HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٦٧

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ. حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ. وَيَقُولُ. «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ». ويقرن بين أصبعيها لسبابة وَالْوُسْطَى. وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ. وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ. وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا. وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ. وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضياعا فإلي وعلي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص11
ج ٢ ص ٥٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٢٥٦
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ، عَنْ سِمَاكٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا قبله، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٥] (٨٦٧) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ، وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسطَى، وَيَقُولُ: «أمّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت ١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٩. ٤ - (أَبُوهُ) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦١. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄-، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من جعفر، وشيخه وشيخ شيخه بصريّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع الفاعليّة؛ أي: ارتفع صوته (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) إنما يفعل ذلك؛ إزالة للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكّن فيها الوعظ فضلَ تمكّن، ويؤثّر فيها حقّ تأثير، أو لأنه يتوجّه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار الهيبة الإلهيّة، واستُدلّ به على أنه يُستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة، ويَرفع صوته وكلامه؛ ليكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب، ولعلّ اشتداد غضبه -ﷺ- كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، قاله في «المرعاة» . وقال القرطبيّ -﵀-: كان هذا منه -ﷺ- في أحوال، وهذا مشعر بأن الواعظ حقّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلّم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتداد غضبه -ﷺ-، فيَحْتَمل أن يكون عند نهيه عن أمر خُولف فيه، أو يُريد أن صفته صفة الغضبان. انتهى . (حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما دَهَمَهم من عدوّ، أو غيره؛ أي: كمن يُنذر قومًا من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم (يَقُولُ) ذلك المنذر، والجملة في محلّ رفع صفة لـ «منذر»، أو حالٌ؛ لتخصيصه بالإضافة. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «يقول» يجوز أن يكون صفةً لـ «منذرُ جيشٍ»، وأن يكون حالًا من اسم «كأَنَّ»، والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذن رسول اللَّه -ﷺ-، و«يقول» الثاني عطفٌ على الأول، وعلى الوجه الأول عطفٌ على جملة «كأنّه». انتهى . (صَبَّحَكُمْ) بتشديد الموحّدة، والفاعل ضمير يعود إلى العدوّ المنذَر به، والضمير المنوب يعود إلى المنذَرين؛ أي: نزل بكم العدوّ صباحًا، والمراد أنه سينزل، وعبّر بصيغة الماضي؛ لتحقّقه. قال الطيبيّ -﵀-: مَثَّلَ حالَ رسول اللَّه -ﷺ- في خطبته، وإنذاره بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرديهم بحال من يُنذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتةً من كلّ جانب بحيث لا يفوت منهم أحدٌ، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على تغافلهم، كذلك حال رسول اللَّه -ﷺ- عند الإنذار، وإلى قرب المجيء أشار بإصبعيه، ونظيره ما رُوي أنه لَمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فِهر، يا بني عديّ. . .» الحديث، متّفقٌ عليه. انتهى . (وَمَسَّاكُمْ) بتشديد السين المهملة، مثلُ «صَبّحكم»، والمراد: الإنذار بإغارة الجيش في الصباح والمساء. وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ضمير «يقول» للنبيّ -ﷺ-، والجملة حال، وضمير «صبّحكم، ومسّاكم» للعذاب، والمراد به: قَرُب منكم، إن لم تطيعوني هلكتم، والوجه الأول هو الأظهر، واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقُولُ) أي: النبيّ -ﷺ-، فهو عطف على «احمرّت عيناه» («بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ)»أنا«تأكيد للضمير المتّصل، وإنما أكّده به؛ ليصحّ عطف»والساعةُ«عليه، كما قال في»الخلاصة«: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِل مَّا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ وقال النوويّ -﵀-: رُوي بنصب«الساعة»ورفعها، والمشهور نصبها، على المفعول معه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد النوويّ بالمشهور المشهور من حيث الروايةُ فذاك، وإلا فمن حيث القاعدةُ النحويّة في مثل هذا الرفعُ أولى؛ لأنه إذا أمكن العطف بلا ضعف، فهو أحقّ، وهنا كذلك للفصل بالضمير المنفصل، وإلا فالنصب أحقّ، نحو سرتُ وزيدًا؛ لعدم الفصل، وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في«الخلاصة»حيث قال: وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقْ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارُ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ وقال القرطبيّ -﵀-: قيّدناه بالنصب، والرفع، فأما النصب فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوفٌ على التاء في«بُعِثْتُ»، وفَصَل بينهما بـ«أنا»؛ توكيدًا للضمير، على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب؛ بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين، واتّصالهما، واختار آخرون الرفعَ؛ بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني: أن ما بين زمان النبيّ -ﷺ-، وقيام الساعة قريب كقرب السبّابة من الوسطى، وهو واقع، واللَّه أعلم . وقد جاء من حديث المستورد بن شدّاد -﵁- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال:«بُعثتُ في نفس الساعة، فسَبَقتها كما سبقت هذه»لإصبعيه السبّابة والوسطى . (كَهَاتَيْنِ») «ها» هي حرف تنبيه، و«تين» تثنية «تا» ضمير للمؤنّثة، مجرور بالكاف؛ أي: مثل هاتين الإصبعين (وَيَقْرُنُ) بضمّ الراء على المشهور الفصيح، وحُكي كسرها، قاله النوويّ -﵀- . وقال الفيّوميّ -﵀-: قَرَنَ بين الحجّ والعمرة، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب ضَرَبَ: جَمَع بينهما في الإحرام. انتهى . (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ، بوزن عُصْفُور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله: (السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدل من «إصبعيه»، ويجوز قطعها إلى الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هي، والنصب بتقدير فعل؛ أي: أعني، وهي بتشديد الموحّدة: الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنهم يشيرون بها عند السبّ (وَالْوُسْطَى) بضمّ الواو، مقصورًا، تأنيث الأوسط، وهي الإصبع التي تلي السبّابة. قال السنديّ -﵀-: التشجيه في المقارنة بينهما؛ أي: ليس بينهما إصبع أخرى، كما أنه لا نبيّ بينه -ﷺ- وبين الساعة، أو في قلّة التفاوت بينهما، فان الوسطى تزيد على المسبحة بقليل، فكأن ما بينه -ﷺ- وبين الساعة في القلّة قدرُ زيادة الوسطى على المسبّحة. انتهى . (وَيَقُولُ) -ﷺ- «أمَّا بَعْدُ)»أما«كلمة تَفْصِل ما بعدها عما قبلها، وهي حرفٌ متضمّنٌ للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدّرها النحويّون بـ»مهما يكن من شيء«، وإلى هذا أشار في»الخلاصة«بقوله:»أَمَّا«كَـ»مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ«وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا و«بَعْدُ»ظرف زمانيّ قُطِع عن الإضافة مع كونها مرادةً، فبُني على الضمّ، وخصّ بالضمّ؛ لأنه حركة ليست في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمّنه«أما»من معنى الشرط . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله:«أما بعدُ»هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدّم قصّة، أو حمد اللَّه تعالى، والصلاة والسلام على النبيّ -ﷺ-، والأصل أن يقال: أما بعد حمد اللَّه تعالى، و«بَعْدُ»إذا أُضيف إلى شيء، ولم يتقدّم عليه حرف جرّ، فهو منصوب على الظرف، وإذا قُطِع عنه المضاف إليه يُبنَى على الضمّ، والمفهوم أنه -ﷺ- قال ذلك في أثناء خطبته ووعظه، وأنشد التوربشتيّ لسحبان [من الطويل]: لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي … إِذَا قُلْتُ«أَمَّا بَعْدُ»أَنِّي خَطِيبُهَا والفاء لازمة لما بعد«أمّا»من الكلام؛ لما فيها من معنى الشرط. قال:«أما»وُضِعَ للتفضيل، فلا بُدّ من التعدّد، روى صاحب«المرشد»عن أبي حاتم أنه لا يكاد يوجد في التنزيل«أما»وما بعدها إلا وتثنَّى، أو تثلّث، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾، وعامله مقدّر؛ أي: مهما يكن من شيء بعد تلك القصّة فإن خير الحديث كتاب اللَّه، فالذي يتضمّن القرينة السابقة قول الراوي في الحديث:«إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرِن بين إصبعيه السبّابة والوسطى، ويقول: أما بعد. . . «الحديث. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقد استوفيت البحث في«أما بعد»في«شرح المقدمة»عند قوله:«أما بعد»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ) -ﷺ- قال النوويّ -﵀-: هو بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وإسكان الدال أيضًا، ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي عياض -﵀-: رويناه في مسلم بالضمّ، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهرويّ، وفسّره الهرويّ على رواية الفتح بالطريق؛ أي: أحسنُ الطرق طريقُ محمد -ﷺ-، يقال: فلانٌ حسن الهدي؛ أي: الطريقة، والمذهب، «اهتدوا بهدي عَمّار». وأما على رواية الضمّ، فمعناه الدلالة، والإرشاد. قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان: [أحدهما]: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل، والقرآن، والعباد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، و﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: بيّنّا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]. [والثاني]: بمعنى اللطف، والتوفيق، والعصمة، والتأييد، وهو الذي تفرّد اللَّه تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. وقالت القدرية: حيث جاء الهدى، فهو للبيان، بناءً على أصلهم الفاسد في إنكار القدر، وردّ عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحقّ، مثبتي القدر للَّه تعالى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، ففرّق بين الدعاء والهداية. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: و«الهدي»: السيرة، يقال: هُدي هَدْي زيد: إذا سار سيرته، من تهادت المرأة في مشيها: إذا تبخترت، ولا يكاد يُطلق إلا على طريقة حسنة، وسنّة مرضيّة، ولذلك حسُن إضافة الخير إليه، والشرّ إلى الأمور، واللام في «الهدي» للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدّد، وهو داخل فيه، ولأنه لو لم تكن للاستغراق لم تُفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنّته على سائر الأديان والسنن. انتهى . (وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) مبتدأ وخبره، والجملة عطف على جملة «إن الحديث. . . إلخ»، ويجوز نصب «شرَّ» عطفًا على اسم «إنّ»، و«محدثاتها» عطف على خبرها، فيكون من عطف المعمولين على المعمولين، وبالرفع عطفًا على محلّ «إنّ» واسمها . قال في «الفتح»: «المحدَثات» بفتح الدال جمع محدثة، والمراد بها ما أُحدث، وليس له أصل في الشرع، وُشممّى في عرف الشرع «بدعةً»، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يُسَمَّى بدعةً، سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث الذي ورد في حديث عائشة -﵂- مرفوعًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: يعني: المحدَثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحّة والجواز، وهي المسمّاة بالبِدَعِ، ولذلك حُكم عليها بأنّ كل بدعة ضلالة، وحقيقة البدعة: ما ابتدئ، وافْتُتح من غير أصل شرعيّ، وهي التي قال فيها -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ» متّفقٌ عليه. انتهى . وقال السنديّ -﵀-: المراد: المحدثات في الدين، وعلى هذا فقوله: «وكلّ بدعة ضلالة» على عمومه. انتهى . (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ») هذه الجملة معطوفة على محذوف كما بُيِّن في رواية أخرى؛ تقديره: فكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وعند النسائيّ بإسناد صحيح من حديث جابر -﵁- مرفوعًا:«إن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار». قال النوويّ -﵀-: قوله:«وكلُّ بدعة ضلالة» هذا عامّ مخصوص، والمراد: غالب الْبِدَع، قال أهل اللغة: هي كلُّ شيء عُمِل على غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومُحَرَّمة، ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للردّ على الملاحدة والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم، وبناء المدارس والربط، وغير ذلك، ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة، وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران. فإذا عُرِف ما ذكرته عُلِم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب -﵁- في التراويح: نعمت البدعة، ولا يَمنَع من كون الحديث عامًا مخصوصًا قوله: «كل بدعة» مؤكدًا بـ «كل» بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى: قول النوويّ: «هذا عامّ مخصوص» فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ ليس كذلك، بل الصواب أنه على عمومه، فإن كل بدعة شرعيّة ضلالة من دون استثناء شيء منها، وأما ما ظنّه أنه مخصوص من العموم، فإنما هو في البدع اللغويّة، فإن البدعة قسمان: [إحداهما]: شرعيّة، وهي التي أُحدثت بعد كمال الدين، وليس لها أصل في الكتاب، والسنة، والإجماع، فهذه ضلالة دون استثناء. [والثانية]: لغويةٌ وهي أعمّ من الشرعيّة، إذ هي تشمَلُ كلَّ ما أُحدث بعد النبيّ -ﷺ- سواء كان له أصل في الشرع أم لا، فكلُّ ما أورده النوويّ من الأمثلة، وظنّ أنه مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه من اللغويّة، لا من الشرعية. والحاصل أن البدع التي ليس لها مُسْتَنَدٌ من الأدلة الشرعية، فإنها بدعة شرعية ضلالة، وأن البدع التي لها أصل من الأدلة الشرعيّة، فهي من البدع اللغويّة، وليست من الضلالة في شيء، ويدلّ على هذا التقسيم الحديثُ المتّفق عليه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، فقوله -ﷺ-: «ما ليس منه» يدلّ على أن من المحدَث ما هو من الشرع، وهو الذي تدلّ عليه الأدلة الشرعيّة، ومن ذلك قول عمر -﵁-: «نعمت البدعة»، فإنه أراد به كونها بدعة لغويّة، وذلك لأن قيام رمضان رغّب فيه النبيّ -ﷺ-، بل صلى بعض الليالي بأصحابه، ثم اعتذر إليهم بخشية أن يُفرَض عليهم، فلا يقومون به، فلما تُوفّي -ﷺ-، رأى عمر -﵁- أن الخشية ارتفعت، فجمعهم على إمام واحد، واستحسن منه ذلك كثيرٌ من الصحابة -﵃-، ومنهم عثمان وعليّ -﵄-، فقد كان الناس يصلّون جماعة في خلافتهما. وكذلك ما نقل عن الإمام الشافعيّ -﵀- وغيره من تقسيم البدع إلى محمودة ومذمومة، فإنما أرادوا البدعة اللغوية، لا الشرعيّة، فافهم الفرق، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، وسيأتي مزيد بسط وإيضاح لهذا في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق. (ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قال النوويّ -﵀-: هو موافق لقول اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: أحقّ، قال أصحابنا -يعني: الشافعيّة-: لو كان النبيّ -ﷺ- مضطرًّا إلى طعام غيره، وهو مضطرّ إليه لنفسه كان للنبيّ -ﷺ- أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له -ﷺ-، قالوا: ولكن هذا -وإن كان جائزًا- فما وقع. انتهى. (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ) أي: فهو ميراث لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ») أي: فعليّ وفاء دينه، وإلَيّ كفالة عياله، فالأول راجع إلى الدَّين، والثاني راجع إلى الضياع. قال النوويّ -﵀-: هذا تفسير لقوله:«أنا أولى بكل مؤمن من نفسه»، قال أهل اللغة:«الضَّيَاع»-بفتح الضاد-: العيال، قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يَضيع ضَيَاعًا، والمراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَياع، فأوقع المصدر موضع الاسم. انتهى. وقال القرطبيّ: الضَّيَاع: العيال، قاله النضر بن شُميل. وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضَاعَ يَضيع ضَيَاعًا، ومثله: مضى يمضي مَضَاءً، وقَضَى يَقْضِي قَضَاءً: أراد من ترك عيالًا، أو أطفالًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم، كما تقول: ترك فقرًا: أي: فقراء. و«الضِّيَاع» بالكسر: جمع ضائع، مثل جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا ما يكون منه معاشه، من صناعة، أو غلّة، قاله الأزهريّ، وقال شَمِر: ويدخل فيه التجارة، والحِرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى . قال النوويّ -﵀-: قال أصحابنا: وكان النبي -ﷺ- لا يُصلي على من مات وعليه دَين، لم يَخلُف به وفاء؛ لئلا يتساهل الناس في الاستدانة، ويُهمِلوا الوفاء، فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح اللَّه على المسلمين مبادئ الفتوح قال -ﷺ-: «من ترك دينًا فعليّ»؛ أي: قضاؤه، فكان يقضيه. واختَلَف أصحابنا: هل كان النبي -ﷺ- يَجِب عليه قضاء ذلك الدين، أم كان يقضيه تَكَرُّمًا؟ والأصح عندهم أنه كان واجبًا عليه -ﷺ-. واختلفوا هل هذه من الخصائص أم لا؟، فقال بعضهم: هو من خصائص رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: لا، بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال دَين من مات، وعليه دين إذا لم يَخلُف وفاءً، وكان في بيت المال سعة، ولم يكن هناك أهم منه. انتهى كلام النوويّ . وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: قوله: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه»؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحقّ به منها، ثم فسّر وجهه بقوله: «من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا، أو ضَيَاعًا فإليّ، وعليّ». وبيانه أنه إذا ترك دينًا، أو ضَيَاعًا، ولم يَقدِر على أن يُخَلِّصَ نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يَسُدُّ به ذلك، ثم يُخلّصه النبيّ -ﷺ- بقيامه به عنه، أو سدّ ضَيْعته كان أولى به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم يَفعَل هو بنفسه، واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية من رواه: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» في غير «صحيح مسلم»، فيَحْتَمِل أن يُحمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] أي: ليقتل بعضكم بعضًا في أَشهر أقوال المفسّرين. قال: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ -ﷺ- رَفَعَ ما كان قرّر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاءً، كما قاله أبو هريرة -﵁-: كان النبيّ -ﷺ- يُؤتى بالميت عليه الدين، فيَسْأل: «هل ترك لدينه وفاءً؟» فإن قيل: إنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإن قالوا: لا، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال: فلما فتح اللَّه عليه الفتوحَ قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي فترك دينًا، فعليّ، ومن ترك مالًا فلورثته». متّفقٌ عليه. قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال اللَّه تعالى للذرّيّة، وأهل الحاجة، والقيام بهم، وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠٠٥ و٢٠٠٦ و٢٠٠٧] (٨٦٧)، و(أبو داود) في «كتاب الخراج والإمارة والفيء» (٢٩٥٤)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٥٧٨) و«الكبرى» (١٧٨٦)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٤٥) و«كتاب الأحكام» (٢٤٠٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥١ و١٩٥٢ و١٩٥٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٠ و٣٣٨ و٣٧١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢١١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢١٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٢٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب اجتناب البدع، وسيأتي البحث عن البدعة مستوفًى في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الاهتمام في التحذير عن المعاصي، والحثّ على الطاعات، ومن أجل شدّة الاهتمام بذلك ينشأ غضبه، بحيث تحمرّ عيناه، ويتغيّر حاله، فكأن من سمع خطبته في تلك الحال يتصوّره كأنه منذر جيش جرّار، قد دنا اجتياحه لقومه، وهم في غفلتهم ساهون، وفي مستلذّاتهم لاهون، وذلك نتيجة حرصه على هداية أمته، ورحمته ورأفته بهم، فكان كما وصفه اللَّه -﷿- بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة، فيرفع صوته، ويُجْزِل كلامه؛ حتى يكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب. ٥ - (ومنها): بيان قرب الساعة، فإن بعثته -ﷺ- إحدى علاماتها. ٦ - (ومنها): مشروعيّة ضرب المثل للإيضاح. ٧ - (ومنها): استحبابُ قولِ: «أما بعدُ» في خُطَب الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خُطَب الكتب المصنفة، وقد عقد الإمام البخاريّ -﵀- بابًا في استحبابه، وذكر فيه جملةً من الأحاديث، واختَلَف العلماء في أول من تكلم به، فقيل: داود -﵇-، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قُسّ بن ساعدة. وقال بعض المفسرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود -﵇-، وقال المحققون: فصلُ الخطاب الفصل بين الحقّ والباطل ، وقد استوفيت البحث في هذا في «شرح المقدّمة»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٨ - (ومنها): كون كلام اللَّه -﷾- خير الكلام، كما قال -﷾-: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]. ٩ - (ومنها): أن هدي النبيّ -ﷺ- خير الهدي، وأكمله، وأحسنه وأفضله. ١٠ - (ومنها): أن البِدَعَ التي لا أصل لها من الكتاب والسنة شرُّ الأمور، وأنها هي الضلالة بعينها، فيجب اجتنابها، والحذر منها، والبعد عن أهلها، حتى لا يقع العاقل في مهواتها، فيكون مأواه نار جهنم وبئس المصير. ١١ - (ومنها): كون النبيّ -ﷺ- أولى بكلّ مؤمن من نفسه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. ١٢ - (ومنها): أن من مات وعليه دينٌ، ولم يترك وفاءً، أو ترك عيالًا لا كافل لهم، فعلى الإمام أن يتولّى ذلك من بيت المال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما نُقل عن أهل العلم فيما يتعلّق بالبدعة: قال الإمام الْهُمام شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀-: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه اللَّه ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب، أو استحباب، وعُلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه اللَّه، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك، وسواءٌ كان هذا مفعولًا على النبيّ -ﷺ-، أو لم يكن، فما فُعل بعده بأمره -من قتال المرتدّين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك- فهو سنته . وقال أيضًا: البدعة ما خالفت الكتاب، والسنّة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات، والعبادات، كأقوال الخوارج، والروافض، والقدريّة، والجهميّة، وكالذين يتعبّدون بالرقْصِ، والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنّة . وقال أيضًا: فمن ندب إلى شيء يُتقرّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله، أو فعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله) . وقال أيضًا: السنّة هي ما قام الدليل الشرعيّ عليه بأنه طاعة لله تعالى ورسوله -ﷺ-، سواء فعله رسول الله -ﷺ-، أو فُعل في زمانه، أو لم يفعله، ولم يُفعل في زمانه؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه. فإذا ثبت أنه أمر به، أو استحبّه فهو سنّة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابةُ القرآن في المصحف، وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعةً، وقد قال -ﷺ-: «لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»، فشرَع كتابة القرآن، وأما كتابة الحديث فنهى عنه أولًا، وذلك منسوخٌ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا، وبإذنه لأبي شاهٍ أن تكتب له خطبته عام الفتح، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لَمّا استعمله على نجران، وبغير ذلك. والمقصود هنا أن كتابة القرآن مشروعةٌ؛ لكن لم يجمعه في مصحف واحد؛ لأن نزوله لم يكن تمّ، وكانت الآية قد تُنسخ بعد نزولها، فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات -ﷺ-، وكذا قيام رمضان، قد قال -ﷺ-: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة»، وقام في أول الشهر بهم ليلتين، وقام في آخر الشهر ليالي، وكان الناس يُصلّون على عهده -ﷺ- في المسجد فرادى وجماعات، لكن لم يُداوم بهم على الجماعة؛ خشية أن تُفرض عليهم، وقد أُمن ذلك بموته. وقد قال -ﷺ- في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه الترمذيّ وغيره: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة»، فما سنّه الخلفاء الراشدون ليس بدعةً شرعيّةً يُنهى عنها، وإن كان يُسمّى في اللغة بدعة؛ لكونه ابتُدئ، كما قال عمر -﵁-: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل. انتهى) . وقال العلامة أبو إسحاق الشاطبيّ ﵀: أصل مادّة «بدع» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧، الأنعام: ١٠١]: أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدّم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدّمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدّمه ما هو مثله وما لا يُشبهه. ومن هذا المعنى سمّيت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يُسمّى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة. فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخصّ منه في اللغة. قال: ثبتٌ في علم الأصول أن الأحكام المتعلّقة بأفعال العباد، وأقوالهم ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب، أو الندب، وحكم يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة، أو التحريم، وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو الإباحة. فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه، والمطلوب تركه لم يُطلَب تركه إلا لكونه مخالفًا للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين: (أحدهما): أن يُطلَب تركه، ويُنهى عنه؛ لكونه مخالفة خاصّة مع مجرّد النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرّمًا سمّي فعله معصية وإثمًا وسمي فاعله عاصيًا وآثمًا، وإلا لم يسمّ بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبيّن في غير هذا الموضع، ولا يُسمّى بحسب الفعل جائزًا ولا مباحًا؛ لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين. (والثاني): أن يطلب تركه، ويُنهى عنه لكونه مخالفةَّ لَظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيّات، والتزم الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع الدوام، ونحو ذلك، وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمّى فاعله مبتدعًا. فالبدعة إذن عبارة عن «طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشرعيّة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه». وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية». ولا بدّ من بيان ألفاظ هذا الحدّ: ف «الطريقة، والطريق»، والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رُسِم للسلوك عليه، وإنما قُيّدت ب «الدين»؛ لأنها فيه تُختَرع، وإليه يُضيفها صاحبها، وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسمّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدّم. ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم- فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة، ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها- خُصّ منها ما هو المقصود بالحدّ، وهو القسم المخترع؛ أي: طريقة ابتُدِعَت على غير مثال تقدّمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصّتها أنها خارجة عما رسمه الشارع. وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلّق بالدين، كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع: إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنّة، فحقيقتها إذًا أَنها فقه التعبّد بالألفاظ الشرعيّة الدالّة على معانيها، كيف تؤخذ وتؤدّى؟، وأصول الفقه إنما معناها استقراء كلّيّات الأدلّة حتى تكون عند المجتهد نُصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين، إنما حاصله تقرير لأدلّة القرآن والسنة، أو ما ينشأ عنها في التوحيد، وما يتعلّق به، كما كان الفقه تقريرًا لأدلتها في الفروع العباديّة. [فإنه قيل]: فإن تضمينها على ذلك الوجه مخترع. [فالجواب]: أن له أصلًا في الشرع، ففي الحديث ما يدلّ عليه، ولو سُلّم أنه ليس في ذلك دليلٌ على الخصوص، فالشرع بجملته يدلّ على اعتباره، وهو مستمدّ من قاعدة المصالح المرسلة. فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًّا لا إشكال في أن كلّ علم خادم للشريعة داخل تحت أدلّته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد، فليست ببدعة ألبتة. وعلى القول بنفيها لا بدّ أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلّ بدعة ضلالة من غير إشكال. ويلزم من ذلك أن يكون كَتْبُ المصحف، وجمع القرآن قبيحًا، وهو باطل بالإجماع، فليس إذًا بدعةً. ويلزم أن يكون دليلٌ شرعى، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئيّ في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة. فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمّى علم النحو أو غيره من علوم اللسان، أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلًا، ومن سمّاه بدعةً، فإما على المجاز، كما سَمَّى عمر بن الخطّاب -﵁- قيام الناس في رمضان بدعةً، وإما جهلًا بمواقع السنّة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًّا به، ولا معتمدًا عليه. وقوله في الحدّ: «تضاهي الشرعيّة» يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعيّة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادّة لها من أوجه: (منها): وضع الحدود؛ كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يَستظلّ، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف واحد دون صنف، من غير علّة. (ومنها): التزام الكيفيّات والهيئات المعيّنة؛ كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبيّ -ﷺ عيدًا، وما أشبه ذلك. (ومنها): التزام العبادات المعيّنة في أوقات معيّنة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة؛ كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته. وثَمَّ أوجه تُضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعةَ، فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعةً؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية. وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يَخترعها ليضاهي بها السنّة حتى يكون مُلبِّسًا بها على غيره، أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يُشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعًا، ولا يدفع به ضررًا، ولا يُجيبه غيره إليه. ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير. فأنت ترى العرب الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم ﵇ كيف تأوّلوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم، كقولهم في أصل الإشراك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [الزمر: ٣]، وكترك الْحُمْس الوقوف بعرفةَ؛ لقولهم: لا نخرُج من الحرم اعتدادًا بحرمته، وطواف من طاف بالبيت عُريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجّهوه ليُصَيِّروه بالتوجيه كالمشروع. فما ظنك بمن عَدّ، أو عُدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى بذلك، وهم المخطئون، وظنّهم الإصابة، وإذا تبيّن هذا ظهر أن مضاهاة الأمور الشرعيّة ضروريّة الأخذ في أجزاء الحدّ. وقوله: «يُقصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله تعالى» هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها. وذلك أن أصل الدخول فيها يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. فكان المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، فرأى من نفسه أنه لا بدّ لما أُطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من حبّ الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة. وأيضًا فإن النفوس قد تَمَلُّ وتسأم من الدوام على العبادات المرتّبة، فإذا جُدّد لها أمر لا تَعْهَده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: لكلّ جديد لذّة، بحكم هذا المعنى، كمن قال: كما تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تُحدَث لهم مرغِّبات في الخير بقدر ما حَدَثَ لهم من الفتور. وفي حديث معاذ بن جبل -﵁-: «فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعيّ حتى أُحدث لهم غيره، فإياكم وما ابتُدِع، فإن ما ابتُدع ضلالة») . وقد تبيّن بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكلُّ ما اختُرع من الطرق في الدين مما يُضاهي المشروع، ولم يُقصد به التعبّد، فقد خرٍ ج عن هذه التسمية؛ كالمغارم الْمُلْزِمة على الأموال وغيرها نسبة مخصوصة وقَدْر مخصوص مما يُشبه فرض الزكاة، ولم يكن إليها ضرورة، وكذلك اتخاذ المناخل، وغسل اليد بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبلُ، فإنها لا تُسمّى بدَعًا على إحدى الطريقتين. وأما الحدّ على الطريقة الأخرى) ، فقد تبيّن معناه إلا قوله: «يُقصد بها ما يُقصد بالطريقة الشرعيّة». ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن البدعة إما أن تتعلّق بالعادات، أو العبادات، فإن تعلّقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتمّ المراتب في الآخرة في ظنّه، وإن تعلّقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها. فمن جعل المناخل في قسم البدع، فظاهر أن التمتّع عنده بلذّة الدقيق المنخول أتمّ منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيّدة المختلفة التمتّع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسّع في التصرّفات، فيعُدُّ المبتدع هذا من ذلك. وقد ظهر بهذا معنى البدعة، وما هي في الشرع- والحمد لله. انتهى كلام الشاطبّيّ ﵀، ولقد أجاد وأفاد) . وقال الإمام ابن رجب ﵀ عند شرح قوله -ﷺ-: «وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة»: فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله: «كلُّ بدعة ضلالة». والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة. وفي «صحيح مسلم» عن جابر -﵁- أنّ النبي -ﷺ- كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني، وفيه ضعف، عن أبيه، عن جده، عن النبي -ﷺ- قال: «من ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ولا رسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا». وأخرج الإمام أحمد من رواية غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أَما إنهما أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها؛ لأن النبي -ﷺ- قال: «ما أحدث قومٌ بدعةً إلا رُفِع مثلها من السنة»، فتمسك بسنّة خير من إحداث بدعة) . وقد رُوي عن ابن عمر بمن قوله نحوُ هذا. فقوله -ﷺ-: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله -ﷺ-: «مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد») . فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يَرجِع إليه، فهو بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية. فمن ذلك قول عمر -﵁- لَمّا جَمَع الناسَ في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوِيَ عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة. ورُوِيَ عن أُبَيّ بن كعب -﵁- قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر -﵁-: قد عَلِمتُ، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصولٌ في الشريعة يَرجِعُ إليها. فمنها: أن النبي -ﷺ- كان يَحُثُّ على قيام رمضان، وُيرَغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووُحْدانًا، وهو -ﷺ- صَلَّى بأصحابه في رمضان ليلةً، ثم امتنع من ذلك مُعَلِّلا بأنه خَشِيَ أن يُكتَب عليهم، فيَعجَزُوا عن القيام به، وهذا قد أُمِن بعده -ﷺ-) . ورُوِي عنه -ﷺ- أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر) . ومنها: أنه -ﷺ- أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعليّ -﵃- ومن ذلك أذان الجمع الأول زاده عثمان - ﵁ - لحاجة الناس إليه، وأقرّه عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه. ورُوِيَ عن ابن عمر بأنه قال: هو بدعة، قال ابن رجب: ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان. ومن ذلك جَمْعُ المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت -﵁-، وقال لأبي بكر وعمر -﵄-: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي -ﷺ-؟ ثم عَلِمَ أنه مصلحة، فوافق على جَمْعه) ، وقد كان النبي -ﷺ- يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يُكتَب مُفَرقًا أو مجموعًا، بل جَمْعُهُ صار أصلح. وكذلك جَمْعُ عثمان -﵁- الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لِمَا خالفه؛ خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليّ، وأكثر الصحابة -﵃-، وكان ذلك عينَ المصلحة. وكذلك قتال مَن مَنَعَ الزكاةَ توقف فيه عمر وغيره، حتى بَيَّن له أبو بكر أصله الذي يَرجِع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك. ومن ذلك القَصَصُ، وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: إنه بدعة، ونعمت البدعة، كم من دَعْوة مستجابةٍ، وحاجةٍ مَقْضِيّةٍ، وأخ مُستفاد. وإنما عَنَى هؤلاء بقولهم: إنه بدعةٌ الهيئةَ الاجتماعيةَ عليه في وقت معين، فإن النبي -ﷺ- لم يكن له وقت معين يَقُصُّ على أصحابه فيه، غير خُطَبه الراتبة في الْجُمَع والأعياد، وإنما كان يُذَكِّرهم أحيانًا أو عند حدوث أمر يَحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة -﵃- اجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود -﵁- أنه كان يُذَكِّر أصحابه كل يوم خميس. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس بانه قال: حَدِّثِ الناسَ في كل جمعة مرة، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناسَ. وفي «المسند» عن عائشة -﵂- أنها وَصَّتْ قاصَّ أهل المدينة بمثل ذلك) . ورُوِي عنها أنها قالت لسعيد بن عمير: حَدِّث الناسَ يومًا، ودع الناس يومًا. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصّ أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. ورُوي عنه أنه قال: رَوِّحِ الناسَ، ولا تُثْقِل عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء. وقد رَوَى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الْجُنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر -﵁-: نعمت البدعة هي. ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبلُ أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصلٌ في الشريعة تَرجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة ٢٤٦٣٦ - حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا داود، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب، قاصِّ أهل المدينة: ثلاثًا لَتُبَايِعُنِّي عليهن، أو لأناجِزَنَّك، فقال: ما هنّ؟ بل أنا أبايعك يا أم المؤمنين، قالت: اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول الله -ﷺ- وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقال إسماعيل مرة: فقالت: إني عهدت رسول الله -ﷺ- وأصحابه وهم لا يفعلون ذاك. وقُصَّ على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاثًا، فلا تُمِلَّ الناسَ، هذا الكتابَ، ولا أَلْقَيَنَّك تأتي القوم، وهم في حديث من حديثهم، فتقطع عليهم حديثهم، ولكن اتركهم فإذا جَرَّءُوك عليه، وأمروك به فحدثهم. وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل هو ابن عليّة، وداود هو ابن أبي هند، ويقال: إن الشعبيّ لم يسمع من عائشة -﵂-. انظر ترجمته في: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٥. إلا أن إرساله لا يضرّ؛ لأنه لا يرسل إلا صحيحًا، قال العجليّ: مرسل الشعبيّ صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحًا. انظر: «شرح علل ابن رجب» ص ١٨١ تحقيق صبحي السامرّائي. المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة تَرجِع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا؛ لموافقتها السنة. وقد رُوي عن الشافعي كلام آخر يُفَسِّر هذا، وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، وما أُحدث فيه من الخير، لا خِلاف فيه لواحد من هذا، فهذه مُحْدَثة غير مذمومة. وكثير من الأمور التي أُحدثت، ولم يكن قد اختَلَف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا؛. (فمنها): كتابة الحديث، نَهَى عنه عمر، وطائفة من الصحابة -﵃-، وَرَخَّص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة. (ومنها): كتابة تفسير الحديث والقرآن، كَرِهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب التي لم تُنقَل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يَكرَه أكثر ذلك. وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يَتَعَيَّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث في ذلك بعدهم، فيُعلمَ بذلك السنة من البدعة. وقد صَحَّ عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون، ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول. وابن مسعود -﵁- قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين. وروى ابنُ مَهديّ عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي -ﷺ-، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمور الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تَكَلَّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عَكَسَ ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد. وأصعب من ذلك ما أُحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقدره، فكَذّب بذلك من كَذَّب، وزَعَم أنه نزه الله بذلك عن الظلم. وأصعب من ذلك ما حَدَث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي -ﷺ-، والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقومٌ نَفَوا كثيرًا مما وَرَد في الكتاب والسنة من ذلك، وزَعَموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضي العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله ﷿. وقوم لم يكتفوا بإثباته، حتى أثبتوا ما يُظَنّ أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا دَرَجَ صدرُ الأمة على السكوت عنها. ومما حَدَث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورَدُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك؛ لمخالفته الرأي، والأقيسة العقلية. ومما حَدَث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذَّوْق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يَحتاج إليها العوائمُ، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يُعلَمُ قطعًا مخالفته للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي حقّقه الإمام ابن رجب ﵀ في كتابه النفيس «جامع العلوم والحكم» بحث نفيش، وتحقيق أنيس، فعليك بمطالعته، وتدبّره، حتى ينجلي لك الفرق بين البدعة الشرعية المذمومة بكل أشكالها وألوانها التي عناها النبيّ -ﷺ- بقوله: «فكل بدعة ضلالة»، وبين البدعة اللغويّة التي يُستحسَن بعض أفرادها، وهي التي تستند إلى أصل من الكتاب والسنة، أو إجماع الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: البدعة كلُّ ما فُعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعيّة فما لم يدلّ عليه دليلٍ شرعيّ -إلى أن قال-: ثم ذلك العمل الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمّي في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعمّ من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبيّ -ﷺ-: «كلُّ بدعة ضلالة» لم يُرد به كلّ عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كلّ دين جاء به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدئ من الأعمال التي لم يشرعها النبيّ -ﷺ-. انتهى) . والحاصل أن المراد بقوله -ﷺ-: «كل بدعة ضلالة» هي البدعة الشرعيّة، لا اللغويّة. ومن أقوى الأدلة على التفريق بين البدعة الشرعيّة واللغويّة ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»، من حديث عائشة -﵂-، مرفوعًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، ففي قوله -ﷺ-: «ما ليس منه» إشارةٌ واضحةٌ إلى أن من المحدثات ما يكون من الشرع، وهو ما له أصل يستند إليه من الأدلة الشرعيّة. وقد غلا بعض الناس في هذا الباب، حيث تمسّك بقوله -ﷺ-: «فكل بدعة ضلالة» فاعتقد أن كلّ ما أُحدث فهو من البدع الضلالة، وهذا غلوّ، وجفاء، وتفريط في عدم الجمع بين أطراف النصوص في هذا الباب، وتدبّرها، وتفهّمها حقّ تدبّر وتفهّم، كما فعل هؤلاء المحقّقون الذين تقدمت أقوالهم، فإياك، ثم إياك أن تكون من هذا المصنف، أو تقلّد منهم أحدًا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، آمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم في تعريف البدعة أنها هي التي تُفْعَل بقصد القربة، وهذا أصل أصيلٌ يفرّقُ به بين الفعل الذي يكون بدعةً، والفعل الذي يكون معصيةً فقط، وإن كانت البدعة معصيةً لله ﷾ إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم. فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل منهما، فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله، بخلاف المبتدع، فإنه يعتقد في عمله المحدَث القربةَ إلى الله تعالى، وهذا هو وجه المفارقة. ووجه آخر هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حاليّة ومآليّة في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعيّة أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتّب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير، ويموت عليها الكبير، بخلاف المعصية، أو المخالفة. وهذا هو معنى ما قاله سفيان الثوريّ ﵀: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها) . والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله، أو قوله، أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفكّ من ملازمة هذا العمل. وبسبب كون البدع أشرّ من المعاصي، وأهلها أضرّ من أهل الذنوب أمر النبيّ -ﷺ- بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة) . ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشدّ ضررًا من المعاصي ما رواه ابن وضّاح بسنده عن أبي بكر بن عيّاش، قال: كان عندنا فتًى يقاتل، ويشرب، وذَكَر أشياءَ من الفسق، ثم إنه تقرّأ فدخل في التشيّع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنتَ تقاتل وتفعل وتفعل خيرٌ منك اليوم. وقَصْدُ القربة يراد به إلحاق حكم شرعيّ بعمل محدَث؛ كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام ﵀: فمن ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله، أوأوجبه بقوله، أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد شرع ما لم يأذن به الله) . وقصد القربة يتوجّه إلى العمل الذي لا يتصوّر فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالصٌ لله ﷾، فلا بدّ من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع) . فالعبادة التي هي حق الله تعالى لا يُتصوّر فيها غير إرادة القربة، فالإحداث فيها يسمّى ابتداعًا، سواء قصد القربة، أو افتُرض أنه لم يقصدها، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة مخصوصة؛ كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة. ويتوجّه قصد القربة أيضًا إلى العمل الذي يَحمِل أوجهًا متعدّدة، مثل الأمور الدنيويّة، فيُنظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتّحدت أوجه الفعل الواحد، فمن لبس ثوبًا بلون معيّن، ولم يُرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا لحقته أمور منهيّ عنها؛ كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصيةً. أما إذا أراد بذلك الثوب المعيّن القربة فإنه يكون بدعة، كما يفعله بعض الصوفيّة من اشتراط لون معيّن لمريدهم. والحاصل أن كلّ فعل، أو ترك قُصد به القربة، مما ليس له أصل في الشرع فهو بدعة. فخرج بذلك ما فُعل أو تُرك لا بقصد القربة، فإنه يكون معصية، أو مخالفة، أو عفوًا، ولا يُطلق عليه بدعة. مثال ما فُعل لا بقصد القربة، ويكون معصية جميع المنهيات الشرعية؛ كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا الفعل بقصد القربة فهو بدعة. ومثال ما تُرك لا بقصد القربة ترك المأمور به شرعًا، كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله ممن وجبت عليه، فإذا كان هذا الترك بقصد القربة فهو بدعة. ومثال ما فُعل لا بقصد القربة ويكون عفوًا حلقُ الرأس في غير نسُك، فإن فُعل بقصد القربة فهو بدعة. ومثال ما تُرك لا بقصد القربة، ويكون عفوًا الامتناع عن أكل اللحم للتطبّب ونحوه، فإن كان الترك تديّنًا فهو باع. وللاستزادة في هذا الموضوع راجع: «اقتضاء الصراط المستقيم»، و«مجموع الفتاوى» لابن تيميّة ﵀ ؛ والله تعالي أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في تقسيم البدعة إلى حقيقيّة، وإضافيّة: قال أبو إسحاق الشاطبيّ ﵀: البدعة الحقيقيّة هي التي لم يدلّ عليها دليلٌ شرعيّ، لا من كتابْ، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل، ولذلك سمّيت بدعةً؛ لأنها شيء مُخترع على غير مثال سابق. والبدعة الإضافيّة هي التي لها شائبتان: [إحداهما]: لها من الأدلّة مُتَعلّقٌ، فلا تكون من تلك الجهات بدعة. [والأخرى]: ليس لها مُتعلَّقٌ إلا مثل ما للبدعة الحقيقيّة؛ أي: إنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة إلى شيء. والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيّات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقُم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبّديّات، لا في العاديات المحضة. قال: قد يكون أصل العمل مشروعًا، ولكنه يصير جاربًا مجرى البدعة من باب الذرائع، وبيانه أن العمل يكون مندوبًا إليه مثلًا، فيَعمَل العامل في خاصّة نفسه على وضعه الأول من الندبيّة، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيّته غير مظهر له دائمًا، بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا صحيحٌ لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله -ﷺ- لإخفاء النوافل، والعمل بها في البيوت، وقوله -ﷺ-: «فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، متّفقٌ عليه، فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى، وإن كان ذلك في مسجده -ﷺ-، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد بيت المقدس، حتى قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار بعض السنن؛ كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء، وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، فإذا اجتمع في النافلة أن تُلْزَم التزام السنة الرواتب إما دائمًا، وإما في أوقات محدودة، وعلى وجه محدود، وأُقيمت في الجماعة في المساجد التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، فذلك ابتداع. والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله -ﷺ- ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان فعلُ هذا المجموع هكذا مجموعًا، وإن أتى مطلقًا، من غير تلك التقييدات، فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء النوافل مثلًا؟. ووجه دخول الابتداع هنا أن كلّ ما واظب عليه رسول الله -ﷺ- من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنّة على طريق العمل بالسنّة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعًا، ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوامّ فيها، ومن لا علم عنده أنها سنّة، وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسنة، والعمل بها على حدّ العمل بالسنّة نحوٌ من تبديل الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه فرضٌ، ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسدٌ، فهب العملُ في الأصل صحيحًا، فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعيّة، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض. فهذه أمورٌ جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنةً إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شكّ. قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله الشاطبيّ فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إن أراد أن ترك السنة مخافة أن يعتقد الجاهل أنها من الفرائض فهذا مما لا معنى له؛ لأن السنة لا تُترك لمثل هذا الخوف، بل الواجب أن يُبيّن للجاهل ما هو الفرض، وما هي السنة، ولا أظنّه يُثبت النقل بذلك عن أحد من السلف أنهم تركوا السنن لأجل هذا الخوف. وإن أراد بتركها ترك فعل بصفة خاصّة، لم تثبت في السنة، فهذا أمر مسلمٌ، ولكن سياق كلامه يأبى هذا التأويل. وبالجملة فلا تترك السنة على الوجه الذي ثبتت به لأجل مثل هذا الخوف، بل ينبه الجاهل، ويبيّن له ذلك. والله تعالى أعلم. قال: ومن البِدَع الإضافيّة التي تَقْرُب من الحقيقيّة أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل مشروعيّتها بغير دليل توهمًا أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيّد إطلاقها بالرأي، أو يُطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدّها الذي حُدّ لها. ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصّه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خصّ منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عيّنه الشارع، فلا شكّ أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلّف بدعةً؛ إذ هي تشريع بغير مستند. ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تُشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم الفلانيّ بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانيّة بقيام كذا وكذا ركعةً، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يَقصِد مئله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا، وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعًا، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيّقية مركبة. انتهى كلام الشاطبيّ ﵀) ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في ذكر بعض ما جاء عن السلف في ذمّ البدعة: ذكر الإمام الطبري ﵀ في كتاب «آداب النفوس»: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؛ قال: تَرَكَنا محمد -ﷺ- في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية. وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: تعلموا العلم قبل أن يُقبَض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ وقال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٩]، فالْهَرَب الْهَرَبَ، والنجاة النجاةَ، والتمسك بالطريق المستقيم، والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا». متّفق عليه. وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية -﵁- قال: وعظنا رسول الله -ﷺ- موعظة ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمن كالْجَمَل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد». وأخرجه الترمذي بمعناه، وصححه. ورَوى أبو داود قال: حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان، قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز، يسأله عن القدر، فكتب إليه: «أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسول الله -ﷺ-، وترك ما أحدث الْمُحْدِثون بعدَ ما جرت به سنته، وكُفُوا مُؤْنته، فعليك بلزوم الجماعة، فإنها لك -بإذن الله- عِصْمَة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها، أو عبرةٌ فيها، فإن السنة إنما سَنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطإ والزَّلَلِ، والْحُمْق والتعمّق، فارضَ لنفسك ما رَضِي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفُوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم؛ إنما حَدَثَ بعدَهم، فما أحدثه إلا مَن اتّبع غير سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يَكفِي، ووَصَفُوا ما يَشفِي، فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر، وقد قَصَّر قوم دونهم فجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوْا، وإنهم مع ذلك لَعَلَى هُدًى مستقيم، كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير -بإذن الله- وقعتَ، ما أعلم ما أحدث الناس من مُحدَثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرًا، ولا أثبت أمرًا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الْجُهَلاء، يتكلمون به في كلامهم، وفي شِعْرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِده الإسلام بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكره رسول الله -ﷺ- في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يُحصِه كتابه، ولم يَمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لِمَ أَنزل الله آية كذا؟ لم قال كذا؟ لقد قرءوا منه مما قرأتم، وعَلِمُوا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر، وكُتِبت الشقاوة، وما يُقدَّر يكن، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ثم رَغِبوا بعد ذلك ورهبوا») . وقال سهل بن عبد الله التستريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَر إنسانٌ النبيَّ -ﷺ- والاقتداء به في جميع أحواله ذَمُّوه، ونَفَرُوا عنه، وتبرءوا منه، وأَذَلّوه، وأهانوه، قال سهل: إنما ظهرت البدعة على أيدي أهل السنة؛ لأنهم ظاهروهم، وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم، وفَشَت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه) ، فلو تركوهم، ولم يكلموهم لَمَات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يَظهَر منه شيء، وحمله معه إلى قبره. وقال سهل: لا يُحدِث أحدكم بدعة حتى يُحدث له إبليس عبادةً، فيتعبد بها، ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها نُزع منه تلك الخدمة. قال سهل: لا أعلم حديثًا جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: «حجب الله الجنة عن صاحب البدعة») ، قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يُكرِم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يَخلُوَنَّ بالنسوان، ولا يخاصمنّ أهل الأهواء. وقال أيضا: اتّبِعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي «مسند الدارمي» أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا شيئًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، وفي كل حَلْقة رجل، وفي أيديهم حصىً، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظارَ رأيك، وانتظارَ أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم، ثم مَضَى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىً نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فَعُدُّوا سيئاتكم، وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، أوَ مُفْتَتَحِي بابِ ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرًا، فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز، وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع، فقال: عليك بدين الأعراب، والغلام في الْكُتّاب، والْهَ عمّا سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء، قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار، قالوا: هيهات ذلك شيء قُرِن بالتوحيد، قال: لأَبُثَّنّ فيهم شيئًا لا يستغفرون الله منه، قال: فَبَثَّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أَيُّ النعمتين علي أعظم؟: أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبيّ: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء؛ لأنهم يَهْوُون في النار. كله عن الدارمي. وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة، والنكاح منهم وتزويجهم، فقال: لا ولا كرامة، هم كُفّار كيف يؤمن مَن يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة، ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار، ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد ﷺ-، ولا عذاب القبر، ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة، ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويُكَفِّرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وَينهَى عن البدعة عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأَوَّل الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، قال عاصم الأحول: فحدثتُ به الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك. وقد قال بعض العلماء العارفين في قوله -ﷺ-: «تفرقت بنو إسرائيل عن ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين …» الحديث: هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد -ﷺ- قوم يُعادون العلماء، ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى»، قال: فقلت -جُعِلتُ فداك يا رسول الله-: كيف ذاك؟ قال: يُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض، قال: قلت -جُعلتُ فداك يا رسول الله-: وكيف يقولون؟ قال: «يجعلون إبليس عَدلًا لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس» -قال-: «فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة،، قال:»فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال، أولئك زنادقة هذه الأمة … «وذكر الحديث. وقد نهى الله -ﷺ- عن مجالسة أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]، ثم بَيّن في»سورة النساء«، وهي مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف ما أمر الله به فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]، فألحق من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل، والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال: يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته الحق بهم. انتهى) ، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: من أسباب ظهور البدع: اتباع الهوى، وقلّة العلم بالأدلة الشرعية، واتباع الآباء والمشايخ، واتباع المذاهب والطائفة، وأخذ أهل السلطة بها، أو سكوتهم عنها، وكون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان، واحتفاء المبتدعة ببعضهم، وتعاونهم فيما بينهم) ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٦] (…) (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: (١) (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الَقَطَوَانيّ أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كدت س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٦٧/ ٦٥. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ … إلخ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل للشافعيّ ﵀ أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه. انتهى) . قال الجامع عفا الله عنه: ما ادّعاه النوويّ من الحديث دليلٌ على وجوب ما ذكره فيه نظرٌ لا يخفى، فإن الحديث إنما يدلّ على استحبابه، لا على الوجوب؛ لأنه مجرّد فعل، وإن استدلّ بقوله -ﷺ-: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، فهو استدلال غير مقبول؛ لأن الشافعيّ ﵀ نفسه يرى بعض ما فعله في خطبته مستحبًّا، فتفطّن. والحاصل أن الأرجح عدم وجوب ما ذُكر، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، أو بفتحهما، قال الفيّوميّ ﵀: وجئتُ في أَثَره بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي: تبِعته عن قُرب. انتهى) . وَقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل «ساق» ضمير سليمان بن بلال؛ يعني: أن سليمان بن بلال ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب بن عبد المجيد. [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «السنن الكبرى» (٢١٣/ ٣) فقال: (٥٥٨٩) أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا ابن أبي أُوس، والفرويّ قالا: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر؛ يعني: ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: خطبة رسول الله -ﷺ- يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، واشتدّ غضبه، واحْمَرَّت وجنتاه، كأنه منذر جيش، يقول: صَبَّحكم، أو مَسّاكم، ثم يقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين»، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: «إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلاله، مَن تَرَك مالًا فلأهله، ومن ترك ديْنًا، أو ضَيَاعًا، فإليّ، وعليّ». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٧] (…) (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْلِإِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) فاعل «ساق» ضمير سفيان؛ يعني: أن سفيان الثوريّ ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب الثقفيّ. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن جعفر هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٤٥٦٦) حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر،
مصادر المؤلف (٥٨)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. راجع: «المرعاة» ٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧.

٣. «المفهم» ٢/ ٥٠٦.

٤. «الكاشف» ٤/ ١٢٨٣ - ١٢٨٤.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١٢٨٣.

٦. «شرح النوويّ»٦/ ١٥٤.

٧. «المفهم» ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.

٨. أخرجه الترمذيّ ٤/ ٤٩٦، وهو ضعيف؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد، ضعيف.

٩. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥٤.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٠.

١١. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٣/ ١٨٩.

١٢. راجع: «المفهم» ٢/ ٥٠٧.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٠٤.

١٤. «شرح النووي» ٦/ ١٥٤.

١٥. «الكاشف» ٢/ ٦٠٤.

١٦. راجع: «الكاشف» ٢/ ٦٠٤.

١٧. «الفتح» ١٣/ ٢٦٦ - ٢٦٧، طبعة دار الريان.

١٨. «المفهم» ٢/ ٥٠٨.

١٩. «شرح السنديّ» ٣/ ١٨٩.

٢٠. «شرح مسلم» ٦/ ١٥٥.

٢١. «المفهم» ٢/ ٥٠٩.

٢٢. «شرح مسلم» ٦/ ١٥٥.

٢٣. «المفهم» ٢/ ٥٠٨ - ٥١٠.

٢٤. «شرح مسلم للنوويّ» ٦/ ١٥٦.

٢٥. «مجموع الفتاوى» ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.

٢٦. «مجموع الفتاوى» ٣/ ١٩٥.

٢٧. «المصدر السابق» ٣/ ١٩٥.

٢٨. «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣١٧ - ٣١٩.

٢٩. هو: العلامة الأصوليّ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطيّ الشاطبيّ صاحب المصنفات النافعة كـ«الاعتصام» و«الموافقات» المتوفى سنة (٧٩٠ هـ«.

٣٠. هو ما أخرجه أبو داود (٣٩٩٥) بإسناد صحيح، عن يزيد بن عَمِيرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل -﵁- قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هَلَك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم فتنًا يَكثُر فيها المال، وُيفتَح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يَتَبِعُوني، وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعِيَّ حتى أَبتدِع لهم غيره، فإياكم وما ابْتُدِع، فإن ما ابتُدِع ضلالة، وأُحَذِّركم زيغَة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يُدريني - رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتَنِب من كلام الحكيم الْمُشتَهِرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يَثْنِيَنّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.

٣١. وهي طريقة من يُدخل العادات في معنى البدع.

٣٢. «الاعتصام» ١/ ٤٩ - ٥٧.

٣٣. «صحيح مسلم» رقم (٨٦٧).

٣٤. أخرجه الترمذيّ ٥/ ٤٥ رقم ٢٦٧٧، وابن ماجه رقم ٢٠٩.

٣٥. أخرجه أحمد ٤/ ١٠٥، والبزّار رقم ١٣١، وذكره الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ١/ ١٩٣ وقال: رواه أحمد والبزّار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكر الحديث.

٣٦. متّفق عليه.

٣٧. أخرجه البخاريّ ٤/ ٧٧٩ رقم ٢٠١٢ من حديث عائشة -﵂-.

٣٨. صحيح، أخرجه أبو داود رقم ١٣٧٥، والترمذيّ ٨٠٦، والنسائيّ ١٦٠٥.

٣٩. أخرجه البخاريّ في «كتاب فضائل القرآن» رقم ٤٩٨٦.

٤٠. هو ما أخرجه في «المسند» ٦/ ٢١٧ ونصّه:

٤١. هكذا نسخة «جامع العلوم والحكم»: «ولم يكن»، ولعل المعنى: «ولم يكن موجودًا»، والله تعالى أعلم.

٤٢. هكذا نسخة «جامع العلوم»، ولعل الأَولى: «حيث»، والله أعلم.

٤٣. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٩٧ - ١٠٢.

٤٤. راجع: «الصراط المستقيم» ٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠.

٤٥. رواه أبو نعيم في «الحلية» ٢٦/ ٧.

٤٦. انظر: «مجموع الفتاوى» ٧/ ٢٨٤.

٤٧. «مجموع الفتاوى» ٣/ ١٩٥.

٤٨. انظر: «الموافقات» للشاطبيّ ٢/ ٣٠٨.

٤٩. «اقتضاء الصراط المستقيم» ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧ و٢/ ٦٣٠ و٦٣٣ و٦٣٧، «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣١٧ - ٣١٩ و١٨/ ٣٤٦، «درء التعارض» ١/ ٢٤٤. وراجع: «حقيقة البدعة وأحكامها» تأليف سعيد بن ناصر الغامدي ١/ ٢٩١ - ٢٩٦.

٥٠. راجع: «مختصر الاعتصام» ص ٧١ - ٧٨.

٥١. صحيح، أخرجه أبو داود في «سننه» ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣ رقم ٤٦١٢.

٥٢. هكذا النسخة، ولعلّ الأولى: فسمعها من لم يكن يسمعها، والله تعالى أعلم.

٥٣. حديث صحيح، أخرجه الطبراني في «الأوسط» بلفظ: «إن الله حجب التوبة عن كلّ صاحب بدعة حتى يَدَع بدعته».

٥٤. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» ٧/ ١٣٨ - ١٤٢.

٥٥. انظر: تفاصيل هذه الأسباب في كتاب «حقيقة البدعة وأحكامها» تأليف سعيد بن ناصر الغامديّ ١/ ١٧٣ - ١٨٣.

٥٦. بفتح القاف والطاء.

٥٧. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥٦.

٥٨. «المصباح المنير» ١/ ٤.