HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٠٦

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ تَضْحَكُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص134
ج ٢ ص ٧٧٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٦٢٣
عثمان، فجعل ذلك من قول النبيّ - ﷺ -، ولفظه: قالوا: إنك تواصل؟، قال: «إنما هي رحمةٌ رَحِمَكم الله بها، إني لست كهيئتكم …» الحديث. انتهى. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٥٧٢] (١١٠٥)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٦٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٨٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، و(إسحاق ابن را هويه) في «مسنده» (٢/ ١٦٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٨٢)، وأما فوائده فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا جَاءَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٣] (١١٠٦) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وابن حُجر مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ) وفي رواية القاسم عنها: «أن النبيّ - ﷺ - كان يقتلها»، وفي رواية لى: «كان - ﷺ - يقبّلني»، وأخرجه النسائيّ من طريق يحيى القطان، عن هشام، بلفظ: «كان يقبل بعض أزواجه، وهو صائم»، وزاد الإسماعيليّ من طريق عمرو بن عليّ بن يحيى، قال هشام: «قال: إني لم أر القبلة تدعو إلى خير»، ورواه سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام، بلفظ: «كان يقبل بعض أزواجه، وهو صائم، ثم ضحكت، فقال عروة: لم أر القبلة تدعو إلى خير»، وكذا ذكره مالك في «الموطأ» عن هشام عقب الحديث، لكن لم يقل فيه: «ثم ضحكت»، ذكره في «الفتح» . [تنبيه]: المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، وقال النوويّ -﵀- في «شرح المهذب»: سواء قَبّل الفمَ، أو الخدَّ، أو غيرهما. انتهى . وقوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (ثُمَّ تَضْحَكُ) قال القاضي عياض -﵀-: قيل: يَحْتَمِل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا، وقيل: التعجب من نفسها حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذي يُسْتَحيى من ذكره، لا سيما حديث المرأة به عن نفسها للرجال، لكنها اضطرت إلى ذكره؛ لتجليغ الحديث والعلم، فتتعجب من ضرورة الحال المضطرَّة لها إلى ذلك، وقيل: ضحكت سرورًا بتذكر مكانها من النبيّ - ﷺ - وحالها معه، وملاطفته لها، قال القاضي: وَيحْتَمِل أنها ضحكت خَجلًا؛ لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهًا على أنها صاحبة القصّة؛ ليكون أبلغ في الثقة بحديثها. انتهى . وقد رَوَى ابن أبي شيبة، عن شريك، عن هشام في هذا الحديث: «فضحكت، فظننا أنها هي»، وروى النسائيّ من طريق طلحة بن عبد الله التيميّ، عن عائشة قالت: «أهوى إليّ النبيّ - ﷺ - ليقبّلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبّلني»، قال الحافظ: وهذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك من لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأن عائشة - ﵂ - كانت شابة، نعم لما كان الشاب مظنة لهيجان الشهوة فَرَّق مَن فَرَّق، وقال المازريّ: ينبغي أن يُعْتَبَر حال المقبِّل، فإن أثارت منه القبلة الإنزال حَرُمَت عليه؛ لأن الإنزال يُمنع منه الصائم، فكذلك ما أدى إليه، وإن كان عنها المذي فمن رأى القضاء منه قال: يحرم في حقّه، ومن رأى أن لا قضاء قال: يكره، وإن لم تؤدِّ القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها، إلا على القول بسدّ الذريعة. ظ ل الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذه الآراء لإطلاق النصوص، فإنه - ﷺ - لَمّا سُئل عن قبلة الصائم، أجازه مطلقًا، ولم يفصل بين ما أدّى إلى إنزال المنيّ، أو المذي، بل غضب حين قال له السائل: «قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر». والحاصل أن القبلة جائزة على إطلاقها، وإنما الممنوع هو الجماع فقط، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح بدليله، قريبًا - إن شاء الله تعالى -. قال: ومن بديع ما رُوي في ذلك قوله - ﷺ - للسائل عنها: «أرأيت لو تمضمضت»، فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم، كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع. انتهى. قال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود، والنسائيّ من حديث عمر - ﵁ -، قال النسائيّ: منكرٌ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحا كم . [تنبيه]: رَوَى أبو داود وحده من طريق مِصْاَع بن يحيى، عن عائشة - ﵂ - أن النبيّ - ﷺ - كان يقبّلها، وَيمُصّ لسانها، وإسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٥٧٣ و٢٥٧٤ و٢٥٧٥ و٢٥٧٦ و٢٥٧٧ و٢٥٧٨ و٢٥٧٩ و٢٥٨٠ و٢٥٨١ و٢٥٨٢ و٢٥٨٣ و٢٥٨٤ و٢٥٨٥] (١١٠٦)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٢٧ و١٩٢٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣٠٥٣ و٣٠٥٤ و٣٠٥٥ و٣٠٥٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٩٢)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ١٠٤ و٢٩٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٤٠٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٩٢ و٢٠٧ و٢٤١ و٢٥٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٤٠٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٠٩ و٢١٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٨١ و١٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨/ ٣٠٩ و٣١٠ و٣١١ و٣١٢ و١١٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٩١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٣٣) و«المعرفة» (٣/ ٣٨٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز القبلة للصائم، وأنه لا كراهة فيها، وقد اختلف في ذلك العلماء، وسيأتي بيان مذاهبهم، وترجيح الراجح منها بدليله في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة أمرها على المكلّفين، ففي هذا مصداق قوله - ﷺ -: «بُعثت بالحنيفيّة السمحة» . ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة حيث يقبّل أزواجه، ويؤانسهم، فهذا مصداق قوله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ٤ - (ومنها): بيان مكانة عائشة - ﵂ -، وحبّه - ﷺ - لها حبًّا كثيرًا، كما أخبر بذلك - ﷺ - لَمّا سُئل: مَن أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة …» الحديث، متفقٌ عليه. ٥ - (ومنها): قولها: «يقبلني» فيه جواز الإخبار بمثل هذا، مما يجري بين الزوجين على الجملة؛ للضرورة، وأما في غير حال الضرورة فمنهيّ عنه، فقد أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سِرَّها». ٦ - (ومنها): أن في تصريح عائشة - ﵂ - بذكر نفسها تأكيدًا لما تخبر به، وأنها ضابطة له؛ لكونها صاحبة الواقعة، لم تخبر بذلك عن غيرها، وهوأدعى لقبول ذلك، والأخذ به، أفاده وليّ الدين -﵀- ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قبلة الصائم: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: [أحدهما]: إباحتها مطلقًا، وأنه لا كراهة فيها، قال ابن المنذر -﵀-: رَوَينا الرخصة فيها عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وبه قال عطاءٌ، والشعبيّ، والحسن، وأحمد، وإسحاق، ورَوَى ابن أبي شيبة عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - قال: لا بأس بالقبلة للصائم، وعن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: لا بأس بها ما لم يَعْدُ ذلك، وعن سعيد بن جبير: لا بأس بها، صمانها لبريد سَوْء، وعن مسروق: ما أبالي قبّلتها، أو قبّلت يدي، واختاره ابن عبد البرّ، ورجحه، واستَدَلَّ بما في «الموطأ» عن عطاء بن يسار، أن رجلًا قبّل امرأته، وهو صائم في رمضان، فوَجَد من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة - ﵂ -، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - كان يقبّل، وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرًّا وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ - يُحِلّ الله لرسوله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «مالِ هذه المرأة؟»، فأخبرته أم سلمة، فقال: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟» فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، الله يحل لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده». قال ابن عبد البرّ -﵀-: لم يقل للمرأة: هل زوجك شيخٌ، أو شابٌّ؟ ولو ورد الشرع بالفرق بينهما لما سكت عنه - ﷺ -؛ لأنه المبين عن الله مراده. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: والقصة المذكورة رواها أحمد في «مسنده» عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار، أن الأنصاريّ أخبر عطاءً أنه قَبَّل امرأته، وهو صائم، على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث، فاتَّصَل بذلك، وخرج عن أن يكون مرسلًا، والله أعلم. ورَجَّحه أيضًا أبو بكر ابن العربيّ، فقال: والذي يُعَوَّل عليه جواز ذلك، إلا أن يعلم من نفسه أنه لا يَسْلَم من مفسد، فلا يُلِم الشريعة، ولكن لِيَلُم نفسه الأمارة بالسوء المسترسلة على المخاوف. [القول الثاني]: كراهتها للصائم مطلقًا، وبه قال طائفة من السلف، فرَوَى ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عمر، وابنه عبد الله، وأصحاب رسول الله - ﷺ - مطلقًا، وأبي قلابة النهي عنها، وعن عليّ، وابن مسعود: ما تصنع بخُلُوفِ فِيها؟ وعن ابن مسعود أيضًا: أنه سئل عن صائم قَبَّل، فقال: أفطر، وعن ابن عمر: أفلا يقبّل جمرةً، وعن شريح القاضي: يتقي الله، ولا يعود، وعن سعيد بن المسيّب: تنقص صيامه، ولا يفطر لها، وعن الشعبيّ: تجرح الصوم، وعن محمد ابن الحنفية: إنما الصوم من الشهوة، والقبلة من الشهوة، وعن مسروق: الليل قريبٌ، وعن ابن عمر أيضًا، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهما كراهتها للصائم. قال ابن المنذر: ورَوَينا عن ابن مسعود أنه قال: يقضي يومًا مكانه، وحَكَى الخطابيّ عن سعيد بن المسيّب أن من قبّل في رمضان قضى يومًا مكانه، وحكاه الماورديّ عن محمد ابن الحنفية، وعبد الله بن شُبْرُمة، قال: وقال سائر الفقهاء: القبلة لا تبطل الصوم، إلا أن يكون معها إنزال، ورَوَى مالك في «الموطأ» عن عروة بن الزبير، أنه قال: لم أر القبلة تدعو إلى خير، وبالكراهة يقول مالك مطلقًا في حق الشيخ والشابّ. قال ابن عبد البرّ: وهو شأنه في الاحتياط. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذه الأقوال مخالفة للنصوص الصريحة المذكورة في الباب، وأولى ما يُعتذر به عنهم أن يقال: لم تبلغةم هذه النصوص، أو تأوّلوها بغير وجهها. وأما دعوى الاحتياط، فما أبعده بعد غضب النبيّ - ﷺ - على ذلك الرجل لَمّا ذكر له أن الله يخصّه بما يشاء، فقال: «أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له»، فهل بعد تقواه، وخشيته - ﷺ - احتياط، كلّا والله، ثمّ كلّا. [القول الثالث]: التفرقة بين الشيخ والشابّ، فتكره للشابّ دون الشيخ، حكاه ابن المنذر عن فرقة، منهم: ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة عن مكحول، ورُوي عن ابن عمر مثل ذلك في المباشرة، وحكاه الخطابيّ عن مالك، والمعروف عنه ما تقدّم من الكراهة مطلقًا. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا المذهب أيضًا من جنس المذهب الذي قبله، فلا ينبغي أن يعوّل؛ لمخالفته تلك النصوص، فتبصّر. [القول الرابع]: الفرق بين أن يامن على نفسه بالقبلة الجماع والإنزال، فتباح، وبين أن لا يامن فتكره، وهذا مذهب الحنفية، وهو مثل قول الشافعية: إن القبلة مكروهة في الصوم من حركت شهوته دون غيره، فلا تكره له، لكن الأولى تركها، لكن ظاهر كلام الحنفية الاقتصار في ذلك على كراهة التنزيه، واختلف الشافعيّة في هذه الكراهة، فالذي ذهب إليه جماعات منهم، وصححه الرافعيّ، والنوويّ أنها كراهة تحريم، وقال آخرون منهم: هي كراهة تنزيه، وقد جعل الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» هذا القول هو القول بالتفرقة بين الشيخ والشابّ، وأن التغاير بينهما في العبارة، والمعنى هو واحد، وهو الذي تُفهمه عبارة النوويّ في «شرح مسلم»، قال وليّ الدين: وله وجه، ويكون التعبير بالشيخ والشابّ جرى على الأغلب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم، ومن أحوال الشباب في قوّة شهوتهم، فلو انعكس الأمر كشيخ قويّ الشهوة، وشابّ ضعيف الشهوة انعكس الحكم. قال وليّ الدين: وجعلتهما مذهبين متغايرين، وهو ظاهر كلام ابن المنذر؛ لأن صاحب القول الثالث اعتَبَر المظنة، ولم ينظر إلى نفس تحريك الشهوة وعدمها، وصاحب القول الرابع نظر إلى وجود هذا المعنى بعينه، ولم ينظر إلى مظنته، ويدل لذلك أن النوويّ قال في «شرح المهذب»: ولا فرق بين الشيخ والشابّ في ذلك، فالاعتبار بتحريك الشهوة، وخوف الإنزال، فإن حركت شهوةً كشابّ، أو شيخ قويّ كُرهت، وإن لم تحركها كشيخ، أو شابٍّ ضعيف لم تكره. قال الجامع عفا الله عنه: هذه التفريقات التي قالها أهل هذا المذهب ليس عليها دليلٌ من النصوص الواردة في المسألة، فتبصّر. [القول الخامس]: مذهب الحنابلة أنه إن كان المقبِّل ذا شهوة مُفْرِطة، بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبَّل أنزل، لم تحل له القبلة، وإن كان ذا شهوة، لكنه لا يغلب على ظنه ذلك كُرِه له التقبيل، ولا يحرم، وإن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته، كالشيخ الهرِمِ، ففي الكراهة روايتان عن أحمد. [القول السادس]: التفرقة بين صيام الفرض والنفل، فيكره في الفرض دون النفل، وهو رواية ابن وهب عن مالك، ويرُدّه حديث عمرو بن ميمون، عن عائشة - ﵂ -: أن النبيّ - ﷺ - كان يقبّل في شهر الصوم، رواه مسلم وغيره، وفي رواية له: كان يقبّل في رمضان، وهو صائم. فاحتَجَّ من أباح مطلقًا بهذا الحديث، وقال: الأصل استواء المكلفين في الأحكام، وأن أفعاله - ﷺ - شَرْع يُقْتَدى به فيها. واحتَجَّ من كره مطلقًا بأن غيره - ﷺ - لا يساويه في حفظ نفسه عن المواقعة بعد ميله إليها، فكان ذلك أمرًا خاصًّا به، ويدل لذلك قولها: «وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله - ﷺ -؟». وَيرُدّه ما في «صحيح مسلم» وغيره عن عُمَر بن أبي سلمة، أنه سأل رسول الله - ﷺ - أيقبّل الصائم؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له». فهذا صريح في أن ذلك ليس من خصائصه - ﷺ -، قال وليّ الدين -﵀-: فقد تبيّن أن هذا أيضًا من أضعف حججهم، فلا متمسّك لهم، فتنبّه. وعمر بن أبي سلمة هذا هو الْحِمْيَريّ، كذا جاء مُبَيَّنًا في رواية البيهقيّ، وليس هو ابن أم سلمة . قال الجامع عفا الله عنه: فهل بعد هذا النصّ خصام؟ فإن عمر بن أبي سلمة راجع النبيّ - ﷺ -، وأبدى له مانعًا، وهو أن هذا خاصّ به - ﷺ -، وأما غيره فليس مثله؛ لأنه ربما تغلبه شهوته، ومع ذلك فقد رذ عليه النبيّ - ﷺ - أن هذا عامّ لأمته جميعًا شبابًا وشيوخًا، ومن تتحرّك شهوتهم، ومن لا تتحرّك، فهذا هو الحقّ الصريح، والمنهج الصحيح، فلا مجال للخصام بعد ظهور المرام. قال: واحتَجّ من فرّق بين الشيخ والشاب، أو بين من يأمن على نفسه المواقعة، وبين من لا يأمنها بأنه - ﷺ - كان آمنًا من ذلك؛ لشدة تقواه وورعه، فكل من أَمِن ذلك كان في معناه، فالتحق به في حكمه، ومن ليس في معناه في ذلك فهو مغاير له في هذا الحكم. ورخح وليّ الدين هذا القول - وقال: هذا أرجح الأقوال - بما رواه أحمد، والطبرانيّ، في «معجمه الكبير» عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: كنا عند النبيّ - ﷺ -، فجاء شابّ، فقال: يا رسول الله أقبِّل وأنا صائم؟ قال: «لا»، فجاء شيخ، فقال: أقبّل وأنا صائم؟ قال: «نعم»، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد علمت لمَ نظر بعضكم إلى بعض؟، إن الشيخ يملك نفسه». ومن الغريب احتجاجه بهذا مع أنه من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف عند الجمهور لو روى حديثًا لم يخالف به، فكيف وقد رَوَى حديثًا خالف به الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحيهما«وغيرهما من أنه - ﷺ - أنكر على من راجعه في المسألة، إن هذا لهو العجب العجاب. قال: ورَوَى البيهقيّ نحو ذلك من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو عند أبي داود، ولكن بدل القبلة المباشرة. قال ابن عبد البرّ: وقد أجمع العلماء أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسها، وإنما كرهها خشيةَ ما تؤول إليه من الإنزال، وأقلّ ذلك المذي، ولم يختلفوا في أن من قبّل، وسَلِم من قليل ذلك وكثيرة فلا شيء عليه، ثم قال: لا أعلم أحدًا أرخص في القبلة للصائم إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها مما يفسد صومه، ولو قبّل فأمذى لم يكن عليه شيء عند الشافعيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وابن علية، وقال مالك: كليه القضاء، ولا كفارة، والمتأخرون من أصحاب مالك البغداديون يقولون: إن القضاء هنا استحباب. انتهى، وحَكَى ابن قدامة الفطر في صورة ما إذا قَبّل، فأمذى عن مالك، وأحمد. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من ذكر هذه المذاهب، وأدلّتها، ومناقشتها أن المذهب الراجح هو الأول، وهو أن القبلة للصائم جائزة مطلقًا، فرضًا كان الصوم، أو نفلًا، شابًّا كان المقبّل، أو شيخًا؛ لأنه - ﷺ - في نصوصه الصحيحة الصريحة أباحها على الإطلاق، ولم يستفصل من ذلك شيئًا، ولم يقيّد بشيء من ذلك، ولا سيّما وقد غضب على من راجعه بأنه ليس مثل أمته، وأغلظ له القول، فقال: «أما إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له». ومن المعلوم أن الباعث على التقبيل غالبًا هو تحرّك الشهوة، وهو - ﷺ - يعلم بذلك حين أباح التقبيل على الإطلاق، وقد تبيّن ذلك في قول عمر - ﵁ - حين سأله، فقال: هَشَشْت ، فقبّلت، فقال له - ﷺ -: «أرأيت لو مضمضت من الماء، وأنت صائم؟»، فقال: لا بأس به، قال: «فَمَهْ؟» ، فقد ذكر له - ﷺ - أن الباعث له على التقبيل هو ارتياحه له، فلم يُنكر ذلك عليه، بل شبّهه بالمضمضة، فهل بعد هذا مجال للنقاش؟ كلّا، بل هذا هو الحقّ الصريح، والدليل المقنع الصحيح. وكذلك القول ببطلان الصوم إذا أمنى، أو أمذى مما لا دليل عليه، وقد فنّده ابن حزم -﵀- في «المحلّى» ، ورجّح القول بعدم البطلان؛ لعدم الدليل، وهو الذي لا يظهر لي غيره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٤] (…) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٢. ٣ - (أَبوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أحد الفقهاء السبعة، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. والباقون ذُكروا قبله، وسفيان: هو ابن عيينة. وقوله: (فَسَكَتَ سَاعَةً) قال النوويّ -﵀-: إنما سكت ليتذكّر قولها: «وأيّكم يملك إربه، كما كان رسول الله - ﷺ - يملك إربه؟». انتهى. = عظيمًا، قبّلت، وأنا صائم، قال: «أرأيت لو مضمضت من الماء، وأنت صائم؟» قال: قلت: لا بأس به، قال: «فمه؟»، وهو حديث صحيح. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُني، وَهُوَ صَائِمٌ، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) الْعُمريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ) قال وليّ الدين -﵀-: ضُبِط بكسر الهمزة، واسكان الراء، وبفتحهما، واختُلِف في الأشهر منهما، فذكر النوويّ أن الأول هوأشهرهما، ورواية الأكثرين، قال: وكذا نقله الخطابيّ، والقاضي عياض عن رواية الأكثرين، وحَكَى صاحب «النهاية» الثاني عن رواية أكثر المحدثين. ثم اختُلِف في معناه على الروايتين معًا، فقال الخطابئ: معناهما واحد، وهو حاجة النفس، ووَطَرها، يقال: لفلان عليّ أَرَبٌ، وإِرْبٌ، وإِرْبَةٌ، ومَأْرَبَةٌ: أي حاجةٌ، والإِرْب أيضًا العضو، وتبعه النوويّ على ذلك، فقال: ومعناه بالكسر: الوَطَرُ والحاجة، وكذلك بالفتح، ولكنه يُطْلق المفتوح أيضًا على العضو. قال وليّ الدين: صوابه المكسور، فلا نعلم المفتوح يُطلق على العضو. وذكر صاحب «النهاية» أنه بالفتح الحاجة، وبالكسر فيه وجهان: أحدهما أنه الحاجة أيضًا، والثاني أنه العضو، وعَنَتْ به من الأعضاء الذَّكَرَ خاصّةً. وقال في «المشارق» في رواية الكسر: فسّروه بحاجته، وقيل: لعقله، وقيل: لعضوه، ثم قال: قال أبو عبيد، والخطابيّ: كذا يقوله أكثر الرواة، والإِرْب: العضو، وإنما هو لأَرَبه بفتح الهمزة والراء، ولأَرَبته: أي لحاجته، قالوا: الأَرَب أيضًا الحاجة، قال الخطابيّ: والأول أظهر، قال القاضي عياض: وقد جاء في «الموطأ» روايةِ عبيد الله: «أيكم أملك لنفسه؟». انتهى. وبذلك فسّره الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: ومعنى لأَرَبه: تعني لنفسه. وقال العراقيّ -﵀- في شرحه: وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأن أولى ما فُسِّر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث. وفي «الموطأ» من حديث عائشة - ﵂ - بلاغًا: «وأيكم أملك لنفسه من رسول الله - ﷺ -؟». انتهى. وذكر ابن سيده في «الْمُحْكَم» أن الأَرَب: الحاجة، قال: وفي الحديث: «كان أملككم لأربه»: أي أغلبكم لهواه وحاجته. وقال السلميّ: الأَرَب: الفرج هاهنا، وهو غير معروف. انتهى. وتخصيصه في أصل الاستعمال بالفرج غير معروف، كما قاله، ولكنه لمطلق العضو، وأريد باللفظ العامّ هنا عضو خاصّ، وهو الفرج؛ لقرينة دالّة على ذلك، وقد قال في «المحكم» بعد ذلك: الأَرَبُ العضو الموفر الكامل الذي لم ينقص منه شيء، والذي ذكره الجوهريّ وغيره أنه العضو، ولم يقيّدوه بأن يكون موفَرًا كاملًا. انتهى كلام وليّ الدين -﵀-، وهو مفيدٌ. قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: معنى كلام عائشة - ﵂ - أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبيّ - ﷺ - في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه، ويأمن الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال، أو شهوة، أو هَيَجان نفس، ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الانكفاف عنها. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - (ح) وَحَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٦ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أوأبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٨ - (شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ) الفلّاس، أبو الفضل البغويّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن إسماعيل بن عياش، وابن علية، وهشيم، ووكيع، وابن عيينة، ويحيى بن زكريابن أبي زائدة، وحسين بن عليّ الجعفيّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون الحمّال، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم. قال ابن معين: أعرفه ليس به بأسٌ، نِعم الشيخ ثقةٌ، وقال إبراهيم الحربن: حدّثني شجاع بن مخلد، ولم نكتب ها هنا عن أحد خيرٍ منه، وقال الحسين بن فَهْم: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أحمد: كان ثقةٌ، وكان كتابه صحيحًا، حكاه اللالكائيّ، وقال الخطيب: له تفسير، وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وأورد له عن أبي عاصم، عن سفيان، عن عَمّار الدُّهْنيّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس مرفوعًا: «كرسيه موضع القدمين، والعرش لا يَقْدِر قدره»، رواه الرماديّ، والكجيّ، عن أبي عاصم، فلم يرفعاه، وكذا رواه ابن مهديّ، ووكيعٌ، عن سفيان موقوفًا. وقال هارون الحمّال: وُلد سنة (١٥٥)، وقال الحسين بن فَهْم: تُوُفّي ببغداد في صفر سنة خمس وثلاثين ومائتين، وفيها أرَّخه مُطَيَّن، وابن قانع. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٠٦) و(٢٤٠٨) و(٢٥٣٦). ٩ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، تقدّم قبل بابين. ١٠ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ١١ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ٢٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. قولها: (يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ) التقبيل أخصّ من المباشرة، فهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، وقد رواه عمرو بن ميمون، عن عائشة - ﵂ - بلفظ: «كان يقبِّل في شهر الصوم»، أخرجه مسلم، والنسائيّ، وفي رواية لمسلم: «يقبل في رمضان، وهو صائم»، فأشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل، قاله في «الفتح» . وقولها: (وَيُبَاشِرُ) أصل المباشرة: هو التقاء البشرتين، ويُستعمل في الجماع، سواء أولج، أو لم يولج، وليسس الجماع هنا مرادًا، فتنبّه، أفاده في «الفتح» . [تنبيه]: ذكر البخاريّ عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: يحرُم عليه فرجها. انتهى. قال في «الفتح»: وصله الطحاويّ من طريق أبي مُرّة مولى عَقِيل، عن حكيم بن عِقال، قال: سألت عائشة: ما يحرم على من امرأتي، وأنا صائم؟ قالت: فرجها، وإسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدي معناه أيضًا ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن مسروق، سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كلُّ شيء إلا الجماع. انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ حديث عائشة - ﵂ - المذكور، فقال: حدّثنا سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة … إلخ. قال في «الفتح»: كذا للأكثر، ووقع للكشميهنيّ عن سعيد، بمهملة، وآخره دالٌ، وهو غلطٌ فاحشٌ، فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدّثه عن الحكم، والحكم المذكور، هو ابن عتيبة، وإبراهيم هو النخعيّ. وقد وقع عند الإسماعيليّ، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن شعبة على الصواب، لكن وقع عنده عن إبراهيم، أن علقمة وشريح بن أرطاة رجلان من الئخَع كانا عند عائشة، فقال أحدهما لصاحبه: سلها عن القبلة للصائم، قال: ما كنت لأرفُث عند أم المؤمنين، فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يقبّل، وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه. قال الإسماعيليّ: رواه غندر، وابن أبي عديّ، وغير واحد، عن شعبة، فقالوا: عن علقمة، وحدَّث به البخاريّ، عن سليمان بن حرب، عن شعبة، فقال: عن الأسود، وفيه نظرٌ، وصزح أبو إسحاق بن حمزة، فيما ذكره أبو نعيم في «المستخرج» عنه بأنه خطأٌ. قال الحافظ: وليس ذلك من البخاريّ، فقد أخرجه البيهقيّ من طريق محمد بن عبد الله بن معبد، عن سليمان بن حرب، كما قال البخاريّ، وكأنّ سليمان بن حرب حدّث به على الوجهين، فإن كان حفظه عن شعبة، فلعل شعبة حذث به على الوجهين، وإلا فأكثر أصحاب شعبة لم يقولوا فيه من هذا الوجه: عن الأسود، وإنما اختلفوا، فمنهم من قال، كرواية يوسف المتقدمة، وصورتها الإرسال، وكذا أخرجه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، ومنهم من قال: عن إبراهيم، عن علقمة، وشريح. وقد ترجم النسائيّ في «سننه» الاختلافُ فيه على إبراهيم، والاختلاف على الحكم، وعلى الأعمش، وعلى منصور، وعلى عبد الله بن عون، كلهم عن إبراهيم، وأورده من طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: خرج نَفَرٌ من النَّخَع، فيهم رجل يُدْعَى شُريحًا، فحدّث أن عائشة قالت، فذكر الحديث، قال: فقال له رجل: لقد هممت أن اضرب رأسك بالقوس، فقال: قولوا له: فَلْيَكُفّ عني حتى نأتي أم المؤمنين، فلما أتوها قالوا لعلقمة: سلها، فقال: ما كنت لأرفُث عندها اليوم، فسمعته، فقالت، فذكر الحديث، ثم ساقه من طريق عبيدة، عن منصور، فجعل شريحًا هو المنكر، وأبهم الذي حدَّث بذلك عن عائشة، ثم استوعب النسائيّ طرقه، وعُرِف منها أن الحديث كان عند إبراهيم، عن علقمة، والأسود، ومسروق جميعًا، فلعله كان يحدِّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، وتارة يجمع، وتارة يُفَرِّق. وقد قال الدارقطنيّ بعد ذكر الاختلاف فيه على إبراهيم: كلها صحاحٌ، وعُرِف من طريق إسرائيل سبب تحديث عائشة - ﵂ - بذلك، واستدراكها على من حدَّث عنها به على الإطلاق بقولها: «ولكنه كان أملككم لإربه»، فأشارت بذلك إلى أن الإباحة من يكون مالكًا لنفسه، دون من لا يَأْمَن من الوقوع فيما يَحْرُم. وفي رواية حماد، عند النسائيّ: قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله - ﷺ - يباشر، وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه، وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبيّ - ﷺ - بذلك، قاله القرطبيّ، قال: وهو اجتهاد منها، وقول أم سلمة - ﵂يعني الآتي ذكره - أولى أن يؤخذ به؛ لأنه نصٌّ في الواقعة. قال الحافظ: قد ثبت عن عائشة - ﵂ - صريحًا إباحة ذلك، كما تقدم، فيُجْمَع بين هذا وبين قولها المتقدم: «إنه يَحِلّ له كل شيء إلا الجماع» بحمل النهي هنا على كراهة التنزيه، فإنها لا تنافي الإباحة، وقد رويناه في «كتاب الصيام» ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، بلفظ: سألت عائشة عن المباشرة للصائم، فكرهتها، وكأن هذا هو السر في تصدير البخاريّ بالأثر الأول عنها؛ لأنه يُفَسِّر مرادها بالنفي المذكور في طريق حماد وغيره، والله أعلم. قال: ويدل على أنها لا ترى تحريمها، ولا كونها من الخصائص ما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي النضر، أن عائشة بنت طلحة أخبرته، أنها كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك، فتلاعبها، وتقبلها؟ قال: أقبِّلها وأنا صائم؟ قالت: نعم. [تنبيه آخر]: قال في «الفتح» أيضًا: وقد اختُلِف في القبلة والمباشرة للصائم، فكرهها قوم مطلقًا، وهو مشهور عند المالكية، ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة، ونَقَلَ ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، فمنع المباشرة في هذه الآية نهارًا. والجواب عن ذلك أن النبيّ - ﷺ - هو المبيّن عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارًا، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، لا ما دونه من قبلة ونحوها، والله أعلم. وممن أفتى بإفطار مَن قَبَّل وهو صائم: عبد الله بن شُبْرُمة، أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاويّ عن قوم لم يسمّهم، وألزم ابن حزم أهل القياس أن يُلْحِقوا الصيام بالحج في منع المباشرة، ومقدمات النكاح؛ للاتفاق على إبطالهما بالجماع. وأباح القبلة قومٌ مطلقًا، وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة، وبه قال سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر، فاستحبها. وفَرَّق آخرون بين الشاب والشيخ، فكرهها للشاب، وأباحها للشيخ، وهو مشهور عن ابن عباس، أخرجه مالك، وسعيد بن منصور، وغيرهما، وجاء فيه حديثان مرفوعان ، فيهما ضعف، أخرج أحدهما أبو داود، من حديث أبي هريرة، والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وفرّق آخرون بين من يملك نفسه، ومن لا يملك، كما أشارت إليه عائشة - ﵂ -، وكما تقدم ذلك في مباشرة الحائض في «كتاب الحيض»، وقال الترمذيّ: ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبّل، وإلا فلا؛ لِيَسْلَم له صومه، وهو قول سفيان، والشافعيّ، ويدل على ذلك ما رواه مسلم، من طريق عُمَر بن أبي سلمة، وهو ربيب النبيّ - ﷺ - أنه سأل رسول الله - ﷺ -: أيقبل الصائم؟ فقال: «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، فقال: «أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له»، فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواءٌ لأن عمر حينئذ كان شابًّا، ولعله كان أول ما بلغ، وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص. ورَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار، أنه قَبّل امرأته، وهو صائم، فأمر امرأته أن تسأل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فسألته، فقال: «إني أفعل ذلك»، فقال زوجها: يرخّص الله لنبيّه فيما يشاء، فرجعت، فقال: «أنا أعلمكم بحدود الله، وأتقاكم»، وأخرجه مالك، لكنه أرسله، قال: عن عطاء: أن رجلًا … فذكر نحوه مطوَّلًا. واختُلف فيما إذا باشر، أو قبّل، أو نظر، فأنزل، أو أمذى، فقال الكوفيون، والشافعيّ: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الامذاء، وقال مالك، وإسحاق: يقضي في كل ذلك، ويُكَفِّر، إلا في الإمذاء، فيقضي فقط. واحتُجّ له بأن الإنزال أقصى ما يُطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك. وتُعُقب بأن الأحكام عُلِّقت بالجماع، ولو لم يكن إنزال فافترقا، وروى عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر، أو قَبّل، فأنعظ، ولم يُمذ، ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك، وأبلغ من ذلك ما رَوَى عبد الرزاق عن حذيفة: من تأمل خَلْقَ امرأته، وهو صائم بطل صومه، لكن إسناده ضعيف. وقال ابن قُدامة: إن قبّل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال، وفيه نظرٌ، فقد حَكَى ابن حزم أنه لا يفطر، ولو أنزل، وقَوَّى ذلك، وذهب إليه. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه ابن حزم -﵀- هو الذي تؤيّده النصوص الكثيرة، وأما من قال ببطلان صومه بالإنزال، أو الإمذاء، فمما لا دليل عليه، فقد علم النبيّ - ﷺ - أن الرجل إذا قبّل امرأته، ولا سيّما الشابّ ربما أمنى، أو أمذى، ومع ذلك فلم يقل ببطلان صومه، فمن أين تكون الحجة؟ فتأمله بالإنصاف. وإنما ذكرت هذا التنبيه من عبارة الفتح مع أني ذكرت مذاهب العلماء وأدلّتهم في هذه المسألة في المسألة الرابعة من شرح حديث عائشة - ﵂ - الأول؛ لأني رأيت في عبارة «الفتح» تحقيقًا وتنقيحًا، فأحببت أن لا يخلو شرحي من هذه الفوائد، فلا تلمني بالتكرار، حقّق الله تعالى أملي وأملك ببلوغ نهاية الكتاب، والله ذو الفضل العظيم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٧] (…) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ - كَانَ يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم قبل باب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كَانَ يُبَاشِرُ) قال النوويّ -﵀-: معنى المباشرة هنا: اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَسْرُون إِلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، فَقُلْنَا لَهَا: كًانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ، أَوْ مِنْ أَمْلَكِكُمْ لإِرْبِهِ، شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدَّم في «المقدمة» ٦/ ١٢٩. ٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، وَمَسْرُوقٍ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِيَسْأَلانِهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح الْعَبْديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (لِيَسْأَلانِهَا) قال النوويّ -﵀-: كذا هو في كثير من الأصول: «ليسألانها» باللام، والنون، وهي لغة قليلة، وفي كثير من الأصول: «يسألانها» بحذف اللام، وهذا واضح، وهو الجاري على المشهور في العربية. انتهى. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن ابن عون هذه ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه» (٥/ ٢٠١) فقال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسمعيل ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال: دخل الأسود ومسروق على عائشة، فقالا: أكان رسول الله - ﷺ - يباشر، وهو صائم؟ قالت: كان يفعل، وكان أملككم لإربه. انتهى. [تنبيه آخر]: رواية ابن عليّة هذه عند ابن ماجه صورتها صورة إرسال، ووجه ذلك أن إبراهيم قال: «دخل الأسود، ومسروق … إلخ»؛ لأن من حكى قصّةً أو واقعة لم يشهدها، ولم يكن أدركها، تكون منقطعة، قال الحافظ العراقيّ -﵀-: والقاعدة أن الراوي إذا رَوَى حديثًا في قصّة، أو واقعةٍ، فإن كان أدرك ما رواه بأن حَكَى قصّة وقعت بين النبيّ - ﷺ - وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابيّ أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يُدرِك تلك الواقعة، فهو مرسل صحابيّ، وإن كان الراوي تابعيًا، فهو منقطع، وإن رَوَى التابعيّ عن الصحابيّ قصّة أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعةٌ، قال: وقد حَكَى اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابنُ الْمَوّاق، قال: وما حكاه ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل من أن «عَنْ»، و«أنّ» ليسا سواءً، مُنَزَّل على هذه القاعدة، فإن الخطيب رواه في «الكفاية» بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة سواءٌ؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء، فإنما فَرّق أحمد بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يُسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة. انتهى كلام العراقيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. وإلى القاعدة المذكورة أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى والجواب عن رواية ابن ماجه هذه أنه تبيّن كونها متّصلة بالروايات السابقة، حيث إن إبراهيم روى عن الأسود ومسروق، كلاهما عن عائشة، وكذا رواية المصنّف هنا ظاهرة في الاتصال أيضًا، ومثلها رواية الإمام أحمد -﵀- من طريق ابن عليّة حيث قال في «مسنده» (٦/ ٢١٦): حدّثنا إسماعيل، قال: ثنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق، قال : أتينا عائشة لنسألها عن المباشرة للصائم، فاستحيينا، فقمنا قبل أن نسألها، فمشينا، لا أدري كم؟ ثم قلنا: جئنا لنسألها عن حاجة، ثم نرجعُ قبل أن نسألها، فرجعنا، فقلنا: يا أم المؤمنين، إنا جئنا لنسألك عن شيء، فاستَحَينا، فقمنا، فقالت: ما هو؟ سلا عما بدا لكما، قلنا: أكان النبيّ - ﷺ - يباشر وهو صائم؟ قالت: قد كان يفعل ذلك، ولكنه كان أملك لأربه منكم. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨١] (…) - (حَدَثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُقَبِّلُهَا، وَهُوَ صَائِمٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِلِ وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميصي مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ص ٢ ص ٤٢٤. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ص ٢ ص ٤٢٣. ٥ - (عُمَرُ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان الأمويّ، أمير المؤمنين الخليفة الراشد، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٠١) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٤٦. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيّون، روى بعضهم عن بعض، وهم: يحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير رحمهم الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) (م) من أفرافى المصنّف -﵀-، تقدم في «صلاة المسافرين» ١٩/ ١٧٢٥. [تنبيه]: قوله: «الْحَرِيريّ» - بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء -: نسبة إلى الْحَرِير: نوع من الثياب، قاله في «اللباب» ، ثم إنه ليس في الكتب الستّة من يُنسب الْحَرِيري غيره، ومن عداه كلهم جُرَيري بالجيم مصغّرًا، وإلى هذا أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الحديث» حيث قال: يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِي … وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ الْجُرَيْرِي ٢ - (مُعَاوَيةُ بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] مات في حدود سنة (١٧٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣٠٩. و«يحيى» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٣/ ١٨٣) فقال: (٢٤٩٧) - حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن بشر الْحَرِيريّ، ثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن عروة بن الزبير حدّثه، أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، أن رسول الله - ﷺ - كان يقبّلها، وهو صائم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٣] (…) - (حَذَثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ زِيادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ في شَهْرِ الصَّوْمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) -بكسر العين المهملة، وبالقاف- أبو مالك الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٣] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٨. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأوديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفيّ، مخضرمٌ مشهورٌ، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٧٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقولها: (يُقَبّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ) تعني في حال الصوم، قاله النوويّ -﵀- . والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف -﵀-، وإلا فأصل الحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيٌّ، حَدثَنَا زِيادُ بْنُ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ) الكوفيّ، قيل: اسمه عبد الله بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [٧] (ت ١٦٦) (م ت س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٨٧. والباقون ذُكروا قبله. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف أيضًا، وإلا فأصل الحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٥] (…) - (وَحَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
مصادر المؤلف (٢٤)

١. كذا ترجم القرطبيّ، وهو أولى من ترجمة النوويّ: «باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرّمة على من لم تتحرك شهوته»؛ لأن هذا ليس في النصّ، وإنما أخذه من مذهبه، والمسألة فيها خلاف، سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.

٢. «الفتح» ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠.

٣. «طرح التثريب» ٤/ ١٣٩.

٤. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٤.

٥. وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، والظاهر أن تصحيح هؤلاء مقدّم على من ادّعى أنه منكر، فتفطّن.

٦. ٥/ ٢٩١.

٧. حديث صحيح، انظر: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ -﵀٦/ ١٠٢٢.

٨. «طرح التثريب» ٤/ ١٣٩.

٩. ومما احتج به المانعون أيضًا ما رواه ابن ماجه في «سننه» من طريق إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضِّنِّيّ، عن ميمونة مولاة النبيّ - ﷺ -، قالت: سئل النبيّ - ﷺ - عن رجل قتل امرأته، وهما صائمان، قال: «قد أفطرا»، وأخرجه الطحاويّ، ولفظه: عن ميمونة بنت سعد، قالت: سئل النبيّ - ﷺ - عن القبلة للصائم، فقال: «أفطرا جميعًا»، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبو يزيد الضنيّ -بكسر الضاد المعجمة، والنون المشددة-: نسبة إلى ضِنّة، قال الدارقطني: ليس بمعروف، وقال ابن حزم: مجهول، وميمونة بنت سعد، وقيل: سعيد، خادم النبي - ﷺ -، وأخرجه ابن حزم، ولفظه: عن ميمونة بنت عقبة، مولاة النبيّ - ﷺ -، وقال الدارقطنيُّ: لا يثبت هذا الحديث، وكذا قال السهيلي، والبيهقيّ، وقال الترمذيّ: سألت محمدًا عنه -يعني البخاريّ - فقال: هذا حديث منكر، لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول. ذكره في «عمدة القاري» ١١/ ٩٠.

١٠. هذا غلط من صاحب«الطرح»، والصواب أنه عمر بن أبي سلمة، ولد أم سلمة، وقد صرّح بهذا في«تحفة الأشراف»(٧/ ٣١٧) وكذا في«الفتح»، فقد صرّح بأنه ابن أم سلمة، فقال: هو ربيب النبيّ - ﷺ -، وما عزاه إلى البيهقيّ، فغير صحيح، ولعله التبس عليه الراوي عنه، فقد رواه عنه عبد الله بن كعب الحميريّ، كما سيأتي عند المصنّف آخر الباب، وسنحقّقه هناك، فتنبّه.

١١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٤/ ١٣٥ - ١٣٩.

١٢. في «القاموس»: الْهَشَاشَةُ، والْهَشَاشُ: الارتياح، والخفّة، والنشاط، قال: ويعله كدَبَّ. انتهى.

١٣. هو ما أخرجه أبو داود في «سننه» ٦/ ٣٤٦ عن جابر بن عبد الله، قال: قال عمر بن الخطاب: هَشِشْتُ، فقبّلت، وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا =

١٤. راجع: «المحلَّى» ٦/ ٢٠٣ - ٢١٤.

١٥. «شرح النوويّ» ٧/ ٢١٦ - ٢١٧.

١٦. «الفتح» ٥/ ٢٨٦.

١٧. ٥/ ٢٨٤.

١٨. تقدّم ذكر الحديثين قريبًا.

١٩. قال الجامع: قوله: «ويدلّ على ذلك إلخ» فيه نظرٌ لا يخفى، بل هذا يدل على عكسه، فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم.

٢٠. راجع: «تدريب الراوي» ١/ ٢١٨.

٢١. كذا النسخة «قال» بالإفراد، والظاهر أن الصواب «قالا»، بدليل الروايات الأخرى، فتنبّه.

٢٢. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٤٥.

٢٣. «شرح النوويّ» ٧/ ٢١٨.

٢٤. وفي نسخة: «كان النبيّ - ﷺ -».