HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٣٤

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. ح وحَدَّثَنِي إسحاق بْنُ مَنْصُورٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ. حَدَّثَنَا أبان. حدثنا يحيى؛ أن زيدا حدثه؛ أن أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائة إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جرب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص45
ج ٢ ص ٦٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٢٣٩
«الجنائز» (١٢٨٦)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٨٥٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦٦٧٥)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٥٥٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤١ و٤٢ و٦/ ١٣٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٧٦ و٢٠٧٧ و٢٠٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٣٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٧٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٥٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه، وقد سبق أن المراد إذا كان من سنّته، أوأوصى بذلك؛ جمعًا بين النصوص. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من القيام بالنهي عن المنكر، وإن كان بحضرة وليّ الأمر، فإن عمرو بن عثمان كان واليًا في ذلك الوقت. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر - ﵁ - من محافظته على السابقين الأولين، وتنزيلهم منزلة الكرامة والتبجيل. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: فيه دليلٌ لجواز الجلوس والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه، قال: وأما جلوس ابن أبي مليكة بين ابن عمر وابن عباس - ﵄ -، وهما أفضل بالصحبة والعلم والفضل والصلاح والنسب والسنّ وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلَّا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٠] (٩٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفَيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، قَالَ: فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، قَالَ: فَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ، فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ، حَتَى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ، فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ، فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، وَا صَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ»، وَلَكِنْ قَالَ: «إِنَّ اللْهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ) الكسّيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ) هي أم أبان المذكورة في الرواية السابقة. وقوله: (وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر وابن عبَّاس - ﵄ -، والجملة حاليِّة، والعامل «حَضَرَ»، قاله الطيبيّ - ﵀ -. وقوله: (وَهُوَ مُوَاجِهُهُ) أي: إن ابن عمر مقابل لعمرو بن عثمان. وقوله: (قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي: العموم، وهو أن يكون بصوت، أو ندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام؛ لأن في روايته: «ببعض بكاء أهله»، كما سيأتي قريبًا. وقوله: (ثُمٌ حَدَّثَ) أي: روى ابن عبَّاس ما سمعه من عمر - ﵄ -. وقوله: (فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ) أي: رجعت معه لَمَّا رجع من حجته الأخيرة. وقوله: (إِذَا هُوَ) وفي نسخة: «فإذا هو»، و«إذا» هنا هي الفجائيّة. وقوله: (بِرَكْبٍ) أي: بجماعة راكبين. وقوله: (تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ) وفي بعض النسخ: «تحت سَمُرة». وقوله: (فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) زاد في رواية ابن حبّان: «فصَحِبه حتى دخل المدينة». وقوله: (أَتَبْكِي عَلَيَّ) استفهام إنكاريّ، وفي رواية النسائيّ: «فقال عمر: يا صهيب لا تبك». وقوله: (فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ) قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]، فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: «يرحم الله عمر» تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. انتهى . وقوله: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ) بسكون السين المهملة؛ أي: كافيكم أيها المؤمنون القرآن؛ أي: في تأييد ما ذهبت إليه من ردّ الخبر حسبما رأته، وظنّته، وإلا فلا تعارض بين الخبر، والآية، كما أسلفنا توجيهه، فتفطّن، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الجملة بدل كلّ، أو بعض من «القرآنُ»، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو إلخ. وقوله: (قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ) قائل: «قال» الأول هو ابن أبي مليكة، والمعنى: قال ابن عبّاس - ﵄ - عند انتهاء حديثه عن عائشة - ﵂ - مؤيِّدًا ومصدِّقًا لقولها. وقوله: (وَاللهُ: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية في «سورة النجم»: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣]. وقوله: (مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ) وفي رواية البخاريّ: «ما قال ابن عمر شيئًا»، قال الطيبيّ وغيره: ظهرت لابن عمر - ﵄ - الحجة، فسكت مُذعِنًا. وقال الزين ابن المنيّر: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كَرِهَ المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعدما صرّح برفع الحديث، ولكن احتَمَلَ عنده أن يكون الحديث قابلًا للتأويل، ولم يتعيّن له مَحْمِل يَحْمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيّن الحاجة إلى ذلك حينئذ. وَيحْتَمِل أن يكون ابن عمر فَهِمَ من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته؛ لأنَّها يمكن أن يُتمسَّك بها في أن لله أن يعذّب بلا ذنب، فيكون بكاء الحيّ علامة لذلك، أشار إلى ذلك الكرماني. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥١] (…) - (وَحَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: كُنَّا فِي جَنَازَةِ أمِّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا نَصَّهُ أَيُّوبُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَحَدِيثُهُمَا أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الْحَكَم الْعَبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل «ساق» ضمير عمرو بن دينار. وقوله: (وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ … إلخ) أي: بل قال: «مَهْ يا صهيبُ، إن الميت يعذب ببكاء الحيّ عليه»، كما يأتي في التنبيه من رواية الحميديّ، فتنبّه. [تنبيه]: رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة هذه ساقها الحميديّ - ﵀ - في «مسنده» (١/ ١٠٧) فقال: (٢٢٠) حدّثنا الحميديّ قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، أنه سمع ابن أبي مليكة يقول: حَضَرت جنازة أمّ أبان بنت عثمان، وفي الجنازة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فجلست بينهما، فبكى النساء، فقال ابن عمر: إن بكاء الحي للميت عذاب للميت، قال: فقال ابن عباس: صَدَرْنا مع عمر أمير المؤمنين، حتى إذا كنا بالبيداء؛ إذا هو بركبٍ نُزُول تحت شجرة، فقال: اذهب يا عبد الله فانظر مَنِ الركب؟ فالحقني، قال: فذهبت، ثم جئت، فقلت: هذا صهيب مولى ابن جُدْعان، فقال: مُرْهُ فليلحقني، فلما قدما المدينة لَمْ يلبث عمر أَنْ طُعِن، فجاء صهيب، وهو يقول: وا أخياه، وا صاحباه، فقال عمر: مَهْ يا صهيبُ، إن الميت يعذب ببكاء الحيّ عليه، قال ابن عباس: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: يرحم الله عمر، إنما قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببعض بكاء أهله عليه»، وقد قَضَى الله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٢] (٩٣٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، حَدثَنى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدَّم قريبًا. ٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٣١/ ٢٣٣. ٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ الْعَدويّ، أبو عبد الله، أوأبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٣] (٩٣١) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَفَادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: «الْمَيتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا، فَلَمْ يَحْفَظْهُ ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَنْتُمْ تَبْكُونَ ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زْيدِ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٤٣] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٥. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٠٧. وقوله: (فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي بعض النسخ: «يرحم الله أبا عبد الرَّحمن»، وهو كنية عبد الله بن عمر - ﵄ -، وإنما قالت هذا تمهيدًا، أو دفعًا لَمْ يُوحَشُ من نسبته إلى النسيان والخطأ، كما قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]، فمن استغرب شيئًا من غيره ينبغي له أن يوطّئ، ويُمهّد له بالدعاء؛ إقامة لعذره فيما وقع منه، وأنه لَمْ يتعمّده، ومن ثمَّ زادت على ذلك بيانًا واعتذارًا بقولها - كما في الرواية الآتية -: «أما إنه لَمْ يكذب، ولكنه نسي، أو أخطأ». وقوله: (فَلَمْ يَحْفَظْهُ) وفي نسخة: «فلم يحفظ» بحذف المفعول. وقوله: (أَنْتُمْ تَبْكُونَ) وفي نسخة: «إنهم يبكون عليه». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٤] (٩٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَتْ: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِنَّهُ لَيُعَذبُ بِخَطِيئَتِهِ، أَوْ بِذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ»، وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْقَلِيب يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ:«إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، وَقَدْ وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ:«إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أقولُ لَهُمْ حَقٌّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة تقدّم قريبًا أيضًا. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، أنه (قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ) بالبناء للمفعول، وعند الاسماعيلي أن عائشة بَلَغَها، قال الحافظ - ﵀ -: ولم أقف على اسم المبلِّغ، ولكن عنده من رواية أخرى ما يُشْعِر بأن عروة هو الذي بلغها ذلك. انتهى . (عِنْدَ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) - ﵄ - (يَرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وقوله: («إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ») مفعول «يرفع» محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (وَهِلَ) قيل: بفتح الهاء، والمشهور الكسر؛ أي: غَلِطَ وَزْنًا ومعنًى، وبالفتح معناه فَزعَ، ونَسِيَ، وجَبُنَ، وقَلِقَ، وقال الفارابيّ، والأزهريّ، وابن القطاع، وابن فارس، والقابسيّ، وغيرهم: وَهَلْتُ إليه بفتح الهاء أَهِلُ بالكسر وَهْلَا بالسكون: إذا ذهب وَهْمُك إليه، زاد القالي، والجوهريّ: وأنت تريد غيره . (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّهُ) أي: الميت (لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ، أَوْ) للشك من الراوي (بِذَنْبهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ) أي: حين يُعذّب بخطيئته، وهذا من عائشة - ﵂ - على حسب ما فهمته، وإلا فما حدّث به ابن عمر - ﵄ - عن النبيّ - ﷺ - ثابت، وليس بخطأ، فقد ثبت عن جماعة من الصحابة - ﵃ -، كما أسلفنا بيانه، ويأتي أيضًا، فتنبّه. ثم أتت - ﵂ - بخطأ آخر أخطأ به ابن عمر - ﵄ - نظير ما أخطأ به هنا، فقالت: (وَذَاكَ) أي: الخطأ المذكور لابن عمر - ﵄ - (مِثْلُ قَوْلهِ) أي: خطأ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكَّرٌ، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب: البئر العاديّة القديمة مطويّة كانت، أو غير مطويّة، والجمع قلُبٌ، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُدٍ . (يَوْمَ بَدْرٍ) أي: في غزوة بدر الكبرى، وهو موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمِّيت بدرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر، وقال الواقديّ: كان شيوخ غفار يقولون: بدرٌ ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ قبلنا، وهو من ديار غفار. انتهى . وكانت غزوة بدر يوم الجمعة في سابع عشر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كانت يوم الاثنين، والأول أصحّ. (وَفِيهِ) أي: في ذلك القَلِيب (قَتْلَى بَدْرٍ) جمع قيل (مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ) أي: الكلام الذي كلّمهم به النبيّ - ﷺ -، وذلك قوله: «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان؛ أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا إلخ». أخرج الشيخان عن أنس بن مالك - ﵁ -، أن رسول الله ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم، فقال: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا»، فسمع عمر قول النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، كيف يسمعوا؟، وأنى يُجيبوا؟، وقد جَيَّفوا، قال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا»، ثم أمر بهم، فسُحِبوا فألقوا في قليب بدر. («إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، وَقَدْ وَهِلَ) أي: أخطأ ابن عمر في هذا، فإنه - ﷺ - لَمْ يقل: «إنهم ليسمعون ما أقول»، و(إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ) وفي نسخة:»ليعلمون الآن«(أَنَّ مَا كنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ) تعني: أنه - ﷺ - إنما أخبر بعلمهم بحقيّة ما كان يدعوهم إليه، لا بسماعهم قوله في ذلك الوقت، وهذا أيضًا فيه نظرٌ؛ لأن علمهم لا ينافي سمعهم (ثُمَّ قَرَأَتْ) مؤيّدة لما نفته من إخباره - ﷺ - بسماعهم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فقد نفى الله - ﷿ - عنه - ﷺ - إسماعه الموتى، فكيف يُخبر بسماعهم؟ وفيه أنه إنما نفى إسماعه بنفسه، لا بإسماع الله تعالى له، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وقرأت أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ففيه أنه لا يستطيع أن يسمع المقبورين، وفيه أيضًا ما ذُكر قبله. وقال في «الفتح»: وهذا مصير من عائشة - ﵂ - إلى ردّ رواية ابن عمر - ﵄ - المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقَبِلُوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه، وأما استدلالها بالآية، فقالوا: معناها: لا تُسمِعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلَّا أن يشاء الله. وقال السهيليّ - ﵀ -: عائشة - ﵂ - لَمْ تحضر قول النبيّ - ﷺ -، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ - ﷺ -، وقد قالوا له: يا رسول الله أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد، قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]؛ أي: إن الله هو الذي يسمع، ويهدي. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: وقوله: إنها لَمْ تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنَّها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ - ﷺ - بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لَمْ يحضر أيضًا، ولا مانع أن يكون النبيّ - ﷺ - قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما . وقوله: (يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ) قال في «الفتح»: القائل «يقول» هو عروة، يريد أن يُبَيِّن مراد عائشة - ﵂ -، فأشار إلى أن إطلاق النفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مُقَيَّد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معارضة بين إنكار عائشة، وإثبات ابن عمر، لكن قولها: «إنهم ليعلمون» يدلّ على أنَّها كانت تنكر ذلك مطلقًا، وأن ابن عمر وَهِمَ في قوله: «ليسمعون». وقال ابن التين - ﵀ -: لا معارضة بين حديث ابن عمر - ﵄ - والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لَمْ يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: فَقَالَ ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصلت: ١١]. وقال البيهقيُّ - ﵀ -: العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية أنه لا يُسْمِعهم وهم موتي، ولكن الله أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، كما تقدّم، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح، ومن حديث عبد الله بن سِيدان نحوه، وفيه: «قالوا: يا رسول الله، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون»، وفي حديث ابن مسعود: «ولكنهم اليومَ لا يجيبون». ومن الغريب أن في «المغازي» لابن إسحاق روايةِ يونس بن بكرٍ بإسناد جيِّد عن عائشة - ﵂ - مثل حديث أبي طلحة، وفيه: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار؛ لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لَمْ تشهد القصَّة. قال الإسماعيليّ - ﵀ -: كان عند عائشة - ﵂ - من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلَّا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكنٌ؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله - ﷺ -: «إنهم الآن يسمعون»؛ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمِع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغةم صوت نبيّه - ﷺ - بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: «إنهم ليعلمون»، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية «يسمعون»، بل يؤيِّدها. وقال السهيليّ - ﵀ - ما مُحَصَّله: إن في نفس الخبر ما يدلّ على خرق العادة بذلك للنبيّ - ﷺ -؛ لقول الصحابة له: أتخاطب أقوامًا قد جَيَّفوا؟ فأجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رؤوسهم، على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم. قال: وقد تمسك بهذا الحديث مَن يقول إن السؤال يتوجه على الروح والبدن. وردّه مَن قال إنما يتوجه على الروح فقط، بأن الإسماع يَحْتَمِل أن يكون لأذن الرأس، ولأذن القلب، فلم يبق فيه حجة. قال الحافظ - ﵀ -: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبيّ - ﷺ - حينئذ لَمْ يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلًا. [تنبيه]: اختَلَفَ أهلُ التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وكذلك المراد بـ ﴿مَنْ فِي الْقبُوُرِ﴾ فحملته عائشة - ﵂ - على الحقيقة، وجعلته أصلًا احتاجت معه إلى تأويل قوله: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتي، وبمن في القبور: الكفار، شُبِّهُوا بالموتي، وهم أحياء، والمعنى: مَن هم في حال الموتى، أو في حال من سَكَن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليلٌ على ما نفته عائشة، والله - ﷾ - أعلم . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان فوائده. (المسألة الثانية): دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة - ﵂ -، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيًّا. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - هل يسمع الميت كلام زائره؟. فأجاب قائلًا: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في «الصحيحين» عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه». وثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام … . الحديث، وفيه: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا». قال: وقد ثبت في «الصحيحين» من غير وجه أنه - ﷺ - كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: «قولوا: السلام عليكم أهل الديار …» الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلَّا ردّ الله عليه روحه حتى يردَّ ﵇». قال: وفي «السنن» أنه - ﷺ - قال: «أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ …» الحديث. قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرِض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع؛ لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣]. انتهى كلام شيخ الإسلام - ﵀ - باختصار ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا. وسُئل أيضًا عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟. فاجاب: الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: «إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، وشفي لونه، فيقول بعضهم لبعض: أَنظِروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت …» الحديث . وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلَّا عرفه، وردّ ﵇»، قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ - ﷺ -، وصححه عبد الحقّ صاحب «الإحكام». أخبركم أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق، قالا: أخبرنا يحيى، قال: حدّثنا الحسين، قال: أخبرنا ابن المبارك، فقال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن أبي رُهْم السَّمَعيّ، عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: «إذا قبضت نفس العبد، تلقاه أهل الرحمة من عباد الله، كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أَنْظِروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه، فيسألونه، ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله، قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهِب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية، قال: فيُعْرَضُ عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسنًا فرحوا واستبشروا، وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، وإن رأوا سوءًا قالوا: اللهم راجع بعبدك». قال ابن صاعد: رواه سلام الطويل، عن ثور، فرفعه، أخرجه ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعًا. انتهى. وهذا الإسناد صحيح، وثور بن زيد من ثقات الشاميّين، وأبو رُهم السَمَعيّ - بفتحتين - اسمه أَحزاب بن أسيد - بالفتح - مختلف في ححبته، والصحيح أنه مخضرم ثقةٌ، قاله في«التقريب» (ص ٢٥). وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه، وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجَنَّة ليس مختصّا بالشهيد، كما دلّت على ذلك النصوص الثابتة، وخُصّ الشهيد بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فاخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نُهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ أَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية وكيع عن هشام بن عروة هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذبُ فِي قَبْرِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أنسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥١] (ت هـ ١٣) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦. ٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» ج ٢ ص ٤١٧. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ النِّياحَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٧] (٩٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيُّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كعْبٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. [تنبيه]: قال الحافظ أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ - ﵀ -: وقع في إسناد هذا الحديث في نسخة ابن الحذّاء «سعد بن عُبيد» بسكون العين، وحذف الياء، والصواب «سعيد» بكسر العين، وزيادة ياء، و«سعيد بن عبيد» هذا هو أخو عقبة بن عبيد، يُكنى أبا الْهُذَيْل، ويُكنى عُقبة أبا الرّحّال براء مهملة، وحاء مهملة مشددّة. انتهى . ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) الأسديّ الْوَالبيّ الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] (بخ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٢. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ) بن نَضْلة الأسديّ الوالبيّ، أبو المغيرة الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ابن مسعود الثقفيّ الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - (٥٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقيان ذُكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٣٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وسعيد بن عبيد، فما أخرج له ابن ماجة، ومحمد بن قيس، فانفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، فالصحابيّ - ﵁ - قد ولي إمرة البصرة، ثم الكوفة. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ) الأسديّ الوالبيّ أنه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ) وفي رواية الترمذيّ: مات رجل من الأنصار، يقال له: قَرَظَةُ بن كعب، فَنِيح عَليه، فجاء المغيرة، فصَعِد المنبر، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام؟. انتهى. وقَرَظة - بفتحتين، وظاء مشالة - بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاريّ الخزرجيّ، ويقال: قرظة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن عائذ بن زيد مناة بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، هكذا نسبه ابن الكلبيّ وغيره، قال البخاريّ: له صحبةٌ، وقال البغويّ: سكن الكوفة، وقال ابن سعد: أمه خُليدة بنت ثابت بن سنان، وهو أخو عبد الله بن أُنيس لأمه، وشَهِدَ قَرَظَة أُحُدًا وما بعدها، وكان ممن وَجَّهه عمر - ﵁ - إلى الكوفة يفقّه الناس، وقال ابن السكن: يُكنى أبا عمرو، وقال ابن أبي حاتم: يقال: له صحبة، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وكنيته أبو عمر، ومات في خلافة عليّ، فصلى عليه . رَوَى عنه عامر بن سعد، والشعبيّ، وسعد بن إبراهيم، وروايته عنه مرسلة. وقال ابن حبان: له صحبةٌ، سكن الكوفة، وحديثه عند الشعبيّ، وذكر في وفاته ما تقدم. قال الحافظ - ﵀ -: وفيه نظر؛ لما ثبت في «الصحيحين» من طريق عليّ بن ربيعة قال: أوّلُ مَن نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من نيح عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة»، وهذا يقتضي أن يكون قرظة مات في خلافة معاوية حين كان المغيرة على الكوفة؛ لأن المغيرة كان في مدة الاختلاف بين علي ومعاوية مقيمًا بالطائف، فقَدِمَ بعد موت عليّ، فولاه معاوية الكوفة بعد أن أسلم له الحسنُ الخلافةَ، وبذلك جزم ابن سعد، وقال: مات بالكوفة، والمغيرة والٍ عليها، وكذا قال ابن السكن، وزاد: وهو الذي قتل ابن النوّاحة صاحب مُسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، وفَتَحَ الرّيّ سنة ثلاث وعشرين، وأسند ما تقدم في خلافة عليّ، عن علي ابن المدينيّ، ووقع التصريح بأن المغيرة كان يومئذ أمير الكوفة في رواية لمسلم، وفي رواية الترمذيّ: «فجاء المغيرة، فصعد المنبر، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام»، ثم ذكر الحديث، وفي «كتاب العلم» من «صحيح البخاريّ» ما يدلّ على أن المغيرة مات، وهو أمير الكوفة في خلافة معاوية - ﵄ - . (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) - ﵁ - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) يقال: ناحت المرأة زوجها، وعليه تنوح نَوْحًا، ونُوَاحًا بالضّم، ونياحًا ونياحةً ومَنَاحً: إذا بكت عليه بجزَع وعَوِيل . (فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) أي: بسبب النياحة، فـ»ما«يَحْتَفِل أن تكون مصدريّةً، وأن تكون موصولة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ») ظرف لـ «يُعذَّب». قال ابن العربيّ - ﵀ -: النَّوْح ما كانت الجاهليّة تفعله، كان النساء يقفن متقابلات يَصِحْن، وَيحْثين التراب على رؤوسهنّ، وَيضربن وجوههنّ، وفي ذلك جاء الحديث: «ليس منّا من حَلَقَ، أو سَلَقَ …» الحديث. وقال الأبيّ - ﵀ -: هذا الحديث نصّ فيما أنكرت عائشة - ﵂ - من التعذيب على البكاء؛ لأن النياحة من البكاء بصوت، وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «نصّ» محلّ تأمّل، وقوله أيضًا: «وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد» فيه نظرٌ لا يخفي، بل هو من جملة الاحتمالات القريبة التي قيلت في توجيه الحديث، كما أسلفت تمام البحث في ذلك، فتبصّر. [تنبيه]: وقع في هذا الحديث عند البخاريّ: «من طريق أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد زيادة في أوله، ولفظه: سمعتُ النبيّ - ﷺ - يقول:«إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذَبَ عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بالنار»، سمعت النبيّ - ﷺ - يقول:«مَن يُنَحْ عليه يُعذّب بما نِيح عليه»، والشطر الأول قد تقدّم للمصنّف في«المقدّمة». قال في«الفتح»: قوله:«إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد»؛ أي: غيري، ومعناه: أن الكذب على الغير قد أُلِفَ، واسْتُسْهِل خطبه، وليس الكذب عليّ بالغًا مبلغ ذاك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة، فهو أشدّ منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض مَن أَوْرد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى، والله أعلم. وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحًا، بل يستدَلّ على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أن الكذب عليه تُوُعِّد فاعله بجعل النار له مسكنًا، بخلاف الكذب على غيره. وقوله: (مَن يُنَحْ عليه يُعَذَّب) ضبطه الأكثر بضم أوله، وفتح النون، وجزم المهملة، على أن «مَنْ» شرطية، تجزم الشرط والجواب، ويجوز رفعه على تقدير: فإنه يعذبُ، ورُوي بكسر النون، وسكون التحتانية، وفتح المهملة، وفي رواية الكشميهنيّ: «مَن يناحُ» على أن «من» موصولة. وقد أخرجه الطبرانيّ عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، بلفظ: «إذا نِيح على الميت، عُذِّب بالنياحة عليه»، وهو يؤيد الرواية الثانية. وقوله: (بما نِيح عليه)، كذا للجميع بكسر النون، ولبعضهم «ما نِيح» بغير موحَّدة، على أن «ما» ظرفية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٥٧ و٢١٥٨ و٢١٥٩] (٩٣٣)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٩١)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٥ و٢٥٢ و٢٥٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٨٣ و٢٠٨٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٧٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا محَمَّد بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَة). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْن حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْن مُسْهِرٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن محمد بن قيس هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقُ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية، عن سعيد بن عُبيد هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٣/ ١٨) فقال: (٢٠٨٤) - حدّثنا فاروق بن عبد الكبير، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا حجاج بن منهال، عن عبد الله بن داود، عن سعيد بن عبيد الطائي (ع) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعيّ، ثنا ابن أبي عمر، ثنا مروان بن معاوية، ثنا سعيد بن عبيد الطائيّ، عن عليّ بن ربيعة الأسديّ، عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «من نِيح عليه يعذب بما نيح عليه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٠] (٩٣٤) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَفَّانُ، حَدَّثنَا؛ أَبَانُ ابْنُ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ زيدًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَّام حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»، وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (عَفانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٣ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٤ - (اِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٦ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائِيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» ج ٢ ص ٤٢٤. ٧ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٨ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٩ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عُبيد، وقيل: عبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم، صحابيّ نزل الشام، مات في طاعون عَمَواس سنة (١٨) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وهو قليل الرواية، فليس له في الكتب الستة سوى بضعة عشر حديثًا، راجع: «تحفة الأشراف» . شرح الحديث: عن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيةِ) أي: من أمورهم وخصالهم المعتادة، طُبع عليهنّ كثير من الأمة (لَا يَتْرُكُونَهُنَّ) أي: غالبًا، قال الطيبيّ - ﵀ -: المعنى أن هذه الخصال تدوم في الأمة، لا يتركونهنّ بأسرهم تركَهُم لغيرها، من سنن الجاهلية، فإنهنّ إن تتركهنّ طائفة، باشرهنّ آخرون. (الْفَخْرُ) أي: الافتخار، وهو المباهاة والتمدّح بالخصال، والمناقب، والمكارم، إما فيه، وإما في أهله، قال في»الفائق«: الفخر تعداد الرجل من مأَثره، ومآثر آبائه (فِي الْأَحْسَابِ) أي: في شأنها وسببها، والْحَسَبُ: ما يَعُدّه الرجل من الخصال التي تكون فيه؛ كالشجاعة، والفصاحة، وغير ذلك، وقيل: الحسب ما يَعُدّه الإنسان من مفاخر آبائه، قال ابن السِّكِّيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل، وإن لَمْ يكن لآبائه شَرَفٌ، والشرف والمجد لا يكون إلَّا بالآباء، وقال في»الفائق«: الفخر تعداد الرجل من مآثره ومأَثر الآباء، ومنه قولهم: من فات حسبه، لَمْ ينتفع بحسب أبيه. ومعنى الفخر بالأحساب: هو: التفاخر، والتكبر، والتعظم بِعَدِّ مناقبه، ومآثر آبائه، وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره؛ ليَحْقِره لا يجوز. وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يُحمد به الإنسان ما تحلّى به من خصال الخير في نفسه، لا ما يعدّه من مفاخره، ومآثر آبائه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: الفخر في الأحساب: أي الافتخار بالآباء الكبراء والرؤساء، وقد قال - ﷺ -: «إن الله أذهب عنكم عُبّيّة الجاهليّة، وفخرها بالآباء، إنمّا مؤمن تقيّ، أو فاجر شقيّ، الناس كلّهم من آدم، وآدم خُلق من تراب» . انتهى . (وَالطَّعْنُ فِي الأنسَابِ) أي إدخال العيب في أنساب الناس، والقدح فيهم، واستحقارهم، وذلك يستلزم تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آبائه على آباء غيره وهو لا يجوز، قال التوربشتيّ: الظاهر أن المراد منه الطعن فيمن ينتسب إليه حجيجُ الطاعن، فينسب آباءه وذويه عند المساجلة، والمساءات إلى الخمول والخساسة، والغموض، والانحطاط؛ لأنه ذُكر في مقابلة الفخر بالأحساب. وقال الطيبيّ: ويجوز أن يُكْنَى بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب نفسه، فيجتمع له الحسب والنسب، وأن يُحْمَل على الطعن في نسب نفسه. انتهى. (وَالْاسْتِسْقَاءُ) أي: طلب السُّقيا (بِالنُّجُومِ) أي: بسببها؛ يعني: توقّع الأمطار عند وقوع النجوم في الأنواء، كما كانوا يقولون: مُطِرنا بنوء كذا، وقيل: المعنى: سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنَّها المؤثّرة في نزول المطر حقيقةً فهو كفر . وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«الاستسقاء»: استدعاء السُّقْيا وسؤاله، وكأنهم كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسد في أن النجوم تُوجد المطر وتخلقه. انتهى . وحاصل المعنى: أن اعتقاد الرجل نزول المطر بظهور نجم كذا حرامٌ، وإنما يجب أن يقال: مُطِرنا بفضل الله تعالى. (وَالنِّيَاحَةُ») بالرفع، وهي الخصلة الرابعة، وهي: البكاء على الميت بصياح وعَوِيل وجَزَع، فيقول: وا ويلاه، وا حسرتاه، والندبةُ عدّ شمائل الميت ومحاسنه، مثل وا شُجاعاه، وا أسداه، وا جبلاه. (وَقَالَ) - ﷺ -» («النَّائِحَةُ) أي: المرأة التي صَنْعَتُها النياحة (إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتهَا) أي: قبل حضور موتها، قال التوربشتيّ: وإنما قيّد به؛ ليُعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب، وهو يأمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله - ﷿ -: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [النساء: ١٨]. وبمعناه حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا:«إن الله يقبل توبة العبد ما لَمْ يُغَرْغِرْ»، رواه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم . (تُقَامُ) بالبناء للمجهول، من الإقامة، وهي الإيقاف (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بين أهل الموقف للفضيحة، قال الطيبيّ - ﵀ -:«تقام»: أي تُحشر، وَيحْتَمِل أنَّها تقام على تلك الحالة بين أهل النار، وأهل الموقف؛ جزاءً على قيامها في الْمَنَاحة، وهو الأمثلُ . (وَعَلَيْهَا سِرْبَال) جملة حاليّة من فاعل«تقام»، والسِّربال: بكسر السين المهملة: القميص، وقوله: (مِنْ قَطِرَانٍ) متعلّق بصفة«سِرْبال»، وهو بفتح القاف، وكسر الطاء: طِلاءٌ يُطْلَى به، وقيل: دُهْنٌ يُدْهَنُ به الجمل الأجرب، وفي«القاموس»: الْقِطْرَانُ بالفتح والكسر، وكَظَرِبَان: عُصَارةُ الأَبْهَل، والأَرْز، ونحوهما. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -:«القطران» ما يتحلّب من شجر يُسمّى الأبهل، فيُطبخ، فتهنأ به الإبل الْجَرْبَي، فيحرق الْجَرَبَ بحرّه وحدّته، والجلدَ، وقد تبلغ حرارته الجوف. انتهى. (وَدِرْعٌ) بكسر الدال: قميص النساء، والسربال القميص مطلقًا (مِنْ جَرَبٍ) أي من أجل جَرَبٍ كائنٍ بها. وقال الطيبيّ - ﵀ -: الدرعُ: قميص النساء، والسرابيل أيضًا: قميصٌ، لكن لا يختصّ بهنّ؛ يعني أنه يُسَلَّط على أعضائها الْجَرَبُ والْحِكَّة، بحيث يُغَطِّي جلدها تغطيةَ الدرع، فتُطْلَى مواقعه بالقطران؛ لِيُداَوَي، فيكون الدواء أدوى من الداء؛ لاشتماله على لَذْعِ القطران، وحدّته، وحرارته، وإسراع النار في الجلود، واشتعالها، ونتن الرائحة، وسواد اللون الذي تشمئزّ منه النفوس. وقال التوربشتيّ - ﵀ -: خُصَّت بدِرْع من الجرب؛ لأنَّها كانت تَجْرَح بكلماتها المحرقة قلوب ذوات المصيبات، وتَحُكّ بها بواطنهنّ، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخُصَّت أيضًا بسرابيل من قطران؛ لأنَّها كانت تلبس الثياب السُّود في المأْتَمِ، فألبسها الله تعالى السرابيل؛ لتذوق وبال أمرها. انتهى. [فإن قلت]: ذكر الخصال الأربع في الحديث، ولم يُرَتِّب عليها الوعيد، سوى النياحة، فما الحكمة فيه؟. [قلت]: النياحة مختصة بالنساء، وهُنّ لا ينزجرن من هِجِّيرَاهُنّ انزجار الرجال، فاحتجن إلى مزيد الوعيد. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مالك الأشعريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦٠] (٩٣٤)، و(ابن ماجة) في «الجنائز» (١٥٨١)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٦٦٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنفه» (٣/ ٣٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣/ ٢٨٥)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٣٨٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٤٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٨٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٥٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم النياحة على الميت، قال النوويّ - ﵀ -: وهو مجمع عليه، وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه - ﵀ -: وأخذ أئمتنا من هذه الأحاديث تحريم النَّوْح وتعديد محاسن الميت بنحو: وا كهفاه، مع رفع الصوت والبكاء، وتحريم ضرب الخدّ، وشق الجيب، ونشر الشعر، وحلقه، ونتفه، وتسويد
مصادر المؤلف (٣٧)

١. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٢٣٠.

٢. وفي نسخة: «فإذا هو».

٣. وفي نسخة: «تحت ظلّ سَمُرة».

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٤٢٥.

٥. «الفتح» ٤/ ٤١.

٦. القائل: «حدَّثنا الحميديّ» تلميذه.

٧. وفي نسخة: «يرحم الله».

٨. وفي نسخة: «فلم يحفظ».

٩. وفي نسخة: «فقال: إنهم يبكون».

١٠. وفي نسخة: «إنهم ليعلمون الآن».

١١. «الفتح» ٩/ ٤٣ «كتاب المغازي» رقم (٣٩٨٧).

١٢. راجع: «الفتح» ٩/ ٤٣.

١٣. «المصباح المنير»٢/ ٥١٢.

١٤. «المصباح» ١/ ٣٨.

١٥. راجع: «الفتح» ٤/ ١٥٩ - ١٦٠ «كتاب الجنائز» رقم (١٣٧٥).

١٦. «الفتح» ٩/ ٤٣ - ٤٤ «كتاب المغازي» رقم (٣٩٧٨).

١٧. راجع: «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٣٦٢ - ٣٦٥.

١٨. أخرجه ابن المبارك - ﵀ - في «الزهد» ١/ ١٤٩:

١٩. راجع: «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٣٣٠ - ٣٣٢.

٢٠. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٢٧.

٢١. هذا قول ضعيف، كما سيأتي، وقال في «الفتح» ٤/ ٤٤ - ٤٥: وقرظةُ أنصاريّ خزرجيّ، كان أحد مَن وجّهه عمر إلى الكوفة ليفقّه الناس، وكان على يده فتح الريّ، واستخلفه عليّ على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته، وهو قول مرجوحٌ؛ لما ثبت في «صحيح مسلم» أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميرًا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية، من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات، وهو عليها سنة خمسين. انتهى.

٢٢. «الإصابة في تمييز الصحابة»٥/ ٤٣١ - ٤٣٢.

٢٣. راجع:«القاموس»١/ ٢٥٤، و«المعجم الوسيط»٢/ ٩٦١.

٢٤. «شرح الأبيّ»٣/ ٧٢ - ٧٣.

٢٥. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٥.

٢٦. وفي نسخة: «وحدَّثنا» بدون ضمير.

٢٧. وفي نسخة: «بمثله».

٢٨. وفي نسخة: «أبان بن يزيد».

٢٩. «تحفة الأشراف» ٨/ ٥٧١ - ٥٧٦.

٣٠. حديث حسن، رواه أحمد ٢/ ٥٢٤، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذيّ (٣٩٥٠ - ٣٩٥١).

٣١. «المفهم» ٢/ ٥٨٧.

٣٢. «المرعاة»٥/ ٤٦٥.

٣٣. «المفهم»٢/ ٥٨٧.

٣٤. حديث حسنٌ.

٣٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٤١٨.

٣٦. «القاموس المحيط» ٢/ ١١٩.

٣٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٤١٩.