HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٦٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ. قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ. وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص61
ج ٢ ص ٦٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٥٥٩
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن؛ لحديث فضالة - ﵁ - المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدم في كلام البيهقيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٣] (٩٦٩) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَّا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ أَنْ لَا تَدَع تِمْثَالًا إِلا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، أو هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ١/ ١. ٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليلٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٥ - (أَبُو الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيُّ) حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وعمار، وعنه ابناه: جرير ومنصور، وأبو وائل، والشعبيّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: كان كاتب عمار - ﵁ -، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط، وله ذكر بلا رواية عند الترمذيّ . ٦ - (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ -، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ، وغير أبي الهيّاج، فتفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ بهذا الحديث فقط. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وزهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة - ﵃ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطيّ رحمه الله تعالى: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث. انتهى . واسمه حيّان بن حصين (الْأَسَدِيِّ) بفتحتين أنه (قَالَ: قَالَ في عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - (أَلَّا) يَحْتَمِل أن تكون «ألا» بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، وتشديدها، وهي أداة تحضيض، ومعناه طلب الشيء بحثّ، وهي تختصّ بالجملة الفعليّة، كما هنا، وكما قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٣]. (أَبْعَثُكَ)؛ أي: أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: إلى مثل الذي أرسلني إليه - ﷺ -، وإنما عبّر بـ «على»؛ لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير؛ أي: أجعلك أميرًا على ذلك، كما أمّرني عليه رسول الله - ﷺ - . وقوله: (أَنْ لَا تَدَعَ) يَحْتَمل أن تكون الجملة بيانًا لما بَعَث به النبيّ - ﷺ - عليًا - ﵁ -، و«أن» مصدرية، و«لا» نافية، فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عدم تركك إلخ، ويَحْتَمِل أن تكون «أن» تفسيرية، و«لا» ناهية، والفعل مجزوم بها؛ أي: لا تترك … إلخ. (تِمْثَالًا) بكسر التاء: هي الصورة المصوّرة، يقال: في ثوبه تماثيل؛ أي: صورة حيوانات مصوَّرة، قاله في «المصباح» ، وقال في «القاموس»: التَّمْثَال بالفتح: التمثيل، وبالكسر: الصورة. انتهى . (إِلَّا طَمَسْتَهُ)؛ أي: محوته، أو غَيَّرْتَه من هيئته، بقطع رأسه، أو نحو ذلك، وفي الرواية التالية: «ولا صورةً إلا طمستها». قال القرطبيّ ﵀: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد رُوي «صورة» مكان «تمثال»، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، والله تعالى أعلم. (وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعًا عن الأرض. قال السنديّ ﵀: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم؛ لأنه مما لا يدلّ عليه دليل؛ والله تعالى أعلم. (إِلَّا سَوَّيتَهُ)؛ أي: ألصقته بالأرض، قال النوويّ ﵀: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث على ما نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. [تنبيه]: قال في «المنهل العذب المورود»: واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، ويُترخم على صاحبه، إلا أن يكون مسلمًا في دار الحرب، فيُخفى قبره؛ مخافةَ أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى. انتهى . قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا غير صحيحة؛ لما تقدم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه: «أن رسول الله - ﷺ - رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا»، غير صحيح؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه - ﷺ - من حديث عليّ - ﵁ - هذا، وحديث فضالة - ﵁ - المتقدم. وأما قوله: ليعلم أنه قبر إلخ، فليس ذلك مما يحيى المحظور، من رفعه عن الأرض؛ لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ - ﷺ - على قبر عثمان بن مظعون - ﵁ - حجرًا، فقد أخرج أبو داود بإسناد حسن، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبيّ - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله - ﷺ -، وحَسَرَ عن ذراعيه، قال كثير: قال المطَّلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ل - ﷺ - قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: «أتعلّم بها قبر أخي، وأَدْفِن إليه من مات من أهلي». وفي إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين، تكلّم فيه بعضهم، ووثّقه ابن عمّار الموصليّ، وابن حبّان، وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به . وبالجملة فهو حسن الحديث ، فهو دليلٌ على جواز وضع الحجر علامة على القبر؛ ليُعرف أنه قبرٌ، وعلى دفن بعض الأقارب بقرب بعض، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٢٤٣ و٢٢٤٤] (٩٦٩)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣٢١٨)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٤٩)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (٤/ ٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٩ و٩٦ و١٢٨)، و(عبد الله بن أحمد) في «زوائده» (١/ ١١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٤٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٥٢٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣) و«المعرفة» (٣/ ١٨٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٢٨٥ و٢٨٦ و٤٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ٢ - (ومنها): شدة اعتناء النبي - ﷺ - بإزالة المنكرات. ٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد، كما قال النبيّ - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم. ٤ - (ومنها): عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ٥ - (ومنها): وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال العلامة الشوكانيّ ﵀ عند شرح حديث الباب ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في «الغيث»- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلًا؛ إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ. ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ - ﷺ - فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئًا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال ﵀: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب لله، وَيغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا. قال الجامع عفا الله عنه: بل صار الأمر بالعكس، فكم ممن ينتسب إلى العلم يراهم، ويسمعهم، فلا يُنكر عليهم، بل العلماء أنفسهم شركاء لهم في ذلك، بل هم أشد منهم، فإنهم يؤلفون كتبًا في الاستغاثة بهم، ويقرؤونها عند قبورهم، أو غيرها من المجالس، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. يَا مُصْلِحَ الْعِبَادِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ … مَنْ يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ قال ﵀: وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين ، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ، وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين؛ أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟. لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ انتهى كلام العلامة الشوكاني ﵀، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدثنِي حَبِيبٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «وَلَا صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٢٠٣١) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الْهَيّاج، قال: قال على - ﵁ -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: «لا تَدَعَنَّ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوّيته، ولا
مصادر المؤلف (١٢)

١. راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٩.

٢. زهر الربى ٤/ ٨٨.

٣. «المرعاة» ٥/ ٤٣٥.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٤.

٥. «القاموس المحيط» ٤/ ٤٩.

٦. «المفهم» ٢/ ٦٢٥.

٧. «شرح السندي» ٤/ ٨٨.

٨. «شرح مسلم» ٧/ ٤٠.

٩. «المنهل العذب» ٩/ ٧٠.

١٠. راجع ترجمته في: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩.

١١. وقد حسّن الحديث الشيخ الألبانيّ ﵀.

١٢. هكذا اشتهر على الألسنة، والصواب القبريين؛ لأنه إذا نسب إلى الجمع يرد إلى واحدة، كما قال ابن مالك: