HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٣٤

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جميعا عَن جَرِيرٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ. وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ. وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ. لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص90
ج ٢ ص ٧١٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٥٧٩
ومُحصّل ما في الآثار المتقدّمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة، والمانعة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والحاصل أن المذهب الحقّ في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة؛ لوضوح دليله، وأما العكس فلا يؤيّده النقل، بل يدفعه، ويبطله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٨٦] (١٠٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٤ - (يَحْيى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل باب. ٥ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. ٦ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. ٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة أم المؤمنين -﵂-، صحابيّ أسلم يوم الفتح، وصَحِبَ، وله (٧٤) سنةً، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٨/ ٣٣٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، وأحمد بن عبدة، فما أخرج له البخاريّ، وغير عمرو بن عثمان، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول والثالث بصريّان، كيحيى، والثاني بغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ممن عاش (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهليّة، ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ نَابِغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ ٦ - (ومنها): أنه أيضًا وُلِد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً ولا إسلامًا، كما قال السيوطيّ ﵀ أيضًا في ألفيتّه المذكورة: ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ التيميّ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) -﵁- (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) جملة من مبتدأ وخبره؛ أي إن أفضل صدقة المرء ما وقع من غير حاجة إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته. وقد جاء ما يوضّح المراد بقوله:«أفضل الصدقة عن ظهر غنى إلخ»-كما قال النسائيّ ﵀- فيما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان والحاكم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:«تصدَّقُوا»، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينارٌ، قال:«تصدق به على نفسك»، قال: عندي آخر، قال:«تصدق به على زوجتك»، قال: عندي آخر، قال:«تصدق به على ولدك»، قال: عندي آخر، قال:«تصدق به على خادمك»، قالى: عندي آخر، قال:«أنت أبصر». وقال النوويّ ﵀: معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبُها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يَعتمده صاحبها، ويَستظهر به على مصالحه وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يَندَم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، وَيوَدّ أنه لم يتصدق، بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها، بل يُسَرّ بها. قال: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه. وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-. (وَالْيَدُ الْعُلْيَا) تقدّم في الحديث الماضي أن الصحيح في تفسيرها أنها المنفقة (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) تقدّم أيضًا أن الأصحّ أنها السائلة (وَابْدَأْ) في العطاء (بِمَنْ تَعُولُ») أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجلُ أهلَه عَوْلًا، من باب قال: إذا مانَهُم؛ أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة، وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم. وقد جاء تفسير من يعولهم فيما أخرجه النسائيّ من حديث طارق بن عبد الله المحاربيّ -﵁- بإسناد حسن، عنه قال: قَدِمنا المدينة، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول:«يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمَّك، وأباك ، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك». هكذا أورده النسائيّ مختصرًا. وقد أخرجه الدارقطنيّ في«سننه»(٣/ ٤٤ - ٤٥) مطوّلًا، فقال: حدّثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شدّاد، عن طارق بن عبد الله المحاربيّ، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته:«يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا وهي لغة مشهورة، كما قال ابن مالك في«الخلاصة»: … ... … ... … ... … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطّلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمة عبد العزّى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظَعِينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ؛ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلّم علينا، فرددنا عليه، فقال: «من أين أقبل القوم؟»، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: «تبيعوني جملكم؟»، قلنا: نعم، قال: «بكم؟»، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: «قد أخذته»، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول الله -ﷺ- إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك»، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: «ألا لا يجني والد على ولده» انتهى . [تنبيه]: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختُلِف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا وذكرانًا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب، وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى . قمال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق المسألة في محله من «كتاب النفقات» -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٦] (١٠٣٤)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٢٧)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٢٥٤٣) و«الكبرى» (٢٣٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٠٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٤٧٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣١٢٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون أفضل الصدقة إذا حصلت بعد كفاية النفس ومن تجب نفقته. ٢ - (ومنها): بيان كون اليد العليا -وهي المنفقة- خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة- كما سبق تمام البحث فيه. ٣ - (ومنها): أن فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة بخلاف نفقة غيرهم. ٤ - (ومنها): بيان الابتداء بالأهمّ، فالأهمّ في الأمور الشرعيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه الأمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله -ﷺ-: «عن ظهر غنى»: قال في «الفتح»: معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته. قال الخطابيّ: لفظ الظهر يَرِدُ في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى: أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: «وابدأ بمن تعول». وقال البغويّ: المراد غِنًى يَستَظهِر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قولُهُم: رَكِبَ متن السلامة، والتنكير في قوله: «غِنًى» للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة. وقيل: «عن» للسببية، والظهر زائد؛ أي خير الصدقة ما كان سببها غِنًى في المتصدق . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»: أي ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس، وحقوق العيال. وقال الخطّابيّ: أي متبرّعًا، أو عن غئًى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]، وقد روي أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيفٌ، فنَوّمَ صبيانه، وأطفأ السّراج، وآثر الضيف بقوْتهم ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]. أي على شدّة الحاجة إليه، والشهوة له، ولا شكّ أن صدقةَ مَن هذه حاله أفضل. وفي حديث أبي ذرّ -﵁-: «أفضل الصدقة جهد مقلّ» ، وفي حديث أبي هريرة -﵁-: «سبق درهم مائة ألف …» . فقد أفاد مجموع ما ذكرنا أن صدقة المؤثر، والمقلّ أفضل، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى، وبين قوله:«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» على تأويل الخطّابيّ، فأما على ما أوّلنا به الغنى، فيرتفع التعارض. وبيانه أن الغِنَى يُعنى به في الحديث حصول ما تُدفع به الحاجة الضروريّة، كالأكل عند الجوع المشوّش، الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدّق، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره بذلك أدّى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كلّ حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضلَ؛ لأجل ما يتحمّل من مضض الفقر، وشدّة مشقّته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجّه به القرطبيّ ﵀ هذا الحديث حسنٌ جدًّا، حيث تجتمع به الأدلّة، ويندفع به التعارض بينها. وحاصله أن المراد بالغنى في قوله: «ما كان عن ظهر غنى» الغنى الذي يقوم معه على حقوق نفسه، وحقوق العيال، من دفع الحاجات الضروريّة التي لا بدّ للإنسان، كالأكل من جوع، واللبس من عري، ونحوهما، فما كان بعد ذلك من الصدقة، فهو أفضل؛ للنصوص التي وردت في مدح الإيثار، وإن كان معه نوع احتياج، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التصدّق مع الحاجة إلى المال: قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: ومن تصدّق، وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دين، فالدين أحقّ أن يُقضَى من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردّ عليه، ليس له أن يُتلِفَ أموال الناس، قال النبيّ -ﷺ-: «من أخذ أموال الناس يُريد إتلافها أتلفه الله»، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصةٌ، كفعل أبي بكر -﵁- حين تصدّق بماله. وكذلك آثر الأنصار المهاجرين. ونهى النبيّ -ﷺ- عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب بن مالك -﵁-: قلت: يا رسول الله، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله -ﷺ-، قال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك»، قلت: أُمسِك سهمي الذي بخيبر. انتهى كلام البخاريّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: قد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه. وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: من تصدّق بماله كلّه في صحّة بدنه وعقله، حيث لا دينَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا، فهو جائزٌ، فإن فُقد شيء من هذه الشروط كُرِه، وقال بعضهم: هو مردودٌ. ورُوي عن عمر -﵁-، حيث رَدّ على غيلان الثقفيّ قسمة ماله. ويمكن أن يُحتجّ له بقصّة المدبّر، الذي أخرجه الشيخان، عن جابر -﵁-، قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة، عبدًا له، عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فقال: «ألك مال غيره؟»، فقال: لا، فقال رسول الله -ﷺ-: «من يشتريه مني؟»، فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول الله -ﷺ-، فدفعها إليه، ثم قال: «ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك». وفي لفظ للبخاريّ: «أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج …» الحديث.
مصادر المؤلف (١٢)

١. فتح ٤/ ٤٩ - ٥٠.

٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٢٥.

٣. هكذا الرواية«أباك»، فيَحْتَمِل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف؛ أي أعني أمّك إلخ، أو منصوبًا على نزع الخافض؛ أي بأمّك إلخٍ، وَيحْتَمِل أن يكون مجرورًا بدلًا من قوله«من تعول»، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير: وهم أمّك إلخ، فعلى الوجهين الأخيرين يكون قوله«وَأَبَاكَ»-ومثله«أخاك»- مقصورًا معربًا على الألف، على حدّ قول الشاعر:

٤. «سنن الدارقطنيّ» ٣/ ٤٤ - ٤٥.

٥. «الفتح» ١٢/ ٢٥٥ كتاب «النفقات» رقم (٥٣٥٦).

٦. «الفتح» ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦.

٧. أخرجه البخاريّ في «صحيحه» في تفسير سورة الحشر.

٨. حديث صحيح أخرجه النسائيّ، بلفظ «فأيّ الصدقة أفضل؟ قال»جهد المقلّ«.

٩. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ وغيره.

١٠. «المفهم» ٣/ ٨٠ - ٨١.

١١. راجع: «صحيح البخاريّ» ٤/ ٤٥ بنسخة «الفتح».

١٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٢٥.