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرِعٌ، لكنه يدلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذَكْوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. و«أبو هريرة»-﵁- ذُكر قبله. وقوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ) وفي الرواية التالية:«نحن السابقون»أي: في الفضل والكرامة على اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ -ﷺ-:«أنتم موفّون سبعين أمةً، أنتم خيرها، وأكرمها على اللَّه -﷿-»، حديث حسنٌ، رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما. وقوله: (فَاخْتَلَفُوا. . . إلخ) هكذا في هذه الرواية بذكر«اختلفوا»مرّتين، فيحتَمِل أن يكون هذا لبيان مطلق اختلافهم على أنبيائهم، و«اختلفوا» الثاني لبيان اختلافهم في يوم الجمعة، ويَحْتَمِل أن يكون الثاني تفصيلًا لما أُجمل في الأولى، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) قال القاضي عياض -﵀-: الظاهر أنه فُرِض عليهم تعظيم يوم في الجمعة بغير تعيين، ووُكِل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختَلَف اجتهادهم في تعيينه، ولم يَهْدِهم اللَّه له، وفرضه على هذه الأمة مُبَيَّنًا، ولم يَكِله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء أن موسى -﵇- أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دَعْهُم، قال القاضي: ولو كان منصوصًا لم يصح اختلافهم فيه، بل كان يقول: خالفوا فيه. وتعقّبه النوويّ، فقال: يمكن أن يكون أُمروا به صريحًا، ونُصّ على عينه، فاختلفوا فيه، هل يلزم تعيينه، أم لهم إبداله؟ وأبدلوه، وغَلِطُوا في إبداله. انتهى . وقوله: (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذا مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لَمّا فُرِض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه للَّه، واتخاذه عيدًا للاجتماع فيه لذكر اللَّه فيه، ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا اللَّه للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعًا، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ. وإنما ضَلّت الطائفتان قبلنا؛ لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسولهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ. وفي الحديث دليلٌ على أن الجمعة فرض من اللَّه واجب علينا، كما كان على من قبلنا، فإن اللَّه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيدًا ومجمعًا لذكر اللَّه وعبادته، فبدّلوه بغيره من الأيام، وهدانا اللَّه لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيدًا؛ لذكر اللَّه والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. انتهى . وقوله: (قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) هذا بيان لاسم الإشارة في قوله: «هذا يومهم الذي. . . إلخ»، يعني: أن المشار إليه هو يومُ الجمعة، وفي رواية النسائيّ: «يعني: يوم الجمعة»، وهي واضحة، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَالْيَوْمَ لَنَا) يَحْتَمِل أن يكون «اليوم» مرفوعًا على الابتداء، خبره «لنا»، ويَحْتَمِل النصب على الظرفيّة، و«لنا» صفة لمبتدأ محذوف؛ أي: عيدٌ لنا كائن اليوم، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى) تقدّم أنه على حذف مضاف؛ أي: عيد اليهود كائن غدًا، وعيد النصارى كائنٌ بعد غد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، أَخي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الْآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ
مصادر المؤلف (١٧)

١. هو ابن هارون.

٢. هو ابن عمرو بن علقمة.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.

٤. في نسخة «الطرح»: «أن تزني»، وفي «اللسان»: «لم تُرنِّي»، ولعله الصواب، ومعناه: لم تصيحي بالبكاء.

٥. أي: شدّ وأحكم.

٦. «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» ص ١٥٤ - ١٥٦.

٧. «الكاشف» ٤/ ١٢٦١ - ١٢٦٢.

٨. هكذا نسخة «الطرح»: «ويتّحد»، ولعل الصواب: «ويتّجه»، كما يدلّ عليه كلامه الآتي، فتأمل.

٩. «طرح التثريب» ٣/ ١٣١ - ١٥٤.

١٠. «فتح الباري» لابن رجب ٨/ ٧١.

١١. «الفتح» ٢/ ٤١٤.

١٢. «طرح التثريب»٣/ ١٥٧.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١٢٦٣.

١٤. «الفتح» ٢/ ٤١٤.

١٥. أي: في أيام الأسبوع.

١٦. «شرح النووي» ٦/ ١٤٣ - ١٤٤.

١٧. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٨/ ٧٢.