HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٨٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنّ رسول الله ﷺ كان يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ. فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ. فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ. فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ، ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ. أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَرَهُمْ بِهَا. وَكَانَ يَقُولُ «تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا»وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ. ثُمَّ يَنْصَرِفُ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ. فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ. حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى. فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ. فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ. كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ. وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ. فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا. يَا أَبَا سَعِيدٍ! قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ. قُلْتُ: كَلَّا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ (ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ انصرف).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص20
ج ٢ ص ٦٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٤٤٩
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٢] (٨٨٨)، و(البخاريّ) في «العيدين» (٩٥٧ و٩٦٣)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٣١)، و(النسائيّ) في «العيدين» (٣/ ١٨٣)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٢٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٧٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٢ و٣٨ و٣٩ و٩٢ و١٠٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٤٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٩٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١١٠١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال: [٢٠٥٣] (٨٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةٌ، ؤابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قامَ، فَاقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَة حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَان أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُني يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَخرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُركَ مَا تَعْلَمُ، فلْتُ: كلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ، ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوت) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد ذُكر قبله. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ القرشيّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٤. ٦ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، استُصغر بأُحُد، ثم شهد ما بعدها، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. والباقيان ذُكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، فقد سمع هو من لفظهم مع غيره، وهم كذلك، ولذا قالوا جميعًا: «حدّثنا». ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: داود، عن عياض. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-، وفي رواية عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق ابن وهب، عن داود (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) زاد في رواية البخاريّ: «إلى المصلَّى» وهو بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة: موضع بالمدينة معروف، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عُمَر بن شَبَّة في «أخبار المدينة» عن أبي غَسّان الْكِنَانيّ، صاحب مالك ﵀ . (فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ: «فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة» (فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أي: أتمها (وَسَلَّمَ) منها (قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: واجههم، وفي رواية البخاريّ: «ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس»، وفي رواية ابن حبّان من طريق داود بن قيس: «فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه»، وروى ابن خزيمة في رواية مختصرة: «خَطَب يوم عيد على رجليه»، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلَّى في زمانه -ﷺ- منبرٌ، ويدلّ على ذلك قول أبي سعيد: «فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان»، كما سيأتي بيانه. (وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ) جملة إسمية وقعت حالًا، و«جُلُوسٌ»: جمع جالس؛ أي: والحال أن الناس جالسون في مكان صلاتهم، وفي رواية البخاريّ: «والناس جُلُوسٌ على صفوفهم، فيَعِظُهم، ويوصيهم، ويأمرهم» (فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) وفي رواية البخاريّ: «فإن كان يريد أن يقطع بَعْثًا قطعه»، و«الْبَعْثُ» بفتح الباء الموحّدة، وسكون العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة: بمعنى المبعوث، وهو الجيش؛ يعني: أنه -ﷺ - إذا كان يريد أن يبعث جيشًا إلى جهة من الجهات (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) أي: ذكر ذلك البعث، وبيّن مقداره، وعيّن مكانه، وأوضح ما يلزمهم تجاه ذلك (أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) من إعانة فقير، أو إغاثة ملهوف (أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ) -ﷺ- (يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا») أي: بالتكرار تأكيدًا لشأن الصدقة (وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) حيث يؤكّد عليهنّ الحث على الصدقة، فيقول: «يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار» (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى بيته (فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) أي: لم يزل الحال على هذا الذي كان عليه النبيّ -ﷺ- من صلاته العيدين في المصلَّى بلا منبر، وتقديمه الصلاة على الخطبة (حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة سنة (٦٤)، ومات في رمضان سنة (٦٥) وليست له صحبة، وكان معاوية -﵁- استعمله على المدينة. وفي رواية البخاريّ: «فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان، وهوأمير المدينة في أضحى، أو فطر». (فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ) أي: مماشيًا له يده في يدي، هكذا فسّروه، قاله النوويّ ، وقال ابن الأثير: المخاصرة: أن يأخذ الرجل بيد رجل آخر يتماشيان، ويد كلّ واحد منهما عند خَصْرِ صاحبه. انتهى . وزاد عبد الرزاق، عن داود بن قيس: «وهو بيني وبين أبي مسعود»؛ يعني: عقبة بن عمرو الأنصاريّ؛ يعني: أن مروان كان بينه وبين أبي مسعود -﵁-. (حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) «إذا» للمفاجأة، وارتفاع «كثير» على أنه مبتدأ وخبره جملة (قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ) والعامل في «إذا» معنى المفاجأة، والمعنى: فاجأنا كثير بن الصلت زمان الإتيان، وقيل: «إذا» حرف لا يَحتاج إلى عامل. و«الطين» بالكسر: معروف، و«اللبِنُ» بفتح اللام، وكسر الموحّدة، آخره نون: ما يُعمل من الطين، ويُبنى به، والواحدة لَبِنةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثل حِمْلٍ، قاله في «المصباح» . قيل: إنما اختار له بناء المنبر باللبن والطين لا من الخشب؛ لكونه يُترك بالصحراء في غير حرز، فلا يُخاف عليه من النقل بخلاف منابر الجوامع . [تنبيه]: «كثير» هو: ضدُّ القليل، و«الصَّلْتُ» بالتاء المثناة من فوقُ، وهو كثير بن الصَّلْت بن معاوبة الْكِنديّ، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، وقَدِمَ المدينة هو وإخوته بعده، فسكنها، وحالف بني جُمَح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع، قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلًا، فسماه عمر كثيرًا، ورواه أبو عوانة، فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبيّ -ﷺ-، والأول أصحّ. وقال الذهبيّ في «تجريد الصحابة»: كثير بن الصَّلْت بن معدي كرب الكنديّ، أخو زبيد، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، رَوَى عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن كثير بن الصلت كان اسمه قليلًا، فسماه النبيّ -ﷺ- كثيرًا، والأصح أن الذي سماه كثيرًا عمر -﵁-. انتهى. وقد صَحّ سماع كثير من عُمر ومن بعده، وقال العجليّ: هو تابعيّ مدنيّ ثقةٌ، وكان له شرفٌ، وحالٌ جميلة في نفسه، وله دارٌ كبيرةٌ بالمدينة في المصلَّى، وقبلة المصلَّى في العيدين إليها، وكان كاتبًا لعبد الملك بن مروان على الرسائل، وهو ابن أخي جَمْد -بفتح الجيم، وسكون الميم، أو فتحها- أحد ملوك كِنْدة الذين قُتِلوا في الردّة، وقد ذَكَر ابنُ منده الصَّلْت في «الصحابة»، وفي صحّة ذلك نظرٌ، وقال الذهبيّ: والصلت أبو زبيد الكنديّ مختلف في صحبته، وروى عنه ابنه زبيد، وكثير. انتهى . [تنبيه آخر]: قال في «الفتح»: مقتضى ما سبق أن أول من اتخذ المنبر في العيد مروان، وقد وقع في «المدونة» لمالك، ورواه عُمَر بن شَبَّة، عن أبي غَسّان عنه، قال: أول من خطب الناس في المصلَّى على المنبر عثمان بن عفان -﵁-، كلّمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا مُعْضَلٌ، وما في «الصحيحين» أصحّ، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس، عن عياض، نحو رواية البخاريّ. قال: ويَحْتَمِلُ أن يكون عثمان فَعَل ذلك مرّةً، ثم تركه، حتى أعاده مروان، ولم يَطَّلِع على ذلك أبو سعيد -﵁-. وإنما اخْتَصَّ كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلَّى؛ لأن داره كانت مجاورةً للمصلى، كما سيأتي في حديث ابن عباس -﵄- أنه -ﷺ- أتى في يوم العيد إلى الْعَلَمِ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت ، قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلَّى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بَطْن بُطْحَان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى. وإنما بَنَى كثير بن الصَّلْت داره بعد النبيّ -ﷺ- بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة، وُصِفَ المصلَّى بمجاورتها. انتهى . (فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ) أي: ليخطب قبل الصلاة، وفي رواية البخاريّ: «فلما أتينا المصلّى؛ إذا منبرٌ بناه كثير بن الصّلْت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة». (وَأنَما أَجُزُهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: «نحو المصلَّى»؛ أي: ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ اتبّاعًا للسنّة (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: إلحاحه على ما أراده من تقديم الخطبة على الصلاة (قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟) أي: أين اتّباع السنّة في تقديم الابتداء بالصلاة طى الخطبة؟. وقال النوويّ ﵀: قوله: «أين الابتداء بالصلاة» هكذا ضبطناه على الأكثر، وفي بعض الأصول: «ألا نبتدئ» بـ «ألا» التي هي للاستفتاح، وبعدها نون، ثم باء موحّدة، وكلاهما صحيح، والأول أجود في هذا الموطن؛ لأنه ساقه للإنكار عليه. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «فقلتُ له: غيّرتم والله» (فَقَالَ: لَا) أي: لا نبدأ بالصلاة (يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: «قد ذهب ما تعلم»، قال أبو سعيد -﵁-: (قُلْتُ: كَلَّا) كلمة مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و«لا» النافية، قال: وإنما شُدِّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرّد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الرَّدْع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدًا الوقف عليها، = بالصدقة، فجعل النساء يُشرن إلى آذانهنّ وحلوقهنّ، فأمر بلالًا فأتاهنّ، ثم رجع إلى النبيّ -ﷺ-. انتهى. والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت «كلا» في سورة، فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، ذكره ابن هشام في «المغني»، وله فيه تعقّب على ما ذُكر، وتفصيل للمسألة، فراجعه . والمعنى هنا: ارتدع، وانزجر عما زعمته؛ لأنه لا خير فيه. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ) لقد صدق أبو سعيد -﵁- فيما قال، فوالله إن الذي يعلمه هو طريَق النبيّ -ﷺ-، ففيه الهدى، والفلاح، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿افَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فكيف يكون غيره خيرًا منه؟ بل الخير كلُّ الخير في اتّباع سنته -ﷺ-، والشرّ كلُّ الشرّ في مخالفتها. وفي رواية البخاريّ: «فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة». انتهى. [تنبيه]: قوله: «لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ» صريحٌ في أن أبا سعيد هو الذي أنكر، وتقدّم لمسلم في «كتاب الإيمان» من طريق طارق بن شهاب، قال: أوّلُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قضى ما عليه، وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد، وكذا هو في رواية رجاء، عن أبي سعيد عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، بلفظ: «أخرج مروان المنبر يوم العيد، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل …» الحديث. قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون الرجل هوأبا مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق، أنه كان معهما، ويَحْتَمِل أن تكون القصة تعددت، ويدلّ على ذلك المغايرةُ الواقعة بين روايتي عياض ورجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بُنِي بالمصلَّى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعلّ مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعدُ، وأمر ببنائه من لَبِنٍ وطين بالمصلَّى، ولا بُعْدَ في أن يُنْكَر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرةً بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وانكار الآخر وقع على رؤوس الناس. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) أي: قال أبو سعيد ذلك ثلاث مرّات، وإنما كرّره توكيدًا للإنكار (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: إلى الصفّ، لا أنه ترك الصلاة معه. قال النوويّ: قال القاضي عياض: قوله: «ثم انصرف» أي: عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى، وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاريّ أنه صلى معه، وكلمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه. قال النوويّ: واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدُّم خطبتها عليها؛ لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم مناقشة اشتراط الخطبة للجمعة في بابه، فإن شئت فراجعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٣] (٨٨٩)، و(البخاريّ) (٣٠٤ و٩٥٦ و١٤٦٢ و٢٦٥٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٤٠)، و(النسائيّ) في «سننه» (٣/ ١٨٧ و١٩٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٢٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١ و٣٦ و٤٢ و٥٤ و٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٤٥ و١٤٤٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلَّى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كلُّ من حضر، بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم. ٢ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المصلى في العيد، وأن صلاتها في المسجد لا تكون إلا عن ضرورة. ٣ - (ومنها): إنكار العلماء على الأمراء؛ إذا صنعوا ما يخالف السنة. ٤ - (ومنها): أن فيه الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليًا. ٥ - (ومنها): أن الانكار يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد؛ وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ٦ - (ومنها): حلف العالم على صدق ما يُخبر به. ٧ - (ومنها): المباحثة، والمجادلة في الأحكام الشرعيّة؛ للوصول إلى ما هو الصواب. ٨ - (ومنها): جواز عمل العالم بخلاف الأَولى؛ إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة، ولم ينصرف، فيُسْتَدلّ به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها. قال ابن الْمُنَيِّر ﵀ في «الحاشية»: حَمَلَ أبو سعيد -﵁- فعل النبيّ -ﷺ- في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتَذَر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيُّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة، وهو إسماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها، ليست من شرطها، والله أعلم. ٩ - (ومنها): استحباب مواجهة الخطيب الناس، وجلوسهم بين يديه.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «نحو المصلَّى».

٢. «الفتح» ٣/ ٢٧٤، و«عمدة القاري» ٦/ ٢٧٥.

٣. «شرح النووي» ٦/ ١٧٧.

٤. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٧.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٨.

٦. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ٤٠٦.

٧. راجع: «الفتح» ٣/ ٢٧٤، و«عمدة القاري» ٦/ ٤٠٥.

٨. هو ما أخرجه البخاريّ في «كتاب الاعتصام» (٧٣٢٥) قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال: سئل ابن عباس أشهدت العيد مع النبيّ -ﷺ-؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، ولم يذكر أذانًا ولا إقامةً، ثم أمر =

٩. «الفتح» ٣/ ٢٧٤.

١٠. «شرح النووي» ٦/ ١٧٨.

١١. «مغني اللبيب» ١/ ٢٤٩.

١٢. «الفتح» ٣/ ٢٧٥.

١٣. «شرح النووي» ٦/ ١٧٨.