HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ. جميعا عَنْ وَكِيعٍ. قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ. قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ» سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خير قول البرية. يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموه فَاقْتُلُوهُمْ. فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ، عند الله يوم القيامة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص113
ج ٢ ص ٧٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٥٦
(٤٦) - (بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارجِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٢] (١٠٦٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُويدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِي: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْني وَبَيْنكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (خَيْثَمَةُ) -بفتح الخاء المعجمة، والمثلثة، بينهما تحتانية ساكنة- ابن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحدة- الْجُعفيّ الكوفيّ، لأبيه، ولجدّه صحبة، ثقةٌ، يرسل [٣] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في «الزكاة» ١٢/ ٢٣١٢. ٦ - (سُويدُ بْنُ غَفَلَةَ) الْجُعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، من كبار التابعين، قَدِم المدينة يوم دُفن النبيّ -ﷺ-، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة [٢] (ت ٨٠) وله (١٣٠) سنةً (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٤. ٧ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب -﵁- الخليفة الراشد، استُشهد سنة (٤٠) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم قال: «الأشجّ: حدّثنا … إلخ» إشارةً إلى أن سياق الحديث له. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة. ٤ - (ومنها): أن فيه عليّ بن أبي طالب -﵁- ذو المناقب الجمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وصهر النبيّ -ﷺ-، وابن عمّه -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ خَيْثَمَةَ) كذا في رواية المصنّف بالعنعنة، وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غياث، حدّثنا الأعمش، حدّثنا خيثمة، حدّثنا سُويد بن غَفَلة، قال عليّ -﵁-، قال في «الفتح»: ولم يُصَرِّح بالتحديث فيه إلا حفص بن غياث، فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع، وعيسى بن يونس، والثوريّ، وجرير، وأبي معاوية، وهو عند أبي داود، والنسائيّ من رواية الثوريّ، وعند أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد، وعند الطبريّ أيضًا من رواية يحيى بن عيسى الرمليّ، وعليّ بن هشام، كلهم عن الأعمش بالعنعنة، وذكر الإسماعيليّ أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلًا، فقال: عن الأعمش، حدّثني عمرو بن مُرّة، عن خيثمة، قال الحافظ: لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمش. انتهى ما في «الفتح» مختصرًا، وهو بحثٌ نفيسٌ. (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) -بفتح المعجمة، والفاء- مخضرم، من كبار التابعين، وقد قيل: إن له صحبةً (قَالَ: قَالَ عَلِى) كذا في رواية المصنّف ﵀ بتكرار لفظة «قال»، وكذا هو عند البخاريّ في آخر «فضائل القرآن»، من رواية الثوريّ، عن الأعمش، بهذا السند، ففاعل «قال» الأول ضمير سُويد، ووقع عند البخاريّ في «استتابة المرتدّين» بلفظ: «قال عليّ» بلا تكرار، فقال في «الفتح»: هو على حذف «قال»، وهو كثير في الخطّ والأولى أن يُنْطَق به. قال: وعند النسائيّ من هذا الوجه: «عن عليّ»، قال الدارقطنيّ: لم يصحّ لسويد بن غَفَلَة عن عليّ مرفوعٌ إلا هذا، قال الحافظ: وما له في الكتب الستة، ولا عند أحمد غيرُهُ، وله في «المستدرك» من طريق الشعبيّ عنه: قال: خطب عليّ بنت أبي جهل، أخرجه من طريق أحمد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن زكريا، عن الشعبيّ، وسنده جيّد، لكنه مرسل، لم يقل فيه: عن عليّ. انتهى. (اِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال في «الفتح»: في رواية يحيى بن عيسى سببٌ لهذا الكلام، فأول الحديث عنده: عن سُويد بن غَفَلة، قال: كان عليّ يَمُرّ بالنهر، وبالساقية، فيقول: صدق الله ورسوله، فقلنا: يا أمير المؤمنين، ما تزال تقول هذا؟ قال: إذا حدثتكم إلخ، وكان عليّ في حال المحاربة يقول ذلك، وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثرًا، فخَشِي في هذه الكائنة أن يظنُّوا أن قصة ذي الثُّدَيّة من ذلك القبيل، فأوضح أن عنده في أمره نصًّا صريحًا، وبَيَّن لهم أنه إذا حدّث عن النبيّ -ﷺ- لا يَكْنِي، ولا يُعَرِّض، ولا يُوَرِّي، وإذا لم يُحَدِّث عنه فعل ذلك؛ لِيَخْدَع بذلك من يحاربه، ولذلك استدلّ بقوله: «الحرب خدعة». انتهى. (فَلَأَنْ أَخِرَّ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي أسقط (مِنَ السَّمَاءِ) زاد أبو معاوية، والثوريّ في روايتهما: «إلى الأرض»، أخرجه أحمد عنهما، ووقع في رواية يحيى بن عيسى: «أخِرّ من السماء، فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق» (أَحَمث إِلَئَ مِنْ أَنْ أقُولَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ -ﷺ- (مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) في رواية يحيى بن عيسى: «عن نفسي»، وفي رواية الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عليّ: «قام فينا عليّ عند أصحاب النهر، فقال: ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله -ﷺ-، فحدِّثوا به، وما سمعتموني أحدِّث في غير ذلك»، ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي حدّث فيه عليّ بذلك، والسبب أيضًا. (فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) في رواية يحيى بن عيسى: «فإنما الحرب خدعة»، ومعناه: أجتهد رأيي، وقال القاضي عياض: فيه جواز التورية، والتعريض في الحرب، فكأنه تأوّل الحديث على هذا. وقال في «القاموس»: خَدَعَة، كمَنَعَهُ خَدْعًا، ويُكسر: خَتَلَهُ، وأراد به المكروه من حيثُ لا يَعْلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الْخَدِيعةُ، و«الْحَرْبُ خِدْعَةٌ» مثلّثةً، وكهُمَزَة، ورُوي بهنّ جميعًا؛ أي تنقضي بخُدعة. انتهى . [تنبيه]: قوله: «الْحَرْبُ خَدْعَة» حديث مرفوع أخرجه الشيخان مرفوعًا من حديث أبي هريرة -﵁-، ومن حديث جابر -﵁-، وأخرجاه هنا موقوفًا على عليّ -﵁-. وقوله: «خَدْعَة» -بفتح الخاء المعجمة، وبضمها، مع سكون المهملة فيهما، وبضم أوله، وفتح ثانية، قال النوويّ: اتفقوا على أن الأولى الأفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبيّ -ﷺ-، وبذلك جزم أبو ذرّ الهرويّ، والقزاز، والثانية ضُبِطت كذلك في رواية الأصيليّ، قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبيّ -ﷺ- كان يستعمل هذه البِنْيَة كثيرًا؛ لوجازة لفظها، ولكونها تعطي معنى البنيتين الأخيرتين، قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مَرَّةً، فكأنه قال: استَعْمِل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الْحِيَل فقاتل، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى خَدْعَة بالإسكان أنها تَخْدَع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أوأنها وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي مضروبه. وقال الخطابيّ: معناه أنها مرةً واحدةً: أي إذا خَدَع مرةً واحدةً لم تُقَلْ عثرته. وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء؛ للدلالة على الوحدة، فإن الْخِدَاع إن كان من المسلمين، فكأنه حَضَّهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فكأنه حذَّرهم من مكرهم، ولو وقع مرةً واحدةً، فلا ينبغي التهاون بهم؛ لما ينشأ عنهم من المفسدة، ولو قَلَّ. وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة، كهُمَزَة، ولُمَزَة. وحَكَى المنذري لغة رابعةً بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع؛ أي إن أهلها بهذه الصفة، وكأنه قال: أهل الحرب خَدَعَةٌ. قال الحافظ: وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد لغةً خامسةً: كسر أوله، مع الإسكان، قرأت ذلك بخط مغلطاي. وأصل الخدع إظهار أمر، وإضمار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الْحَذَر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النوويّ: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان، فلا يجوز. قال ابن العربيّ: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالكمين، ونحو ذلك. وفي الحديث: الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله -ﷺ-: «الحجُّ عرفة»، قال ابن الْمُنِّير: معنى «الحرب خدعة»: أي الحرب الجيِّدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. [تكميل]: ذكر الواقديّ أن أول ما قال النبيّ -ﷺ-: «الحرب خدعة» في غزوة الخندق. انتهى . (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه الرواية، وفي حديث أبي برزة -﵁- عند النسائيّ:»يخرج في آخر الزمان قوم«، وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المتقدّم فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم. وأجاب ابن التين بان المراد زمان الصحابة، وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فمان في حديث سفينة -﵁- المخرَّج في«السنن»، و«صحيح ابن حبان»، وغيره مرفوعًا:«الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تصير مُلْكًا»، وكانت قصة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ -﵁- سنة ثمان وعشرين، بعد النبيّ -ﷺ- بدون الثلاثين بنحو سنتين. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو جمع حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ)«الأَحْدَاثُ»-بمهملة، ثم مثلثة-: جمع حَدَث- بفتحتين- والحدَث: هو الصغير السنّ، والأسنان جمع سِنّ، والمراد به العمر، والمراد أنهم صغار العمر. (سُفَهَاة الْأَحْلَامِ)«السفهاء»: جمع سَفِيه، وهو خفيف العقل، و«الأحلام» بالفتح: جمع حِلْم، بكسر أوله، والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة، قال النوويّ: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارب، وقوة العقل، قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم يظهر لي وجه تعقّب الحافظ لاستنباط النوويّ، فانه واضحٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقال الأبيّ ﵀بعد نقل ما سبق في كلام النوويّ-: قال الماورديّ في «أدب الدنيا»: من الناس من فَضّل رأي الشيوخ؛ لما ذُكر، وأنشد عليه [من الطويل]: إِذَا طَالَ عُمْوُ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ آفَةٍ … أَفَادَتْ لَهُ الأَيَّامُ فِي كَرِّهَا عَقْلَا ومنهم من فضّل رأي من دونهم، وكان يقال: عليكم برأي من لم تبله الحوادث، ولا استولت عليه رطوبة الهَرَم. انتهى . (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) قال النوويّ: معناه: في ظاهر الأمر، كقولهم: لا حكم إلا لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى. انتهى. وقال في «الفتح»: قيل: إنه مقلوبٌ، وأن المراد من قول خير البرية، وهو القرآن، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد: القول الحسن في الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: «لا حكم إلا لله»، في جواب عليّ -﵁-، كما سيأتي، وقد وقع في رواية طارق بن زياد، عند الطبريّ، قال: خرجنا مع عليّ، فذكر الحديث، وفيه: «يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق، لا تجاوز حلوقهم»، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود، والطبرانيّ: «يحسنون القول، وشميئون الفعل»، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد، وفي حديث مسلم، عن عليّ: «يقولون الحقّ، لا يجاوز هذا»، وأشار إلى حلقه. انتهى . (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) -بالحاء المهملة، والنون، ثم الجيم-: جمع حنجرة، بوزن قَسْوَرة، وهي الحلقوم، والبلعوم، وكله يُطْلق على مَجرَى النفس، وهو طرف المريء مما يلي الفم، ووقع في رواية زيد بن وهب، عن عليّ -﵁- الآتي: «لا تجاوز صلاتهم تراقيهم»، فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة، وفي حديث أبي ذرّ -﵁- الآتي أيضًا: «لا يجاوز إيمانهم حلاقيمهم»، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق، لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ الآتي أيضًا: «يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه». (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) ووقع في رواية النسائيّ، والطبريّ: «يمرقون من الإسلام»، وكذا هو في حديث ابن عمر عند البخاريّ، ووقع عند النسائي من رواية طارق بن زياد، عن عليّ: «يمرقون من الحقّ»، فتبيّن بهذا أن المراد من الدين هنا هو الإسلام، لا الطاعة، كما قاله بعضهم، فتنبّه. (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيةِ) بفتح الراء، وكسر الميم، وتشديد التحتانيّة؛ أي الحيوان الذي يُرْمَى إليه. (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج، والبغاة، وهو مجمع عليه (فَإِنَّ) الفاء للتهليل؛ أي لأن (فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا) أي عظيمًا، فالتنوين للتعظيم (لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») قال في«العمدة»: وإنما كان الأجر في قتلهم؛ لأنهم يَشْغَلون عن الجهاد، ويسعون بالفساد لافتراق كلمة المسلمين. انتهى. وفي رواية زيد بن وهب الآتية:«لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم، لَنَكَلُوا عن العمل»، وفي رواية عبيدة بن عمرو:«لولا أن تَبْطَروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد -ﷺ-، قال عبيدة: قلت لعليّ: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة ثلاثًا». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الطبريّ ﵀: رَوَى هذا الحديث في الخوارج عن عليّ تامًّا ومختصرًا عبيد الله بن أبي رافع، وسُويد بن غَفَلة، وعَبِيدة بن عمرو، وزيد بن وهب، وكُليب الجرميّ، وطارق بن زياد، وأبو مريم. انتهى. زاد الحافظ ﵀: وأبو وضي، وأبو كثير، وأبو موسى، وأبو وائل في «مسند إسحاق ابن راهويه»، والطبرانيّ، وأبو جحيفة عند البزار، وأبو جعفر الفرّاء مولى عليّ، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، وكثير بن نُمير، وعاصم بن ضَمْرة. قال الطبريّ: ورواه عن النبيّ -ﷺ- مع عليّ بن أبي طالب، أو بعضَهُ عبد الله بن مسعود، وأبو ذرّ، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وحُذيفة، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأبو بَرْزَة، وأبوأُمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن حُنيف، وسلمان الفارسي. انتهى. زاد الحافظ - ﵀ -: ورافع بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله البجليّ، وعبد الرحمن بن عُريس، وعقبة بن عامر، وطلق بن عليّ، وأبو هريرة، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» بسند جيّد، من طريق الفرزدق الشاعر، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وسألهما، فقال: إني رجل من أهل المشرق، وإن قومًا يخرجون علينا، يقتلون من قال: لا إله إلا الله، ويُؤَمِّنُون من سواهم، فقالا لي: سمعنا النبيّ - ﷺ - يقول: «من قتلهم فله أجر شهيدٍ، ومن قتلوه فله أجر شهيد». فهؤلاء خمسة وعشرون نفسًا من الصحابة، والطرق إلى كثير منهم متعددة، كعليّ، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر، وأبي بكرة، وأبي برزة، وأبي ذرّ، فيفيد مجموع خبرهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله - ﷺ -. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٢ و٢٤٦٣ و٢٤٦٤ وه ٢٤٦ و٢٤٦٦ و٢٤٦٧ و٢٤٦٨] (١٠٦٦)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٦١١) و«فضائل القرآن» (٥٠٥٧) و«استتابة المرتدّين» (٦٩٣٠)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧٦٧)، و(النسائيّ) في «تحريم الدم» (٧/ ١١٩) و«الكبرى» (٢/ ٣١٢ و٥/ ١٦٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠/ ١٥٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨١ و١١٣ و١٣١ و١٥٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٦٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ١٨٨ و١٨٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في «الجعديّات» (٢٦٨٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٦١ و٣٢٤)، و(الطبرانيّ) في «المعجم الصغير» (٢/ ٢١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٣١ - ١٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٨٧ - ١٨٨) و«دلائل النبوّة» (٦/ ٤٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحضّ على قتال الخوارج. ٢ - (ومنها): بيان صفات الخوارج. ٣ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بما سيقع بعده في أمته، فوقع طِبق ما أخبر به. ٤ - (ومنها): بيان جواز التورية والتعريض في الحرب. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن العربي - ﵀ -: الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالكَمِين، وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطنَ بالإجماع، أصلها الحرب، أذن الله فيه، وفي أمثاله؛ رفقًا بالعباد؛ لضعفهم، وليس للعقل في تحريمه، ولا في تحليله أثرٌ، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقول المبتدعون عقلًا، ويكون التحريم صفة نفسية، كما يزعمون ما انقلب حلالًا أبدًا، والمسألة ليست معقولة، فتستحقّ جوابًا، وخفي هذا على علمائنا، وقال الطبريّ: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحلّ، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل، وقال بعض أهل السير: قال النبيّ - ﷺ - ذلك يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود، وعن المهلَّب: الخداع في الحرب جائز كيف ما يمكن إلَّا بالأيمان والعهود، والتصريح بالأيمان، فلا يحلّ شيء من ذلك. انتهى. ٦ - (ومنها): أن الحديث صريح في وجوب قتال الخوارج والبغاة، قال النوويّ - ﵀ -: وهو إجماع العلماء، قال القاضي عياض - ﵀ -: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأي الجماعة، وشَقُّوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، والاعتذار إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، لكن لا يُجَهَّز على جريحهم، ولا يُتَّبَع منهزمهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة، وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل يوعظون، ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله ما لم يُكَفَّروا ببدعتهم، فإن كانت بدعة مما يُكَفَّرون به جرت عليهم أحكام المرتدين. وأما البغاة الذين لا يُكَفَّرون، فيرثون، ويورثون، ودمهم في حال القتال هَدَرٌ، وكذا أموالهم التي تَتْلَف في القتال، والأصح أنهم لا يُضَمَّنُون أيضًا ما أتلفوه على أهل العدل في حال القتال، من نفس، ومال، وما أتلفوه في غير حال القتال من نفس ومال ضَمِنُوه، ولا يحل الانتفاع بشيء من دوابهم وسلاحهم في حال الحرب عندنا، وعند الجمهور، وجوَّزه أبو حنيفة، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّميّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجةٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٦ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي. و«الأعمش» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لعيسى، وسفيان الثوريّ. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش هذه ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: - حدّثنا محمد بن كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيَانُ، حدّثنا الْأَعْمَشُ، عن خَيْثَمَةَ، عن سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ، قال عَلِيٌّ - ﵁ -: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «يَأْتِي في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ من خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فإن قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يوم الْقِيَامَةِ». وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٤] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بينُ أَبِي شَيْيَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْينُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْداني الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٥ - (زُهَيْرُ بْينُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٦ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. و(الْأَعْمَشُ) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) ضمير التثنية لجرير، وأبي معاوية. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه ساقها أبو يعلى في «سنده» (١/ ٢٢٥) فقال: (٢٦١) - حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا أبو معاوية محمد بن خازم، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: قال عليّ: إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا، فلأن أَخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم عن غيره فإنما أنا محارب، والحرب خدعةٌ، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يَخْرُج في آخر الزمان قوم، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة». انتهى. وأما رواية جرير، عن الأعمش، فلم أر من ساقهاْ، فلْيُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارجَ، فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. قَالَ: قُلْتُ آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبَّ الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٥] ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٣] ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. ٦ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السَّلْمانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٩/ ٤٦٨. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة أسانيد فصلها بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: المقدّميّ، وابن أبي شيبة، وزهير، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن محمد بن سيرين، وعَبِيدة، وهو من المخضرمين. شرح الحديث: (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو السّلَمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها (عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب - ﵁ - (قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارجَ) فاعل «قال» ضمير «عَبِيدة»، وفاعل «ذَكَر» ضمير عليّ - ﵁ -؛ أي قال عَبِيدة: ذكر عليّ - ﵁ - الخوارج، وفي رواية ابن حبّان في «صحيحه»: «عن عَبيدة السلّمانيّ، قال: ذَكَرَ عليّ - رضوان الله عليه - الخوارج، فقال: فيهم رجلٌ مُخْدجٌ …»، وقوله: (فَقَالَ) تفسير لـ«ذَكَرَ» (فِيهِمْ) أي في جملة الخوارج (رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ) -بضم الميم، واسكان الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة، وآخره جيم- ومعناه: ناقص اليد، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تامّ الْخِلْقة، فهو خديج، وأخدجت: إذا جاءت به ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامةً، فهو مُخْدَج، ويُستعمل ذلك أيضًا في كل ذات ظِلْف، وحافِرٍ، بل في الآدميات أيضًا، ومنه: يَوْمَ تَرَى مُرْضِعَةٌ خَدُوجَا … وَكُلُّ أُنْثَى حَمَلَتْ خَدُوجَا (أَوْ مُودَنُ الْيَدِ) «أو» في الموضعين للشكّ في اللفظ الذي قاله، و«الْمُودَن» بضمّ الميم، وإسكان الواو، وفتح الدال المهملة، ويقال بالهمز، وبتركه، وهو ناقص اليد، ويقال أيضًا: وَدِين، ومَودون . (أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ) بفتح الميم، وثاء مثلّثة ساكنة، وهو صغير اليد، مُجْتَمِعها، كثندوة الثَّدْي، وهي بفتح الثاء بلا همز، وبضمها مع الهمز، وكان أصله مثنود، فقُدِّمت الدال على النون، كما قالوا: جَبَذَ، وجَبَذَبَ، وعَاثَ في الأرض، وعَثَا، وحكى في «المحكم» هذا القلب عن ابن جنّي، وقال: إنه ليس بشيء . (لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ؛ أي تَطْغَوا، وأصل الْبَطَر الطُّغيان عند النعمة، والعافية، فيَسُوء احتماله لها، فيكون منه الكبر، والأَشَرُ، والْبَذَخ، وشِدَّة الْمَرَح الَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) أي من الأجر والثواب (قَالَ) عَبِيدة - ﵀ - (قُلْتُ: آنْتَ) بمد الهمزة، وأصله أأنت بهمزتين قُلبت الثانية ألفًا (سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ قَالَ) عليّ - ﵁ - (إِي) - بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة - بمعنى نعم، فيكون لتصديق المخبر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد «قام زيد»، و«هل قام زيد»، و«اضرب زيدًا»، ونحوهنّ، كما تقع «نَعَمْ» بعدهنَّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا قيل: إي والله، ثم أُسقطت الواو، جاز سكون الياء، وفتحها، وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما، قاله ابن هشام - ﵀ - . (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أي وأقسم برب الكعبة (إِي وَرَبَّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) كرّره ثلاث مرّات للتأكيد. قال النوويّ - ﵀ -: انما استحلفه؛ ليُسْمِع الحاضرين، ويؤكّد ذلك عندهم، ويُظهِر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله - ﷺ -، ويُظهِر لهم أن عليًّا - ﵁ - وأصحابه أولى الطائفتين بالحقّ، وأنهم مُحِقُّون في قتالهم، وغير ذلك مما في هذه الأحاديث من الفوائد. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٥] (١٠٦٦)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧٦٣)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٦٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٦٥٢ و١٨٦٥٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٦٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٣ و٩٥ و١٤٤ و١٥٥)، و(عبد الله بن أحمد) في «زوائده على المسند» (١/ ١١٣ و١٢١ و١٢٢) و«زوائده على الفضائل» (١٠٤٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٩٣٨)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (٣٢ - ٣٣)، و(النسائيّ) في «الخصائص» (١٨٧ و١٨٨)، و(ابن أبي عاصم) في «السنّة» (٩١٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٣٧)، و(الطبرانيّ) في «المعجم الصغير» (٩٦٩ و١٠٠٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٨٨)، وأما فوائد الحديث، فتقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيًّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ مَرْفُوعًا). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضِلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ) أي من عليّ - ﵁ -. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ … إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير ابن عون. [تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين ساقها أبو يعلى - ﵀ - في «مسنده» (١/ ٣٧٣) فقال: (٤٧٩) - حدّثنا عبيد الله بن عمر، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن عون، عن محمد، عن عَبِيدة، أنه قال: لا أحدثك إلا ما سمعت منه -يعني عليًا - قال: لولا أن تبطروا لنبأتكم بما وعد الثه الذين يقتلونهم على لسان محمد - ﷺ -، قال: قلت: أنت سمعته من محمد - ﷺ -؟ قال: إي ورب الكعبة، ثلاث مرات: «فيهم رجل مُخْدَجُ، أو مُثْدَن اليد - قال: أحسبه قال -: أو مودن اليد»، قال: فطلبوا ذلك الرجل، فوجدوا من ها هنا، ومن ها هنا مثل ثدي المرأة، عليه شعرات، قال محمد: فحلف لي عَبيدة ثلاث مرات، أنه سمع من عليّ، وحَلَف على ثلاث مرات، أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى تخريجه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٧] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ - ﵁ - الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاِتهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاُتهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّدِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيَّهِمْ - ﷺ - لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ»، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوَيةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِّيكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحٍ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلا، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرَّمَاحَ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ، كمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا، فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ - ﵁ - بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَى نَاسًا، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ). ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الْحِمْيَريّ، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شَهِيرٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ٥/ ٧٠٤. ٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ) أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ [٢] مات بعد (٨٠) وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٧/ ٣٧٤. و«عليّ» - ﵁ - ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، إلا عبد الرزّاق، فصنعانيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سلمة، عن زيد بن وهب. شرح الحديث: عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيَّ - ﵀ - (أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيًّ - ﵁ - الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارجِ، فقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاِتهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ) يقال: حَسِبتُ زيدًا قائمًا أحسبه، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسْبانًا بالكسر، بمعنى ظننت، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (أَنَّهُ لَهُمْ) أي أن القرآن شافعٌ لهم، ومقرّب إلى ربهم (وَهُوَ عَلَيْهِمْ) جملة حاليةٌ؛ أي والحال أن القرآن حجة عليهم حيث لم يؤمنوا به حقّ الإيمان به، ويتلوه حقّ تلاوته، قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١] (لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ) قيل: المراد قراءتهم، كما في الرواية الأخرى، وإطلاق الصلاة على القراءة شائع، كعكسه، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي مرفوعًا: «قَسمت الصلاة بيني وبين عبدي … الحديث»، فقد أطلق الصلاة على الفاتحة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]، فقد أطلق قرآن الفجر على صلاة الفجر. ويَحْتَمِل أن يراد بالصلاة الإيمان، فقد فُسّر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، فيكون المعنى: لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، فلا يدخل قلوبهم، ويؤيّد هذا ما وقع في «صحيح البخاريّ» بلفظ: «لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم»، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: لا تجاوز صلاتهم تراقيهم» هو كناية عن أنها لا تُقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك أن دعاءهم لا يُسمع. انتهى . (تَرَاقِيَهُمْ) جمع: تَرْقُوة وزانُ فَعْلُولة بفتح الفاء، وضمّ اللام، وهي العظم الذي بين ثُغْرة النَّحْر والعاتق من الجانبين، قال بعضهم: لا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصّة . (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون (مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) أي الصيد المرميّ (لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ) أي يقتلونهم (مَا قُضِيَ لَهُمْ) أي حكم به (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ - ﷺ - لَاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ) هكذا في نسخة شرح الأبيّ، ووقع في نسخة النوويّ: «لاتّكلوا عن العمل»، والأول هو الذي عند القرطبيّ في «مختصره»، وقال في «شرحه»: الألف واللام في «العمل» للعهد، فكأنه قال: لاتّكلوا على ثواب ذلك العمل، واعتمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنّة، وإن كانت الأعمال لا تحصّل ذلك، كما قال - ﷺ -: «لن يُنجي أحدًا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «ولا أنا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله برحْمَةٍ …» الحديث، متّفقٌ عليه، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطَّلَع عليه صاحبه لاعتمد علمه، وظنّ أنه هو الذي يُنجيه، قال: والرواية في ذلك اللفظ: «لاتّكلوا» بـ «أل»، وبالتاء المثنّاة من التوكّل، وقد صحّفه بعضهم، فقال: «لنكلوا» بالنون من النكول عن العمل؛ أي لا يعملون شيئًا؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك، وهذا معنى واضحٌ لو ساعدته الرواية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعى القرطبيّ من التصحيف في قوله: «لنكلوا» هو الذي ذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، ولفظه: «لنكلوا عن العمل»، وعزاه إلى رواية مسلم، ومعناه واضح. وأما ما وقع في نسخة «شرح النوويَّ» بلفظ: «لاتّكلوا عن العمل»، من الاتّكال بالتاء، و«عن» بدل «على»، إن لم يكن مصحّفًا، فمعناه: امتنعوا عن العمل استغناء بثواب قتالهم لهم، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث حثّ على قتال الخوارج، ووعد بالثواب العظيم. (وَآيَةُ ذَلِكَ) أي العلامة التي بيّنها النبيّ - ﷺ - لمعرفة هؤلاء الخوارج (أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ) هو ما بين المنكب والمرفق (وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ) «الْحَلَمة -بفتحتين- هي اللحمة الناتئة في رأس الثدي، وقال الأزهريّ: الْحَلَمة: الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والثُّنْدُوة من الرجل . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الحلَمَة: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتُسمّى السعدانة. انتهى . (عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ»، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيَّكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ) كلام عليّ - ﵁ - هذا لجيشه على طريقة الاستفهام الإنكاريّ التوبيخيّ؛ أي لا ينبغي، ولا يصحّ أن يحصل هذا، وغرضه بذلك الحثّ على المبادرة بقتالهم قبل قتال معاوية وأهل الشام (وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُوأَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ) بالنصب بدلًا من اسم الإشارة، واسم الإشارة خبر«يكونوا»؛ يعني أن هؤلاء الحروريين هم الذين وصفهم النبيّ - ﷺ - بالصفات السابقة؛ لانطباقها عليهم، ثم أكّد ذلك بقوله: (فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ) حيث قتلوا عبد الله بن خبّاب ذبحوه، وبقروا بطن جاريته، وهي حُبلى، وكان واليًا لعليّ - ﵁ - على بعض تلك البلاد، وقد سبقت قصّته (وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ) أي مواشيهم، حيث عَدَوا على قوم من بني قطيعة، فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، وغَلُّوا الأطفال في المراجل، كما ذكره ابن عبد البرّ - ﵀ - . (فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ) أي على بركة اسم الله تعالى (قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا) أي أخبرني بالمواضع التي نزلها عليّ - ﵁ - مع جيشه منزلًا منزلًا واحدًا واحدًا، قال القرطبيّ - ﵀ -: وصوابه منزلًا منزلًا مرتين؛ لأن معناه أخبرني بالمنازل مفصَّلةً، فهو منصوب على الحال، كما تقول العرب: علّمته الحساب بابًا بابًا، ولا يُكتفَى في هذا النوع بذكر مرّة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك، غير أنه وقع هنا منزلًا مرّةً واحدةً لجميع رواة مسلم فيما أعلم، وقد جاء في كتاب النسائيّ: «منزلًا منزلًا»، وهو الصحيح. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «منزلًا» هكذا هو في معظم النسخ مرّةً واحدةً، وفي نادر منها «منزلًا منزلًا» مرتين، وكذا ذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، وهو وجه الكلام؛ أي ذَكَرَ لي مراحلهم بالجيش منزلًا منزلًا حتى بلغ القنطرة التي كان القتال عندها، وهي قنطرة الديزجان ، كذا جاء مبينًا في «سنن النسائي»، وهناك خطبهم عليّ - ﵁ -، ورَوَى لهم هذه الأحاديث. انتهى. (حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ) -بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء، بعدها راء -: ما يُبنى على الماء للعبور عليه، وهي فَنْعَلَةٌ، والْجِسْرُ أعمّ؛ لأنه يكون بناءً وغير بناء . وقوله: (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا) الظاهر أن جواب «لَمّا» محذوف بدلالة السياق، تقديره: انتصرنا عليهم، وقوله: (وَعَلَى الْخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ) جملة في محلّ نصب على الحال. قال الحافظ الذهبيّ - ﵀ - في «الميزان»: عبد الله بن وهب الراسبيّ كان من رؤوس الخوارج الحروريّة، زائغ مُبتدع، أدرك عليًّا - ﵁ -، وقال أيضًا: عبد الله بن راسب، من رؤوس الحروريّة، ذكره بعضهم في كُتب الضعفاء، وهو في كتاب أبي إسحاق الْجُوزجانيّ، من أقران عبد الله بن الْكَوّاء، وقد أدرك الجاهليّة. انتهى . وقال الحافظ بعد نقل كلام الذهبيّ هذا ما نصّه: وهذا الرجل إنما اسمه عبد الله بن وهب الراسبيّ، من بني راسب، قبيلة معروفة، وهو كان أمير الخوارج بالنَّهْرَوان لَمّا قاتلهم عليّ - ﵁ -، وقُتل في المعركة، ولا أعلم له رواية. انتهى . (فَقَالَ لَهُمْ) أي عبد الله بن وهب الراسبيّ رئيسهم (أَلْقُوا الرِّمَاحَ) أي ارموه من أيديكم، ولا تستعملوه في القتال. و«الرِّمَاح»: بالكسر: جمع رُمْح، ويُجمع أيضًا على أرماح، قال في «المعجم الوسيط»: الرُّمْحُ قناةٌ في رأسها سِنَانٌ يُطعَنُ به. انتهى . (وَسُلُّوا) بضمّ السين المهملة، وتشديد اللام: أمر من السلّ، يقال: سلّ السيف سَلًّا، من باب نصر: إذا أخرجه من غِمْده، قال في «القاموس»: السّلّ: انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رِفْق، كالاستلال. انتهى . (سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا) أي أخرجوها من أَغْمادها، وهي جمع جَفْن - بفتح، فسكون -: وهو الغمد. يعني أن زعيمهم قال لهم ذلك لتبدأ المعركة بالوطيس الحامي بالسيوف، لا بالرماح. قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الرأي -يعني قول زعيم الخوارج -: «ألقوا الرِّمَاح، وسُلُّوا السيوف» كان فيه فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج بحيث تُمُكَّن منهم بالرماح، فطُعِنوا، ولم يكن لهم ما يطعنون به أحدًا، فقُتلوا عن بَكْرة أبيهم، ولم يُقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير. انتهى . ثمّ علّل زعيمهم أمره بإلقاء الرماح، وسلّ السيوف بقوله: (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ) يقال: نشدتك اللهَ، وناشدتك اللهَ: أي سألتك بالله، وأقسمت عليك؛ يعني أخاف عليكم أن يطلبوا منكم الصلح بالأيمان لو تقتلونهم بالرمح من بعيد (كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ) بالمدّ: قرية بقرب الكوفة، يُنسَب إليها فرقة من الخوارج، كان أول اجتماعهم بها. وفي «القاموس»: وحَرُوراء كجَلُولاء، وقد تُقصر: قرية بالكوفة. انتهى . ويوم حروراء هو اليوم الذي اجتمع فيه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل غير ذلك، فنزلوا حرُوراء، وكان كبيرهم عبد الله بن الكوّاء اليشكريّ، وشَبْث التميميّ، فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عبّاس - ﵃ -، فناظرهم، فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ، فناشدهم، وناقشهم، فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة. (فَرَجَعُوا) أي إلى أماكنهم بعد خروجهم لمواجهة المقاتلين لهم (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أي رموا بها عن بُعد، وقال القرطبيّ: أي صيّروها كالوحش بعيدةً منهم، وهو بتشديد الحاء، يقال: وحّش الرجل: إذا رمى بثوبه، وبسلاحه مخافة أن يُلْحَق، قال الشاعر [من الكامل]: إِنْ انْتُمُ لَمْ تَطْلُبُوا بِأَخِيكُمُ … فَذَرُوا السِّلَاحَ وَوَحَّشُوا بِالأَبْرَقٍ (وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) هو بفتح الشين المعجمة، والجيم المخففة: أي داخلوهم، وطاعنوهم بها، قال ابن دُريد: تشاجر القوم بالرماح: إذا تطاعنوا بها، ومنه التشاجر في الخصومة. (قَالَ) زيد بن وهب - ﵀ -: (وَقُتِلَ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ) أي من أصحاب عليّ - ﵁ - (يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ) لم يُعرف اسمهما . (فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: الْتَمِسُوا) أي طلبوا (فِيهِمْ) أي في هؤلاء القتلى (الْمُخْدَجَ) أي الناقص اليد، وهو الذي تقدّم في قوله: «وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضدٌ، ليس له ذراع …» (فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ) أي لكونه تحت القتلى (فَقَامِ عَلِيٌّ - ﵁ - بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَى نَاسًا، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ) أي قال عليّ - ﵁ -: «الله أكبر» تعجبًا، واستعظامًا لظهور مصداق ما أخبر به النبيّ - ﷺ - من هؤلاء الخوارج (ثُمَّ قَالَ) - ﵁ - (صَدَقَ اللهُ) أي فيما أخبر به النبيّ - ﷺ - من أمر هؤلاء (وَبَلَّغَ رَسُولُهُ) - ﷺ - أمته ما أوحي إليه. (قَالَ) زيد بن وهب (فَقَامَ إِلَيْهِ) أي إلى عليّ - ﵁ - (عَبِيدَةُ) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو (السَّلْمَانِيُّ) بإسكان اللام: منسوب إلى سَلْمان جدّ قبيلة معروفة، وهم بطن من مُراد، قاله ابن أبي داود السجستانيّ، أسلم عَبيدة قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بسنتين، ولم يره، وسمع عمرَ وعليًّا، وابنَ مسعود، وغيرَهُم من الصحابة - ﵃ -. (فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللهَ) بمدّ الهمزة (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «آلله … إلخ» الهمزة عوضٌ من ياء القسم، وهو قسم أقسم عليه به؛ لتزيد طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكًّا عن نفسه. انتهى. (لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ) إنما استحلفه ليؤكد الأمر عند السامعين، ولتظهر معجزة النبيّ - ﷺ -، وأن عليًّا ومن معه على الحقّ، وليطمئن قلب المستحلف؛ لإزالة توهم ما أشار إليه عليّ أن «الحرب خدعة»، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، والى ذلك يشير قول عائشة - ﵄ - لعبد الله بن شداد، حيث قالت له: ما قال عليّ حينئذ؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: رحم الله عليًّا، إنه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق، فيكذبون عليه، ويزيدونه. فَمِن هذا أراد عَبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصة بخصوصها، وأن فيها نقلًا منصوصًا مرفوعًا. وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن عليّ - ﵁ -، وزاد في آخره: «قتالُهم حقّ على كل مسلم». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٧] (١٠٦٦)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧٦٨ و٤٧٧٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠/ ١٤٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ١٩٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٧٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٣٣)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٨] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ، وَهُوَ مَعَ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقًّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَصَفَ نَاسًا، إِنَّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ، مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ، مِنْهُمْ أَسْوَدُ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ، أَوْ حَلَمَةُ ثَدْي، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: انْظُرُوا فَنَظَرُوا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَوَاللهِ، مَا كَذَبْتُ، وَلَا كُذِبْتُ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَن ابْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب. ٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س) تقدم في «الإيمان» ٧٥/ ٣٩٣. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشجَّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد المدنيّ، مولى ابن الْحَضْرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. ٧ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، كان كاتب عليّ - ﵁ -، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ٢٨/ ١٨١٢. و«عليّ» - ﵁ - ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاق كيفيّة التحمّل والأداء، كما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عمرو، والباقون مدنيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن بُسر، عن أبي رافع. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ الْحَرُورِّيةَ) تقدّم أنه نسبة إلى حَرُوراء موضع بالكوفة (لَمَّا خَرَجَتْ، وَهُوَ) أي والحال أن عبيد الله كائن (مَعَ عَلِيَّ بْن أَبِيِ طَالِبٍ - ﵁ -، قَالُوا) جواب «لَمّا» (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ) - ﵁ - (كلِمَةُ حَقٍّ) خبر لمحذوف؛ أي هذه كلمة حقّ، وإطلاق الكلمة على الجملة شائع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]؛ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وقولهم: «لا إله إلا الله كلمة الإخلاص»، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» بقوله: وَكَلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ (أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ) أي نحن نؤمن بتلك الكلمة، ولكن لا نتأوّلها على ما تأولتم به. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه أن الكلمة أصلها صدقٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية، لكنهم أرادوا بها الإنكار على عليّ - ﵁ - في تحكيمه. انتهى. (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَصَفَ نَاسًا) تقدّم أنه اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرَّهْط، وواحده إنسان من غير لفظه (إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ) أي صفة الناس الذين وصفهم الرسول - ﷺ - (فِي هَؤُلَاءِ) الخوارج (يَقُولُونَ الْحَقَّ) أي يتكلّمون بالقول الحقّ (بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَجُوزُ) أي لا يتعدّى ذلك الحقّ (هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ، مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ) هذا مما يؤيّد قول من قال بتكفير الخوارج، ومثله حديث أبي ذرّ - ﵁ - الآتي بلفظ: «هم شرار الخلق والخليقة»، وعند أحمد بسند جيّد، عن أنس - ﵁ - مرفوعًا مثله، وعند البزار من طريق الشعبيّ عن مسروق، عن عائشة - ﵄ - قالت: ذكر رسول الله - ﷺ - الخوارج، فقال: «هم شرار أمتي، يقتلهم خيار أمتي»، وسنده حسنٌ، وعند الطبرانيّ من هذا الوجه، مرفوعًا: «هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة»، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند أحمد: «هم شرّ البريّة»، وفي حديث عبد الله بن خَبّاب، عن أبيه، عند الطبرانيّ: «شر قتلى أظلّتهم السماء، وأقلتهم الأرض»، وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - نحوه، وعند أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي برزة - ﵁ - مرفوعًا في ذكر الخوارج: «شر الخلق والخليقة»، يقولها ثلاثًا، وعند ابن أبي شيبة، من طريق عُمير بن إسحاق، عن أبي هريرة - ﵁ -: «هم شر الخلق». قال الجامع عفا الله عنه: هذه النصوص ظاهرة في تكفير الخوارج، وقد سبق أن هذا القول أقوى دليلًا، وإن كان التوقّف أسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنْهُمْ) رجلٌ (أَسْوَدُ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ) - بطاء مهملة مضمومة، ثم باء موحّدة ساكنة - والمراد به ضرع الشاة، وهو فيها مجاز، واستعارةٌ، إنما أصله للكلبة والسباع، قال أبو عبيد: ويقال أيضًا لذوات الحافر، ويقال للشاة: ضرعٌ، وكذا للبقرة، ويقال للناقة: خِلْفٌ ، وقال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الأخفاف، والأظلاف، وقال الهرويّ: يقال في ذات الخفّ، والظِّلْف: خِلْفٌ، وضَرْعٌ. انتهى. (أَوْ) الظاهر أنها للتنويع، ويَحْتَمِل أن تكون للشكّ من الراوي (حَلَمَةُ ثَدْيٍ) تقدّم قريبًا أن الْحَلَمَة: هي الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والثُّنْدُوة من الرجل (فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -) في وقعة النَّهْرَوان، وذلك سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (قَالَ) - ﵁ - (انْظُرُوا) أي في الرجل الذي وصفه النبيّ - ﷺ - بأنه آية لهم (فَنَظَرُوا) في ظاهر القتلى (فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَوَاللهِ، مَا كَذَبْتُ) بتخفيف الذال المعجمة، مبنيًّا للفاعل؛ أي ما كذبتُ على النبيّ - ﷺ - بنسبة ما لم يقله إليه في شأن الخوارج، ولا في غير ذلك (وَلَا كُذِبْتُ) بتخفيف الذال أيضًا مبنيًّا للمفعول، يقال: كُذِب الرجلُ: إذا أُخبر بالكذب؛ أي ما أخبرني النبيّ - ﷺ - في شأنهم بالكذب، وإنما أخبرني بالصدق (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَانًا، ثُمَّ وَجَدُوهُ) بعد طلبه في خلال القتلى (فِي خَرِبَةٍ) قال في «القاموس»: الْخَرِبة«- بفتح، فكسر- كالْفَرِحَة: موضع الخراب، جمعه خَرِبات، وخَرِبٌ، ككَتِفٍ، وخرائب، كالْخِرْبة بالكسر، وجمعها كعِنَب. انتهى . (فَأَتَوْا بِهِ) أي أتوا عليًّا - ﵁ - بذلك الأسود (حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن أبي رافع (وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ) بجرّ«قولِ»عطفًا على«أمرهم»(زَادَ يُونُسُ) بن عبد الأعلى شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ) وقوله: (قَالَ بُكَيْرٌ) مفعول«زاد»محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ) مقول«قال بُكير»، والرجل لم أجد من سمّاه، والله تعالى أعلم (عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ) الظاهر أنه عبد الله بن حنين الهاشميّ مولاهم المدنيّ الثقة، مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك، في أول المائة الثانية، وتقدّمت ترجمته في«الصلاة»(٤٢/ ١٠٨١). (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ) أي الرجل الذي إحدى يديه طُبْيُ شاة، أو حَلَمة ثَدْي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٨] (١٠٦٦)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٥/ ١٦٠)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٠/ ١٤٩ و١٥٠)، و(ابن أبي شيبة)
مصادر المؤلف (٣٤)

١. «القاموس المحيط» ٣/ ١٦.

٢. «الفتح»٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣ كتاب«الجهاد»رقم (٣٠٢٧)، و«عمدة القاري»١٤/ ٢٧٥.

٣. «الفتح» ١٦/ ١٧٥ - ١٧١ كتاب «استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣٠).

٤. «شرح الأبيّ» ٣/ ٢٠٩.

٥. «الفتح» ١٦/ ١٧١ كتاب «استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣٠).

٦. «الفتح» ١٦/ ١٩٤ - ١٩٥ كتاب «استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣٥).

٧. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٩ - ١٧٠.

٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٨١، و«لسان العرب» ٢/ ٢٤٨.

٩. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٨١.

١٠. «طرح التثريب» ٧/ ٢٨١، و«شرح النوويّ» ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

١١. «مغني اللبيب» ١/ ١٠٥ - ١٠٦.

١٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٧٣.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

١٤. «المفهم» ٣/ ١١٨.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٧٤.

١٦. «المفهم» ٣/ ١١٨ - ١١٩.

١٧. راجع: «المصباح ١/ ١٤٨ - ١٤٩.

١٨. «المفهم»٣/ ١١٩.

١٩. راجع: «جامع بيان العلم وفضله» ٢/ ١٠.

٢٠. «المفهم» ٣/ ١١٩.

٢١. كذا في «سنن النسائيّ الكبرى» ٥/ ١٦٣ ولم أجد من تكلّم فيها، والله تعالى أعلم.

٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٨.

٢٣. «ميزان الاعتدال» ٢/ ٤٢٠.

٢٤. «لسان الميزان» ٤/ ١٢ - ١٣.

٢٥. «القَنَاة»: الرمح الأجوف، وكلُّ عصًا مستوية، أو مُعْوَجّة. انتهى. «المعجم الوسيط» ٢/ ٧٦٤.

٢٦. «المعجم الوسيط» ١/ ٣٧١.

٢٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٩٦.

٢٨. «المفهم» ٣/ ١١٩.

٢٩. «القاموس» ٢/ ٨.

٣٠. بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المدّ.

٣١. بفتح الشين المعجمة، والموحّدة، بعدها مثلّثة.

٣٢. راجع: «تنبيه المعلم» ص ١٩٧.

٣٣. الْخِلْف بكسر، فسكون من ذوات الخفّ، كالثدي للإنسان، والجمع أخلافٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. انتهى. «المصباح» ١/ ١٨٠.

٣٤. «القاموس المحيط» ١/ ٦٠.