وعن أنس أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن قتادة أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها.
قال: فهذه طوائف من الصحابة لا يُعرف لهم منهم مخالف.
قال: وأما تحديد الصلاة بشهر، أو ثلاثة أيام، فخطأ لا يُشْكِل؛ لأنه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حدّ بهذا، أو من حدّ بغير ذلك. انتهى كلام ابن حزم ﵀ باختصار وتصرّف .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلة الصحيحة، ومن أقوال أهل العلم أن الصواب جواز الصلاة على القبر، وإن دفن الميت بعد الصلاة عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢٢١٦] (٩٥٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ زيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بُكَبِّرُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] ت (١١٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) يسار الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
٥ - (زيدُ) بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٧/ ١٢٠٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخاه: ابن المثنى، وابن بشّار، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين، والصحابيّ - ﵁ - ممن نزل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من مشاهير الصحابة، وقد أنزل الله تعالى في تصديقه سورة كاملة في القرآن، وهي سورة «المنافقون»، وقصّته مشهورة في «الصحيحين»، وغيرهما.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) تقدّم أن اسم أبيه يسار أنه (قَالَ: كَانَ زَيْدٌ)؛ أي: ابن أرقم، كما بُيّن ذلك في رواية أبي داود، والنسائيّ (يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا)؛ أي: أربع تكبيرات فقط (وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا)؛ أي: خمس تكبيرات (فَسَألتُهُ)؛ أي: عن تكبيره خمسًا من أين أخذه؟ (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُكَبِّرُهَا)؛ أي: كان يكبّر أحيانًا خمس مرّات، كما كان يكبّر في أحيان أخرى أربع تكبيرات.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث عند العلماء منسوخ، دلّ الإجماع على نسخه، وقد سبق أن ابن عبد البرّ وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم