HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٤١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَي: أَخْبَرَنَا. وقال الآخران: حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثلاث أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، مِنْ كُرْسُفٍ. لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا، أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا. فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ. وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ. فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي. ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ ﷿ لنبيه لكفنه فيها. فباعها وتصدق بثمنها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص49
ج ٢ ص ٦٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٣٣٣
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (٣٨٩٧) - حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يقول: عُدْنا خبّابًا، فقال: هاجرنا مع النبيّ -ﷺ- نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا مَنِ مَضَى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عُمير، قُتِل يوم أُحد، وتَرَك نمِرَة، فكنا إذا غَطَّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله -ﷺ- أن نُغَطِّي رأسه، ونجعل على رجليه شيئًا من إذخر، ومِنّا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها». انتهى. وأما روايات جرير، وعيسى بن يونس، وعليّ بن مسهر، كلهم عن الأعمش، فلم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٧٩] (٩٤١) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كفنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أثوَابٍ، بِيضٍ، سَحُوبيَّةٍ، مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَة، أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ؛ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ لَكَفنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَائِشَةُ) -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فهو أحد التسعة الذين اتّفق بالرواية عنهم الجماعة، بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، سوى يحمص، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. ٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كُفِّنَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) زاد في «طبقات ابن سعد»: «إزار، ورداء، ولفافة» (بِيضٍ) بالجرّ صفة لـ «أثواب»، وهو بكسر الموحّدة جمع أبيض، ووزنه في الأصل فُعْلٌ، بضمّ الفاء، مثل حُمْر، كما قال في «الخلاصة»: فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى ولكن أُبدل من ضمة الياء كسرة، كراهة انقلاب الياء واوًا. [فائدة]: قيل: إن أصول الألوان أربعة: الابيضاض، والاحمرار، والاصفرار، والاسوداد، وما عدا ذلك من الألوان يتشعّب منها، ذكره ابن الملقّن ﵀ . (سَحُوليَّةٍ) - بفتح السين، وضمها- قال النوويّ: ﵀: والفتح أشهر، وهي رواية الأكثرين، وقال في «النهاية» تبعًا للْهرويّ: يُروى بفتح السين، وضمها، فالفتح منسوب إلى السَّحُول، وهو القَصَّار؛ لأنه يَسْحَلُها؛ أي: يَغْسلها، أو إلى سَحُول، وهي قرية باليمن، وأما الضمّ، فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النَّقِيّ، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شُذوذ؛ لأنه نُسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضمّ أيضًا. انتهى . وقال في «الصحاح»: السَّحْل الثوب الأبيض، من الكُرْسُف، من ثياب اليمن، قال المسَيّب بن عَلَس يذكر ظُعُنًا [من الكامل]: وَلَقَدْ أرَى ظُعُنًا أُبَيِّنُهَا … تُحْدَى كَأَنَّ زُهَاءَهَا الأَثْلُ فِي الآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرْفَعُهَا … رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ و«الرَيع» بالكسر، والفتح: الطريق، شَبَّهَ الطريق بثوب أبيض. والجمع سُحُول، وسُحُلٌ، مثلُ سُقُف، ثم ذكر الحديث، ثم قال: ويُقال: سُحُول موضع باليمن، وهي تنسب إليه، وقال في «المحكم»: السَّحْلُ ثوب أبيض، وخصّ بعضهم به الثوب من القطن، وقيل: السَّحْلُ ثوب أبيض رقيق، وجمع كل ذلك أَسْحَالٌ، وسُحُولٌ، وسُحُل. قال الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَليّ: كَالسُّحُلِ الْبِيضِ جَلَا لَوْنَهَا … سَحُّ نِجَاءِالْحَمَلِ الأَسْوَلِ وقال الفيّوميّ ﵀: و«سَحُول» مثلُ رَسول، بلدة باليمن، يُجلب منها الثياب، وُينْسَب إليها على لفظها، فيقال: أثواب سَحُولية، وبعضهم يقول: سُحُولية بالضمّ، نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة إلى الجمع إذا لم يكن عَلَمًا، وكان له واحد من لفظه، تَرُدّ إلى الواحد بالاتفاق. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحَدًا بِالْوَضْعِ (مِنْ كُرْسُفٍ) بضمّ الكاف والسين المهملة، بينهما راء ساكنة: هو القطن، وقال في «القاموس»: الْكُرْسُفُ كعُصْفُرٍ، وزُنْبُورٍ: القطنُ. انتهى . وقال في «المصباح» الْكُرْسفُ: القطن، والكرسُفَةُ: أخصّ منه، مثالُ بُنْدُق، وبُنْدُقة. انتهى. ووقع في رواية للنسائيّ بلفظ: «كُفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب بِيضٍ يمانية، كرسفٍ»، قال ابن الأثير ﵀: جعل الكرسف وصفًا للثياب، وإن لم يكن مشتقًّا، كقولهم: مررتُ بحيّةٍ ذِرَاعٍ، وإبلٍ مائةٍ، ونحو ذلك. انتهى . وقولها: (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) قال النوويّ: ﵀: معناه: لم يُكَفَّن في قميص، ولا عمامة، وإنما كُفِّن في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعيّ، وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، قالوا: ويستحب أن لا يكون في الكفن قميصٌ، ولا عمامةٌ، وقال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتأولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليهما، وهذا ضعيف، فلم يثبت أنه -ﷺ- كُفِّن في قميص وعمامة. وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذي غُسِل فيه النبيّ -ﷺ- نُزِع عنه عند تكفينه، وهذا هو الصواب الذي لا يَتَّجِهُ غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان. وأما الحديث الذي في «سنن أبي داود» عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- كُفن في ثلاثة أثواب: الْحُلَّةُ ثوبان، وقميصه الذي تُوُفِّي فيه، فحديثٌ ضعيفٌ، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مُجْمَعٌ على ضعفه، لا سيّما وقد خالف بروايته الثقات. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. (أَمَّا الْحُلَّةُ) بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام: جمعها حُلَلٌ، كغُرْفة وغُرَف، وهي بُرُود اليمن، ولا تسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين، من جنس واحد . (فَإِنَّمَا) وفي بعض النسخ: «فإنها» (شُبِّهَ) بتشديد الموحّدة، مبنيًّا للمفعول، يقال: شَبَّهتُ عليه تشبيهًا، مثلُ لَبَّسته عليه تلبيسًا وزنًا ومعنًى، فالمشابهة: المشاركة في معنًى من المعاني، والاشتباه: الالتباس، قاله الفيّوميّ ﵀ ، والمعنى هنا أنه اشتَبَه (عَلَى النَّاسِ فِيهَا) أي: في شأن الْحُلّة، وفي رواية النسائيّ: «فذُكر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبُرْد من حِبَرَة، فقالت: قد أُتي بالبرد، ولكنهم ردّوه، ولم يُكفّنوه فيه»، وقولها: (أَنَّهَا) بفتح الهمزة بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنها، وَيحْتَمِل أن يكون بكسر الهمزة على أن الجملة تعليليّة، وهو تعليل للتشبيه عليهم؛ أي: إنما شُبّه عليهم؛ لأنها (اشْتُرِيَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ) -ﷺ- (لِيُكَفَّنَ فِيهَا) بالبناء للمفعول أيضًا (فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: لم تُجعل في جملة الكفن (وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، وهو عبد الله بن عبد الله بن عثمان، وهو شقيق أسماء بنت أبي بكر، ذكره ابن حبان في «الصحابة»، وقال: مات قبل أبيه، وثبت ذكره في «صحيح البخاري» في قصة الهجرة، عن عائشة -﵂- قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وهو غلام شابٌّ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحَر، فيصبح مع قريش. وذكر الطبري في «تاريخه» أن عبد الله بن أُرَيقط الدُّئليّ الذي كان دليل النبيّ -ﷺ- لَمّا رجع بعد أن وصل النبيّ -ﷺ- إلى المدينة، أخبر عبد الله بن أبي بكر الصديق بوصول أبيه إلى المدينة، فخرج عبد الله بعيال أبي بكر، وصحبهم طلحة بن عبيد الله، حتى قدموا المدينة. وقال ابن عبد البرّ: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحنين، والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمِي بسهم، فجُرِح، ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه، في شوال سنة إحدى عشرة. قال المرزباني في «معجم الشعراء»: أصابه حجر في حصار الطائف، فمات شهيدًا، وكان قد تزوج عاتكة، وكان بها مُعْجَبًا، فشغلته عن أموره، فقال له أبوه: طَلِّقها، فطلقها، ثم نَدِم، فقال [من الطويل]: أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَزَ شَارِقٌ … وَمَا لَاحَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقُ لَهَا خُلُق جَزْلٌ وَرَأيٌ وَمَنْصِبٌ … وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ وَمَصْدَقُ وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا … وَلَا مِثْلُهَا فِي غَيْرِ شَيْءٍ تُطَلَّقُ وله فيها غير هذا، فَرَقّ له أبو بكر، فأمره بمراجعتها، فراجعها، ومات وهي عنده، ولها مرثية. روى البخاريّ في «تاريخه» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن عبد الله بن أبي بكر كان تزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو أخت سعيد بن زيد، وأنه قال لها عند موته: لك حائطي، ولا تزوّجي بعدي، قال: فأجابته إلى ذلك، فلما انقضت عدّتها خطبها عمر، فذكر القصة في تزويجه، ورواه غيره فذكر معاتبة عليّ لها على ذلك . (فقالَ) عبد الله (لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ) -ﷺ- (لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بثَمَنِهَا) وفي رواية ابن إسحاق في «المغازي» عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ -﵂- قالت: كُفِّن رسول الله -ﷺ- في بُرْدَي حِبَرَة، حتى مَسَّا جلده، ثم نزعهما، فأمسكهما عبد الله؛ ليُكَفَّن فيهما، ثم قال: وما كنت لأمسك شيئًا منع الله رسوله -ﷺ- منه، فتصدق بهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٣/ ٢١٧٩ و٢١٨٠ و٢١٨١ و٢١٨٢] (٩٤١)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٦٤ و١٢٧١ و١٢٧٢ و١٢٧٣ و١٣٨٧) و«اللباس» (٥٨١٤)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣١٢٠ و٣١٥١)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (٩٩٦) و«الشمائل» (٣٩٣)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٨٩٧ و١٨٩٨ و١٨٩٩) و«الكبرى» (٢٠٢٤ و٢٠٢٥ و٢٠٢٦)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» ١٤٦٩١)، و(مالك) في «الموطّأ» (٥٢١ و٥٢٢)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٥٧٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦١٧١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٤٥٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٠ و٤٥ و١١٨ و١٣٢ و١٦٥ و١٩٢ و٢٠٣ و٢١٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٠٣٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٤٩٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢١٠٤ و٢١٠٥ و٢١٠٦ و٢١٠٧ و٢١٠٨ و٢١٠٩ و٢١١٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٩٩ و٤٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف الروايات في كفن النبي - ﷺ -: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: اتفَقَ عليه -يعني حديث الباب- الأئمةُ الستةُ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بزيادة «من كُرسف، ليس فيها قميص، ولا عمامة»، وليس قوله: «من كُرْسُف» عند الترمذيّ، ولا عند ابن ماجه، زاد مسلم: «أما الحلّة، فإنما شُبِّهَ على الناس فيها أنها اشتُريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أُكَفِّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيّه -ﷺ-، لكفنه فيها، فباعها، وتصدّق بثمنها». وفي رواية له: «ادرج رسول الله - ﷺ - في حُلّة يمانية، كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نُزعت منه، وكفّن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية، ليس فيها عمامة، ولا قميص …» الحديث. وفي رواية أصحاب «السنن» الأربعة: «كفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب بيض يمانية، كُرْسُف، ليس فيها قميص، ولا عمامة»، فذُكِر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبرد حبرة؟ فقالت: قد أُتي بالبرد، ولكنهم رَدُّوه، ولم يكفنوه فيه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وفي رواية للبيهقيّ: «في ثلاثة أثواب سحولية جُدُد». وأخرج أبو داود في «سننه» عنها: لا أُدرج رسول الله -ﷺ- في ثوب واحد، حِبَرة، ثم أُخِّر عنه«، وهو حديث صحيح. وفيه أيضا عن ابن عباس -﵁-:«في ثلاثة أثواب نجرانيّة، الحلّة ثوبان، وقميصه الذي مات فيه»، قال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-:«في ثلاثة أثواب، حُلّة حمراء، وقميصه الذي مات فيه»، قال الحافظ ﵀: تفرد به يزيد بن أبي زياد، وقد تغير، وهذا من ضعيف حديثه. وفي رواية لابن ماجه عن ابن عمر -﵄-، قال:«كُفِّنَ رسولُ الله -ﷺ- في ثلاثةِ رِيَاطٍ، بِيضٍ، سحولية»، وهو حديث حسن. وفي رواية عن ابن عباس، قال:«كُفِّنَ رسولُ الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلّة نجرانية»، وهو حديث ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا. وفي«مسند أحمد»عن عائشة -﵁-:«أن رسول الله -ﷺ- كفّن في ثلاث رياط بيض يمانية»، وفيه أيضًا، عن ابن عباس:«كُفّن رسول الله -ﷺ- في ثوبين أبيضين، وبرد أحمر»، وانفرد أحمد بالحديثين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الأول، فرجاله ثقات، وأما الثاني ففيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وأيضًا لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث، كما في ترجمته من«تهذيب التهذيب»، وليس هذا منها، فهو ضعيف. وعند أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي هريرة -﵁-، قال:«كُفّن رسول الله -ﷺ- في ريطتين، وبرد نجرانيّ». وعند ابن عساكر:«كفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، ولا قباء، ولا عمامة». وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزّار عن علي -﵁-:«أن النبيّ -ﷺ- كفّن في سبعة أثواب». قال الحافظ ﵀: وهو من رواية عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن الحنفية، عن عليّ، وابنُ عَقِيل سيّئ الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا انفرد، فيحسّن، وأما إذا خالف، فلا يقبل، وقد خالف هو رواية نفسه، فرَوَى عن جابر أنه -ﷺ- كفّن في ثوب نَمِرة. وعند ابن سعد، عن الشعبيّ:«كفّن في ثلاثة أثواب، برد، يمانية غِلاظ إزار، ورداء، ولفافة». وعن مرّة بن شُرَحبيل، عن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- لما ثَقُلَ، قلنا: فيم نكفّنك؟ قال:«في ثيابي هذه إن شئتم، أو في يمانية، أو ثياب مصر». وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- زُرّ عليه قميصه الذي كفن فيه، قال ابن سيرين: أنا زررت على أبي هريرة. وعند أبي بشر الدّولابيّ، عن سالم، عن أبيه:«أن رسول الله -ﷺ- كفّن في ثلاثة أثواب: ثوبين صُحَارين ، وثوب حبرة». وعند ابن عديّ، عن ابن عباس -﵄- قال:«كفّن النبيّ -ﷺ- في ثوبين أبيضين سحولتين». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت روايات مختلفة، كما ذكرنا بعضها في كفن النبيّ -ﷺ-، وأصحها -كما قال الترمذيّ، والحاكم، وغيرهما- حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، فهو المعتمد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب تكفين الميت، وهو إجماع المسلمين، ويجب في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته، فإن لم يكن ففي بيت المال، فان لم يكن وجب على المسلمين، يُوَزِّعه الإمام على أهل اليسار، وعلى ما يراه، قاله النوويّ ﵀ . ٢ - (ومنها): بيان عدد كفن النبيّ -ﷺ-. ٣ - (ومنها): استحباب كون الكفن ثلاثةً اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الجماهير، والواجب ثوب واحد، والمستحب في المرأة خمسة أثواب، ويجوز أن يكفن الرجل في خمسة، لكن المستحب أن لا يُتجاوَز الثلاثة، وأما الزيادة على خمسة فإسراف في حق الرجل والمرأة. انتهى . ٤ - (ومنها): استحباب كونها بِيضًا؛ لأن الأبيض أنظف، وأطيب، وهو إجماع، وقد أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، فقد أخرج أصحاب «السنن» عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «البَسُوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكَفِّنوا فيها موتاكم». ٥ - (ومنها): عدم مشروعية القميص، والعمامة في الأكفان؛ لقول عائشة -﵂-: «ليس فيها قميص، ولا عمامة». ٦ - (ومنها): استحباب كون الأكفان من القطن؛ لقولها أيضًا: «من كُرسف»، وهو القطن، كما تقدّم. قال النوويّ ﵀: ويكره المصبغات، ونحوها من ثياب الزينة، وأما الحرير فقال أصحابنا: يحرم تكفين الرجل فيه، ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة، وكره مالك، وعامّة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا، قال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه. انتهى. وفي «مصنّف ابن أبي شيبة»: عن الحسن البصرفي، ومحمد بن سيرين أنه كان يُعجبهما أن يكون الكفن كَتّانًا. وقال أصحاب الشافعيّ: جنسه في كلّ ميت ما يجوز له لبسه في الحياة، فيجوز تكفين المرأة في الحرير، لكن يكره، ويحرم تكفين الرجل به، فاما المزعفر، والمعصفر، فلا يحرم تكفينها فيه، ولكن يكره على المذهب، وكذا قال الحنفيّة: ما جاز للإنسان لبسه في حياته جاز تكفينه به، وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن يكفّن في شيء من الحرير، وكره ذلك الحسن، وابن المبارك، وإسحاق، قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه. وذكر ابن قُدامة في جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالين، وقال: أَقْيَسُهُما الجواز، لكن يكره، وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر، ونحوه. وقال الأوزاعيّ: لا يكفّن الميت في الثياب المصبغة، إلا ما كان من الْعَصْب؛ يعني: ما صُبغ بالعَصْب، وهو نبت ينبت باليمن. وعند المالكية في التكفين بالحرير أقوال: (الجواز مطلقًا) لسقوط المنع بالموت، لكن يكره. (والمنع مطلقًا) إلا لضرورة، وهما محكيان عن مالك. (والثالث) قاله ابن حبيب: يجوز للنساء دون الرجال. وقال القاضي عياض، والنوويّ في «شرح مسلم»: كره مالك، وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قول عائشة -﵂-: «ليس فيها قميص، ولا عمامة»: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فحمله الشافعيّ، والجمهور على أنه ليس في الكفن موجودًا، فلا يستحبّ ذلك. وحمله مالك، وأبو حنيفة على أنه ليس معدودًا، بل يَحْتَمِل أن يكون ثلاثة أثواب، زيادة على القميص والعمامة، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] فإنه يدلّ على أنّ ثَمَّ عَمَدًا، إلا أنها غير مرئيّة، والتقدير: بغير عمد مرئية لكم، وَيحْتَمِل أن يتناول الصفة والموصوف جميعًا . قال العلامة ابن الملقّن ﵀: وهو حمل ضعيف؛ لعدم ثبوته في الحديث، بل يتضمّن أن القميص الذي غُسل فيه النبيّ -ﷺ- نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه غير ذلك؛ لأنه لو كُفّن فيه مع رطوبته لأفسد الأكفان. انتهى . وقال الحافظ ولي الدين ﵀: الصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص، ولا عمامة أصلًا، وقيل: معناه أنه كفّن في ثلاثة أثواب خارجة عن القميص والعمامة، قال الشيخ تقيّ الدين ﵀: والأول أظهر في المراد. وذكر النوويّ في «شرح مسلم» أن الأول تفسير الشافعيّ، وجمهور العلماء، قال: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه -ﷺ- كُفّن في قميص وعمامة. انتهى. وترتّب على هذا اختلافُهم في أنه هل يستحبّ أن يكون في الكفن قميص وعمامة، أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: يستحبّ أن يكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص، ولا عمامة، واختلفوا في زيادة القميص والعمامة، أو غيرهما على اللفائف الثلاثة؛ لتصير خمسة. فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقالت الشافعية: إنه جائز غير مستحبّ، وقالت المالكية: إنه مستحبّ للرجال والنساء، وهو في حقّ النساء آكد، قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقالت الحنفية: إن الأثواب الثلاثة إزار، وقميص، ولفافة. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عن عبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وذكر الحنابلة أنه لو كفّن في إزار، وقميص، ولفافة لم يكره، ولكن الأفضل الأول، وهذا جائز بلا كراهة. وقال بعض متأخري المالكيّة: يجزئ على قول مالك قميص وعمامة ولفافة، والمشهور عندهم أن الثلاثة لفائف، كما تقدّم، وهو رواية ابن القاسم. وقال سفيان الثوريّ: إن شئت في قميص ولفافتين، وإن شئت في ثلاث لفائف. وقد ظهر بذلك أن من قال: إن من الثلاثة قميصًا، فهو مخالف لهذا الحديث على الاحتمالين المتقدمين معًا، وكأنه تمسّك في استحباب القميص بإلباسه -ﷺ- عبد الله بن أُبَيّ قميصًا، وسيأتي ذكره. وذكر الحنفية في توجيهه أنه الذي يعتاد لبسه في الحياة، فكذا بعد الموت، ويقتضي اختلافه باختلاف عادة ذلك الميت فيما كان يلبسه في حياته، لكن قد يقال: حمل الأمر على الأكثر الأغلب. وقال النوويّ في «شرح مسلم»: قال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتاولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليها، ثم ضعّفه كما تقدّم، وقد عرفت أن الحنفية يجعلون القميص من جملة الثلاثة. وروى ابن أبي شيبة في «مصنّفه» كون الميت لا يُعمّم عن الشعبيّ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وحكاه ابن بطّال وغيره عن جابر بن عبد الله، وعطاء، ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه يُعَمّم، كما يُعَمَّمُ الحيُّ، وعن الحسن: توضع العمامة وسط رأسه، ثم يُخَالَف بين طرفيها، هكذا على جسده، وقال مالك في «المدوّنة»: من شأن الميت أن يعمّم عندنا. ورَوَى البيهقيّ في «الخلافيات» عن مالك أنه قال: ليس على هذا العمل عندنا؛ يعني: تقميص الميت. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن السنة أن تكون الأثواب الثلاثةُ خالية عن القميص، والعمامة؛ لأنّ ظاهر هذا الحديث يدلّ على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عدد الكفن: قال الإمام ابن المنذر ﵀: رَوَينا عن ابن عمر -﵄- أنه قال: كفّن عمر في ثلاث أثواب، ثوبين سحوليين، وثوبًا كان يلبسه. وقالت عائشة -﵄-: لا يكفّن الميت في أقلّ من ثلاثة أثواب لمن قدر. وكان طاوس يكفّن الرجل من أهله في ثلاثة أثواب، ليس فيهنّ عمامة. وممن رأى أن الميت يكفّن في ثلاثة أثواب: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد رَوَينا عن سُويد بن غفلة، قال: كفّن أبو بكر في معقدين، قال: والذي رَوَيناه عن عائشة أنه قال: «اغسلوا ثوبي هذا، واجعلوا معه ثوبين» أصحّ. وقال الأوزاعيّ: يجزئ ثوبان، وقال مالك: يكفي في ثوبين؛ إذا لم يوجد غيرهما، وكان ابن عمر يكفّن أهله في خمسة أثواب، عمامة، وقميص، وثلاث لفائف، وقال النعمان: يكفّن الرجل في ثوبين. قال ابن المنذر ﵀: أحبّ الأكفان إليّ ما قدر الله جَلَّ ذكرُهُ لنبيه -ﷺ- أن كفّن فيه، ثلاثة أثواب بيض، يُدْرج فيها الميت إدراجًا، لا يكون فيما يكفّن فيه الميت قميص، ولا عمامة، فإن كفّن الميتُ في ثوب، أو في ثوبين لم أكره ذلك. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: السنّة للرجل في الكفن ثلاثة أثواب، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، والجمهور. قال الإمام الترمذيّ ﵀: رُوي في كفن النبيّ -ﷺ- روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحّ الروايات التي رويت في كفن النبيّ -ﷺ-، والعمل على حديث عائشة -﵂- عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ -ﷺ-، وغيرهم. انتهى . وقال البيهقيّ ﵀ في «الخلافيات»: قال أبو عبد الله -يعني الحاكم-: تواترت الأخبار عن عليّ بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل -﵃- في تكفين النبيّ -ﷺ- في ثلاثة أثواب، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة. ورَوَى ابن أبي شيبة في «مصنّفه» التكفين في ثلاثة أثواب، عن أبي بكر، وعمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وعن ابن عباس، أنه قال: ثوب، أو ثلاثة، أو خمسة، وعن حذيفة أنه قال: كفنوني في ثوبيّ هذين، وعن ابن عمر أنه كفّن ابنه واقدًا في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف، وعن سُوَيد بن غَفَلَةَ: قال: الرجل والمرأة يكفنان في ثوبين، وكُفن أبو بكر في ثوبين، وعن غنيم بن قيس: كنا نكفّن في الثوبين، والثلاثة، والأربعة، وعن هشام بن عوف: أن غير واحد من أصحاب رسول -ﷺ- كُفّن في ثوب واحد، وعن الحسن البصريّ: أن عثمان بن أبي العاص كُفّن في خمسة أثواب . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد قدّمت أن الأرجح ما قاله ابن المنذر ﵀، وحاصله أن الأفضل ما اختار الله تعالى لنبيّه -ﷺ-، وهو التكفين في ثلاثة أثواب، بِيضٍ، هذا إذا تيسّر، وإلا فما وُجد فهو الكفن، كما تقدّم في قصة مُصعب بن عُمير -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في عدد كفن المرأة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في عدد كفن المرأة، فقال كثيرون: تكفّن المرأة في خمسة أثواب، كذلك قال النخعيّ، والشعبيّ، ومحمد بن سيرين، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكذلك نقول، يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف، يُشَدّ على وسطها، يَجمع ثيابها. وكان عطاء يقول: تكفّن في ثلاثة أثواب: درع، وثوب تحت الدرع تُلَفّ به، وثوب تلفّ فيه، وقال سليمان بن موسى: درع، وخمار، ولفافة تُدرَج فيها. انتهى. وقال الحافظ ولي الدين ﵀: قال الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة، وغيرهم: يُستحبّ تكفين المرأة في خمسة أثواب، ففرّقوا بينها وبين الرجال؛ لأنها تزيد في حياتها على الرجال في الستر؛ لزيادة عورتها، فكذلك بعد الموت. وفي «سنن أبي داود» ما يدلّ على ذلك في تكفين أم كلثوم بنت النبيّ -ﷺ-، لكن قال الشافعيّة: ليست الخمسة في حقّ المرأة كالثلاثة في حقّ الرجل حتى نقول يخيّر الورثة، كما يخيّرون على الثلاثة، وقال المالكية: الزيادة على الثلاثة إلى الخمسة مستحبّة للرجال والنساء، وهي في حقّهنّ آكد. وقال أحمد بن حنبل في الجارية إذا لم تبلغ: تكفّن في لفافتين، وقميص، لا خمار فيه، وظاهر هذا أنها لا تصير كالمرأة في الكفن إلا بعد البلوغ، ورَوَى عنه أكثر أصحابه أنها إذا كانت بنت تسع سنين يُصنع بها ما يصنع بالمرأة. واختلف العلماء في الأثواب الخمسة التي تكفّن بها المرأة، فحُكي عن الشافعي في الجديد أنها إزار، وخمار، وثلاث لفائف، وعن القديم: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان، وذكر الرافعيّ أن هذه المسألة مما يُفتى فيه على القديم، وأنه الأظهر عند الأكثرين، وحكى النوويّ عن الشيخ أبي حامد، والمحامليّ أن المعروف للشافعي في عامة كتبه أن يكون قميص، وأن القول الآخر لا يُعرف إلا عن المزنيّ، قال: فعلى هذا لا يكون إثبات القميص مختصًّا بالقديم، وهذا مذهب مالك، وحكاه ابن قُدامة الحنبليّ عن أكثر أصحابه، وغيرهم، وصححه، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وقال الخِرَقيّ منهم: قميص، وإزار، ومقنعة، ولفافة، وخامسة يُشدّ بها فخذاها، فجعل بدل اللفافة الأخرى خرقة تشد بها فخذاها، وأشار إليه أحمد، وكذا قال الحنفية: إن الأثواب الخمسة قميص، وإزار، وخمار، ولفافة، لكنهم قالوا في الخامسة خرقة تُربط فوق ثدييها، وهو غير هذه الرواية التي عند الحنابلة أن الخامسة خرقة تشدّ بها فخذاها، إلا أنه قريب منه. ورَوَى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ: تكفّن المرأة في درع، وخمار، ولفافة، ومِنطقة، وخرقة، تكون على بطنها. وعن إبراهيم النخعيّ مثله، إلا أنه قال: والخرقة التي تشد عليها، وفي رواية عنه بدل المنطقة الإزار، وهو بمعناه. وعن ابن سيرين قال: تكفن المرأة في خمسة أثواب، في الدرع، والخمار، والرداء، والأزار، والخرقة. وعن ابن سيرين أيضًا: توضع الخرقة على بطنها، ويُعصب بها فخذاها، وعنه أيضًا: يُلفّ بها الفخذان تحت الدرع، وعن إبراهيم النخعيّ: تشد الخرقة فوق الثياب. وذكر ابن المنذر في تفسير الأثواب الخمسة أنها درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف يُشدّ على وسطها، يجمع ثيابها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب كون كفن المرأة خمسة أثواب، هو الراجح عندي، تؤيّده الزيادة التي في حديث أم عطية -﵂-، فيما رواه الجوزقيّ من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطيّة، أنها قالت: (وكفنّاها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمّر الحيّ». قال الحافظ في«الفتح»: وهذه الزيادة صحيحة الإسناد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في كفن الصبيّ: قال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في عدد كفن الصبيّ، فكان سعيد بن المسيب يقول: يكفن في ثوب، وقال أحمد: في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة، فلا بأس، وكذلك قال إسحاق، وقال أصحاب الرأي: يكفن في خرقتين، ويجزي إزار واحد، وقال الثوريّ: يجزيه ثوب وأحد، وروي عن الحسن أنه قال: يكفّن في ثوبين، قال ابن المنذر ﵀: يكفّن في ثلاثة أثواب، أو خرق على قدر الكفاية، ويجزي ثوب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله ابن المنذر ﵀، فالصبيّ في الكفن كالكبير؛ إذ ليس لنا دليل يخص الصبيّ بعدد من الكفن، مخالي للكبير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٨٠] (…) - (وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الشَعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أدْرجَ رَسُولُ اللهِ فِي حُلّةٍ يَمَنِيَّةٍ ، كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاَثةِ أَثْوَابٍ، سُحُولٍ، يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيصٌ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللهِ الْحُلَّةَ، فَقَالَ: كُفَّنُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَكُفَّنُ فِيهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (أدْرجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي حُلّة … إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: لُفّ فيها، وسبب إدراجه فيها لتجفيف أثر الماء بعد الغسل، كما بُيّن ذلك عند عبد الرزاق في «مصنّفه» (٣/ ٤٢٢) عن معمر، عن هشام بن عروة، قال: لُفّ النبيّ -ﷺ- في ثوبِ حِبَرَةٍ، جُفِّفَ فيه، ثم نُزِع، وجُعِلَ مكانه السُّحُول، وكان الثوب الْحِبَرَةُ لعبد الله بن أبي بكر، فقال: لا ألبس ثوبًا نزعه الله عن رسول الله -ﷺ- أبدًا. انتهى. وقولها: (يَمَنِيَّةٍ) قال النوويّ ﵀: ضُبِطت هذه اللفظة في مسلم على ثلاثة أوجه، حكاها القاضي، وهى موجودة في النسخ: [أحدهما]: يَمَنِيَّة -بفتح أوله- منسوبة إلى اليمن. [والثاني]: يمانية منسوبة إلى اليمن أيضًا. [والثالث]: يُمْنة -بضم الياء، وإسكان الميم- وهو أشهر، قال القاضي: وهو صحيحٌ، ويُتكلّم به على الإضافة ، فيقال: حُلّةُ يُمْنَةٍ، قال الخليل: هي ضرب من بُرُود اليمن، وكذا قال أبو عبيد، والحلّة إزارٌ ورداءٌ، ولا تُسمّى حُلّة حتى يكونا ثوبين ، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الحديث الماضي. وقولها: (سُحُولٍ) قال القاضي عياض ﵀: هكذا مهمل اللفظ، فيَحْتَمل أن يكون بضمّ السين، ويكون بدلًا من أثواب إذا قلنا إنها ثياب قطن بيض تُسمّى بذلك، و«سُحُول» على هذا جمع سَحْل، ويُجمع أيضًا على لسُحُل -بضمتين- ويكون أيضًا وصفًا إذا قلنا: إن معناها بِيض، لكن قد اعترض على تفسيرها ببيض؛ لقوله قبلُ «بيض»، فلا وجه لتكرار وصفها بالبياض، كما أنه يُعترض على تفسيرها بأنها ثياب قطن؛ لعملها من«كُرْسُف»، وهو القطن، ولكن الاعتراض على هذين قد يُجاب عنه بأنه لا يُنكر تكرار المعنى الواحد بلفظين مختلفين في كلام العرب للتأكيد، كما قال الله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، وقد قال ابن وهب: السحول: قطن ليس بالجيّد. انتهى . وقولها: (يَمَانِيَةٍ) قال النوويّ ﵀: هو: بتخفيف الياء، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى سيبويه، والجوهريّ، وغيرهما لغةً في تشديدها، ووجه الأول أن الألف بدل ياء النسب، فلا يجتمعان، بل يقال: يَمَنِيَّةٌ، أو يَمَانِيَةٌ بالتخفيف. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «يمانية» في يائه مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتَصَر عليه كثيرون، وبعضهم ئنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العِوَض والمعوَّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى . وقولها: (فَتَصَدَّقَ بِهَا) أي: بثمنها، ففي الرواية السابقة: «فباعها، وتصدّق بثمنها»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَةُ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٦١/ ٣٣٩. ٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٨/ ١٣٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ … إلخ) يعني: أن هؤلاء الستّة: حفص، وابن عيينة، وابن إدريس، وعبدة، ووكيع، وعبد العزيز، رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن هشام، ساقها ابن ماجه ﵀ في«سننه» (١/ ٤٧٢) فقال: (١٤٦٩) حدّثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا حَفْصُ بن غِيَاثٍ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النبيّ -ﷺ- كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أَثْوَاب، بِيضٍ، يَمَانِيَةٍ ليس فيها قَمِيصٌ، ولا عِمَامَةٌ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قد كان كُفِّنَ في حِبَرَةٍ، فقالت عَائِشَةُ: قد جاؤوا بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فلم يُكَفِّنُوهُ. انتهى. وأما رواية ابن إدريس، فساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٤٧٩٥) حدّثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب سُحُولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة. انتهى. وأما رواية وكيع، عن هشام، فساقها الإمام أحمد أيضًا فقال: (٢٥٢٦٧) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله -ﷺ- لَمّا قُبِض كُفِّن في ثلاثة أثواب، يمانية، بيض، كُرْسُف، ليس فيها قميصٌ، ولا عمامةٌ. انتهى. وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن هشام، فقد ساقها البيهقيّ، في «السنن الكبرى» (٣/ ٣٩٩) فقال: (٦٤٦٤) حدّثنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، أنبأ أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايينيّ، ثنا داود بن الحسين البيهقيّ، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة -﵂- أخبرته أن رسول الله -ﷺ- كُفِّن في ثلاثة أثواب، سُحُوليّة، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة. انتهى. وأما رواية ابن عيينة، وعبدة، فلم أر من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِي -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهَا: فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، سَحُولِيَّةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَزِيدُ) بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدني، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقون ذُكروا في الباب، و«ابن أبي عمر» هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، و«عبد العزيز» هو: ابن محمد الدّرَاورديّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. وفي نسخة: «فإنها».

٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٤١٦.

٣. «النهاية» ٢/ ٣٤٧.

٤. راجع: «لسان العرب» ١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٨.

٦. «القاموس المحيط» ٣/ ١٨٨.

٧. «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٦٣.

٨. «شرح النووي» ٧/ ٨.

٩. «النهاية» ١/ ٤٣٢، و«المصباح المنير» ١/ ١٤٨.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٤.

١١. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٢٤، ٢٥.

١٢. قال في «النهاية» ٣/ ١٢: صُحار؛ أي: بالضمّ: قرية باليمن، نُسب إليها الثوب، وقيل: هي حمرة خفية كالْغُبْرة. انتهى.

١٣. «شرح النوويّ» ٧/ ٨.

١٤. «شرح النوويّ» ٧/ ٨.

١٥. «شرح النووي» ٧/ ٨.

١٦. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٤١٦ - ٤١٧.

١٧. «الأوسط» ٥/ ٣٥٤ - ٣٥٦.

١٨. «جامع الترمذي» ٤/ ٧٦ بشرح المباركفوريّ.

١٩. «طرح التثريب» ٣/ ٢٧٢.

٢٠. وفي نسخة: «يمانية».

٢١. وقال القرطبيّ: حُلّة يُمْنة بتنوين «حلّةٌ»، ورفع «يُمْنة» وإسكان الميم، وفتح النون، ويقال: بحذف التنوين من«حلّة» واضافتها. انتهى.

٢٢. راجع: «إكمال المعلم» ٣/ ٣٩٥، و«شرح النوويّ» ٧/ ٩.

٢٣. «إكمال المعلم» ٣/ ٣٩٣.

٢٤. «شرح النوويّ» ٧/ ٩ - ١٠.

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨٢.

٢٦. وفي نسخة:، وحدّثنا».