HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٥٠

حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. فَدَخَلَ عليه ثلاثمائة رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ. فَاتْلُوهُ. وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ. كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً. كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ. فَأُنْسِيتُهَا. غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا. وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ. كنا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ. فَأُنْسِيتُهَا. غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون﴾. فتكتب شهادة في أعناقكم. فتسألون عنها ييوم القيامة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص100
ج ٢ ص ٧٢٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٥٣
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ) أي ابن حرب شيخه الأول (قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ؟) أي قال عطاء: «فلا أدري إلخ» (لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسِ) يعني أنه جعله من كلام عطاء، والصواب أنه من كلام ابن عبّاس -﵄-، كما قال هارون بن عبد الله، وقد رواه البخاريّ عن محمد بن سلام، عن مخلد، عن ابن جريج، فقال: قال ابن عبّاس …، فذكره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٨] (١٠٤٩)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٤٣٦ و٦٤٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٣١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ٤٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣/ ٢٤٧) و«مسند الشاميين» (٣/ ٣١٤)، و(إسحاق ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٤٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٦٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٠٩٠)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (٣/ ٣٢٤)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤١٩] (١٠٥٠) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدِّةِ بِبَرَاءَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ»، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (أَبُو حَرْبِ بْنُ أَيِي الْأَسْوَدِ) الدِّيليّ البصريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي ذَرٍّ والصحيح عن أبيه، وعن عمة، وعن مِحْجن عنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن فَضَالة الليثيّ، وعُمير بن يَثْرِبي قاضي البصرة، وعبد الله بن قيس البصريّ. وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والقطان، وعثمان بن عمير البجليّ، وعثمان بن قيس البجليّ، وسيف بن وهب، وابن جريج، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة، وقال: كان معروفًا، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال هو وعمرو بن عليّ: مات سنة تسع ومائة، وقال خليفة في «الطبقات»: إن اسمه كنيته، وذكر أنه مات سنة ثمان ومائة، وذكر عبد الواحد بن علي في «أخبار النحاة» عن أبي حاتم السجستانيّ قال: تعلّم النحو من أبي الأسود ابنُهُ عطاء، فإن صح هذا فيَحْتَمِلُ أن يكون هو اسم أبي حرب؛ لأنهم لم يذكروا لأبي الأسود ولدًا غيره، وقال ابن قتيبة: كان أبو حرب شاعرًا عاقلًا ولاه الحجاج جَوْخَى ، فلم يزل عليها حتى مات الحجاج، وقال ابن عبد البرّ في «الكنى»: هو بصريّ ثقةٌ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في «خصائص عليّ»، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أَبُوهُ) أبو الأسود الدِّيليّ، أو الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وقيل: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل غير ذلك، ثقةٌ فاضل مخضرم [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤. ٦ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور -﵁-، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصتف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، والابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) الدّيليّ أنه (قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) -﵁- (إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أي أرسل إليهم ليجتمعوا إليه، فيَعِظَهم (فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ) وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج:»جمع أبو موسى القرَّاء، فقال: لا تدخلوا عليّ إلا من جمع القرآن، قال: فدخلنا عليه زُهاء ثلاثمائة رجل، فوعظنا … «(فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أي أفضلهم، وأرفعهم درجة عند الله بسبب عنايتكم بالقرآن، فقد أخرج البخاريّ في»صحيحه«عن عثمان بن عفّان -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال:»خيركم من تعلّم القرآن، وعَلَّمه«. وفي رواية أبي نعيم المذكورة:«وقال: أنتم قرّاء أهل البلد». (وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ) أي اقرؤوا القرآن، مِن تلا القرآن تلاوةً: إذا قرأه، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: اتّبعوه، واعملوا بما فيه، مِن تلا الرجلَ يتلوه تُلُوًّا، على فُعُول: إذا تبعه . (وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ) بفتحتين: أي الزمن (فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ) بنصب«تقسوَ»بـ«أن»مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النهي، كما قال في«الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ«أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ قال القرطبيّ ﵀: يعني به: لا تستطيبوا مُدّة البقاء في الدنيا؛ فإن ذلك مُفسد للقلوب بما يجرّه إليها من الحرص والقسوة حتى لا تلين لذكر الله، ولا تنتفع بموعظة، ولا زجر. انتهى . (كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم السابقة: اليهود والنصارى، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٦]. قال الإمام ابن كثير ﵀ في «تفسيره»: يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه، وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه. أخرج مسلم في «صحيحه» من طريق عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود -﵁- قال: كان ما كان بين إسلامنا، وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية إلا أربع سنين. وقال سفيان الثوريّ، عن المسعوديّ، عن القاسم، قال: مَلّ أصحاب رسول الله -ﷺ-، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] قال: ثم مَلّوا مَلّةً، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، الآية [الزمر: ٢٣]، ثم مَلُّوا ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذُكِر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله -ﷺ- قال: «إن أول ما يُرفع من الناس الخشوع» . وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نَهَى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمِّلوا الكتاب من قبلهم، من اليهود والنصارى، لَمّا تطاول عليهم الأمد بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلّدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] أي في الأعمال فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١٣] أي فسدت قلوبهم، فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي امروا بها، وارتكبوا ما نُهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية. وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن الربيع بن عَمِيلة الفزاريّ، قال: حدّثنا عبد الله بن مسعود حديثًا ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئًا من كتاب الله، أو شيئًا مما قاله النبيّ -ﷺ- قال: «إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، اختَرَعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، واستلذّته، وكان الحقّ يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندعو بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كَرِه أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عَمَدَ ما يَعْرِف من كتاب الله، فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن، ثم عَلَّق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلانًا، فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه، فدَعَوا فلانًا ذلك الفقيه، فقالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال؟ وما فيه؟ اعرضوه عليّ، فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بهذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن، فتركوه، فلما مات فتَّشُوه، فوجدوه معلقًا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يُعْرَف من كتاب الله، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابته فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن»، قال ابن مسعود: هانكم أوشك بكم إن بَقِيتم، أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورًا تنكرونها، لا تستطيعون لها غِيَرًا، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره . وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٧] فيه إشارة إلى أن الله تعالى يُلِين القلوب بعد قسوتها، ويَهْدي الْحَيَارى بعد ضِلّتها، ويُفَرّج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الْهَتّان الوابل، كذلك يَهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مُقْفَلة، لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضِلّ لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعّال، وهو الحكيم العدل في جميع الفِعَال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. انتهى . (وَاِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ) وفي رواية أبي نعيم المذكورة: «لقد أنزلت سورة كنّا نشبّهها ببراءة طولًا وتشديدًا، فنسيتها، غير أني قد حفظت منها آية فيها: لو كان لابن آدم …». (فَأُنْسِيتُهَا) بالبناء للمفعول، قال القرطبيّ ﵀: هذا ضرب من النسخ، فإن النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرُب: أحدها: نسخ الحكم، وبقاء التلاوة. والثاني: عكسه، وهو نسخ التلاوة، وبقاء الحكم. والثالث: نسخ الحكم والتلاوة، وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى -﵁-، فإنهما رُفع حكمهما وتلاوتهما، وهذا النحو من النسخ هو الذي ذكره الله تعالى حيث قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضمّ النون، وكسر السين، وكذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن يُنسيه بعد أن أنزله، وهذا لأن الله تعالى فعّالٌ لما يريد، قادرٌ على ما يشاء؛ إذ كلّ ذلك ممكنٌ، ولا يَتَوهّم متوهّمٌ من هذا وشبهه أن القرآن ضاع منه شيءٌ، فإن ذلك باطلٌ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تُعُبِّدنا بتلاوته، وبأحكامه هو ما ثبت بين دَفّتي المصحف، من غير قلادة ولا نقصان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: جعله هاتين السورتين مما نسخ حكمًا وتلاوةً لا يخفى ما فيه، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ»، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ) بصيغة الفاعل؛ أي السور التي في أولها لفظ التسبيح، كـ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، و﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾. وفي رواية أبي نعيم: «وأنزلت سورة كنّا نشبّهها بالمسبِّحات، أولها»سبّح لله«، فنسيتها …». (فَأُنْسِيتهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) هو استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبًا، أو في المستقبل فيكون خُلْفًا، وكلاهما مذموم، وهذا معنى ما في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، وأما في هذا الحديث فإنما يتناول أن يُخبر عن نفسه بشيء فعله فيما مضى، ويتمدّح به فقط، بدليل قوله -ﷺ-: (فَتُكْتَبُ) بالرفع؛ أي فهي تكتب، وَيحْتَمِل أن يكون منصوب بعد الفاء السببيّة، لكن الأول أظهر، كما يدلّ عليه رفع قوله: »فتُسألون«، والله تعالى أعلم. (شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ) ولفظ أبي نعيم: »ثم تسألون« (عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ») هو معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: قال معمر: وتلا الحسن البصريّ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بُسِطَت لك صحيفتك، وَوُكِّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مُتَّ طُوِيت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابأ تلقاه منشورًا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ الآية، فقد عَدَلَ والله مَن جعلك حسيب نفسك، قال ابن كثير -﵁-: هذا من أحْسَن كلام الحسن ﵀. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «قد حفِظت منها».

٢. «جَوْخَى» كسكرَى: اسم موضع. اهـ. «ق».

٣. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٧٦.

٤. «المفهم» ٣/ ٩٣.

٥. صححه الشيخ الألباني ﵀ من حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- في «صحيح موارد الظمآن» (١٤٦٢).

٦. صححه الشيخ الألباني ﵀ من حديث أبي الدرداء وشداد بن أوس -﵄- في «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٤٢ - ٥٤٣).

٧. صححه الشيخ الألبانيّ ﵀ في «السلسلة الصحيحة» برقم (٢٦٩٤) وقال: في حكم المرفوع.

٨. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣١١ - ٣١٢.

٩. «المفهم» ٣/ ٩٣ - ٩٤.

١٠. وفي نسخة: «قد حفِظت منها».

١١. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٢٩.