HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦٢

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبة وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ. فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ. وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ! إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ. قَالَ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ. قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ!» قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى. قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». قَالَ قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص109
ج ٢ ص ٧٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٧٤
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٧] (١٠٦٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ الله -ﷺ- نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في الباب. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁- مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم» لاتحاد كيفيّة تلقّيه عنهم، ثم فصل بينهم؛ لاختلافهم فيها، وقد سبق بيان هذا غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ صغير عن تابعيّ كبير مخضرم، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، وقد ذكر بعضها غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه القاعدة التي تأتي في كثير من الأسانيد، وهي أنه إذا أُطلق عبد الله من الصحابة في السند يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيًّا، كهذا السند فهو ابن مسعود -﵁-، وإن كان مدنيًّا، فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًّا، فهو ابن عبّاس، وإن مصريًّا أو شاميًّا فهو ابن عمرو بن العاص -﵃-، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَحَيْثُمَا اُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وَإِنْ يَفِ بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁- أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ) «كان» هنا تامّة، و«يوم» مرفوع على الفاعليّة؛ أي جاءت غزوة يوم حنين، ويَحْتَمل أن تكون تامّة، و«يومُ» اسمها، وخبرها محذوف؛ أي واقعًا أو حاضرًا (آثَرَ) بالمدّ: أي فضّل (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- نَاسًا) الناس: اسمٌ وُضع للجمع، كالقوم، والرَّهْط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، وقد سبق تمام البحث فيه (فِي الْقِسْمَةِ) بالكسر اسم من الاقتسام، ويُطلق أيضًا على النصيب، ويُجمع على القِسَم، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ، وهو المناسب هنا؛ أي فضّلهم على غيرهم في الحظّ من الغنيمة، وفي نسخة: «في الغنيمة»؛ أي آثرهم في قسمة الغنيمة (فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ) تقدّم أسماء الذين أعطاهم النبيّ -ﷺ- مع هؤلاء في شرح الحديث الماضي، وقوله: (وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ) جملة مؤكّدة لما قبلها (فَقَالَ رَجُلٌ) قال في «الفتح»: في رواية الأعمش: «فقال رجل من الأنصار»، وفي رواية الواقديّ: إنه معتّب بن قُشير من بني عمرو بن عوف، وكان من المنافقين، وفيه تعقّب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحدًا قال: إنه من الأنصار إلا ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زُهير السعديّ، وتبعه ابن الملقِّن، وأخطأ في ذلك، فإن قصّة حرقوص غير هذه، كما سيأتي قريبًا من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-. انتهى . (وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، وفي رواية الأعمش عند البخاريّ: «ما أراد بها وجه الله». قال القرطبيّ ﵀: قوله: «ما عُدل فيها، وما أريد بها وجه الله» هذا قول جاهل بحال النبيّ -ﷺ-، غليظ الطبع، حريصٌ، شَرِه، منافقٌ، وكان حقّه أن يُقتَل؛ لأنه آذى رسول الله -ﷺ-، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] والعذاب في الدنيا هو القتل، لكن لم يقتله النبيّ -ﷺ- للمعنى الذي قاله، وهو ما في حديث جابر -﵁- الآتي: «معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي»، ولهذه العلّة امتنع النبيّ -ﷺ- من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم، وبنفاقهم، ولا يُلتفت لقول من قال بإبداء علّة أخرى؛ لأن حديث جابر -﵁- وغيره نصّ في تلك العلّة، وقد أُمنت تلك العلّة بعد رسول الله -ﷺ-، فلا نفاق بعده، وإنما هو الزندقة، كذلك قال مالك ﵀، فمن آذى رسول الله -ﷺ-، أو سبّه قُتل، ولا يُستتاب، وهذا هو الحقّ والصواب. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) وفي نسخة: «لأُخبرنّ بها رسول الله -ﷺ-» (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) -ﷺ- (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ) ذلك الرجل (قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) -ﷺ- (حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ) -بكسر الصاد المهملة-: هو صبغ أحمر تُصْبَغ به الجلود، قال ابن دُريد: وقد يُسَمَّى الدم أيضًا صِرْفًا ، وفي الرواية التالية: «فغضِبَ من ذلك غضبًا شديدًا، واحمرّ وجهه، حتى تمنّيتُ أني لم أذكره له». (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («فَمَنْ يَعْدِلُ)»من«استفهاميّة (إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ) ﷾ (وَرَسُولُهُ؟) -ﷺ-، وجواب»إن« محذوف دلّ عليه ما قبله؛ أي فمن يعدل؟. ذكر الله ﷿ إشارة إلى أنه -ﷺ- مبلّغ عن الله تعالى، فإذا لم يعدل هو لم يعدل الله ﷾، فالاعتراض عليه -ﷺ- اعتراض على حكم الله ﷾. والاستفهام هنا إنكاريّ بمعنى النفي، والمعنى أنه لا أحد يعدل إذا لم يَعدل رسول الله -ﷺ-. قال القاضي عياض ﵀: حُكْمُ الشرع أن من سبّ النبيّ -ﷺ- كَفَرَ، وقُتِل، ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قُتِل. وقال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون لم يَفْهَم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر، وصغائر، فهو -ﷺ- معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر، ومن جَوَّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله -ﷺ- لم يعاقب هذا القائل؛ لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم. قال القاضي: هذا التأويل باطلٌ يدفعه قوله: «اعْدِلْ يا محمد»، و«اتق الله يا محمد»، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ، حتى استأذن عمر وخالد النبيّ -ﷺ- في قتله، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسَمِع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صَبَر؛ استبقاءً لانقيادهم، وتأليفًا لغيرهم؛ لئلا يتحدث الناس أنه يَقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا المصنف في جماعتهم، وعَدُّوه من جملتهم. انتهى كلام القاضي ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ. (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (ثُمَّ قَالَ) النبيّ -ﷺ- («يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى) بن عمران ﵇ (قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ») أي آذاه قومه بأكثر من هذا الإيذاء، فصبر على أذاهم، ففيه تسلية لنفسه -ﷺ-، وتحريض لأمته على الصبر على الأذى، وذلك امتثال لأمر الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]. [تنبيه]: أشار بقوله: «قد أوذي موسى» إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]، وقد حُكِي في صفة أذاهم له ثلاث قِصَص: [إحداهما]: قولهم: هو آدر، وهو ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن موسى ﵇ كان رجلًا حَيِيًّا سَتِيرًا لا يُرَى من جلده شيءٌ؛ استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما بَرَصٍ، وإما أُدْرة، وإما آفة، وإن الله ﷿ أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتَسَل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله ﷿، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطَفِق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أوأربعًا أو خمسًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وفي رواية: كانت بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله ما يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ … الحديث. [ثانيها]: في قصة موت هارون ﵇، فقد روى أحمد بن منيع في «مسنده»، والطحاويّ، وابن مردويه، من حديث عليّ -﵁- أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون؛ لأنه توجَّه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فطَعَن فيه بعض بني إسرائيل، وقالوا: أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون، وهو ميت، فخاطبهم بأنه مات. قال الحافظ ﵀: وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا؛ لصدق أن كلًّا منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا. انتهى. [ثالثها]: في قصته مع قارون، حيث أمر الْبَغِيّ أن تزعم أن موسى ﵇ راودها، حتى كان ذلك سبب هلاك قارون. أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، عن ابن عباس -﵄- قال: كان موسى يقول لبني إسرائيل: إن الله يأمركم بكذا، حتى دخل عليهم في أموالهم، فشَقَّ ذلك على قارون، فقال لبني إسرائيل: إن موسى يقول: من زنى رُجم، فتعالوا نجعل لبغيّ شيئًا، حتى تقول: إن موسى فعل بها، فيرجم، فنستريح منه، ففعلوا ذلك، فلما خطبهم موسى قالوا له: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، فقالوا: فقد زنيتَ، فجَزعَ، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت عَظُم عليها موسى، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت، فأقَرَّت بالحقّ، فخرَّ موسى ساجدًا يبكي، فأوحى الله إليه: إني أمرت الأرض أن تطيعك، فأْمرها بما شئت، فأمرها، فخسفت بقارون ومن معه . (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (قُلْتُ: لَا جَرَمَ) قال في «القاموس»: «لا جرم» أي لا بُدّ، أو حقًّا، أو لا محالة، أو هذا أصله، ثم كثر حتى تحوّل إلى معنى القسم. انتهى. وقال في «النهاية»: هذه كلمة تَرِدُ بمعنى تحقيق الشيء، وقد اختُلِف في تقديرها، فقيل: أصلها التبرئة، بمعنى لا بُدّ، ثم استُعمِلت في معنى حَقًا، وقيل: جَرَمَ بمعنى كَسَبَ، وقيل: بمعنى وَجَبَ، وحَقَّ و«لا» رَدٌّ لما قبلها من الكلام، ثم يُبتدأ بها، كقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]؛ أي ليس الأمر كما قالوا، ثم ابتدأ فقال: وجب لهم النار، وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: ٨٩]: أي لا يحملنكم، ويَحْدُوكم، وقد تكررت في الحديث. انتهى . وقال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: أن معنى «لا جرم» عند الفرّاء: لا بُدّ من كذا، أو لا محالة في كذا، فحذفت «من»، أو «في»، وقال قُطْرُب: «لا» رَدٌّ لما قبلها؛ أي ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدئ ما بعده، و«جَرَمَ» فِعْلٌ، لا اسمٌ، ومعناه: وَجَبَ، وما بعده فاعلٌ، وقال قوم: «لا» زائدة، و«جَرَمَ» وما بعدها فعلٌ وفاعلٌ، كما قال قُطْرُب، وردّه الفراء بأن «لا» لا تزاد في أول الكلام. انتهى . والمعنى هنا: حقًّا والتزامًا أن لا أرفع إليه -ﷺ- حديثًا أسمعه من الناس بعد هذه الحادثة؛ لئلا أُغضبه كما أغضبته في هذه المرّة، وفي الرواية التالية: «حتى تمنيتُ أني لم أذكره له». (لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ) -ﷺ- (بَعْدَهَا) أي بعد هذه المقالة، أو بعد هذه الواقعة التي غَضِب النبيّ -ﷺ- من أجلها (حَدِيثًا) إنما قال ذلك؛ لئلا يؤذيه بإبلاغ كلام المنافقين، فيتأثّر به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٤٧ و٢٤٤٨] (١٠٦٢)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣١٥٠) و«أحاديث الأنبياء» (٣٤٠٥) و«المغازي» (٤٣٣٥ و٤٣٣٦) و«الأدب» (٦٠٥٩ و٦١٠٠) و«الدعوات» (٦٢٩١ و٦٣٣٦)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٣١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٠ و٤١١ و٤٣٥ و٤٤١ و٤٥٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٢٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٤١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٣٣)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (٢/ ٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنيمة؛ تأليفًا لهم. ٢ - (ومنها): جواز إخبار الإمام، وأهل الفضل بما يقال فيهم، مما لا يليق بهم؛ ليحذروا القائل. ٣ - (ومنها): بيان ما يباح من الغيبة والنميمة؛ لأن صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود -﵁- هذا، ولم ينكره النبيّ -ﷺ-، وذلك أن قَصْدَ ابن مسعود -﵁- كان نصحَ النبيّ -ﷺ-، وإعلامه بمن يَطْعَن فيه، ممن يُظْهِر الإسلام، ويُبطِن النفاق؛ ليحذر منه، وهذا جائز، كما يجوز التجسس على الكفار؛ ليُؤْمَنَ من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثْمًا عظيمًا، فلم يكن له حرمة. ٤ - (ومنها): أن في قوله -ﷺ-: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ إلخ» تسليةً لنفسه -ﷺ-، وتحريضًا لأمته على الصبر على الأذى. ٥ - (ومنها): بيان ما كان في الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من الصبر على الجهّال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم. ٦ - (ومنها): بيان أن أهل الفضل قد يُغضِبهم ما يقال فيهم، مما ليس فيهم، ومع ذلك، فيتلقون ذلك بالصبر والحلم، كما صنع النبيّ -ﷺ-؛ اقتداءً بموسى ﵇. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ الله -ﷺ- قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ لَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَوُذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيرّ حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَسَمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَسْمًا) منصوب على المصدريّة، يقال: قَسَمت الشيءَ قسمًا، من باب ضرب: فَرَزته أجزاءً، فانقسم، والقِسْم بالكسر اسم منه، ثمّ أُطلق على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام، مثلُ حِمْل وأَحْمال، أفاده الفيّوميّ ﵀ . وقال التوربشتيّ ﵀: القَسْم مصدر قَسَمْتُ الشيءَ، فانقَسَمَ، سُمِّي الشيءُ المقسومُ، وهو الغنيمة بالمصدر، والقِسْم بالكسر: الحظّ والنصيب، ولا وجه للمكسور في الحديث؛ لأنه يختصّ بما إذا تفرد نصيبٌ، وهذا القَسْم كان في غنائم خيبر قسمها بالجعرانة . وقوله: (فَسَارَرْتُهُ) أي كلّمته سرًّا. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن شقيق هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال:
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «في الغنيمة».

٢. وفي نسخة: «لأخبرنّ بها».

٣. «الفتح» ٩/ ٤٦٩.

٤. «المفهم»٣/ ١٠٧.

٥. وفي نسخة:«لأخبرنّ بها».

٦. «شرح النووي»٧/ ١٥٨.

٧. هذا الحديث متّفقٌ عليه، وأما قول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: إنه مما تفرّد به البخاريّ، ففيه نظر لا يخفى، فتنبّه.

٨. «الفتح» ٨/ ١٧ - ١٨.

٩. «النهاية في غريب الأثر» ١/ ٢٦٣.

١٠. «مغني اللبيب» ١/ ٣١٤.

١١. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٣.

١٢. راجع: «المرقاة» ١١/ ٣٤.