HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٨٥

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع: قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى. فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ. فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ. وَأَتَى النِّسَاءَ. فَذَكَّرَهُنَّ. وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ. وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ. يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا حِينَئِذٍ. تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا. وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: إي. لعمر! إن ذلك لحق علهم. وما لهم لا يفعلون ذلك؟
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص18
ج ٢ ص ٦٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٤٣٠
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا. ٤ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم قريبًا أيضًا. و«أيوب» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زبد، عن أيوب هذه ساقها البيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ٦٠) فقال: (١١١١١) وحدّثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: أشهد على رسول الله -ﷺ-، أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس، أنه قال: إن رسول الله -ﷺ- خطب بعد الصلاة في يوم عيد، ثم أَتَى النساء، وظَنّ أنه لم يُسمعهنّ، وبلال معه، فوعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم، والقرط، وبلال يأخذ في ناحية ثوبه. انتهى. وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، فقد ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (١٤٤٩) حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا إسماعيل، عن أيوب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس -﵄-: أشهد على رسول الله -ﷺ- لصلى قبل الخطبة، فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهنّ، ومعه بلال، ناشر ثوبه، فوعظهنّ، وأمرهنّ أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُلقي، وأشار أيوب إلى أذنه، وإلى حلقه. انتهى. وقوله: «وأشار أيوب» هوأيوب السختيانيّ المذكور في السند، «إلى أذنه» أي: إلى ما في أذنه، وأراد به الحلق، والقُرْط، وإلى ما في حلقه، وأراد به القلادة . والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٧] (٨٨٥) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا حِينَئِذٍ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ، فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) -﵄-، تقدّم قريبًا أيضًا. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: قال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله -﵄- (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ) وفي الرواية التالية: «قال: شهِدت مع رسول الله -ﷺ- الصلاة يوم العيد» (فَصَلَّى) أي: أراد أن يصلي (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى في شرح حديث ابن عبّاس -﵄- (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-) أي: من خطبته (نَزَلَ) أي: من منبره (وَأتى النِّسَاءَ) أي: إلى صفوفهنّ (فَذَكَّرَهُنَّ) من التذكير، وهو الوعظ (وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ) التوكّؤ على العصا هو التحمّل عليها، والمراد أنه كان معتمدًا على يد بلال -﵁-، كما تفيده رواية «صحيح البخاري»، قاله السنديّ ﵀، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) أي: ليأخذ الصدقة، والجملة حال أيضًا (يُلْقِينَ النِّسَاءُ) هكذا هو في النسخ: «يُلقين النساءُ»، وهو جائز على لغة «أكلوني البراغيث»، وسمّاها ابن مالك - ﵀ - لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار»، وإليها أسْار في «الخلاصة» بقوله: وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوُا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِر بَعْدُ مُسْنَدُ وقوله: (صَدَقَةً) منصوب على المفعوليّة، وفي نسخة: «الصدقة»، قال ابن جُريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟) بنصب «زكاةَ» بفعل مقدّر دلّ عليه قوله: «يُلقين» (قَالَ) عطاء (لَا) أي: ليس هذا المدفوع زكاة الفطر (وَلَكِنْ) بتخفيف النون حرف استدراك (صَدَقَةً) بالنصب مفعولًا لمقدّر؛ أي: يُلقين صدقةً، ويَحْتملٍ الرفع خبرًا لمحذوف؛ أي: هي صدقةٌ، وقوله: (يَتَصَدَّقْنَ بِهَا) صفة لـ«صدقةً»، وقوله: (حِينَئِذٍ) ظرف لـ«يتصدّقن»؛ أي: يتصدّقن في ذلك الوقت (تُلْقِي) بضمّ أوله، من الإلقاء (الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا) بفتحات: هي الخواتيم العظام، أو هي التي لا فصوص لها، كما تقدّم بيانه، وقوله: (وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ) هكذا هو في النسخ مكررٌ، وهو صحيحٌ، ومعناه: ويلقين كذا، ويلقين كذا، كما ذكره في باقي الروايات، قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا) هكذا بالنصب، وهو مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أتراه حقًّا (عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ) أي: في الوقت الحاضر، والمراد بعد موت النبيّ -ﷺ- (أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ) أي: من خطبته (فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ) عطاء (إِي) بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى نعم، قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: «إِيْ» بالكسر والسكون: حرف جواب بمعنى «نَعَم»، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبِر، ولوعد الطالب، فتقع بعد قام زيد، وهل قام زيد؟، واضرب زيدًا، ونحوهنّ، كما تقع «نعم» بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع الا قبل القسم، وإذا قيل: إِيْ والله، ثم أسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحها وحذفها، وعلى الأول، فيلتقي ساكنان على غير حدِّهما. انتهى . وقوله: (لَعَمْرِي) قال في «القاموس»: الْعَمْرُ بالفتح، وبالضمّ، وبضمّتين: الحياةُ، جمعه أَعمارٌ. انتهى . وقال في «النهاية»: الْعَمْرُ بالفتح الْعُمْرُ، ولا يُستعمل في القسم إلا المفتوح. انتهى . وقال في «المصباح»: وَعَمِرَ يَعْمَرُ، من باب تَعِبَ عَمْرًا بفتح العين وضمّها: طال عُمْر، فهو عامر، ويتعدّى بالحركة والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله يَعْمُرُهُ، من باب قَتَلَ، وعَمَّره تعميرًا؛ أي: أطال عُمْره، وتدخل لام القسم على المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك لأفعلنّ، والمعنى: وحياتِكَ وبقائك. انتهى . فتبيّن بما ذُكر أن ما هنا بفتح العين المهملة، وسكون الميم. [فإن قلت]: كيف يحلف بحياته، والحلف بغير الله ممنوعٌ؟. [قلت]: الظاهر أنه ما أراد الحلف هنا، إنما هو مجرّد تأكيد الكلام، كما يقال: تربت يمينه، وحلقى، وعقرى، مما لا يُراد به حقيقته، والله تعالى أعلم. (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ عَلَيْهِمْ) أي: إنه من الأمور الثابتة شرعًا على الأئمة، وفي نسخة: «يَحِقّ عليهم» (وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء منعهم من فعله؟، والاستفهام للإنكار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٤٧ و٢٠٤٨] (٨٨٥)، و(البخاريّ) في «العيدين» (٩٥٨ و٩٧٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٤١)، و(النسائيّ) في «العيدين» (١٥٧٥) وفي «الكبرى» (١٧٨٤ و١٥٦٢ و١٧٦٢ و١٧٦٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣/ ٢٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٢ و٣/ ٢٩٦ و٣١٤ و٣١٨ و٣٨١ و٣٨٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦١٠ و١٦١٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٦٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٨٩ و١٩٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤١٥)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عبّاس -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ»، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ»، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلَالٍ، مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ، وَخَوَاتِمِهِنَّ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄- أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة و«شهِدت»، وقوله: (يَوْمَ الْعِيدِ) منصوب على الظرفيّة له (فَبَدَأَ) بالهمزة؛ لأنه بمعنى ابتدأ، وأما بدا بمعنى ظهر، فغير مهموز، ولا يناسب هنا (بالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، فلو بدأ بالخطبة، فقد أسَاء، قال ابن الملقّن: وفي احتسابها احتمال لإمام الحرمين. انتهى. (بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ) فيه عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد، وهو مجمع عليه اليوم، وهو المعروف من فعل النبيّ -ﷺ-، وخلفائه الراشدين، ونُقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله ومن بعده، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي -إن شاء الله تعالى- (ثُمَّ قَامَ) -ﷺ- (مُتَوَكِّئًا عَلَى بلَالٍ) التوكّؤ: التحامل، والمراد هنا: الميل في قيامه متحاملًا على بلال -﵁-، فيؤخذ منه القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدميّ، ولا يتعيّن القوس والعصا، كما قاله الفقهاء، وجواز استعانة العالم بمن يخدُمُهُ . (فَاَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ) «التقوى» أصلها وَقْوَى؛ لأنها من وَقَى يَقِي، فأُبدلت الواو تاءً كما ابدلت في تُراب، وتُخمة، والأصل وُرابٌ، ووُخمة، فكأن المتّقي يجعل بينه وبين النار وِقَايةً، قالوا: هي عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه (وَحَثَّ) أي: حرّض وحرص (عَلَى طَاعَتِهِ) هي الانقياد للأوامر، وأصلها طوعة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا انقاد، فقُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والحثّ على الطاعة يكون بأمرين: الأول بالترغيب في الجزاء عليها، والثاني بالترهيب من تركها بفوات ثوابها، وترتّب العقاب عليه (وَوَعَظَ النَّاسَ) الوعظ: هو الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: تأمرون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة﴾ [سبأ: ٤٦]؛ أي: آمركم، وهو النصح أيضًا، والتذكير بالعواقب (وَذَكَّرَهُمْ) التذكير يكون بالنعم، ودفع النقم، واستحقاق الله ﷾ الطاعةَ والتنزيهَ، والتحميدَ، والتوحيدَ، والشكرَ على ذلك كلّه، وعلى التوفيق له. قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذه المقاصد التي ذَكَرَها الراوي من الأمر بتقوى الله، والحثّ على طاعته، والموعظة، والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عَدَّ بعض الفقهاء من أركان الخطبة الواجبة الأمرَ بتقوى الله، وبعضهم جَعَل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة. انتهى . (ثُمَّ مَضَى) النبيّ -ﷺ- (حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ) هذا ظاهر في أن إتيانه -ﷺ- إلى النساء كان بعد فراغه من الخطبة، لا في أثنائها، كما زعم ذلك القاضي عياض، وقد تقدّم تعقّبه (فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ) أي: أكثر جنس النساء، لا أكثر المخاطبات (حَطَبُ جَهَنَّمَ») أي: وقودها، قال في «القاموس»: الْحَطَبُ محرّكةً: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا، وقال أيضًا: الشَّبُوب -أي بالفتح-: ما تُوقَد به النار. انتهى. (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفها . (مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ) بكسر السين المهملة، وفتح الطاء المخفّفة، وأصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، أو المعنى أنها جالسة في وسطهنّ. قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ: «سِطَة النساء» بكسر السين، وفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ: «واسطة النساء»، قال القاضي عياض: معناه: من خيارهنّ، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم حُذّاق شيوخنا أن هذا الحرف مُغَيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سَفِلَة النساء ، وكذا رواه ابن أبي شيبة في «مسنده»، والنسائيّ في «سننه»، وفي رواية لابن أبي شيبة: «امرأة ليست من عِلّيّة النساء»، وهذا ضِدّ التفسير الأول، ويَعْضِده قوله بعده: «سَفْعَاءُ الخدين»، هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وهذا الذي ادَّعَوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها: من خيار النساء، كما فسره، هو بل المراد: امرأة من وسط النساء، جالسةٌ في وسطهنّ، قال الجوهريّ وغيره من أهل اللغة: يقال: وَسَطتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطًا، وسِطَةً: أي: توسطتهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما ذُكر من تفسير «سِطَةِ النساء» ثلاثة معان: خيار النساء، وسَعلَةُ النساء، وجالسةٌ في وسطهنّ، وما قاله النوويّ أقرب، والله تعالى أعلم. (سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) بفتح السين، بوزن حمراء؛ أي: فيهما تغير وسواد، السُّفْعَةُ نوع من السواد، وليس بالكثير، وقيل: هي سواد مع لون آخر، وقال الفيّوميّ: السُّفْعَة وِزَان غُرْفة: سواد مُشْرَبٌ بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تَعِبَ: إذا كان لونه كذلك، فالذكر أسفَعُ، والأنثى سَفْعَاء، مثل أحمر وحمراء. انتهى. وقال ابن الملقن ﵀: قوله: «سفعاء الخدّين»: هو بضمّ السين، وفتحها، حكاهما صاحب «المطالع»، قال: وهو شُحُوب، وسوادٌ في الوجه، وفي «البارع»، و«الصحاح»: هو سواد الخدّين من المرأة الشاحبة، وقال الأصمعيّ: هو حمرة يعلوها سواد، وقال ابن دقيق العيد: الأسفع، والسَّفْعَاءُ من أصاب خدّه لون يُخالف لونه الأصليّ، من سواد، أو خُضرة، أو غيره. انتهى . (فَقَالَتْ) تلك المرأة (لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: لأيّ شيء كنّا أكثر حطب جهنّم؟ (قَالَ) -ﷺ- («لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ) بضمّ أوله، من الإكثار (الشَّكَاةَ) بفتح الشين: أي: التشكّي، قال القرطبيّ ﵀: يعني: التشكّي بالأزواج؛ أي: يكتمن الإحسان، ويُظهرن التشكّي كثيرًا. انتهى. وقال في«الصحاح»: شَكَوتُ فلانًا أشكوه شَكْوًا، وشَكِيّةً، وشَكَاةً: إذا أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٌّ، والاسم: الشَّكْوَى، وقال غيره: الشِّكَايةُ والشَّكِيّة: إظهار ما يُصيبك به غيرك من المكروه، والاشتكاء: إظهار ما بك من مكروه، أو مرض، ونحوه. انتهى . وقال ابن الملقّن ﵀: ألف الشكوى منقلبة عن واو؛ كالصلاة، والزكاة، والشكاة، والشكاية بمعنى واحد؛ أي: تَكْتُمن الإحسانَ، وتظهرن الشكوى، ولا شكّ أن الشكاية في الأصل جائزة إذا اضطرّ إليها، فإذا أُكثر منها دلّ ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، فاقتضى دخول النار . وقال ابن دقيق العيد ﵀: وتعليله -ﷺ- بالشَّكاة، وكفران العشير، دليل على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سببًا لدخول النار، وهذا السبب في الشكاية يجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقِّه، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالله تعالى، من عدم شكره، والاستكانة لقضائه، وإذا كان النبيّ -ﷺ- قد ذكر ذلك في حقّ مَن هذا ذنبه، فكيف بمن له منهنّ ذنوب أكثرُ من ذلك، كترك الصلاة، والقذف. انتهى . وقال الفاكهيّ: والأول أظهر؛ لأن الشكاية من الله تعالى لا يختصّ بالنساء، وقال الحلبيّ: ويؤيّده أنه قرنه بقوله: «وتكفرن العشير». انتهى . (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ») قال أهل اللغة: يقال: العشير: هو المعاشر، والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج، وقال آخرون: هو كلُّ مخالط، قال الخليل: يقال هو العَشِير والشَّعِير على القلب، ومعنى الحديث: أنهن يَجْحَدن الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلة معرفتهنّ، فيُستدلُّ به على ذمّ مَن يجحد إحسان ذي إحسان، قاله النوويّ ﵀ . وقال في«الفتح»: الْعَشِيرُ: فَعِيل بمعنى مُعاشر، مثل أَكِيل بمعنى مؤاكل؛ أي: تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أوأعمّ من ذلك. انتهى. وقال في«الإعلام»: معنى العشير عند الأكثرين: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقد أحسن الحريريّ ﵀ حيث قال في«مقاماته»: وَأَفِي العشير، وإن لم يواف بالعشير، أراد بالأول المعاشر، وبالثاني الْعُشْر، فإنه يقال: عُشْر وعَشِير، ومِعْشَار بمعنى. قال: ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلّة معرفتهنّ، فإن الزوج قوّامٌ على المرأة بالنفقة، والكسوة، والسكنى، وغضّ بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]. واعلم أن الكفر عند الإطلاق لا يُطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد يُطلق على الكفر المنافي لكماله، لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعًا وعادةً، لا للخروج من الإسلام. انتهى . وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ ﵀: إنما خصّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله -ﷺ-: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، فقرن حقّ الزوج على الزوجة بحقّ الله، فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها -وقد بلغ من حقّه عليها هذه الغاية- كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقّ الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر دون كفر، لا يُخرج عن الملّة. انتهى . (قَالَ) جابر -﵁- (فَجَعَلْنَ) أي: أخذن وشرعن (يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسرها، والضمّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القرَّاء على الضمّ، واللام مكسورة، والياء مشدّدةٌ، وهو جمع حَلْيٍ، بفتح، فسكون، كفَلْسٍ وفُلُوس، أفاده في «الإعلام»، و«المصباح» . (يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) «يُلقين» بضمّ أوله، من الإلقاء، والجملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ) جمع قُرط، قال في «المصباح»: القُرط: ما يُعلّق في شحمة الأذن، والجمع أَقْرِطَة، وقِرَطَة، وزان عِنبَة. انتهى . وقال في «القاموس»: الْقُرْط بالضمّ: ما يُعلّق في شحمة الأذن، جمعه أَقراطٌ، وقِرَاطٌ، وقُرُوطٌ، وقِرَطَةٌ، كقِرَدَة. انتهى ، ونحوُه في «اللسان».
مصادر المؤلف (٢٦)

١. راجع: «عمدة القاري» ٩/ ٩.

٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣. وفي نسخة: «أخبرنا».

٤. وفي نسخة: «الصدقة».

٥. وفي نسخة: «يحقّ عليهم».

٦. «مغني اللبيب» ١/ ١٠٥ - ١٠٦.

٧. «القاموس المحيط» ٢/ ٩٥.

٨. «النهاية» ٣/ ٢٩٨.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٩.

١٠. وفي نسخة: «وخواتيمهنّ».

١١. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٢٦.

١٢. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٣٠.

١٣. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» (ص ١٦٩).

١٤. «السَّفِلَةُ»: بفتح السين، وكسر الفاء: الساقطة من الناس.

١٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»٤/ ٢٣٦.

١٦. «العدّة حاشية العمدة» ٣/ ١٧٣.

١٧. «الإعلام»٤/ ٢٣٦.

١٨. «إحكام الأحكام»٢/ ١٣١.

١٩. «العدّة حاشية العمدة»٣/ ١٧٣ - ١٧٤.

٢٠. «شرح النوويّ» ٦/ ١٧٥ - ١٧٦.

٢١. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٣٧.

٢٢. حديث صحيح.

٢٣. راجع: «الفتح» ١/ ١٠٥.

٢٤. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٤١، و«المصباح» ١/ ١٤٩.

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٨.

٢٦. «القاموس» ٢/ ٣٧٨.