HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٣٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ. حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ. إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ. فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ ﷿. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يقول: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يشبع».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص94
ج ٢ ص ٧١٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٥٩٩
٥ - (ومنها): بيان أن اليد العليا، وهي المنفقة خير من اليد السفلى، هي السائلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٨٩] (١٠٣٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ، إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللهِ ﷿، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٦٠. ٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمر، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له إفرادات [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيُّ) -بفتح الياء التحتانيّة، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، بعدها موحّدة- هو: عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليَحْصَبيّ المقرئ الدمشقيّ، أبو عمران، وقيل: أبو عبيد الله، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو نعيم، وقيل: أبو عثمان، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو موسى، والأول أصحّ، ثقة [٣]. قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب، وقرأ عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وأبو عبيد الله مسلم بن مِشْكَم، ويحيى بن الحارث الذِّمَاريّ، ورَوَى عن معاوية، والنعمان بن بشير، وأبي أمامة، وفَضَالة بن عُبيد، وواثلة بن الأسقع، وأبي إدريس الخولانيّ، وقيس بن الحارث الغامديّ الْمَذْحِجيّ. ورَوَى عنه أخوه عبد الرحمن، وربيعة بن يزيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وجعفر بن ربيعة، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ، وغيرهم. قال الهيثم بن عمران: كان عبد الله بن عامر رئيس أهل المسجد زمانَ الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حِمْيَر، وكان يُغْمَز في نسبه، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: أحسبه الذي رَوَى عن أبي أيوب، وقال أبو عمرو الدانيّ: وَلي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء، ثم كان على مسجد دمشق، لا يَرَى فيه بدعة إلا غَيَّرها، وكان عالمًا قاضيًا صدوقًا، اتخذه أهل الشام إمامًا في قراءته واختياره. وقال محمد بن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وكان قليل الحديث، وقال يحيى بن الحارث الذِّمَاريّ: وُلد سنة (٢١) في أولها، ومات في أول عاشوراء من المحرم سنة (١١٨) وفيها أَرَّخه غير واحد، ورُوي عن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المزنيّ أنه قال: وُلد عبد الله بن عامر سنة (١٨) من الهجرة، وكان له يوم مات مائة وعشر سنين. تفرّد به المصنّف وله عنده هذا الحديث فقط، والترمذيّ، وله عنده قوله -ﷺ-: «يا عثمان لعلّ الله يُقَمِّصك بقميص …» الحديث. ٦ - (مُعَاوِيةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «الصلاة» ٨/ ٨٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين من معاوية بن صالح. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وقد تولى الخلافة أربعين سنة، وكان قبلها أميرًا عشرين سنة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ) بفتح الياء والصاد، هو أحد القرّاء السبعة، وقد ذكره الشاطبيّ ﵀ بقوله: وَأَمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنِ عَامِرٍ … فَتِلْكَ بِعَبْدِ اللهِ طَابَتْ مُحَلَّلَا [تنبيه]: «الْيَحْصَبِيّ» بضمّ الصاد، وفتحها: منسوب إلى بني يحصب، هكذا قال النوويّ ﵀. وقال في «اللباب»: «الْيَحْصبيّ» بفتح الياء، وسكون الحاء، وكسر الصاد المهملة، وقيل: بضمّها، وكسر الموحّدة، هذه النسبة إلى يحصب، وهي قبيلة من حِمْيَر، وهو يحصب بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن غوث، ويُنسب إليهم خلق كثير، وأكثرهم نزلوا الشام ومصر. انتهى . وقال في «القاموس»: وَيحْصُب مثلّثة الصاد: حيّ باليمن، والنسبة مثلّثة أيضًا، لا بالفتح فقط، كما زَعَم الجوهريّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن اليحصبيّ مثلّث الصاد، وليس مقصورًا على الضمّ والفتح، كما صرّح به النوويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) قال في «العمدة»: فيه حذف المسموع؛ لأن المسموع هو الصوت، لا الشخص، قال الزمخشريّ: تقول: سمعت رجلًا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يُسْمَع، أو جعلته حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف، أو الحال لم يكن منه بُدٌّ أن يقال: سمعت قول فلان. انتهى . وقوله: (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من «معاوية» (إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ) هكذا هو في أكثر النسخ «وأحاديث» بالتنكير، وفي بعضها: «والأحاديث» بالتعريف، وكلاهما صحيحان. [تنبيه]: قوله: «إياكم وأحاديث» هو النوع المسمّى عند النحاة بالتحذير، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بعامل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياكم أُحَذّر، ودعوا أحاديث، وقيل في التقدير غير ذلك، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» حيث قال: «إِيَّاكَ وَالشَّرَّ» وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ «الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي» (إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁-، ثمّ بيّن سبب استثنائه الحديث الذي كان في زمن عمر -﵁- بقوله: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي لأن (عُمَرَ) -﵁- (كَانَ يُخِيفُ) بضمّ أوله، من الإخافة (النَّاسَ) منصوب على المفعوليّة (فِي اللهِ ﷿) قال النوويّ ﵀: مراد معاوية -﵁- النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبّت لَمّا شاع في زمنه من التحديث عن أهل الكتاب، وما وُجِد في كتبهم حين فُتِحَت بلدانهم، وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر -﵁-؛ لضبطه الأمر، وشدّته فيه، وخوف الناس من سَطْوته، ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث، وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرّت الأحاديث، واشتهرت السنن. انتهى . (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جزم بها«يُرِدْ»، و«يُفَقِّهْهُ»؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء (يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي منفعةً، وهو ضدُّ الشرّ، وهو هنا اسم، وليس بأفعل تفضيل، وإنما نكّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: مَن يرد الله به جميع الخيرات، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك، كما في قول الشاعر: لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ أي حاجبٌ عظيم، ومانعٌ قويّ. (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ») بجزم «يُفقّهه» على أنه جواب الشرط؛ أي يجعله فقيهًا في الدين، والفقه لغة الفهم، وعُرفًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغويّ؛ ليتناول فهم كل علم من علوم الدين. وقال الحسن البصريّ: الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، والبصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه. وقال في «اللسان»: الفقه: العلم بالشيء، والفهم له، وغَلَب على علم الدين؛ لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النَّجْم على الثُّرَيّا، والْعُود على الْمَنْدَل، قال ابن الأثير: واشتقاقه من الشِّقِّ والْفَتْح، وقد جعله العرف خاصًّا بعلم الشريعة -شرّفها الله تعالى- وتخصيصًا بعلم الفروع منها، وقال غيره: والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقهًا في الدين؛ أي فَهْمًا فيه، قال الله عز جل: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ أي ليكونوا علماء به. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «يُفَقِّهْهُ»: أي يُفَهِّمه، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَهَ بالفتح: إذا سبق غيرَهُ إلى الفهم، وفَقِهَ بالكسر: إذا فَهِمَ، ونَكَّر «خيرًا»؛ ليشمل القليل والكثير، أو التنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين؛ أي يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِمَ الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية -﵁- من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: «ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به»، والمعنى صحيحٌ؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحُّ أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى . قال معاوية -﵁-: (وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا) من أدوات الحصر (أَنَا) مبتدأ، وخبره قوله: (خَازِنٌ) اسم فاعل، من خَزَنَ المال، من باب نصر: إذا أحرزه. وفي الرواية الآتية:«وإنما أنا قاسم، والله يُعطي»، ومعناه: أن المعطي حقيقةً هو الله تعالى، ولست أنا معطيًا، وإنما أنا خازنٌ على ما عندي، ثم أَقْسِم ما أُمِرت بقسمته على حسب ما أُمرت به، فالأمور كلها بمشيئه الله تعالى وتقديره، والإنسان مُصَرَّفٌ مربوب، قاله النوويّ ﵀ . وقال في«العمدة»: فيه«إنما» التي تفيد الحصر، والمعنى: ما أنا إلَّا قاسمٌ. [فإن قلت]: كيف يصحّ هذا، وله -ﷺ- صفات أخرى، مثل كونه رسولًا، ومبشرًا، ونذيرًا؟. [أجيب]: بأن الحصر بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقامٍ كان السامع معتقدًا كونه معطيًا، وإن اعتقد أنه قاسمٌ، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السامع، لا كلَّ صفة من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معطٍ لا قاسمٌ، فيكون من باب قصر القلب؛ أي ما أنا إلَّا قاسمٌ؛ أي لا معطٍ، وإن اعتقد أنه قاسمٌ ومعطٍ أيضًا، فيكون من قصر الإفراد؛ أي لا شَرْكة في الوصفين؛ أي بل أنا قاسم فقط. ومعناه: أنا أَقْسِم بينكم، فأُلقي إلى كل واحد ما يليق به، والله يُوَفِّق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه. وقال التوربشتيّ ﵀: اعلم أن النبيّ -ﷺ- أعلم أصحابه أنه لم يُفَضِّل في قسمة ما أوحى الله إليه أحدًا من أمته على أحد، بل سوَّى في البلاغ، وعَدَلَ في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة -﵃- يسمع الحديث، فلا يفهم منه إلّا الظاهر الجليّ، ويسمعه آخر منهم، أو من بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال الشيخ قطب الدين ﵀ في «شرحه»: قوله: «إنما أنا قاسم»؛ يعني أنه لم يستأثر بشيء من مال الله، وقال النبيّ -ﷺ-: «ما لي بما أفاء الله عليكم إلَّا الخمس، وهو مردود عليكم»، وإنما قال: «أنا قاسم»؛ تطييبًا لنفوسهم؛ لمفاضلته في العطاء، فالمال لله، والعباد لله، وأَنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده. قال العينيّ ﵀: بين الكلامين بَوْنٌ؛ لأن الكلام الأول يُشْعِر القسمة في تبليغ الوحي، وبيان الشريعة، وهذا الكلام صريح في قسمة المال، ولكل منهما وجه. أما الأول: فإن نَظَر صاحبه إلى سياق الكلام، فإنه أخبر فيه أن من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين؛ أي في دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقيل: الفقهُ في الدين: الفقهُ في القواعد الخمس، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية، ثم لما كان فقههم متفاوتًا؛ لتفاوت الأفهام أشار إليه النبيّ -ﷺ- بقوله: «إنما أنا قاسم»؛ يعني أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني هو القسمة بينكم؛ يعني تبليغ الوحي إليهم، من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته؛ لأن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء. وأما الثاني: فإن نَظَر صاحبه إلى ظاهر الكلام؛ لأن القسمة حقيقةً تكون في الأموال، ولكن يتوجه هنا السؤال عن وجه مناسبة هذا الكلام لما قبله، ويمكن أن يجاب عنه بأن مَوْرِد الحديث كان وقت قسمة المال حين خصص -ﷺ- بعضهم بالزيادة؛ لحكمة اقتضت ذلك، وخَفِيت عليهم، حتى تَعَرَّض بعضهم بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فرَدّ عليهم النبيّ -ﷺ- بقوله: «من يرد الله به … إلخ»؛ يعني من أراد الله به خيرًا يوفقه، ويزيد له في فهمه في أمور الشرع، ولا يعترض لأمر ليس على وفق خاطره؛ إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبيّ -ﷺ- قاسم، وليس بمعطٍ حتى يُنْسَب إليه الزيادة والنقصان، وعن هذا فَسَّر أصحاب الكلام الثاني قوله -ﷺ-: «والله يعطي» بقولهم: أي مَن قسمت له كثيرًا فبقدر الله تعالى، وما سبق له في الكتاب، وكذا من قسمت له قليلًا فلا يزداد لأحد في رزقه، كما لا يزداد في أجله. وقال الداوديّ ﵀: في قوله: «إنما أنا قاسم، والله يعطي» دليل على أنه إنما يعطي بالوحي، ثم قال في آخر كلامه: إن شأن أمته القيامُ على أمر الله إلى يوم القيامة، وهم الذين أراد الله بهم خيرًا حتى فَقِهُوا في الدين، ونصروا الحقّ، ولم يخافوا ممن خالفهم، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. انتهى . (فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ) بحذف المفعول الثاني؛ أي المالَ (عَنْ طِيبِ نَفْسٍ) أي طيب نفسه -ﷺ-، وانشراح صدره لما أعطاه؛ يعني أنه لم يُعطه كارهًا (فَيُبَارَكُ) بالبناء للمفعول؛ أي يجعل الله تعالى البركة. [تنبيه]: دخول الفاء على المضارع إذا وقع جواب شرط جائزٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] ويكون الفعل مرفوعًا، بتقدير مبتدأ، والجملة جواب الشرط ؛ أي فهو يبارك له فيه، وفي رواية الطبرانيّ: «فإنه يبارك له فيه» (لَهُ) أي للشخص الْمُعْطَى (فِيهِ) أي في ذلك المال الذي أعطاه -ﷺ- له (وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ) «عن» هنا بمعنى «بَعْد»؛ أي بعد مسألته، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]؛ أي بعد قليل، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦ والمائدة: ١٣] أي بعد مواضعه، بدليل قوله في مكان آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]؛ أي حالًا بعد حال، وقول الشاعر [من الرجز]: وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَنْ مَنْهَلِ … قَفْرٍ بِهِ الأَعْطَانُ لَمْ تُسَهَّلِ (وَشَرّهٍ) بفتحتين؛ أي شدّة حرص، يقال: شَرِهَ على الطعام وغيره شَرَهًا، من باب تَعِبَ، حَرَصَ أشدّ الحرص، فهو شَرِهٌ . (كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ») قيل: هو الذي به داء لا يَشبع بسببه، وقيل: المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية، والأول الأصحّ، وقد تقدّم بيانه. زاد في رواية الطبرانيّ في آخر هذا الحديث: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يقول:«لا تَزَالُ أُمَّةٌ من أُمَّتِي قَائِمَةً على أَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ، وَلا من خَذَلَهُمْ، حتى يَأْتِيَ اللهُ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ على الناس»، وقد تقدّم معنى هذه الزيادة للمصنّف في«كتاب الإيمان»، من حديث جابر -﵁-، ومضى الكلام عليها، وستأتي أيضًا في«كتاب الإمارة»من حديث معاوية، وغيره، وسنتكلّم عليها هناك -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٨٩] (١٠٣٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٩٧ و٩٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٨/ ١٩٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ١٠٦)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٩/ ٣٧٠ و٣٧١) و«مسند الشاميين»(٣/ ١٢٩)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١٣/ ٣٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شدّة معاوية -﵁- حيث كان يُحذّر الناس من التحديث بالأحاديث التي لا يعتني بحفظها الناس، ولا يبالون ممن أخذوا؛ لئلا يقعوا في الكذب على رسول الله -ﷺ-، وحثّهم على التحديث بما كان في أيام
مصادر المؤلف (١٢)

١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٤٦٢.

٢. «القاموس المحيط» ١/ ٥٥.

٣. «عمدة القاري»٢/ ٥٠.

٤. «شرح النووي»٧/ ١٢٧ - ١٢٨.

٥. «لسان العرب» ١٣/ ٥٢٢.

٦. «الفتح» ١/ ٢٩٠ كتاب «العلم» رقم (٧١).

٧. «شرح النوويّ» ٧/ ١٢٩.

٨. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ٥١ - ٥٢.

٩. راجع: «حاشية الخضري على ابن عقيل» ٢/ ١٩٠.

١٠. راجع:«مغني اللبيب»١/ ٢٩٨.

١١. «المصباح المنير»١/ ٣١٢.

١٢. «المعجم الكبير» ١٩/ ٣٧٠.