HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٩٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا. وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى. وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أنس: فلما أنزلت هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مما تحبون﴾ [٣/ آل عمران/ الآية ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مما تحبون. وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى. وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ. أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَضَعْهَا! يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَخْ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا. وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» فَقَسَمَهَا أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص79
ج ٢ ص ٦٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٢٦٥
(١٤) - (بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالأَقرَبِينَ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمينَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣١٥] (٩٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكثَرَ أنصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا، وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِن اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالي إِلَي بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَة للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الْأَقرَبِينَ»، فَقَسَمَهَا أَبُو طلحَةَ فِي أقَارِبِهِ، وَبَنى عَمِّهِ). رجال الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٩/ ٣. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، إمام دار الهجرة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّة [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف ﵀، وهو (١٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن عمّه، فإن أنسًا عمّ لإسحاق. ٥ - (ومئها): أن أنسًا -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله -ﷺ-، خدمه عشر سنين، ثم نال دعوته المباركة، فطال عمره، وكثر ماله، وأولاده بسببها، وأنه آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، وعمره جاوز المائة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنَّهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (يَقُولُ: كَمانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ المشهور، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات -﵁- سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في «الحيض» ٧/ ٧٢٠. (أَكثَرَ أَنْصَارِيٍّ) أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة التفضيل سائغ، قاله في «الفتح» ، وفي رواية البخاريّ: «أكثر الأنصار» (بِالْمَدِينَةِ مَالًا) نُصب على التمييز؛ أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى) اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه، قال القاضي عياض ﵀: رَوَينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها، مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء، قال الباجيّ ﵀: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ: «الْبَيْرَحَى» بفتح الراء على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي الصُّوريّ: هي بالفتح، واتفقا على أن من رفع الراء، وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة قبليّ المسجد، وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف «بَرِيحَاء» بفتح الباء وكسر الراء، وكذا سمعناه من أبي بحر، عن العذريّ، والسمرقنديّ، وكان عند ابن سعيد، عن البحريّ، من رواية حماد «بِيرَحاء» بكسر الباء وفتح الراء، وضبطه الْحُمَيديّ من رواية حماد «بَيْرَحَاء» بفتح الباء والراء، ووقع في كتاب أبي داود: «جَعَلتُ أرضي بَارِيحَا لله»، وأكثر رواياتهم في هذا الحرف بالقصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين، وبالمد، وجدته بخط الأصيليّ، وهو حائط يُسَمَّى بهذا الاسم، وليس اسم بئر، والحديث يدل عليه. انتهى آخر كلام القاضي ﵀. وقال في «الفتح»: اختَلَفُوا في ضبطه على أوجه، جمعها ابن الأثير في «النهاية»، فقال: يُرْوَى بفتح الباء الموحدة وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة «بَرِيحا» بفتح أوله وكسر الراء، وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي «سنن أبي داود»: «باريحا» مثله، لكن بزيادة ألف. وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصورًا، وكذا جزم به الصغانيّ، وقال إنه فَيْعَلَى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الباء الموحدة، وظن أنها بئر من آبار المدينة، فقد صَحَّف. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: رُويت هذه اللفظة بكسر الباء الموحّدة، وبفتح الراء وضمّها، وبمدّها وقصرها، فالنصب على أنه خبر «كان»، وحينئذ يُرفع «أحبُّ» على أنه اسمها، ورفعُ «بيرحى» على أنه اسم «كان»، وحينئذ يُنصب «أحبَّ» على أنه خبرها، فأما مدّ «حاء» وقصرها فلغتان، وهو حائط نخلٍ سُمّي بهذا الاسم، بموضع يُعرف بقصر بني جديلة، وليس ببئر، ولذلك قال الباجيّ: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ الهرويّ بنصب الراء على كلّ حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي الصوري: بيرحاء بنصب الراء، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين، وقد رَوَى هذا الحرف في مسلم حمّاد بن سلمة بَرِيحا بكسر الراء وفتح الباء. انتهى . (وَكَانَتْ) أي: بيرحى (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أي: في مقابلته، وقال النوويّ: وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبليّ المسجد، وفي «التلويح»: هو موضع بقرب المسجد يُعْرَف بقصر بني حُدَيلة وضبطها بالكتابة بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، قال في «العمدة»: الصواب بالجيم. انتهى . (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا) أي: بيرحى (وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي: في بيرحى (طَيِّب) بالجرّ صفة و«ماءٍ» (قَالَ أنسٌ) -﵁- (فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس -﵂- في رواية أبي صالح: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة؛ أي: بعفما تحبون من الأموال، وقال الضحاك: يعني: لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون؛ يعني: تخرجون زكاة أموالكم طَيِّبةً بها أنفسكم، وفي رواية عن ابن عباس -﵄-: هذه الآية منسوخة نسختها آية الزكاة، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الصدقة وصلة الرحم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] أي: ما يخفى عليه، فَيُثيبكم عليه . (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) -﵁- (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّق بحال محذوف؛ أي: قام حال كونه منتهيًا إليه -ﷺ- (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة للمذهب الصحيح، وقولِ الجمهور: إنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى يقول، كما يقال: إن الله قال، وقال مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير التابعيّ، لا يقال: الله يقول، وإنما يقال: قال الله، أو الله قال، ولا يُسْتَعْمَل مضارعًا، وهذا غلطٌ، والصواب جوازه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال ذلك، وقد أشرت إلى طرف منها في «كتاب الأذكار»، وكأن مَن كَرِهه ظَنَّ أنه يقتضي استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وهذا ظَنّ عجيبٌ، فإن المعنى مفهومٌ، ولا لبس فيه، وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق مما يُحَبّ، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات وغيرها. انتهى . ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها، والْبِرّ -بالكسر-: اسم جامعٌ لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال: أرجو ثواب برّها (وَذُخْرَهَا) أي: أُقدّمها، فأدّخرها (عِنْدَ اللهِ) ﷿؛ لأجدها عنده (فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بَخْ) قال في»القاموس«:»بَخْ«كقَدْ: أي: عَظُمَ الأمرُ، وفَخُمَ، تقال وحدها، وتُكرّر بَخٍ بَخْ الأول منوّنٌ، والثاني مُسكّنٌ، وقل في الإفراد: بَخْ ساكنةً، وبَخِ مكسورةً، وبني منوّنةً، وبخٌ منوّنة مضمومة، ويقال: بَخْ بَخْ مُسكّنين، وبَني بَخٍ منوّنين، وبخِّ بخِّ مشدّدين: كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. انتهى . وقال في«العمدة»: قوله:«بخ»هذه كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وممَرَّر للمبالغة، فإن وُصِلَتْ خُفِّفَتْ، ونُوِّنتْ، وربما شُدِّدت كالاسم، ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورةً، وقال القاضي: حُكِي بالكسر بلا تنوين، ورُوي بالرفع، فإذا كُرّرت فالاختيار تحريك الأول منونًا، وإسكان الثاني، وقال ابن دُريد: معناه تعظيم الأمر، وتفخيمه، وسُكّنت الخاء فيه كسكون اللام في«هل»، و«بل»، ومن نوّنه شبّهه بالأصوات، كـ«صَهْ»، و«مَهْ»، وفي«الواعي»: قال الأحمر: في«بخ»أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف، وقال ابن بطال: هي كلمةُ إعجاب، وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب عند المدح والْمَحْمَدَة، وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وكلها متقاربة في المعنى. انتهى . (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالباء الموحدة؛ أي: يربح فيه صاحبه في الآخرة، ومعناه ذو ربح كلابِني، وتامِرٍ؛ أي: ذو لبن وذو تمر، كما قال النابغة: كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَواكِبِ وقال ابن قرقول؛ وروي بالياءً المثناة من تحتُ من الرواح؛ يعني: يروح عليه أجره. وقال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال، وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدوّ؛ لعلم السامع، ويقال: معناه أنه مال رائح؛ يعني: من شأنه الرواح؛ أي: الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فهو أولى. وقال القاضي: وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب وغيره بالباء الموحدة. وقال ابن قرقول: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم. وفي «التلويح»: يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثيّ المغربيّ، ويحيى الذي في البخاريّ هو النيسابوريّ. وقال أبو العباس الواني في كتابه «أطراف الموطأ»: في رواية يحيى الأندلسيّ بالباء الموحدة، قال: وتابعه روح بن عبادة وغيره، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل، وابن وهب، وغيرهم: «رائح» بالهمزة، من الروح، وشكّ القعنبيّ فيه، وقال الإسماعيليّ: من قال: «رابح» بالباء فقد صَحَّف. انتهى . (قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا) قال في «العمدة»: بَوَّب عليه البخاريّ في «الوكالة»: «بابٌ إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت»، وقال المهلَّب: دل على قبوله -ﷺ- ما جَعَل إليه أبو طلحة، ثم رَدَّ الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها. انتهى. (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأقرَبِينَ»، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ) -﵁- (فِي أقَارِبِهِ) وقوله: (وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصّ على العامّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣١٥ و٢٣١٦، (٩٩٨)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٦١)، و«الوكالة» (٢٣١٨)، و«الوصايا» (٢٧٥٢ و٢٧٦٩)، و«التفسير» (٤٥٥٤)، و«الأشربة» (٥٦١١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٩٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١١٠٦٦)، و(مالك) في «الموطّا» (٢/ ٩٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٤١ و٢٥٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٩٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٣٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٨١)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٦٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٦٤ - ١٦٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٦٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب؛ إذا كانوا محتاجين. ٢ - (ومنها): بيان أن القرابة يُرْعَى حقّها في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأن النبيّ -ﷺ- بأمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أُبَيّ بن كعب، وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجدّ السابع. ٣ - (ومنها): أن منقطع الآخر في الوقف يُصْرَف لأقرب الناس إلى الواقف. ٤ - (ومنها): بيان أن الوقف لا يَحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه. ٥ - (ومنها): أن بعض المالكيّة استَدَلَّ به على صحة الصدقة المطلقة، وهي التي لم يُعَيّن مصرفها، ثم يُعَيِّنها المتصدق لمن يريد. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به للجمهور في أن من أوصى أن يُفَرَّق ثلث ماله حيث أرى الله الوصيَّ صحّت وصيته، ويُفَرِّقه الوصيّ في سبل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور، وفاقًا للحنفية في الأول دون الثاني. ٧ - (ومنها): جواز التصدق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنه -ﷺ- لم يَستفصِل أبا طلحة عن قدر ما تَصَدَّق به، وقال لسعد بن أبي وقاص -﵁-: «الثلثُ كثير». ٨ - (ومنها): تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. ٩ - (ومنها): جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتفاقًا. ١٠ - (ومنها): جواز اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفضل والعلم فيها، والاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والراحة والتنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبّأ يَترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة، وتنشيطها للطاعة. ١١ - (ومنها): جواز كسب العقار، وإباحة الشرب من دار الصَّدِيق، ولو لم يكن حاضرًا إذا علم طيب نفسه. ١٢ - (ومنها): إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض. ١٣ - (ومنها): التمسك بالعموم؛ لأن أبا طلحة فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] تناوُلَ ذلك جميع أفراده، فلم يَقِف حتى يَرِدَ عليه البيان عن شيء بعينه، بل بادر إلى إنقاق ما يحبه، وأقره النبيّ -ﷺ- على ذلك. ١٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لما ذَهَب إليه مالك من أن الصدقة تصحّ بالقول من قَبْل القبض، فإن كانت لمعيّن استَحَقَّ المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامّة خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام صرفه في سبيل الصدقة، وكل هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدِّق، فإن ظهر اتُّبع. ١٥ - (ومنها): جواز تولي المتصدِّق قَسْمَ صدقته. ١٦ - (ومنها): جواز أخذ الغني من صدقة التطوع؛ إذا حصل له بغير مسألة. ١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مشروعية الحبس والوقف خلافًا لمن منع ذلك، وأبطله، قيل: ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكًا، كما هو ظاهر سياق بعض الروايات، فقد روي أن حسّان باع نصيبه من معاوية -﵄- بمائة ألف درهم، فقيل له: أتبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟. ١٨ - (ومنها): جواز زيادة الصدقة في التطوع على قدر نصاب الزكاة، خلافًا لمن قيّدها به. ١٩ - (ومنها): بيان فضيلة لأبي طلحة -﵁-؛ لأن الآية تضمنت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب، فصوَّب النبيّ -ﷺ- رأيه، وشكر فعله، ثم أمره أن يَخُصّ بها أهله، وكَنَى عن رضاه بذلك بقوله: «بخ». ٢٠ - (ومنها): بيان أن الوقف يَتِمّ بقول الواقف: جعلتُ هذا وقفًا. ٢١ - (ومنها): صحّة الوكالة؛ لقوله: «ضعه حيث شئت». ٢٢ - (ومنها): إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الوقف. ٢٣ - (ومنها): أن الصدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبولِ مُعَيَّن، بل للإمام قبولها منه، ووضعها فيما يراه، كما في قصة أبي طلحة -﵁-. ٢٤ - (ومنها): أنه لا يعتبر في القرابة مَن يجمعه والواقفَ أبٌ معينٌ، لا رابع ولا غيره؛ لأن أُبَيًّا إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السابع. ٢٥ - (ومنها): أنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن حسانًا وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أُبَيّ ونُبَيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أُبيًّا ونبيط بن جابر. ٢٦ - (ومنها): أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرًا فضلًا عن عمرو بن مالك الذي يَجمع أبا طلحة وأُبَيًّا ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣١٦] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَا للهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: (اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ»، قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين أو قبلها (ع) تقدم في«الإيمان»٣/ ١١٢. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابتٌ، وتغيّر بآخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. و«أنسٌ»-﵁- ذُكر قبله. وقوله: (﴿تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) قال الحسن: لن تكونوا أبرارًا حتى تبذُلوا كبير أموالكم، وقال أبو بكر الورّاق: لن تنالوا بِرّي بكم حتى تبَرُّوا إخوانكم، وقال ابن عبّاس -﵄-: هو الجنّة، وقال مجاهد: ثواب البرّ . وقوله: (قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَا للهِ) أي: جعلتها وقفًا لله تعالى،«وبَرِيحَا»في هذه الرواية بفتح الموحّدة، وكسر الراء، وتقديمها على الياء التحتانيّة الساكنة، ثم حاء مهملة، وظاهر النسخ التي بين يديّ أنها مقصورة، وظاهر ما في«الفتح»أنها ممدودة، حيث قال بعد نحو ما مرّ من ضبطها: ورَخح هذا صاحب«الفائق»، وقال: هي وزن فعلاء، من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. انتهى . وقوله: (فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ) وتقدّم في الرواية السابقة:«فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمّه»، وفي رواية للبخاريّ: قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة … إلخ. فقوله:«أَفْعَلُ »بضم اللام على أنه قول أبي طلحة، وقوله:«فقسمها أبو طلحة»فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها«أفعل فقسمها»، فإنه احتمل الأول، واحتمل أن يكون«افْعَلْ»صيغة أمر، وفاعلُ قسمها النبي -ﷺ-، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية، وذكر ابن عبد البرّ أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبيّ، عن مالك، فقال في روايته:«فقسمها رسول الله -ﷺ- في أقاربه وبني عمه»؛ أي: أقارب أبي طلحة، قال ابن عبد البرّ: إضافة القَسْم إلى رسول الله -ﷺ- وإن كان سائغًا شائعًا في لسان العرب على معنى أنه الآمَر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال:«فقسمها أبو طلحة». انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «الفتح» ٥/ ٣٧٩.

٢. «الفتح» ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢.

٣. «المفهم» ٣/ ٤١.

٤. «عمدة القاري» ٩/ ٤٢.

٥. راجع: «عمدة القاري» ٩/ ٤٢.

٦. «شرح النوويّ»٧/ ٨٤ - ٨٥.

٧. «القاموس المحيط»١/ ٢٥٦.

٨. «عمدة القاري» ٩/ ٤٢ - ٤٣.

٩. راجع:«المفهم»٣/ ٤٢.

١٠. «عمدة القاري»٩/ ٤٣.«الأقارب»جمع الأقرب، وقالت الفقهاء: أَبُو قال: وقفت على قرابتي يتناول الواحد، ويقال: هم قرابتي، وهو قرابتي، وفي«الفصيح»: ذو قرابتي للواحد، وذو قرابتي للاثنين، وذو قرابتي للجمع، والقرابة والْقُرْبَى في الرحم، وفي«الصحاح»: والقرابةُ: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدرٌ، تقول: بيني وبينه قرابةٌ، وقُرْبٌ، وقُرْبَى، ومَقْربة، ومقربة، وقُرْبة، وقُرُبة، بضم الراء، وهو قربى، وذو قرابتي، وهم أقربائي، وأقاربي، والعامة تقول: هو قرابتي، وهم قراباتي. انتهى.

١١. راجع:«الفتح»٧/ ١١ - ١٢«كتاب الوصايا»رقم (٢٧٦٩).

١٢. «المفهم »٣/ ٤١.

١٣. «الفتح»٧/ ٩«كتاب الوصايا»رقم (٢٧٦٩).

١٤. راجع:«الفتح» ٧/ ١٠.