HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ. مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ. وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا. يُعْطِي النَّاسَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اعْدِلْ. قَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ! أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يمرق السهم من الرمية».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص109
ج ٢ ص ٧٤٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٨٣
(٤٠٨٠) - حدّثنا قَبِيصَةُ، حدّثنا سُفْيَانُ، عن الْأَعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن عبد اللهِ، قال: لَمَّا قَسَمَ النبيّ -ﷺ- قِسْمَةَ حُنَيْنٍ، قال رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ: ما أَرَادَ بها وَجْهَ اللهِ، فَأَتَيْتُ النبيّ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قال: «رَحْمَةُ اللهِ على مُوسَى، لقد أُوذِيَ بِأَكْثَرَ من هذا، فَصَبَرَ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٩] (١٠٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بن الْمُهَاجِرِ، أخبرنا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفَهُ من حُنَيْنٍ، وفي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْبِضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتَ وَخَسِرْتَ، إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ»، فَقَال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ -﵁-: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ الناس أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بن الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْد اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه والليث مصريّان، ويحيى والصحابيّ مدنيّان، وأبو الزبير مكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وقد غزا مع النبيّ -ﷺ- تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) كذا رواه المصنّف، ورواه البخاريّ عن مسلم بن إبراهيم، عن قرّة بن خالد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله -﵄-. قال في «الفتح»: وقد خالف زيدُ بن الْحُبَاب مسلم بن إبراهيم فيه، فقال: عن قُرَّة، عن أبي الزبير، بدل عمرو بن دينار، أخرجه مسلم -يعني الرواية التالية- وسياقه أتمّ، ورواية البخاريّ أرجح، فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمانُ بنُ عمرو، عند الإسماعيليّ، والنضرُ بنُ شُمَيل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب عنهم. ويَحْتَمِل أن يكون الحديث عند قُرّة عن شيخين، بدليل أن في رواية أبي الزبير زيادةً على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة، عن عمرو. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو المتعيّن، كما هو رأي المصنّف ﵀، حيث أخرجه من رواية ابن الحباب عن أبي الزبير أيضًا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ) -﵄- أنه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) قيل: هو ذو الْخُوَيصرة التميميّ، واعترضه الحافظ ﵀ بأن القصة التي في حديث جابر -﵁- صُرِّح في حديثه بأنها كانت مُنْصَرَف النبيّ -ﷺ- من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمة النبيّ -ﷺ- حينئذ فضةً كانت في ثوب بلال -﵁-، وكان يُعطي كلَّ من جاء منها، والقصة التي في حديث أبي سعيد -﵁- صَرِّح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ -﵁- إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبًا، وخَصَّ به أربعة أنفس، فهما قصّتان في وقتين، اتَّفَقَ في كل منهما إنكار القائل، وصُرِّح في حديث أبي سعيد -﵁- أنه ذو الخويصرة التميميّ، ولم يُسَمَّ القائل في حديث جابر -﵁-، ووَهِمَ من سماه ذا الخويصرة ظانًّا اتحاد القصتين. قال: ووجدت لحديث جابر شاهدًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- أنه أتاه رجل يوم حنين، وهو يَقْسِم شيئًا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يُسَمّ الرجل أيضًا، وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن، عن عبد اللُّه بن عمر وأخرجه أحمد والطبري أيضًا، ولفظه: «أتى ذو الخويصرة التميميّ رسول الله -ﷺ-، وهو يقسم الغنائم بحنين، فقال: يا محمد …»، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة الذهب الذي بعثه عليّ -﵁-. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الرجل هو ذو الخويصرة التميميّ، ولا يُستبعد أن يقع له هذا الكلام في الموضعين، كما أشار إليه الحافظ في آخر كلامه، ومما يؤيّد ذلك أن في مسند أحمد ﵀ لحديث جابر -﵁- هذا ما نصّه: «لما قسم رسول الله -ﷺ- غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة، قام رجل من بني تميم، فقال: اعدل يا محمد …»، والله تعالى أعلم. (رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بِالْجِعْرَانَةِ) قال ابن الأثير ﵀: هو موضعٌ قريبٌ من مكّة، وهي في الحلّ، وميقاتٌ للإحرام، وهي بتسكين العين، والتخفيف، وقد تكسر العين، وتُشدّد الراء. انتهى . وقال في «القاموس»: «الْجِعْرانة» -بكسر، فسكون، وقد تكسر العين، وتُشدّد الراء، وقال الشافعيّ: التشديد خطأ- موضع بين مكة والطائف، سُمِّي برَيْطَة بنت سعد، وكانت تُلَقَّب بالْجِعْرانة، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية [النحل: ٩٢]. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «الْجِعْرَانَة»: موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتَصَرَ عليه في «البارع»، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في «المحكم»، وعن ابن المدينيّ: العراقيون يُثَقِّلُون «الجعرانة»، و«الحديبية»، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به المحدِّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في «المحكم» تقليدًا له في الحديبية، وفي «العباب»: والجعرانة -بسكون العين- وقال الشافعيّ: المحدثون يخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ، انتهى . (مُنْصَرَفَهُ) ظرف زمان من الانصراف، وهو بصيغة اسم المفعول يصلح، لظرفي الزمان والمكان، واسم المفعول، وللمصدر الميميّ، والمراد به هنا الزمان؛ أي وقت انصرافه (من) غزوة (حُنَيْنٍ) بصيغة التصغير: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البُقْعَة، وكان ذلك بعد فتح مكة في شوّال سنة ثمان من الهجرة، كما تقدّم تمام البحث فيه قريبًا (وفي ثَوْبِ بِلَالٍ) هو ابن رَبَاح، مؤذّن رسول الله -ﷺ- المتوفَّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠) وقد تقدّمت ترجمته -﵁- في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. (فِضَّةٌ) فيه تصريح بأن الذي قسمة -ﷺ- في حديث جابر -﵁- هي الفضّة، وكان في سنة ثمان، بخلاف ما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، فإنه ذهب، وكان ذلك في سنة تسع (وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْبضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ) أي عامّة الناس، فلم يخُصّ أشخاصًا معيّنين، كما فعل في حديث أبي سعيد -﵁-، فإنه قسم الذهب بين أربعة أشخاص، كما سيأتي (فَقَالَ) ذلك الرجل (يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ) -ﷺ- («وَيْلَكَ) أي هلاكك، بمعنى هلكت، قال السمين الحلبيّ ﵀: هو منصوب على المصدريّة بفعل مُلاقٍ له في المعنى دون الاشتقاق، ومثلُهُ: وَيْحَه، وويْسَهُ، وويْبَهُ، وإما على المفعول به بتقدير: ألزمك الله ويلك. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: الويل: الحزن، والهلاك، والمشقّةُ من العذاب، وكلُّ من وقع في هَلَكَة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني، ويا هلاكي، ويا عذابي احضُر، فهذا وقتك، وأوانك، قاله في«النهاية». (وَمَنْ) استفهاميّة، كما مرّ في الحديث الماضي (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ)» قال النوويّ ﵀: رُوي بفتح التاء في «خِبْتُ»، و«خَسِرتُ»، وبضمهما فيهما، ومعنى الضم ظاهرٌ، وتقدير الفتح خبتَ أنت أيها التابع؛ إذا كنتُ لا أعدل؛ لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، والفتح أشهر، والله أعلم. انتهى . ووقع عند البخاريّ بلفظ: «لقد شَقِيتُ»، قال في «الفتح»: وقوله في هذه الرواية: «لقد شقيتُ» بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهرٌ، ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يَعْدِل، حتى يحصل له الشَّقَاء، بل هو عادل، فلا يَشْقَى، وحَكَى عياض فتحها، ورجحه النوويّ، وحكاه الإسماعيليّ عن رواية شيخه الْمَنِيعِيِّ من طريق عثمان بن عُمَر، عن قُرَّة، والمعنى: لقد شقيتَ؛ أي ضَلَلْتَ أنت أيها التابع، حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيّك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمنٍ. انتهى . وقوله: (إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ») جوابه مقدّرٌ دلّ عليه ما قبله؛ أي فلقد خبت وخسرت (فَقَال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ -﵁-) وجاء في روايات أخرى أن خالد بن الوليد -﵁- هو الذي استأذن النبيّ -ﷺ- في قتله، ولا تعارض في ذلك لإمكان أن يستأذن كلٌّ منهما، فتنبّه ، والله تعالى أعلم. (دَعْنِي) أي اتركني، ولا تمنعني من قتله؛ لأنه يستحقّ القتل (يا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ) بالنصب على جواب الأمر، كما قال في«الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ«أَنْ»وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (فَقَالَ) -ﷺ- («مَعَاذَ اللهِ) منصوب على المصدريّة لفعل محذوف، ومضاف إلى المفعول؛ أي أعوذ بالله من (أَنْ يَتَحَدَّثَ الناس أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي) والمراد بالناس هم المشركون، فقد أخرج أحمد، والطبريّ من حديث أبي بكرة -﵁- قال: «أُتي النبيّ -ﷺ- بِمُويل، فقعد يقسمه، فأتاه رجلٌ، وهو على تلك الحال …» فذكر الحديث، وفيه: «فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي». (إِنَّ هَذَا) أي الرجل الذي قال: «يا محمد اعدل» (وَأَصْحَابَهُ يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) بالفتح: جمع حَنْجَر: رأس الْغَلْصَمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق . قال القاضي عياض ﵀: فيه تأويلان: [أحدهما]: معناه لا تَفْقَهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرةِ، والحلقِ؛ إذ بهما تقطيع الحروف. [والثاني]: معناه لا يصعد لهم عمل، ولا تلاوة، ولا يُتَقَبَّل. انتهى . (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون، يقال: مَرَق السهم من الرَّميّة مُرُوقًا، من باب قعد: خرج منه من غير مدخله . (مِنْهُ) الضمير للإسلام، أو الدين، كما تفسّره الروايات الآتية (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ») بفتح الراء، وتشديد الياء: فَعِيلة بمعنى مفعهولة، وهي ما يُرْمَى من الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيَّات، ورَمَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايا . وقال النوويّ ﵀: قوله -ﷺ-:«يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية»، وفي الرواية الأخرى:«يمرقون من الإسلام»، وفي الرواية الأخرى:«يمرقون من الدين»، قال القاضي عياض: معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نَفَذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه. قال: والدين هنا هو الإسلام، كما قال ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال الخطابيّ: هو هنا الطاعة؛ أي من طاعة الإمام. وفي هذه الأحاديث دليلٌ لمن يُكَفِّر الخوارج، قال القاضي عياض ﵀: قال المازريّ: اختَلَف العلماء في تكفير الخوارج، قال: وقد كادت هذه المسألة تكون أشدّ إشكالًا من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي، وقد رَغِب إليه الفقيه عبد الحقّ -رحمهما الله تعالى- في الكلام عليها، فَرَهِبَ له من ذلك، واعتذر بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم منها عظيمٌ في الدين، وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر الباقلّانيّ، وناهيك به في علم الأصول، وأشار ابن الباقلانيّ إلى أنها من المعوصات؛ لأن القوم لم يُصَرِّحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدِّي إليه، وأنا أكشف لك نكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلك أن المعتزليّ مثلًا يقول: إن الله تعالى عالم، ولكن لا علم له، وحيّ، ولا حياة له يوقع الالتباس في تكفيره؛ لأنّا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال: إن الله تعالى ليس بحيّ، ولا عالم، كان كافرًا، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له، فهل نقول: إن المعتزليّ إذا نفى العلم نَفَى أن يكون الله تعالى عالِمًا، وذلك كفر بالإجماع، ولا ينفعه اعترافه بأنه عالم، مع نفيه أصل العلم، أو نقول: قد اعترف بأن الله تعالى عالم، وإنكاره العلم لا يُكَفِّره، وإن كان يؤدي إلى أنه ليس بعالم، فهذا موضع الإشكال، هذا كلام المازريّ، ومذهب الشافعيّ، وجماهير أصحابه العلماءِ، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، وكذلك القَدَريّة، وجماهير المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، قال الشافعيّ ﵀: أَقْبَلُ شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وهم طائفة من الرافضة يَشهَدون لموافقيهم في المذهب بمجرد قولهم، فرَدَّ شهادتهم لهذا، لا لبدعتهم، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- الآتي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٢٤٤٩ و٢٤٥٠] (١٠٦٣)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣١٣٨) وفي «الأدب المفرد» (٧٧٤)، و(النسائيّ) في «فضائل القرآن» (١١٢ و١١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٥٣ و٣٥٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٧١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، وبقيّة المسائل ستأتي في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٠] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بن عبد اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بن الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بن خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (زَيْدُ بن الْحُبَابِ) أبو الحسن العكليّ الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٦٠. ٤ - (قُرَّةُ بن خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابظٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير لقرّة بن خالد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن أبي الزير، ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٣/ ١٢٧) فقال: (٢٣٧٢) - حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الجبار، حدّثنا عبد الوهاب الثقفي (ح) وحدّثنا سليم بن عصام، ثنا حفص بن عمرو ، ثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: بَصَرُ عيني، وسَمْعُ أذني، رسول الله -ﷺ-، وهو بالجعرانة، وفي ثوب بلال فضةٌ، فجعل رسول الله -ﷺ- يقبضها للناس يعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل»، فقال عمر: يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق الخبيث، فقال رسول الله -ﷺ-: «أن تتحدث قريش أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، لفظ يحيى بن سعيد. انتهى. وأما رواية قرّة بن خالد، عن أبي الزبير، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٦)

١. راجع: «الفتح» ٧/ ٤١٦.

٢. لعل الصواب عبد الله بن عَمْرو المذكور قبله.

٣. «الفتح»١٦/ ١٧٧.

٤. «النهاية» ١/ ٢٧٦.

٥. «القاموس المحيط» ١/ ٤٦٧.

٦. «المصباح المنير» ١/ ١٠٢.

٧. راجع: «حاشية الجمل على الجلالين» في «سورة الأحقاف» عند قوله تعالى: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ الآية (٤/ ١٣٠).

٨. «النهاية» ٥/ ٢٣٦.

٩. «شرح النوويّ» ٧/ ١٥٩.

١٠. «الفتح» ٧/ ٤١٦ «كتاب فرض الخمس» رقم (٣١٣٨).

١١. راجع: «شرح النوويّ» ٧/ ١٥٩.

١٢. «النهاية» ١/ ٤٤٩.

١٣. «إكمال المعلم» ٣/ ٦٠٩.

١٤. «المصباح» ٢/ ٥٦٩.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٠.

١٦. هكذا النسخة «ابن عمرو»، ولعل الصواب «ابن عُمر»، فليُحرّر.