HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٦٨

وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كلاهما عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى (وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ) حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ ضِمَادًا قدم مكة. كان مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ. فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ. وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يدي من يشاء. فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ. نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ». قَالَ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثلاث مَرَّاتٍ. قَالَ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ. فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كلمات هَؤُلَاءِ. وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ. قَالَ فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ فَبَايَعَهُ. فقال رسول الله ﷺ: «وَعَلَى قَوْمِكَ». قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي. قَالَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ. فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً. فَقَالَ: رُدُّوهَا. فَإِنَّ هؤلاء قوم ضماد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص11
ج ٢ ص ٥٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٢٩٦
قال: كان رسول الله -ﷺ- يقوم، فيخطب، فيحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ويقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة»، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، صبَّحكم مسّاكم، «من ترك مالًا فللورثة، ومن ترك ضَياعًا أو ديْنًا فعليّ، وإليّ، وأنا ولي المؤمنين». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠٨] (٨٦٨) (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامِ، حَدَّثنا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أنّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ»، قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) ، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَعَلَى قَوْمِكَ؟» قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي، قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- سَرِيَّةً، فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: رُدُّوهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب. ٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصريّ السامي -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٤ - (دَاوُدُ) بن أبي هند الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أوأبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ كان يهم بأَخَرَة [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٥ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، ويقال: الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وورّاد كاتب المغيرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وسعيد بن جبير، وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وأبي العالية، والشعبيّ. وروى عنه أيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون، وداود، وجرير بن حازم، والحباب بن المختار القطعيّ، وسعيد الجريريّ. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شيخٌ بصريّ، وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: عمرو بن سعيد ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٦٨) و(١٦٢٨) و(١٨٧٢) و(٢١٥٩) و(٢٣١٦). ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتِل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يُكَمِّل الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. (٧) (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵁-، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه منهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، فلما اختلفا في ذلك فرّق بينهما، فقال: قال ابن المثنّى: حدّثني عبد الأعلى إلخ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وداود فقد علّق له البخاريّ، وعمرو بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ في «الصحيح». ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وسعيد، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يُسَمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمر بن الخطّاب -﵁-: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منّا أحدٌ، وهو أحد المكثرين من الصحابة -﵃-، وأحد العبادلة الأربعة، من فقهاء الصحابة -﵃-، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵂ - (أَنَّ ضِمَادًا) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم، آخره دالٌ مهملة-: ابن ثعلبة الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءَةَ، روى مُسَدَّد في «مسنده» فقال: «وكان ضِمَاد صديقًا للنبيّ -ﷺ-، وكان يتطبَّب، فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بُعِث النبيّ -ﷺ-»، فذكر الحديث، قال البغويّ: لا أعلم لضماد غيره، ووقع في «الصحابة» لابن حبان: ضِمَاد الأزديّ كان صديقًا للنبيّ -ﷺ-، وكذا قال ابن منده: إنه يقال فيه: ضمادٌ -أي بالدال- وضمام- أي بالميم- أفاده في «الإصابة») . (قَدِمَ) بكسر الدال (مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الشين المعجمة، وضمّ النون-: اسم قبيلة مشهورة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كَهلان بن سبأ، أفاده في «اللباب») . (وَكَانَ يَرْقِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: رَقَيْتُهُ أَرْقِيه رَقْيًا، من باب رَمَى: إذا عَوَّذته بالله، والاسمُ الرُّقْيَا على فُعْلَى، والمرّةُ الرُّقيةُ، والجمع رُفى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدًى) . (مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) بكسر الراء المراد به هنا الجنون، ومسّ الجنّ، وفي غير «صحيح مسلم»: يَرقي من الأرواح؛ أي: الجنّ، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم لا يُبصرهم الناس، فهم كالروح، والريح) ، (فَسَمِعَ سُفَهَاءَ) بالضمّ: جمع سَفِيه، يقال: سَفِهَ سَفَهًا، من باب تَعِبَ، وسَفُهَ بالضمّ سَفَاهَةً، فهو سفيه، والأُنثى سَفِيهةٌ، والسَّفَه: نقصٌ في العقل، وأصله الخِفّة) . (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا) ﷺ- (مَجْنُون، فَقَالَ) ضماد (لَوْ أَني رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَل اللهَ يَشْفِيهِ) بفتح أوله، يقال: شَفَى الله المريض يَشْفيه، من باب رَمَى شِفَاءً: عافاه) . (عَلَى يَدَيَّ) أي: بسبب معالجتي له بيديّ (قَالَ) الراوي (فَلَقِيَهُ) أي: لقي ضِمادٌ النبيّ -ﷺ- (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذ الرِّيحِ) وفي نسخة: «في هذه الريح» (وَإِن اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟) جارّ ومجرور خبر لمحذوف؛ أي: فهل لك رغبة في أن أعالجك؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِن الْحَمْدَ لله) بكسر همزة»إنّ«؛ لوقوعها مقول القول؛ أي: الثناء الجميل (نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي: في جميع الأمور (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ) بإِثبات ضمير النصب؛ أي: من يوفّقه الله تعالى لاتّباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) فلا أحد يقدر على إضلاله، من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي: من يضلله الله تعالى (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي: فلا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي: أعلم، وأتيقّن، وأعترف (أَنْ) بفتح الهمزة مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وأصله أنه، وخبره الجملة بعدها، كما قال في«الخلاصة»: وَإِنْ تُخَفَّفْ«أَنَّ »فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ«أَنْ»(لَا إِلَهَ) أي: لا معبود بحقّ (إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقدير تنكيره؛ أي: منفردًا، كما قال في«الخلاصة»: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ«وَحْدَكَ اجْتَهِدْ»وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة حاليّة (وَأَنَّ مُحَمَّدًا) وفي رواية النسائيّ:«وأشهد أن محمدًا»(عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين مستوفًى في أبواب الأذان، فراجعه تستفد. (أمَّا بَعْدُ») أي: بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضمادٌ (أَعِدْ) بقطع الهمزة، أمر من الإعادة؛ أي: كرّر (عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) مبنيّ على الكسر، في محلّ جرّ بدل من «كلماتك» (فَأَعَادَهُنَّ) أي: الكلمات (عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: ليفهمها حقّ الفهم، وكان من هديه -ﷺ- أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لذلك، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن أنس -﵁-، أنه -ﷺ- كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا. (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) بفتحات: جمع كاهن، ويُجمع أيضًا على كُهّانٍ، وهو اسم فاعل من كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: إذا قَضَى له بالغيب، وحرفته الْكِهَانَةُ بالكسر، أفاده في «القاموس») . (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) بفتحات أيضًا: جمع ساحر، من سَحَر يسحرُ، من باب منع، والسَّحْر -بكسر فسكون- كلُّ ما لطُفَ مأخذه، ودَقَّ، أفاده في «القاموس») ، وقال في «المصباح» نقلًا عن ابن فارس: السَّحْرُ هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَه بكلامه استماله برقّته، وحسن تركيبه. انتهى) . (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) بالضمّ جمع شاعر، قال الفيّوميّ ﵀: والشِّعْر العربيّ: هو النظم الموزون، وحَدُّه ما تركَّب تركبًا متعاضدًا، وكان مُقَفًّى موزونًا مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود، أو من بعضها فلا يُسَمَّى شِعْرًا، ولا يسمى قائله شاعرًا، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزونًا، فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يَجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شَعَرْتُ: إذا فَطِنتَ وعَلِمتَ، وسُمِّي شاعرًا؛ لفطنته، وعلمه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يَشْعُر به، وهو مصدر في الأصل، يقال: شَعَرتُ أَشْعُر، من باب قتل: إذا قلته. وجَمْعُ الشاعر شُعَراء، وجمع فاعل على فُعَلاء نادر، ومثله عاقل وعُقلاء، وصالح وصُلَحاء، وبارح وبُرَحاء، عند قوم، وهو شِدّة الأَذَى، من التبريح، وقيل: البُرَحاء غير جمع، قال ابن خالويه: وإنما جُمع شاعر على شُعَراء؛ لأن من العرب من يقول: شَعُر بالضم، فقياسه أن تجيء الصفة على فَعِيل، نحو شُرُفَ فهو شَرِيف، فلو قيل كذلك لالتبس بشَعِير الذي هو الْحَبّ، فقالوا: شاعر، ولَمَحُوا في الجمع بناءه الأصليَّ، وأما نحو عُلَماء، وحُلَماء فجمع، عليم، وحليم. انتهى) . (فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بوجهين، أشهرهما «ناعوس» بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني «قاموس» بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير «صحيح مسلم». وقال القاضي عياض: أكثر نسخ «صحيح مسلم» وقع فيها «قاعوس» بالقاف والعين، قال: ووقع عند أبي محمد بن سعيد «تاعوس» بالتاء المثناة فوقُ، قال: ورواه بعضهم «ناعوس» بالنون والعين، قال: وذكره أبو مسعود الدمشقئ في «أطراف الصحيحين»، والحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» «قاموس» بالقاف والميم، قال بعضهم: هو الصواب، قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه، وقال ابن دُريد: لُجَّته، وقال صاحب «كتاب العين»: قَعْرُه الأقصى. وقال الحربيّ: قاموسُ البحر: قعره، وقال أبو مروان بن سرّاج: «قاموس» فاعول، من قَمَسته: إذا غمسته، فقاموس البحر لُجَّته التي تضطرب أمواجها، ولا تستقرّ مياهها، وهي لفظة عربيةٌ صحيحةٌ. وقال أبو عليّ الجيانيّ: لم أجد في هذه اللفظة ثَلْجًا، وقال شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر بالقاف والعين صحيحٌ بمعنى قاموس، كأنه من القعس، وهو تطامن الظهر، وتعمقه، فيرجع إلى عُمْق البحر ولجّته، هذا آخر كلام القاضي ﵀. وقال أبو موسى الأصفهانيّ: وقع في «صحيح مسلم»: ناعوس البحر بالنون والعين، قال: وفي سائر الروايات «قاموس»، وهو وسطه ولُجَّته، قال: وليست هذه اللفظة موجودة في مسند إسحاق ابن راهويه الذي رَوَى مسلم هذا الحديث عنه، لكنه قرنه بأبي موسى، فلعله في رواية أبي موسى، قال: وإنما أورد مثل هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابي عَرَفَ أصلها ومعناها. انتهى) . (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (هَاتِ) بكسر التاء؛ أي: ناولني (يَدَكَ أُبَايِعْكَ) بالجزم في جواب الطلب (عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ) أي: بايع ضماد النبيّ -ﷺ- (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: و«عَلَى قَوْمِكَ؟» عطف على مقدّر؛ أي: بايعني: على نفسك، وعلى قومك (قَالَ) ضماد (وَعَلَى قَوْمِي) أي: أبايعك على نفسي، وعلى قومي أيضًا (قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- سَرِيَّةً) أي: قطعة جيش، فهي فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيَّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات) . (فَمَرُّوا بقَوْمِهِ) أي: مرّت هذه السريّة بقوم ضِماد -﵁- (فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ) أي: أَميرهم (لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ) أي: من قوم ضماد (شَيْئًا؟) أي: من المال (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً) بكسر الميم على الأشهر، ويجوز فتحها، هي: الإداوة، وهي الإناء الذي يكون فيه ماء الطهارة، وقال الفيّوميّ: الْمِطهرة، بكسر الميم: الإداوة، والفتح لغة، ومنه الحديث: «السِّواك مَطْهَرةٌ للفم»، بالفتح، وكلُّ إناء يُتطهَّر به مَطْهَرَةٌ، والجمع المطاهر. انتهى) . وإنما أخذ ذلك الرجل تلك المطهرة؛ لظنه أنها مال حربيّ يجوز أخذه؛ حيث لم يعلم أن صاحبها من قوم ضماد، أو لم يعلم بإسلام ضماد أصلًا، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) صاحب السريّة (رُدُّوهَا) أي: رُدّوا تلك المِطهرة، وإنما جمع الضمير؛ لإرادة الرجل المصيب، ومن معه من أصحابه (فَإنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) يعني: أنهم مسلمون، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، ولا لأَموالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠٠٨] (٨٦٨»، و(النسائيّ) مختصرًا في «النكاح» (٣٢٧٩) و«الكبرى» (٥٢٧ (٥«، و(ابن ماجه) في »النكاح« (١٨٩ (٣»، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٠٢ و٣٥٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٦٨)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة. ٢ - (ومنها): استحباب قول الخطيب في خطبته: «أما بعد». ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من جراءة قومه عليه، حتى إنهم يصفونه بالجنون، وهم المجانين. ٤ - (ومنها): منقبة ضماد بن ثعلبة الأزديّ -﵁- حيث اهتدى بمجرّد سماع خطبة النبيّ -ﷺ-، مع أن قريشًا كان تسمع منه باستمرار الآيات القرآنيّة،
مصادر المؤلف (١٦)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. وفي نسخة: «يرقي هذه الريح».

٣. وفي نسخة: «قاموس البحر»، وفي أخرى: «قاعوس البحر»، وفي أخرى: «تاعوس البحر».

٤. راجع:«الإصابة في تمييز الصحابة»٣/ ٤٨٦.

٥. راجع:«اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٣٤.

٦. راجع:«المصباح»١/ ٢٣٦.

٧. «شرح النوويّ »١٥٧/ ٦.

٨. راجع:«المصباح»١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.

٩. «المصباح»١/ ٣١٩.

١٠. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٦٤.

١١. «القاموس» ٢/ ٤٥.

١٢. «المصباح» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٣١٥.

١٤. «شرح النووي على صحيح مسلم» ٦/ ١٥٧ - ١٥٨.

١٥. «المصباح»١/ ٢٧٥.

١٦. «المصباح» ٢/ ٣٨٠.