HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٠٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ؛ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا. حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ. فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي. فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ. قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ. مَا من شيء لم أكن رأيته إلا فِي مَقَامِي هَذَا. حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ. (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى. فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا. ثَلَاثَ مِرَارٍ. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ. قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. فَنَمْ صَالِحًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فقلت».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص32
ج ٢ ص ٦٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٧٢
أثاث الْمَارَّة، فإن عُثِر عليه اعتلّ بأنه تعلّق بمِحجنه. انتهى . (وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضًا (ذَهَبَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أخذ ذلك المتاع، وذهب به إلى رحله. (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ) تقدّم أنَّها امرأة من بني إسرائيل، وفي رواية من حِمْير (الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأَكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)، مثلّث الخاء؛ أي: من هوامّها، وحشراتها (حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) وفي حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - عند النسائيّ: «فلا هي أطعمتها، ولا هي سقتها، حتى ماتت، فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت، وإذا ولّت تنهش أَلْيتها». وفي الحديث دليلٌ على المعاقبة بتعذيب الحيوان، وإهلاكه بغير حقّ؛ لأن هذه المرأة عُذّبت بسبب ربط هذه الهرّة حتى ماتت، وقد أخرج النسائيّ عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - يرفعه، قال: «من قتل عصفورًا في فوقها بغير حقّها، سأل الله - ﷿ - عنها يوم القيامة»، قيل: يا رسول الله في حقها؟ قال: «حقُّها أن تذبحها، فتأكلها، ولا تقطع رأسها، فيرمى بها» . (ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظَهَر (لِي أَنْ لَا أفعَلَ) وقوله: (فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِتي هَذِهِ») تأكيد لما قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٣] (٩٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا اِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؛ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقِيَامَ جدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُّ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ، إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ، قَدْ كنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ ، فَنَمْ صَالِحًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور في السند الماضي. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب. ٤ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة الراوي عنها، ثقةٌ [٣] (ح) تقدمت في«الطهارة»٣٣/ ٦٨١. ٥ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي الصدّيق - ﵄ -، زوج الزبير بن الْعَوّام - ﵁ -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ح) تقدمت في«الطهارة»٣٣/ ٦٨١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن صحابيّة، هي جدّتهما. شرح الحديث: (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير، وهي زوج هشام الراوي عنها، وبنت عمة (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ - (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أنه من باب ضرب، وأنه يقال للشمس والقمر على الصحيح (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في وقته (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (وَهِيَ تُصَلِّي) جملة حاليّة من «عائشة» (فَقُلْتُ) أي: لمّا رأت من اضطرابهم (مَا شَأْنُ النَّاسِ) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء حال الناس؟ (يُصَلُّونَ) جملة حاليّة من «الناس»؛ أي: حال كونهم مصلين صلاة الخسوف (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة - ﵂ - (بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ) تعني بذلك إلى أن الشمس خسفت، وأن ذلك هو سبب اضطرابهم (فَقُلْتُ: آيَةٌ؟) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أهذه آيةٌ؛ أي: علامة لعذاب الناس، كأنها مقدّمة له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أو علامة لقرب زمان القيامة، وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص، مسخَّرة لقدرة الله تعالى، ليس لها سلطة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها. [فإن قلت]: ما تقول فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يُرَى حينئدٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نور له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر، عند كون النَيِّرَين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، هل جاز القول به أم لا؟. [قلت]: المقدمات كلُّها ممنوعة، ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلَّا الله تعالى، قاله في «العمدة» . (قَالَتْ: نَعَمْ) المراد أنَّها أشارت بـ «نعم»، ففي رواية البخاريّ: «قلت: آية؟ فأشارت برأسها؛ أي: نعم»، فدلّ على أنَّها ما تكلّمت بلسانها، وإنما أشارت برأسها، فلا يقال: كيف تكلّمت، وهي في الصلاة؟ (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي) - بفتح التاء المثناة، والجيم، وتشديد اللام - وأصله تجلَّلني؛ أي: علاني، وغطّاني، قال في «العباب»: تجلّله أي: علاه، وهو مثل: تقضّى البازي، أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذلك استثقلوا ثلاث لامات، فأبدلوا من إحداهن ياء . (الْغَشْيُ) بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، ورُوي أيضًا بكسر الشين، وتشديد الياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وهو مرض يحصل بطول القيام في الحرّ، وفي غير ذلك من الأحوال، ولهذا جعلت تصبّ عليها الماء، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال ابن بطّال: الْغَشي: مرضٌ يَعرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنه دونه، وإنما صبّت أسماء الماء على رأسها مدافعةً له، ولو كان شديدًا لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع. انتهى. وكونها كانت تتولّى صبّ الماء عليها يدلُّ على أن حواسّها كانت مُدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: «الغشي» بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره ياء آخرُ الحروف مخففة، مِن غَشِيَ عليه غَشْيَةً وغَشْيًا وغَشَيَانًا، فهو مَغْشِيّ عليه، واستغشى بثوبه، وتغشى؛ أي: تغطى به، وقال القاضي: رَوَيناه في مسلم وغيره بكسر الشين، وتشديد الياء، وبإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وذلك لطول القيام، وكثرة الحرّ ولذلك قالت: (فجَعَلتُ أَصُبُّ على رأسي، أو على وجهي من الماء». قال الكرمانيّ:«الغَشِيّ»بكسر الشين، وتشديد الياء: مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحز وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطب بأنه تَعَطُّل القُوَى المحركة والحساسة؛ لضعف القلب، واجتماع الروح كله إليه. [فإن قلت]: إذا تعطلت القُوَى فكيف صبت الماء؟. [قلت]: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازًا، أو كان الصبّ بعد الإفاقة منه. قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة، قال القاضي: ليس بشيء، وفي«المطالع»: الغَشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء، كذا قيّده الأصيليّ، ورواه بعضهم الغَشْي، وهما بمعنى واحد، يريد الغِشَاوة، وهو الغطاء، ورويناه عن الفقيه ابن محمد، عن الطبريّ«العَشي» بعين مهملة، وليس بشيء. انتهى . (فَأَخَذْتُ قِرْبَة) بكسر القاف، وإسكان الراء، جمعها قِرَبٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، وهي إناء من جلد، يكون للبن، وللماء (مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ،) قال النوويّ - ﵀ -: هذا محمول على أنه لَمْ تكثر أفعالها متوالية؛ لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة. انتهى . (قَالَتْ) أسماء - ﵂ - (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: سلّم من صلاته (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة حاليّة من الفاعل (فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد ما تقدّم من الحمد والثناء (مَا) نافية، وتقدَّم أنَّها إما حجازيّة، أو تميميّة (مِنْ) زائدة (شَيْءٍ) وقوله: (لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لـ»شيء«، وهو مرفوع في الأصل، وإن كان جر بـ»من«الزائدة، واسم»يكن«ضمير مستتر فيه، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) جملة في محل النصب على أنَّها خبر«لَمْ أكن»، والاستثناء هنا مفرَّغ، وقالت النحاة: كلّ استثناء مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل«إلَّا»مفرع للعمل فيما بعدها؛ إذ الاستثناء من كلام غير تامّ، فيُلْغَى فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعني، نحو ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيد، فالفعل الواقع هاهنا قبل«إِلَّا»مفرغّ لما بعدها، و«إلَّا»هنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو«هل»، وغيره، ولا يجوز هذا إلَّا في المنفيّ، فافهم . وقوله: (فِي مَقَامِي) بفتح الميم، والجارّ يتعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كوني كائنًا في مكاني، وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ«مقامي»(حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، أما الرفع فعلى أن تكون«حتى»ابتدائيّةً، و«الجَنَّة»مرفوعًا على الابتداء، وحذف خبره؛ أي: حتى الجنّة مرئيّة، و«النار»عطف عليه، كما في قوله:«أكلت السمكة حتى رأسُها»برفع الرأس؛ أي: رأسُها مأكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه، وأما النصب فعلى أن تكون«حتى»عاطفةً عَطَفت«الجَنَّة»على الضمير المنصوب في«رأيته»، وأما الجر فعلى أن تكون«حتى»جارةً، أو عاطفة على المجرور السابق، وهو«شيء»، وإن لزم عليه زيادة«مِنْ»مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يُغْتَفر في التابع ما لا يُغتَفر في المتبوع، ولأن المقدَّر ليس كالملفوظ به. [فإن قلت]: مفادُ الإغياء أنه - ﷺ - لم ير الجَنَّة والنار قبل هذا الوقت، مع أنه رآهما ليلة المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان بلا شكّ. [قلت]: أجيب بأن المراد هنا رؤيتهما في الأرض، بدليل قوله:«في مقامي هذا»، أو باختلاف الرؤية، أفاده الزرقانيّ - ﵀ - . (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشان (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه مفعولًا به، وهو النائب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُون وتُخْتَبرون (فِي الْقُبُورِ) قال الباجيّ - ﵀ -: يقال: إنه أُعلم بذلك في ذلك الوقت، قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار العمل، وإعلامٌ بالمآل والعاقبة، كاختبار الحساب؛ لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت. انتهى. (قَرِيبًا، أَوْ) للشكّ من الراوية، وهي فاطمة، شكّت هل قالت أسماء:«قريبًا من فتنة المسيح الدجّال»، أو قالت: (مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) ولذلك قالت: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) بحذف الضمير المنصوب؛ أي: قالته؛ تعني: أنَّها لا تعلم أيَّ الجملتين المذكورتين قالت أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -. قال في«العمدة»:«أيّ»يجوز أن تكون استفهاميةً، وموصولةً، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون أيّ مبنيةً على الضم، مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون أيّ منصوبةً بأنها مفعول«لا أدري»، ويجوز أن يكون انتصابها بـ«قالت»، سواء كانت«أيّ»موصولةً، أو استفهاميةً، ويجوز أن تكون مِن شَرِيطة التفسير، بأن يشتغل«قالت»بضميره المحذوف. انتهى . وعند النسائيّ والإسماعيليّ، عن أسماء:«قام خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يُفتن فيها المرء»، فلما ذَكَر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّةً، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله - ﷺ -، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: بارك الله فيك ماذا قال في آخر كلامه، قال: قال:«قد أوحيّ إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال». وللبخاريّ من طريق فاطمة، عن أسماء أيضًا:«أنه لَغَط نسوة من الأنصار، وإنها ذهبت لِتُسَكِّتهنّ»، فاستفهمت عائشة عما قال. قال الحافظ - ﵀ -: يجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنها لَمَّا حدثت فاطمة لَمْ تبيّن لها الاستفهام الثاني، قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن. انتهى . (فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ) هذا بيان لقوله:«تفتنون»؛ أي: يؤتى في قبره ملكان: منكر ونكير (فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ) «ما» استفهاميّة مبتدأ، و«علمك» خبره، والجملة مقول القول، والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله: «تفتنون في قبركم»، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله. قال في «العمدة»: قيل: قد يُتَوَهَّم أن فيه التفاتًا؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح الحماسة في قوله: أَحْمِى أَبَاكُنّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيَح إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. ثم أجاب بأن الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتًا، إلَّا على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضِها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنَى بطريق من الطرق الثلاثة، بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب، والغيبة، أما الشِّعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطابَ ليلي، وأما الآية فقد قال الزمخشريّ: خَصّ النبي - ﷺ - بالنداء، وعمّ بالخطاب؛ لأن النبيّ - ﷺ - إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهارًا لتقدمه، واعتبارًا لترؤسه، وأنه مِدْرَهُ قومه ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. انتهى . (بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: بمحمد - ﷺ -، وإنما لَمْ يقل: بي؛ لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور، والقائل هما الملكان السائلان المسمّيان بمنكر ونكير. وإنما يقول له الملكان السائلان: «ما علمك بهذا الرجل»؟، ولا يقولان: «رسول الله»؛ امتحانًا له، وإغرابًا عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبيّ - ﷺ -، ورفع مرتبته، فيعظمه هو تقليدًا لهما، لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: لا أدري، فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى . (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) كلمة «أما» للتفصيل تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت في جوابها الفاء، وهو قوله: «فيقول هو محمد» (أَوِ) للشكّ من فاطمة أيضًا (الْمُوقِنُ) أي: المصدّق بنبوّة محمد - ﷺ -، قال الباجيّ: والأظهر أنه «المؤمن»؛ لقوله: «فآمنا»، دون «أيقنّا»، ولقوله: «لمؤمن». انتهى. وقوله: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين «أمَّا» وجوابها، وهو قوله: (فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات الدالة على نبوته (وَالْهُدَى) أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح (فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا) أي: قبلنا نبوّته معتقدين حقيقتها، معترفين بها، وأطعناه فيما جاء به إلينا. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن هذا الجواب قولًا ثلاث مرّات، وإنما كرّره تأكيدًا له (فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) بفتح النون فعل أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انوَم، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة، وحُذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها، ثم قُلبت الواوألفًا؛ لتحرّكها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ) وفي بعض النسخ: «إنك لمؤمنٌ» (فَنَمْ صَالِحًا) منصوب على الحال، ومعنى «صالحًا» أي: منتفعًا بأعمالك، وأحوالك؛ إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع، ويقال: لا رَوْعَ عليك مما يُرَوَّع به الكفار، من عرضهم على النار، أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه: صالحًا لأن تُكْرَم بنعيم الجنة . قال الباجيّ - ﵀ -: أراد بالنوم العود لِمَا كان عليه من الموت، سمّاه نومًا لِمَا صَحِبه من الراحة، وصلاح الحال. انتهى. وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند سعيد بن منصور: «فيقال له: نَمْ نومة عَرُوس، فيكون في أحلى نومة نامها أحدٌ، حتى يُبعَث». وللترمذي من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «ويقال له: نَمْ، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك». وفي حديث أنس - ﵁ - في «الصحيحين»: «فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا». ولابن حبَّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأحمد من حديث عائشة - ﵂ -: «ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مِتَّ، وعليه تبعث إن شاء الله». وفي البخاريّ ومسلم، عن قتادة: «ذُكِر لنا أنَّه يُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ خُضْرًا إلى يوم يبعثون». وفي الترمذيّ، وابن حبَّان، من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فيُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنَوَّر له كالقمر ليلة البدر». وفي حديث البراء - ﵁ -: «فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، أفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له مَدّ بصره»، زاد ابن حبَّان من وجه آخر، عن أبي هريرة - ﵁ -: «فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ويعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسمة طائر، يعلق في شجر الجنة» . (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) أي: غير المصدّق بقلبه لنبوّته - ﷺ -، وهو في مقابلة «المؤمن» (أَوِ الْمُرْتَابُ) أي: الشاكّ، وهو في مقابلة «الموقن». [فائدة]: «المرتاب» من الألفاظ التي يشترك فيها الفاعل والمفعول، كالمختار، والمنقاد، ونحو ذلك، ويُفرّق بينهما بالقرينة، فأصله في الفاعل مُرْتَيِبٌ بكسر الياء، وفي المفعول مُرْتَيَبٌ بفتحها، فقلبت الياء فيهما؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وهو من الرَّيب، وهو الشكّ، فافهم. وقولها: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين «أما» وجوابها أيضًا، وهو من قول فاطمة أيضًا (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم من هو هذا الرجل؟ (سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ«) وفي رواية البخاريّ:»فقلته«؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه. وزاد الشيخان من حديث أنس - ﵁ -:«فيقولان: لا دريتَ، ولا تليتَ»، ولعبد الرزاق:«لا دريت، ولا أفلحت، ويضربانه بِمطرقة من حديد ضربةً»، وفي حديث البراء - ﵁ -:«لو ضُرِب بها جبل لصار ترابًا»، وفي حديث أسماء - ﵂ -:«ويُسَلَّط عليه دابة في قبره، معها سوط، تمرته جمرة، مثل عرف البعير تضربه ما شاء الله لا تسمع صوته فترحمه»، وزاد في أحاديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة - ﵃ -:«ثمَّ يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، وأما إذ كفرت، فإن الله أبدلك هذا، ويُفتح له باب إلى النار»، زاد في حديث أبي هريرة:«فيزداد حسرةً وثبورًا، ويُضَيَّق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه»، وفي حديث البراء:«فينادي منادٍ من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٣ و٢١٠٤ و٢١٠٥] (٩٠٥) و[٢١٠٦ و٢١٠٧ و٢١٠٨] (٩٠٦)، و(البخاريّ) في«العلم»(٨٦) و«الوضوء»(١٨٤) و«الجمعة»(٩٢٢) و«الكسوف»(١٠٥٣ و١٠٦١) و«السهو»(١٢٣٥) و«الجنائز»(١٣٧٣) و«الاعتصام»(٧٢٨٧)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ١٨٨ - ١٨٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٣٤٥)، و(أبو عوانة) في«مسنده» (٢/ ٣٦٨ و٣٦٩ و٣٧٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٢٠٣٦ و٢٠٣٧ و٢٠٣٨)، و(ابن حبَّان) في«صحيحه» (٣١١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن كسوف الشمس يُصَلَّى له، وقد تقدم بيان ذلك والحمد لله. ٢ - (ومنها): أن الشمس إذا كَسَفت بأقل شيء منها شُرعت الصلاة لذلك على سنتها، ألا ترى إلى قول أسماء - ﵂ -: ما للناس؟ وأشارت لها عائشة - ﵂ - بيدها نحو السماء، فلو كان كسوفًا بيّنًا ما خَفِي عن أسماء ولا غيرها، حتى تحتاج أن يشار إلى السماء، وقد استدل بهذا بعضهم على سرّية القراءة في صلاة الكسوف، وقد عرفت الردّ عليه. ٣ - (ومنها): أن المصلي إذا كُلِّم أشار، وسبَّح، ولم يتكلم؛ لأنَّ الكلام ممنوع منه في الصلاة. ٤ - (ومنها): أن النساء يسبّحن إذا نابهن شيء في الصلاة، وقد مضى قوله - ﷺ -: «من نابه شيء في صلاته، فليسبّح، فإنما التصفيق للنساء»، وقوله - ﷺ -: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء». ٥ - (ومنها): أن إشارة المصلي برأسه وبيده لا بأس بها. ٦ - (ومنها): أن قولها: «فقمت حتى تجلاني الغشي» دليل على طول القيام في صلاة الكسوف. ٧ - (ومنها): أن الغشي الخفيف لا ينقض الوضوء، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - على هذا في «صحيحه»، فقال: «باب من لم يتوضّأ إلا من الغشي المثقل»، ثمَّ أورد حديث أسماء - ﵂ - هذا، ومحلّ الاستدلال منه أنها صلّت وأنّ الغشي تجلاها، وهي كانت خلف النبيّ - ﷺ -، وكان - ﷺ - وهو في الصلاة يرى ما يفعله الذي خلفه، ولم يُنكر عليها ذلك، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: «إنكم تفتنون في قبوركم»، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: أراد به فتنة الملكين: منكر ونكير، حين يسألان العبد مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟، والآثار بذلك متواترة، وأهل السنة والجماعة، وهم أهل الحديث والرأي في أحكام شرائع الإِسلام، كلهم مُجمعون على الإيمان والتصديق بذلك، إلا أنهم لا يتكلفون فيه شيئًا، ولا ينكره إلا أهل البدع. رَوَى شعبة، عن علقمة بن مَرْثد، عن سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - في قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، قال: في القبر إذا سئل مَن ربك، وما دينك؟ ومن نبيك؟، ورواه الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن البراء - ﵁ - موقوفًا . ٩ - (ومنها): بيان كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم، وهو مذهب أهل السنة، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة، مثل قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٢]، وقوله: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم - ﵊ - عن الجنة، ودخوله إياها، وخروجه منها، ووعده الرد إليها، كل ذلك ثابت بالقطع. قال إمام الحرمين - ﵀ -: أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب والعقاب، وقالوا: لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا، قال: وهذا باطل، وتلاعب بالدين، وانسلال عن إجماع المسلمين. وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ - ﵀ -: الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها، سقفُها عرش الرحمن، وهي خارجة من أقطار السماوات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلَّا الجنة والنار، وليس للجنة سماء إلَّا ما جاء في «الصحيح» يعني قوله - ﷺ -: «وسقفها عرش الرحمن»، ولها ثمانية أبواب، وروي أنها كلها مُغلقة إلَّا باب التوبة، مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها. ١٠ - (ومنها): ما قال ابن بطال - ﵀ -: في الحديث ذمّ التقليد، وأنه لا يستحق اسم العلم التامّ على الحقيقة. وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن ما حُكِي عن حال المجيب لا يدلّ على أنَّه كان عنده تقليد معتبر، وهو الذي لا وهنَ عند صاحبه، ولا شك، وشرطه أن يعتقد كونه عالِمًا، ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئًا فقاله لم يحلّ اعتقاده، ورجع شكًّا، فعلى هذا لا يقول المعتقد المصمِّم يومئذ: سمعت الناس يقولون؛ لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قرّرنا أنَّه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك إن شاء الله مثلها هنا من التصميم، وبالحقيقة فلا بدّ أن يكون للمصمّم أسبابٌ حملته على التصميم، غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب، كما نقول في العلوم العادية: أسبابها لا تنضبط. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، وَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون ذُكرو قبله. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير أبي أسامة. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن هشام هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: وقال محمود: حدّثنا أبوأسامة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، قالت: دخلت على عائشة - ﵂ -، والناس يصلّون، قلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟، فأشارت برأسها؛ أي: نعم، قالت: فأطال رسول الله - ﷺ - جدًّا حتى تجلاني الغشي، وإلى جنبي قِربة فيها ماء، ففتحتها، فجعلت أصبّ منها على رأسي، فانصرف رسول الله - ﷺ -، وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، وحمد الله بما هو أهله، ثمَّ قال: «أما بعدُ»، قالت: ولَغَطَ نسوة من الأنصار، فانكفأت إليهن لأسكّتهنّ، فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت: قال: «ما من شيء لم أكن أُريته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، أو قال: الموقن - شكّ هشام - فيقول: هو رسول الله، هو محمَّد - ﷺ - جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، قد كنا نعلم إن كنت لتؤمن به، وأما المنافق، أو قال: المرتاب - شك هشام - فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت»- قال هشام -: فلقد قالت لي فاطمة: فأوعيته، غير أنها ذكرت ما يُغَلَّظ عليه. انتهى. هكذا ساقه البخاريّ بلفظ:«وقال محمود»، وهو شيخه محمود بن غيلان، وقد وصله أبو نعيم في«مستخرجه»، فقال: حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، فساقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم ابن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٥] (…) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم في الباب الماضي. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم، تقدَّم قبل باب.
مصادر المؤلف (٢١)

١. راجع: «لسان العرب» في مادّة حجن.

٢. حسَّنه الشيخ الألبانيّ، وفيه نظر؛ لأن في سنده صهيبًا الحذَّاء، لَمْ يرو عنه إلَّا عمرو بن دينار، فهو مجهول حال.

٣. وفي نسخة:«إنك لمؤمنٌ».

٤. «عمدة القاري» ٢/ ١٤٥، «كتاب العلم» رقم (٨٦).

٥. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ١٤٠ - ١٤١.

٦. «شرح النووي» ٦/ ٢١٠.

٧. «الفتح» ١/ ٤٩٥.

٨. «عمدة القاري»٢/ ١٤٣.

٩. «شرح النووي»٦/ ٢١٠.

١٠. «عمدة القاري»٢/ ١٤٢.

١١. «شرح الزرقانيّ»١/ ٥٣٨.

١٢. عمدة القاري» ٢/ ١٤٤.

١٣. راجع: «شرح الزرقانيّ» ١/ ٥٣٩.

١٤. قال في «القاموس» ٤/ ٢٨٣: الْمِدْرَهُ كمِنْبَر: السيّد الشريف، والْمُقْدِمُ في اللسان واليد عند الخصومة والقتال. انتهى.

١٥. «عمدة القاري» ٢/ ١٤٦.

١٦. «شرح النووي» ٦/ ٢١٠.

١٧. «عمدة القاري» ٢/ ١٤٦.

١٨. راجع: «الفتح» ٤/ ١٦٨ «كتاب الجنائز» رقم (١٣٧٤).

١٩. راجع:«الفتح»٤/ ١٦٦ - ١٦٨«كتاب الجنائز»رقم (١٣٧٤).

٢٠. «الاستذكار» ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤.

٢١. راجع: «شرح الزرقانيّ» ١/ ٥٤١.