HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٥٩

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يونس عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأنْصَارِ قَالُوا، يَوْمَ حُنَيْنٍ، حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أموال هوازان مَا أَفَاءَ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ. الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ. يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ!. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنْ قَوْلِهِمْ. فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ. فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ. يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ. أَتَأَلَّفُهُمْ. أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ! لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» فَقَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَضِينَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً. فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ». قَالُوا سنصبر.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص105
ج ٢ ص ٧٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٢٨
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، يَعْنِي حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثمَّ قَالَ: «أَقِتَالًا أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٢/ ٣٨٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنىّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقةٌ [٣] (خ م مد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٢/ ٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ قَالَ: «أَقِتَالًا) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و»قتالًا«بالتاء من القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: أتقاتلني قتالًا. وفي رواية البخاريّ:«ثم قالْ أَقْبِلْ أي سعد»، أمر من الإقبال، أو القبول، قاله في«الفتح». وقوله: (أَيْ سَعْدُ)«أي» حرف نداء؛ أي يا سعد. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣٦] (١٠٥٩) - (حَدَّثَنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُناسًا مِنَ الْأنصَارِ، قَالُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أفاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا، ويَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟»، فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأنصَارِ: أمَّا ذَوُو رَأيِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإنِّي أُعْطِي رِجَالًا، حَدِيثى عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أتألَّفُهُمْ، أفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ رَضِينَا، قَالَ: «فَإنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ»، قَالُوا: سَنَصْبِرُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يُونسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَن أُنَاسًا) المراد بعض الأناس، وهم قومٌ حديثة أسنانهم، فلم يرسخ الإيمان في قلوبهم، كما يدلّ عليه قولهم الآتي: «فقال فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منّا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله - ﷺ - …». وقوله: (مِنَ الْأنصَارِ) جمع ناصر، أو نصير، واللام فيه للعهد، والمراد أنصار رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون قبل الإسلام بأبناء قَيْلَةَ، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبيّ - ﷺ - الأنصار، فصار عَلَمًا لهم، ونَزَلَ القرآن بمدحهم، وقد أُطلق على أولادهم، وحلفائهم ومواليهم، وإنما فازوا بهذه المنقبة؛ لأجل إيوائهم النبىّ - ﷺ -، ونصرته، حيث تبوؤوا الدار والإيمان، وجعلوه مُسْتَقَرًّا ومُتَوَطَّنًا لهم؛ لتمكنهم منه، واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فكان ذلك موجبًا لمحبّتهم، فكانت محبّتهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقد أخرج الشيخان عن أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»، فسبحان من يختصّ برحمته من يشاء، اللهمّ اختصّنا بفضلك ورحمتك، وأنت أرحم الراحمين. (قَالُوا) مقول القول قوله الآتي: «يغفر الله لرسول الله - ﷺ -»، وما بينهما اعتراض (يَوْمَ حُنَيْنٍ) بصيغة التصغير؛ أي يوم غزوة حُنَين، وهو: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، وقصّة حنين أن النبيّ - ﷺ - فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هَوَازن وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نَخْلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا، وتبعت خيل رسول الله - ﷺ - مَن سَلَك نَخْلَة، ويقال: أقام - ﷺ - عليها يومًا وليلة، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغَنِم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أَهَلّ ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهرٌ حرامٌ، ورحل راجعًا، فنزل الْجِعْرانة، وأمر بحبس الغنائم بها، فلما رجع من الطائف وصل إلى الجعرانة في خامس ذي القعدة، وإنما أخّر القسمة رجاءَ أن يُسلموا، وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألف شاة . (حِينَ أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وأصل الفيء الردّ والرجوع، ومنه سُمّي الظل بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئًا؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين؛ إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من المال، فهو بطريق التعدي، فإذا غَنِمَه المسلمون منهم، فكأنه رجع إليهم ما كان لهم. وقوله: (مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ) بيان مقدّم لـ«ما» في قوله: «ما أفاء». و«هَوَازن»: اسم قبيلة من قيس، وهو هوازن بن سعد بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس عيلان، قال الأزهريّ: لا أدري ممّ اشتقاقه، والنسبة إليه هَوَازنيّ؛ لأنه قد صار اسمًا للحيّ، ولو قيل: هَوْزنيّ لكان وجهًا، قاله في «التاج» . (مَا أفَاءَ) «ما» موصولة، والعائد محذوف؛ أي الذي أفاءه؛ أي ردّه الله عليه (فَطَفِقَ) أي شرع، وأخذ، وهو بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ وضَرَبَ طَفْقًا وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، وهو خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طَفِقَ، وطَفَقَ بمراده: ظَفِرَ، وأطفقه الله به، وطَفِقَ الموضعَ، كفرحَ: لَزِمَه، قاله في «القاموس» . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فطَفِق … إلخ» أي جعل، وهي من أخوات «كاد»، إلا أنها متّصلة بالفعل الذي هو خبرها، و«كاد» مقاربة مفارقة. انتهى . (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ) هم المؤلّفة قلوبهم، وقد سَرَدَ أبو الفضل بن طاهر في «المبهات» له أسماء المؤلَّفة، وهم: أبو سفيان بن حرب (س)، وسهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزَّى (س)، وحكيم بن حِزَام، وأبو السنابل بن بَعْكَك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء من قريش. وعُيينة بن حِصْن الفزاريّ، والأقرع بن حابس التميميّ، وعمرو بن الأيهم التميميّ (س) ، والعباس بن مِرداس السّلميّ (س)، ومالك بن عوف النصريّ، والعلاء بن حارثة الثقفيّ، قال الحافظ: وفي ذكر الأخيرين نظرٌ، فقيل: إنهما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة. وذكر الواقديّ في المؤلفة (س) معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأُسيد بن حارثة، ومَخْرَمة بن نوفل (س) وسعيد بن يربوع (س) وقيس بن عديّ (س) وعمرو بن وهب (س) وهشام بن عمرو. وذكر ابن إسحاق مَن كُتب عليه السين، وزاد: النضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم. وممن ذكره فيهم أبو عُمر: سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حُذيفة. وذكر ابن الجوزيّ فيهم: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السهميّ، وعمير بن مِرداس، وذكر غيرهم فيهم: قيس بن مخرمة، وأُحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شَرِيق، وحرملة بن هَوْذة، وخالد بن هَوْذة، وعكرمة بن عامر العبدريّ، وشيبة بن عُمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزوميّ، فهؤلاء زيادة على أربعين نفسًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ. وقوله: (الْمِائَةَ مِنَ الإبِلِ) بنصب «المائةَ» على أنه مفعول ثانٍ لـ «أَعْطَى»، وقوله: (فَقَالُوا) تأكيد لـ «قالوا» السابق أعاده لطول الفصل، فهو كقوله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] أعاد «لَمَا»؛ لما ذُكر؛ أي قال أناس من الأنصار (يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ) - ﷺ - أي حيث أخطأ في زعمهم، فأعطى قريشًا، وتركهم. قال الطيبيّ ﵀: قولهم: «يغفر الله» توطئة وتمهيد لما يَرِد بعده من العِتاب كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]. انتهى. وقوله: (يُعْطِي قُرَيْشًا) جملة حاليّة من «رسول الله»؛ أي حال كونه يُعطي رجالًا من قريش (وَيَتْرُكُنَا) أي لا يُعطينا معهم، وقوله: (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ) جملة حاليّة من الضمير المنصوب، وهو من المقلوب، والأصل: ودماؤنا تقطر من سيوفنا، ويَحْتَمل أن تكون «من» بمعنى الباء الموحّدة، وبالغ في جعل الدم قطّر السيوف، قاله في «الفتح» . وقال في «المرقاة»: قولهم: «وسيوفنا تقطر» بضم الطاء؛ أي والحال أن سيوفنا نحن معاشر الأنصار، تقطُر من دماء كفار قريش، بمحاربتنا إياهم حتى يُسْلِموا. وقال الطيبيّ: قولهم: «وسيوفنا تقطر من دمائهم» من باب قول العرب: عَرَضْتُ الناقةَ على الحوض، وأنشد: لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى … وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا ولا يبعد أن يكون التقدير: وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم، وهو إشعار بقرب قتلهم كفارَ قريش، وإيماءٌ إلى أنهم أولى بزيادة البرّ، فالجملة حالٌ مقررة لجهة الإشكال. انتهى . (قَالَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (فَحُدِّثَ) بضمّ الحاء، وتشديد الدال المكسورة، مبنيًّا للمفعول؛ أي أُخبر (ذَلِكَ) أي ما قاله أناس من الأنصار: «يغفر الله لرسول الله - ﷺ - … إلخ» (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (مِنْ قَوْلهِمْ) متعلّق بحال من اسم الإشارة؛ أي حال كونه من جملة مقولهم (فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ) ببناء الفعل للفاعل؛ أي أرسل النبىّ - ﷺ - رسولًا ليجتمعوا عنده (فَجَمَعَهُمْ) ذلك الرسول، أو أمر - ﷺ - بجمعهم (فِي قُبَّةٍ) أي خيمة (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين؛ أي من جلد (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ) أي أَيُّ شيء خبر عظيم (بَلَغَني عَنْكُمْ؟»، فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأنصَارِ) أي علماؤهم (أمَّا ذَوُو رَأيِنَا) أي أصحاب عقولنا وفهومنا، وفي بعض النسخ: «أما ذوو آرائنا» بالجمع (يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا) أي مما بلغك (وَأمَّا أُنَاسٌ) أي جماعة (مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ) أي جديدةٌ أسنانهم، جمع سِنّ، بمعنى العمر، والمراد منهم الشبان (قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ) - ﷺ - (يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإنِّي أُعْطِي رِجَالًا) حذف المفعول الثاني؛ أي من هذا المال (حَدِيثى عَهْدٍ بِكُفْرٍ) أي قريبي زمن بكونهم كفّارًا (أتألَّفُهُمْ) جملة حاليّة؛ أي حال كوني تألّفًا لهم؛ أي طالبًا إلفتهم بالإسلام بإعطاء المال، لا لكونهم من قريش، أو لغرض آخر من الأحوال. (أفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ) أي غيركم من المتألَّفة قلوبهم (بِالْأَمْوَالِ) أي بالغنائم التي أُعطوها (وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل، بفتح، فسكون: أي منازلكم في المدينة (بِرَسُولِ اللهِ) - ﷺ - (فَوَاللهِ لَمَا) بفتح اللام، وهي الموطّئة للقسم، و«ما» موصولة؛ أي للّذي (تَنْقَلِبُونَ بهِ) أي ترجعون به إلى رحالكم، وهو رسول الله - ﷺ - (خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ«) أَي من المال؛ لأنه عرض الحياة الدنيا الفانية، ورسول الله - ﷺ - ذُخر وكنز عظيم يبقى في الدنيا والآخرة (فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي بلى إن الذي ننقلب به خير من الذين ينقلبون به (قَدْ رَضِينَا) أي رضينا بك عِوَضًا من المال، وفيه تأكيد لما فُهِم من»بلى«، وما أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا … لَنَا عِلْمٌ وَلِلأعْدَاءِ مَالُ فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ … وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ (قَالَ) - ﷺ - («فَإنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً شَدِيدَةً) »الأَثَرَةُ« -بضم الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، وبفتحتين- وهو اسم من آثر يؤثر إيثارًا: إذا أعطى، قال ابن الأثير ﵀: أراد أنه يُؤثَر عليكم، فيُفَضَّل غيركم من نصيبه من الفيء، ويُرْوَى إِثْرةً -بكسر أوله، مع الإسكان- وهو الانفراد بالشيء المشترَك دون من يشاركه فيه، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: والمعنى أنه يُستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق، وقال أبو عبيد: معناه يُفَضَّل نفسه عليكم في الفيء، وقيل: المراد بالأثرة الشِّدّة، ويرده سياق الحديث وسببه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «أثرة شديدة» رُوي عن العذريّ، والطبريّ، وهي روايتنا «أَثَرَةً» بفتح الهمزة والثاء، قال أبو عبيد: أي يُستأثَر عليكم، فيُفَضِّل غيركم نفسَهُ عليكم في الفيء، والأثرة: اسم من آثر يُؤثر إيثارًا، قال الأعشى: اسْتَأثَرَ اللهُ بِالْبَقَاءِ وبِالـ … ـعَدْلِ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا قال: وسمعت الأزهريّ يقول: الأثرة: الاستئثار، والجمع الأَثَر، وعند أبي بحر في هذا الحرف بضمّ الهمزة، وسكون الثاء، وأصل الأثْرة: الفضلُ، قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أُثْرةٌ؛ أي فضل، ومعناه قريبٌ من الأول، وقُيّد عن عليّ أبي الحسين بن سراج بالوجهين. انتهى . (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ) ﷿ (وَرَسُولَهُ) - ﷺ -؛ أي يوم القيامة (فَإنِّي عَلَى الْحَوْضِ») أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيَحْصُل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر (قَالُوا: سَنَصْبِرُ) أي على ما يلقانا من الإيثار علينا، ويواجهنا من المكروه، وسيأتي في الرواية التالية قول أنس - ﵁ - في آخر الحديث:«فلم نَصْبِر»، وفي رواية:«فلم يَصْبِروا»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٣٦ و٢٤٣٧ و٢٤٣٨ و٢٤٣٩ و٢٤٤٠ و٢٤٤١ و٢٤٤٢] (١٠٥٩)، و(البخاريّ) في«فرض الخمس»(٣١٤٧) و«مناقب الأنصار»(٣٧٧٨) و«المغازي»(٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٣٣ و٤٣٣٤ و٤٣٣٧) و«اللباس»(٥٨٦٠) و«التوحيد»(٧٤٤١)، و(الترمذيّ) في«المناقب»(٣٩٠)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٥/ ٨٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٩٩٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٤/ ٥٢٢)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١٢٠١)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١٥٧ - ١٥٨ و١٦٩ و١٧٢ و١٨٨ و٢٠١ و٢٤٦ و٢٤٩ و٢٧٥ و٢٧٩ - ٢٨٠)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٣٥٩٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ١٢٢ - ١٢٥)، وفي«الحلية»(٣/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٤٧٦٩)، و(الطبرانيّ) في«مسند الشاميين»(٤/ ١٥٣)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنائم. ٢ - (ومنها): بيان إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحقّ عند الحاجة إليه. ٣ - (ومنها): بيان حسن أدب الأنصار - ﵃ - في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نُقِل عنهم إنما كان عن شُبّانهم، لا عن شيوخهم وكهولهم. ٤ - (ومنها): أن فيه مناقبَ عظيمةً للأنصار - ﵃ - لِمَا اشتمل من ثناء الرسول - ﷺ - البالغ عليهم. ٥ - (ومنها): بيان أن الكبير ينبه الصغير على ما يَغْفُل عنه، ويوضِّح له وجه الشبهة؛ ليرجع إلى الحقّ. ٦ - (ومنها): أن فيه المعاتبةَ، واستعطافَ المعاتب، وإعتابه عن عَتْبِه بإقامة حجةِ مَن عَتَبَ عليه، والاعتذار، والاعتراف. ٧ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة؛ لقوله - ﷺ -: «ستلقون بعدي أَثَرَةً»، فكان كما قال. ٨ - (ومنها): وفيه أن للإمام تفضيلَ بعض الناس على بعض في مصارف الفيء. ٩ - (ومنها): أن للإمام أيضًا أن يُعْطِي الغنيّ من الفيء للمصلحة. ١٠ - (ومنها): أن مَن طَلَب حقه من الدنيا لا عَتْبَ عليه في ذلك. ١١ - (ومنها): مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يَحْدُث، سواءٌ كان خاصًّا أم عامًّا. ١٢ - (ومنها): جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة. ١٣ - (ومنها): تسلية من فاته شئ من الدنيا بما حَصَل له من ثواب الآخرة، والحضّ على طلب الهداية والألفة والغنى، وأن المنة لله ﷿ ورسوله - ﷺ - على الإطلاق. ١٤ - (ومنها): تقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها؛ ليُدَّخَر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣٧] (…) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، أنَّهُ قَالَ: لَمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أفَاءَ، مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: قَالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، وَقَالَ: فَأمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل ثلاثة أحاديث. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل «اقتصّ» ضمير صالح بن كيسان. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» (٥/ ٨٨) فقال: (٨٣٣٥) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: أنا عمي، قال: أنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس بن مالك، أنه قال: لَمّا أفاء الله على رسوله ما أفاء، من أموال هوازن، طَفِقَ رسول الله - ﷺ - يُعْطِي رجلًا من قريش المائة من الإبل، فقال رجل من الأنصار: يغفر الله لرسول الله - ﷺ - يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فأرسل إلى الأنصار، فجَمَعهم في قبة من أدم، ولم يَدَع معهم أحدًا، فلما اجتمعوا قال: «ما حديث بلغني عنكم؟» قال فقهاء الأنصار: أما ذوو الرأي منّا، فلم يقولوا شيئًا، وإنما أناس حديثة أسنانهم، فقال : يغفر الله لرسول الله - ﷺ - يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «إني لأعطي رجالًا حديثٌ عهدُهُم بالكفر، فأتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله - ﷺ -، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: «إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض»، قال أنس: فلم نصبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، إِلَّا أنَّهُ قَالَ: قَالَ أنسٌ: قَالُوا: نَصْبِرُ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل حديثين. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل «ساق» ضمير ابن أخي ابن شهاب، واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم. [تنبيه]: رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده» (٦/ ٢٨٢) فقال: (٣٥٩٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهريّ، عن عمة، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن ناسًا من الأنصار، قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله، من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله - ﷺ - يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحُدِّث رسول الله - ﷺ - بمقالتهم، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يَدْعُ معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله - ﷺ -، فقال: «ما حديثٌ بلغني عنكم؟»، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منّا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ أيعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر، أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال لهم: «فإنكم ستجدون بعدي أثرةً شديدةً، فأبصروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض»، قال أنس: قالوا: نعم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣٩] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْأنصَارَ، فَقَالَ: «أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟» فَقَالُوا: لَا، إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ»، فَقَالَ: «إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ، وَأتألَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الْأنصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأنْصَارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقّدم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (قتادَةَ) بن دِعامة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. و«أنس بن مالك» - ﵁ - ذُكر قبله. وقوله: («أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟») أي غير الأنصار. وقوله: (إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لنا) هو النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ - ﵁ -، كما أخرجه أحمد، من طريق شعبة، عن معاوية بن قُرّة في حديث أنس - ﵁ - هذا، ووقع ذلك في قصة أخرى، كما أخرجه الطبرانيّ، من حديث عُتْبة بن غَزْوان - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - قال يومًا لقريش: «هل فيكم من ليس منكم؟» قالوا: لا، إلا ابن أختنا عُتبة بن غَزْوان، فقال: «ابن أخت القوم منهم»، وله من حديث عمرو بن عوف - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - دخل بيته، قال: «ادخلوا عليّ، ولا يدخل عليّ إلا قرشيّ»، فقال: «هل معكم أحد غيركم؟» قالوا: معنا ابن الأخت، والمولى، قال: «حليف القوم منهم، ومولى القوم منهم»، وأخرج أحمد نحوه، من حديث أبي موسى - ﵁ -، والطبرانيّ نحوه من حديث أبي سعيد - ﵁ -، قاله في «الفتح» . وقوله: (إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) أي فيما يَرْجع إلى المناظرة والتعاون، ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع بين العلماء. قال النوويّ ﵀: استَدَلّ بهذا الحديث من يُوَرِّث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وآخرين، ومذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين أنهم لا يَرِثون، وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا، وقرابةً، ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرّهم بحضرته، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: «مِنْ» في قوله: «منهم» اتصالية؛ أي ابن الأخت متصل بأقربائه في جميع ما يجب أن يتصل به، من التولي، والنصر، والتوريث، وما أشبه ذلك، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]؛ أي في أحكامه، وفرائضه، والكتاب كثيرًا ما يجيء بمعنى الفريضة، واستَدَلّ به أصحاب أبي حنيفة ﵀ على توريث ذوي الأرحام، ويؤيّده ما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن المقدام بن معدي كرب - ﵁ - مرفوعًا: «والخالُ وارث من لا وارث له»، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو كما قال . قال الجامع عفا الله عنه: القول بتوريث ذوي الأرحام -كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله تعالى- هو الأرجح عندي؛ لحديث المقدام - ﵁ - المذكور، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) قال في «الفتح»: كذا وقع بالإفراد في «الصحيحين»، والمعروف: «حديثو عهد»، وكتبها الدمياطيّ بخطّه: «حديثو عهد»، وفيه نظر، وقد وقع عند الإسماعيليّ: «أن قريشًا كانوا قريب عهد». انتهى . والجاهليّة هي ما كانوا عليه قبل الإسلام؛ أي كانوا قريب زمن بكفر. وقوله: (وَمُصِيبَةٍ) والمصيبة ما أصابهم بسبب غزو المسلمين ديارهم، واستيلائهم عليها، وقتل بعض أقاربهم. وقوله: (أَنْ أَجْبُرَهُمْ) بضمّ الموحّدة، من باب نصر؛ أي أجبر كسرهم الذي لحقهم بسبب الغزو، فأعطيهم ما يجبر خاطرهم، ويُنسيهم مصائبهم. وقال في «الفتح»: قوله: «أن أجبرهم» كذا للأكثر بفتح أوله، وسكون الجيم، بعدها موحّدة، ثمّ راء مهملة، وللسرخسيّ والمستملي بضمّ أوله، وكسر الجيم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم زاي، من الجائزة. انتهى . وقوله: (وَأتألّفَهُمْ) قال ابن الأثير ﵀: التألف: المداراة، والإيناس؛ ليَثْبُتوا على الإسلام؛ رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال. انتهى . وقوله: (لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا) هو المكان المنخفض، وقيل: هو الذي فيه ماءٌ، والمراد به هنا بلدهم. وقوله: (وَسَلَكَ الأنصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأنصَارِ) -بكسر الشين المعجمة- هو اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل، وقال الخطابيّ: لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطُّرُق سلك كل قوم منهم واديًا وشعبًا، فأراد أنه مع الأنصار، قال: ويَحْتَمِل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ، قاله في «العمدة» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٠] (…) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ، فَقَالَتِ الْأنصَارُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» قَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ، قَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الْأنصَارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ) بن عبد الحميد القُرشيّ الْبُسْريّ البصريّ، يُلقّب حمدان، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٨. ٢ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ) بفتحتين؛ أي المجاوز حدّ الإعجاب، قال في «القاموس»: وأمرٌ عَجِبٌ، وعَجِيبٌ، وعُجَابٌ، وعُجَّابٌ، وعَجَبٌ عَاجِبٌ، وعُجابٌ، أو العَجِيب كالعَجَبِ، والعُجَاب: ما جاوز حدَّ العَجَبِ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤١] (…) - (حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أنسٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، أقبَلَتْ هَوَازِنُ، وَغَطَفَانُ، وَغَيْرُهُمْ بِذَرَارِّيهِمْ، وَنَعَمِهِمْ، وَمَعَ النَّبِيُّ يَوْمَئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، قَالَ: فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ»، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ؟ »قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ، فَقَالَ:«أنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ - ﷺ -، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَالطُّلقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأنصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الْأنصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ، فَنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا، فَبَلَغهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: »يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟« فَسَكَتُوا، فَقَالَ: »يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ، تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتكُمْ؟« قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، رَضِينَا، قَالَ: فَقَالَ: »لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأنصَارُ شِعْبًا، لَأَخَذْتُ شِعْبَ الأنصَارِ«، قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أبا حَمْزَةَ، أنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) الساميّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تكلّم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣١/ ١٣٩٤. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذِ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بنِ أنسِ) بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِذَرَارِيِّهِمْ) -بتشديد الياء، وتخفيفها- وكانت عادتهم إذا أرادوا الثبات في القتال استصْحَبُوا الأهالي وثَقَلَهم معهم إلى موضع القتال. وقوله: (وَنَعَمِهِمْ) بفتح النون والعين، واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل. وقوله: (وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) هذه هي الرواية الصحيحة، ووقع في رواية للبخاريّ: «ومع النبيّ - ﷺ - عشرة آلاف من الطلقاء»، وهي غلط؛ لأن الطلقاء لم يبلغوا هذا القدر، ولا عشر عشرة، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) بضمّ الطاء وفتح اللام، وبالمدّ: جمع طَلِيق، وهم: الذين أسلموا يوم فتح مكّة، ويقال ذلك لمن أُطلق من إسار، أو وَثَاق، قال القاضي عياض ﵀ في «المشارق»: قيل لمسلمي الفتح: الطُّلقاء لمنّ النبيّ - ﷺ -، فلم يأسُرهم، ولم يقتلهم . وقال القرطبيّ ﵀: الطُّلَقاء: هم الذين مَنَّ عليهم النبيّ - ﷺ -، وخَلَّى سبيلهم يوم فتح مكة، وأصله أنه أطلقهم بعدما حَصَلُوا في وَثاقه. انتهى . وقوله: (فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ) يعني أنهم ولَّوه أدبارهم، وما أقبلوا معه - ﷺ - على العدوّ، بل بقي وحده. وقوله: (فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) مفسَّر بما بعده؛ يعني أنه - ﷺ - نادى الأنصار يومئذ نداءين متعاقبين، ملتفتًا يمينًا وشمالًا. وقوله: (وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ) هذا من كمال شجاعته - ﷺ -؛ فإن البغال لا تُركب في القتال، وإنما يركب الخيل. وقوله: (فَقَالَ: «أنا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) يعني أنه ينصرني كما وعد بقوله ﷿: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١]. وقوله: (إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ) وفي رواية البخاريّ:«إذا كانت شديدة»؛ يعني قضية شديدةٌ مثل حرب. وقوله: (فنحْنُ نُدْعَى) على صيغة المجهول؛ أي نُطْلب. وقوله: (وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية البخاريّ:«ويُعطِي غيرنا»؛ أي يعطي النبيّ - ﷺ - الغنائم لقريش. قوله: (فبلغة ذلك) أي فبلغ النبي ذلك أي ما قالوه، ويروى«ذاك»بدون اللام. وقوله: (تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟) بالحاء المهملة والزاي، يقال: حازه يحوزه: إذا قبضه، ومَلَكه، واستَبَدّ به. وقال في«الفتح»: قوله:«تحوزونه»كذا للجميع بالحاء المهملة، من الحوز، ووقع عند الكرمانيّ:«تُجِيرونه»بالتحتانية بدل الواو، وضبطه بالجيم والراء المهملة، وفسره بقوله: أي تُنقِذونه، وكل ذلك خطأ نقلًا وتفسيرًا، وقد أخرجه مسلم، والإسماعيلىّ من هذا الوجه بلفظ:«فتذهبون بمحمدٍ تحوزونه»، كما في الرواية المعتمدة. انتهى . وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) هو هشام بن زيد الراوي عن أنس - ﵁ -، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس بن مالك - ﵁ -. وقوله: (أنتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟) وفي رواية للبخاريّ:«شاهدٌ ذلك» باللام، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأنت شاهد هذا الذي حدّثتنا به من قصّة غزوة حنين؟. وقوله: (قَالَ: وَأينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟) استفهامٌ إنكاريٌّ، يقرّر أنه ما كان ينبغي لهشام أن يظنّ أن أنسًا يغيب عن ذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٢] (…) - (حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَني السُّمَيْطُ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ، قَالَ: فَصُفَّتِ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا، وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَالَ الْمُهَاجِرِينَ، يَالَ الْمُهَاجِرِينَ»، ثُمَّ قَالَ: «يَالَ الأنصَارِ، يَالَ الْأنصَارِ»، قَالَ: قَالَ أنسٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمّيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَايْمُ اللهِ، مَا أتيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ، فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلْنَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقيَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ قتَادَةَ، وَأَبِي التَّيّاحِ، وَهِشَامِ بْنِ زيدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ ولد معاذ بن معاذ المذكور في السند الماضي، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٤٩. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٦ - (السُّمَيْطُ) -مصغّرًا- ابن عُمير، ويقال: ابن سُمير السدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبي موسى الأشعريّ، وعمران بن حُصين، وأنس، وأبي الأحوص الْجُشَميّ، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ. وروى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعِمران بن حُدير، ووثّقه العجليّ، وابن حبّان . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(أنسُ بْنُ مَالِكٍ) ذُكر قبله. وقوله: (قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ) قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمٌ من الراوي عن أنس؛ يعني أن الرواية الأولى بأنهم كانوا عشرة آلاف، ومعهم الطلقاء أصحّ؛ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا، عشرةُ آلاف شَهِدوا الفتح، وألفان من أهل مكة، ومن انضاف إليهم، وهذا معنى قوله: ومع النبيّ - ﷺ - عشرة آلاف، ومعه الطلقاء. انتهى. وقوله: (وَعَلَى مُجَنِّبةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) الْمُجَنِّبَة -بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة- قال شَمِر: الْمُجَنِّبة هي الْكَتِيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن، وهما مُجَنِّبتان: مَيْمَنةٌ، ومَيْسَرةٌ، بجانبي الطريق، والقلب بينهما. انتهى. وقوله: (فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها «تَلُوذ»، وكلاهما صحيح. انتهى . وقوله: (فَلَمْ نَلْبَثْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ: أي لم نتأخّر. وقوله: (أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من الضمير الفاعل بدل اشتمال، كما قال في «الخلاصة»: وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا … تُبْدِلْهُ إِلَّا مَا إِحَاطَةً جَلَا أَوِ اقْتَضَى بَعْضًا أَوِ اشْتِمَالَا … كَأَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالَا والمعنى أنه لم يتأخر انكشاف الفُرسان، وتولّيهم عن مواجهة العدّو عن وقت ملاقاتهم، بمعنى أنهم بمجرّد ابتدائهم القتال تولَّوا. وقوله: (وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة، وفيه إشارة إلى الانكشاف إنما أتى من جهة أسافلة الناس، لا من أكابر الصحابة، وأفاضلهم. وقوله: (وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ) تعميم بعد تخصيص. وقوله: («يَالَ الْمُهَاجِرِينَ») هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة «يال» بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها. انتهى. [تنبيه]: قوله: «يالَ المهاجرين» هذا هو المسمّى عند النحاة بالاستغاثة، وهو نداء من يُخلّص من شِدّة، أو يُعين على دفعها، قال في «الخلاصة»: إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادًى خُفِضَا … بِاللَّامِ مَفْتُوحًا كـ «يَا لَلْمُرْتَضَى» وَافْتَحْ مَعَ الْمَعْطُوفِ إِنْ كَرَّرْتَ «يَا» … وَفِي سِوَى ذَلِكَ بِالْكَسْرِ ائتِيَا [فإن قلت]: نداؤه - ﷺ - المهاجرين هنا يعارض ما سبق في الحديث الذي قبله من قول أنس - ﵁ -: «فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئًا … إلخ» حيث يدلّ على أنه لم يناد مع الأنصار غيره، فكيف الجواب عنه؟. [قلت]: يمكن أن يجاب بأن المنفيّ هناك النداء المخلوط بين نداءي الأنصار، وأما ما كان قبله كما في هذه الرواية فلم ينفه. والحاصل أنه - ﷺ - نادى أولًا المهاجرين نداءين والى بينهما، ثم نادى الأنصار بعدهم نداءين والى بينهما، والله تعالى أعلم. وقوله: (هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ) قال النوويّ ﵀: هذه اللفظة ضبطوها في «صحيح مسلم» على أوجه: [أحدهما]: «عِمِّيَّة» -بكسر العين، والميم، وتشديد الميم، والياء -قال القاضي: كذا روينا هذا الحرف عن عامّة شيوخنا، قال: وفُسِّر بالشِّدَّة. [والثاني]: «عُمّيّة» كذلك، إلا أنه بضم العين. [والثالث]: «عَمِّيَهْ» -بفتح العين، وكسر الميم المشددة، وتخفيف الياء، وبعدها هاء السكت- أي حَدَّثني به عَمِّي، وقال القاضي: على هذا الوجه معناه عندي: جماعتي؛ أي هذا حديثهم، قال صاحب «العين»: العمّ الجماعة، وأنشد عليه ابن دريد في «الجمهرة»: أَفْنَيْتُ عَمًّا وَجَبَرْتُ عَمَّا قال القاضي: وهذا أشبه بالحديث. [والوجه الرابع]: كذلك، إلا أنه بتشديد الياء، وهو الذي ذكره الحميديّ صاحب «الجمع بين الصحيحين»، وفَسَّره بعمومتي؛ أي هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدّثني به أعمامي، كأنه حدَّث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع؛ لتفرق الناس فحدّثه به مَن شَهِده من أعمامه، أو جماعته الذين شَهِدوه، ولهذا قال بعده: قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، والله أعلم. انتهى. وقوله: (فَايْمُ اللهِ) «ايم» اسم مستعمل في القسم، مختصر من «أيمن»، قال الفيّوميّ ﵀: و«أيمن» اسم مستعمل في القسم، والتُزِم رفعه، كما التُزم رفع لَعَمْرُ الله، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قَطْعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم، وقد يُختصر منه، فيقال: وايْمُ الله، بحذف الهمزة، والنون، ثم اختُصِر ثانيًا، فقيل: مُ الله، بضمّ الميم وكسرها. انتهى . وقال الخضريّ ﵀ في «حاشيته»: وأيمن عند البصريين اسم مفرد من اليُمْن، وهو البركة، وهمزته وصل خلافًا للكوفيين فيهما، والهمزة عِوَضٌ عن نونه المحذوفة في بعض لغاته، كأيم، ثم ثبتت مع النون؛ لأنها بصدد الحذف، كما في امرئ، وفيه لغات: أيمن بفتح الهمزة، وكسرها، مع ضمّ الميم وفتحها، وأيم، وأم بفتح الهمزة وكسرها، مع ضمّ الميم فيهما، ومُ، ومُن بتثليث الميم فيهما، ويجب إضافة الكل للفظ الجلالة، وكونها مبتدأ محذوف الخبر؛ أي أيمن الله قسمي، قيل: أو خبرًا لمحذوف؛ أي قسمي أيمن الله، كما في «المغني» . وقوله: (مَا أتيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ) أي ما رجعنا إلى المشركين حتى نصرنا الله، فانهزموا. وقوله: (فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ) أي غنائم هوازن، وقد تقدّم عدد ما غَنِموه من السبي والأنعام. وقوله: (ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ) المراد رجوعهم إلى الجعرانة؛ لأنهم لم يدخلوا مكة بالغنائم، وإنما حُبِست في الجعرانة، حتى رجعوا من حصار الطائف، ثم قُسمت هناك. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير يرجع إلى السُّمَيط. [تنبيه]: رواية السُّميط، عن أنس - ﵁ - هذه ساقها بتمامها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٢١٩٧) - حدّثنا عارمٌ، حدّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا السُّميط السَّدُوسيّ، عن أنس بن مالك، قال: فتحنا مكة، ثم إنا غزونا حُنينًا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، أو رأيت، فصُفّ الخيل، ثم صُفّت المقاتلة، ثم صُفّت النساء من وراء ذلك، ثم صُفّت الغنم، ثم صُفّت النَّعَم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيولنا تلوذ خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشفت خيولنا، وفَرَّت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله - ﷺ -: «يا للمهاجرين، يا للمهاجرين -ثم قال-: يا للأنصار، يا للأنصار»، قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله - ﷺ -، فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، قال: فنزلنا فجعل رسول الله - ﷺ - يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة، قال: فتحدث الأنصار بينها، أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه، قال: فرُفع الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، ثم أَمَر بِسَرَاة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم قال: «لا يدخل عليّ إلا أنصاريّ، أو الأنصار»، قال: فدخلنا القبة حتى ملأنا القبة، قال نبي الله - ﷺ -: «يا معشر الأنصار -أو كما قال- ما حديث أتاني؟» قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال:
مصادر المؤلف (٣٤)

١. وفي نسخة: «يحدّث هذا الحديث».

٢. «الفتح» ٣/ ٤٠١ «كتاب الزكاة» رقم (١٤٧٨).

٣. وفي نسخة: «أخبرنا».

٤. وفي نسخة: «أما ذوو آرائنا».

٥. راجع: «الفتح» ١٣/ ٤٥٦ بزيادة من غيره.

٦. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٩/ ٣٦٧.

٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٢٥٨.

٨. «المفهم» ٣/ ١٠٣ - ١٠٤.

٩. هذه السين إشارة إلى أن ابن إسحاق ذكره في «السيرة» من المؤلّفة قلوبهم.

١٠. «الفتح» ٩/ ٤٥٧ «كتاب المغازي» رقم (٤٣٣٠).

١١. «الفتح» ٨/ ٤٨٤ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٧٧٨).

١٢. «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٣٥٧.

١٣. راجع: «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٣٥٩.

١٤. «عمدة القاري»١٧/ ٣٠٩.

١٥. «الفتح»٩/ ٤٦٣.

١٦. «المفهم»٣/ ١٠٤ - ١٠٥.

١٧. المراد فوائد الحديث بسياقاته المختلفة، لا خصوص سياق المتن المذكور هنا، بل يشمل كلّ ما ذُكر في الباب، وغيره، فتنبّه.

١٨. هكذا النسخة، والظاهر: «فقالوا».

١٩. «الفتح» ٨/ ١٨٢ «كتاب المناقب» رقم (٣٥٢٨).

٢٠. «شرح النوويّ» ٧/ ١٥٢.

٢١. راجع: «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٣٥٩ - ٣٦٠.

٢٢. «الفتح» ٩/ ٤٦٧ «كتاب المغازي» رقم (٤٣٣٤).

٢٣. «الفتح» ٩/ ٤٦٧.

٢٤. «النهاية» ١/ ٦٠.

٢٥. «عمدة القاري» ١٧/ ٣٠٨.

٢٦. «القاموس المحيط» ١/ ١٠١.

٢٧. ٩/ ٤٦٧.

٢٨. شرح النوويّ ٧/ ١٥٣.

٢٩. «المفهم»٣/ ١٠٥ - ١٠٦.

٣٠. «الفتح» ٩/ ٤٦٧.

٣١. ذكر في «تهذيب التهذيب» الخلاف هل سُميط بن عمير، وسُميط بن سُمير رجل واحدٌ، أم اثنان؟، فراجعه في ٤/ ٢١٠.

٣٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٥٤.

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨٢.

٣٤. «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ٢/ ٢٩٥.