HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١١١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ابن عيينة عن الزهري، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هريرة رضي الله نه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ: هَلَكْتُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تصوم شهريين متتابعين؟ «قال: لا. قال:»فهل تجد ماتطعم سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ «قَالَ: لَا. قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ:»تَصَدَّقْ بِهَذَا«قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ»اذْهَبْ فأطعمه أهلك».
ج ٢ ص ٧٨١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٣٢
(١٤) - (بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ في نَهَارِ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٥] (١١١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ » قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ «قَالَ: لَا، قَالَ:»فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ «، قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ، فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ:»تَصَدَّقْ بِهَذَا«، قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابْتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ:»اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ«). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في«المقدمة»٣/ ٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٣ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٣٨٣. ٦ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الفقيه الحجة الشهير، من كبار [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٣٤٨. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في«الإيمان»٢٦/ ٢١٣. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في«المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم أفرد يحيى؛ لاختلافه معهم فيها، وللإشارة إلى أن سياق اللفظ له. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف، وفي رواية للبخاريّ: «أخبرني حُميد بن الرَّحمن»، قال في «الفتح»: هكذا توارد عليه أصحاب الزهريّ، وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفسًا، منهم ابن عيينة، والليث، ومعمر، ومنصور، عند الشيخين، والأوزاعيّ، وشعيب، وإبرأهيم بن سعد، عند البخاريّ، ومالك، وابن جريجٍ، عند مسلم، ويحيى بن سعيد، وعِرَاك بن مالك، عند النسائيّ، وعبد الجبار بن عمر، عند أبي عوانة، والْجَوْزقيّ، وعبد الرَّحمن بن مسافر، عند الطحاويّ، وعُقيل عند ابن خزيمة، وابنُ أبي حفصة عند أحمد، ويونس، وحجاج بن أرطاة، وصالح بن أبي الأخضر عند الدارقطنيّ، ومحمد بن إسحاق عند البزار، قال: وسأذكر ما عند كلّ منهم من زيادة فائدة - إن شاء الله تعالى -. وخالفهم هشام بن سعد، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود وغيره، قال البزار، وابنُ خزيمة، وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. قال الحافظ: وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن أبي حفصة، فرواه عن الزهريّ، أخرجه الدارقطنيّ، في «العلل»، والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة، كذلك أخرجه أحمد وغيره، من طريق رَوْح بن عُبادة عنه. وَيحْتَمِل أن يكون الحديث عند الزهريّ عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدارقطنيّ في «العلل» من طريقه. قال: اختلاف آخر فيه على منصور، فقد رواه أكثر أصحابه عنه، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرَّحمن، وكذا رواه مؤمّل بن إسماعيل، عن الثوريّ، عن منصور، عن الزهريّ، عن حميد، وخالفه مِهْران بن أبي عمر، فرواه - ﵀ - عن الثوريّ بهذا الإسناد، فقال: عن سعيد بن المسيِّب، جدل حُميد بن عبد الرَّحمن، أخرجه ابن خزيمة، وهو قول شاذّ، والمحفوظ الأول . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -) وفي الرواية الآتية من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريجٍ، قال: «حدّثني ابن شهاب، عن حمبد بن عبد الرَّحمن، أن أبا هريرة حدّثه …»، وكذا ثبت التصريح بالتحديث بين حميد، وأبي هريرة من رواية عُقيل عند ابن خزيمة، وابنُ أبي أويس عند الدارقطنيُّ، كلاهما عن ابن شهاب (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) قال صاحب «التنبيه»: هو سلمة بن صخر البياضيّ، قاله عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ، وساق له شاهدًا، ولا أعرف اسم امرأته. انتهى . وأما الحافظ، فقال: لَمْ أقف على تسمية هذا الرجل إلَّا أن عبد الغنيّ في «المبهمات»، وتبعه ابن بشكوال، جَزَمَا بأنه سليمان، أو سلمة بن صخر البياضيّ، واستندا إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، من طريق سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبيّ - ﷺ - لك رقبة غيرها، وضرب صفحة رقبته، قال: «فصم شهرين متتابعين»، قال: وهل أُصبت الذي أُصبت إلَّا من الصيام؟، قال: «فأعم ستين مسكينًا قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام، قال:»فانطَلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك«. والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا، كما سيأتي، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا، فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة، وفي صفة الكفارة، وكونها مرتبة، وفي كون كلّ منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها، اتحاد القصتين، قال: وسنذكر أيضًا ما يؤيد المغايرة بينهما. وأخرج ابن عبد البرّ في ترجمة عطاء الخرسانيّ من«التمهيد»من طريق سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي - ﷺ - هو سليمان بن صخر، قال ابن عبد البرّ: أظن هذا وَهَمًا؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته، ووقع عليها في الليل، لا أن ذلك كان منه بالنهار. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون قوله في الرواية المذكورة:«وقع على امرأته في رمضان»أي ليلًا بعد أن ظاهر، فلا يكون وَهَمًا، ولا يلزم الاتحاد. ووقع في مباحث العامّ من شرح ابن الحاجب ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بُرْدة بن يسار، وهو وَهَمٌ يظهر مِن تأمّل بقية كلامه. انتهى . (فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد عبد الجبار بن عمر، عن الزهريّ:«جاء رجل، وهو يَنْتِف شعره، وَيدُقّ صدره، ويقول: هلك الأبعد»، ولمحمد بن أبي حفصة:«يَلْطِم وجهه»، ولحجاج بن أرطاة:«يدعو ويله»، وفي مرسل ابن المسيّب عند الدارقطنيّ:«ويحثي على رأسه التراب». واستُدِلّ بهذا على جواز هذا الفعل والقول، ممن وقعت له معصية، ويُفَرَّق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين؛ لِمَا يُشعر به الحال من شدّة الندم، وصحة الإقلاع. ويَحْتَمِل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود، وحلق الشعر عند المصيبة، قاله في«الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الاحتمال هو الأقرب والأشبه، فتأمل، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ من طريق منصور، عن الزهريّ:«جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن الآخر وقع على امرأته في رمضان»، والآخر - بهمزة مفتوحة، وخاء معجمة مكسورة، بغير مدّ - هو الأبعد، وقيل: الغائب، وقيل: الأرذل. (قَالَ) - ﷺ - (وَمَا أَهْلَكَكَ؟») وفي نسخة: «وماذا أهلكك؟»، وفي رواية للبخاريّ: «قال: مالَكَ؟» بفتح اللام، وهو استفهام عن حاله، وفي رواية عُقيل: «ويحك ما شأنك؟»، ولابن أبي حفصة: «وما الذي أهلكك؟»، ولعمرو: «ما ذاك؟»، وفي رواية الأوزاعيّ: «ويحك ما صنعتَ؟». (قَالَ) الرجل (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق: «أصبت أهلي»، وفي حديث عائشة - ﵂ - الآتي: «وَطِئت امرأتِي» (فِي رَمَضَانَ) وفي البخاريّ: «وقعت على امرأتي، وأنا صائمٌ»، فقوله: «وأنا صائم» جملة حاليّة من قوله: «وقعت»، فيؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتقّ بقاءُ المعنى المشتقّ منه حقيقةً؛ لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: «وَطِئتُ» أي شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ، ووقع في رواية عبد الجبار بن عمر: «وقعت على أهلي اليومَ، وذلك في رمضان» . (قَالَ) - ﷺ - («هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟») «ما» موصولة مفعول «تجد»، و«تُعتق» بضمّ أوله، من الإعتاق صلتها، والعائد محذوف؛ أي الذي تُعتقه، و«رقبةً» منصوب على البدليّة من «ما»، وفي رواية الليث: «هل تجد رقبةً؟»، وفي مالك: «فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُكفّر بعتق رقبة»، وفي رواية ابن جريجٍ: «أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يُعتق رقبةً»، وكلّها تأتي للمصنّف، وفي رواية: «هل تجد رقبةً نُعتقها؟»، وفي رواية منصور: «أتجد ما تُحَرِّر رقبةً؟»، وفي رواية إبراهيم بن سعد، والأوزاعيّ: «فقال: أعتق رقبةً»، وكلها عند البخاريّ، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: «أتستطيع أن تُعتِق رقبةً؟»، زاد في رواية مجاهد، عن أبي هريرة: «فقال: بئسما صنعتَ، أَعْتِق رقبةً». [تنبيه]: قال الأزهريّ: إنما قيل لمن أَعتق نسمة: أَعْتَق رقبةً، وفَكّ رقبةً، فخُصّت الرقبة دون بقية الأعضاء؛ لأن حكم السيد، وملكه كالحبل في رقبة العبد، وكالْغُلّ المانع له من الخروج عنه، فإذا أُعتق فكأنه أطلق من ذلك. انتهى . (قَالَ) الرجل (لَا) أي لا أستطيع، في رواية عبد الرَّحمن بن مسافر عند الطحاويّ: «فقال: لا، والله يا رسول الله»، وفي رواية ابن إسحاق عند البزّار: «ليس عندي»، وفي حديث ابن عمر: «فقال: والذي بعثك بالحقّ ما ملكت رقبةً قطّ». واستُدِلّ بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة، كقول الحنفية، وهو ينبني على أن السبب إذا اختَلَف، واتّحَد الحكمُ، هل يُقَيَّد المطلق، أو لا؟ وهل تقييده بالقياس أو لا؛ والأقرب أنه بالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ - ﵀ -: وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وجواز المعيبة، وهو مذهب داود، والجمهور على خلافهما، فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمان، بدليل تقييدها به في كفّارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيّد المعروفة في الأصول، وبدليل أن مقصود الشرع الأول بالعتق تخليص الرقاب من الرقّ؛ ليتفرّغوا لعبادة الله تعالى، ولنصر المسلمين، وهذا المعنى مفقود في حقّ الكافر، وقد دلّ على صحّة هذا المعنى قوله في حديث السوداء: «أعتقها، فإنها مؤمنة»، رواه مسلم، وأما العيب فنقص في المعنى، وفي القيمة، فلا يجوز له؛ لأنه في معنى عتق الجزء، كالثلث، والربع، وهو ممنوع با لاتفاق. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - («فَهَلْ تَسْتَطِيعُ) أي تَقْوَي، وتَقْدِرُ (أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟») أي متواليين، وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفّارة على ابن أبي ليلى؛ إذ لَمْ يشترطه، قاله القرطبيّ . (قَالَ) الرجل (لَا) وفي رواية إبراهيم بن سعد المذكورة: «قال: فصم شهرين متتابعين»، وفي حديث سعد: «قال: لا أقدر»، وفي رواية ابن إسحاق: (وهل لقيتُ ما لقيتُ إلَّا من الصيام؟ «. قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته؛ لشدة شَبَقِه، وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر: هل يكون ذلك عذرًا؛ أي شدّة الشَّبَق حتى يُعَدّ صاحبه غير مستطيع للصوم، أو لا؛ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويَلتحق به من يَجِد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها؛ لكونه في حكم غير الواجد. وأما ما رواه الدارقطنيّ من طريق شريك، عن إبراهيم بن عامر، عن سعيد بن المسيِّب في هذه القصة مرسلًا أنه قال في جواب قوله: «هل تستطيع أن تصوم؟»: إني لأدع الطعام ساعةً، فما أطيق ذلك، ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته، فلعله اعتل بالأمرين، قاله في «الفتح» . (قَالَ) - ﷺ - («فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟») «ما» موصولة بتقدير العائد؛ أي الذي تُطعمه، أو مصدريّة؛ أي إطعام ستين مسكينًا، وفي رواية البخاريّ: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا» (قَالَ) الرجل (لَا) أي لا أستطيع، وفي رواية ابن أبي حفصة: «أفتستطيع أن تُطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا»، وذكر الحاجة، وفي حديث ابن عمر: «قال: والذي بعثك بالحقّ ما أُشبع أهلي». قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ستين مسكينًا» حجة للجمهور في اشتراط عدد الستّين على الحسن؛ إذ قال: يُطعم أربعين، وعلى أبي حنيفة؛ إذ يقول: يجوز إعطاء طعام ستين مسكينًا لمسكين واحد، وهوأصله في هذا الباب. انتهى . وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى «ستين»، فلا يكون ذلك موجودًا في حقّ من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا، ومن أجاز ذلك، فكأنه استَنْبَطَ من النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء، حتى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستين يومًا كفى. والمراد بالإطعام الإعطاء، لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف. وفي إطلاق الإطعام ما يدلّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض، فإن فيها النصّ على الإيتاء، وصدقة الفطر، فإن فيها النصّ على الأداء. وفي ذكر الإطعام ما يدلّ على وجود طاعمين، فيخرج الطفل الذي لَمْ يَطْعَم، كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع، فقال يُسَلَّم لوليّه. وذكر الستين؛ ليُفْهِم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لَمْ يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. [تنبيه]: ذُكِر في حكمة هذه الخصال من المناسبة، أن مَن انتهك حرمة الصوم بالجماع، فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يُعتِق رقبةً، فَيَفْدي نفسه، وقد ثبت أن: «من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار»، رواه أحمد . وأما الصيام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه كالمقاصّة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أُمر بمصابرة النفس في حفظ كلّ يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يومًا، كان كمن أفسد الشهر كله، من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، فكلِّف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كلّ يوم بإطعام مسكين، ثم إن هذه الخصال جامعةٌ؛ لاشتمالها على حق الله تعالى، وهو الصوم، وحقّ الأحرار بالإطعام، وحقّ الأرقاء بالإعتاق، وحقّ الجاني بثواب الامتثال ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (ثُمَّ جَلَسَ) أي الرجل، وفي رواية البخاريّ: «فمَكُث عند النبيّ - ﷺ -» قال في «الفتح»: كذا هنا بالميم، والكاف المفتوحة، ويجوز ضمها، والثاء المثلثة، وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج» من وجهين، عن أبي اليمان: «فسكت» بالمهملة، والكاف المفتوحة، والمثناة، وكذا في رواية ابن مسافر، وابن أبي الأخضر، وفي رواية ابن عيينة: «فقال له النبيّ - ﷺ -: اجْلِس، فجلس». قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «اجلس» انتظار منه لوجه يتخلّص به مما حصل فيه، أو ليوحى إليه في ذلك. انتهى . (فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، و«النبيّ» نائب فاعله، وفي رواية البخاريّ: «فبينا نحن على ذلك أُتي النبيّ - ﷺ -»، قال في «الفتح»: في رواية ابن عيينة: «فبينما هو جالس كذلك»، قال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحى إليه في حقّه، ويَحْتَمِل أنه كان عَرَف أنه سيؤتى بشيء يعينه به، وَيحْتَمِل أن يكون أسقط عنه الكفارة بالعجز، وهذا الثالث ليس بقويّ؛ لأنَّها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إياه الْمِكْتَلَ. قال: والآتي المذكور لَمْ يُسَمّ، لكن وقع في رواية معمر عند البخاريّ = وقد أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه». في «الكفارات»: «فجاء رجل من الأنصار»، وعند الدارقطنيّ من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيِّب مرسلًا: «فأتى رجل من ثقيف»، فإن لَمْ يُحْمَل على أنه كان حليفًا للأنصار، أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعمّ، وإلا فرواية «الصحيح» أصحّ. ووقع في رواية ابن إسحاق: «فجاء رجل بصدقته يحملها»، وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور: «بتمر من تمر الصدقة». انتهى. (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) - بفتح العين والراء - قال النوويّ - ﵀ -: هذا هو الصواب المشهور في الرواية واللغة، وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثير من شيوخنا وغيرهم بإسكان الراء، قال: والصواب الفتح، ويقال للعرق: «الزَّبِيل» - بفتح الزاي، من غير نون -، و«الزِّنْبِيل» - بكسر الزاي، وزيادة نون - ويقال له: الْقُفَّة«، و»الْمِكْتَل«- بكسر الميم، وفتح التاء المثناة - فوقُ، و»السَّفِيفة«- بفتح السين المهملة، وبالفائين - قال القاضي: قال ابن دُريد: سُمِّي زَبِيلًا؛ لأنه يُحْمَل فيه الزبل، والعَرَق عند الفقهاء: ما يسع خمسة عشر صاعًا، وهي ستون مُدًّا لستين مسكينًا، لكل مسكين مدٌّ. انتهى. وقال في«الفتح»:«الْعَرَقُ» -بفتح المهملة والراء، بعدها قاف- قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة، وفي رواية أبي الحسن -يعني القابسيّ- بإسكان الراء، قال عياض: والصواب الفتح، وقال ابن التين: أنكر بعضهم الإسكان؛ لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم. قال الحافظ: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم، فليُنْكَر الفتح؛ لأنه يشترك مع الماء الذي يتحَلَّب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح، ومن حيث اللغة أيضًا، إلَّا أن الإسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللغة، كالقزاز. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «الْعَرَق» بفتح الراء لا غير، وسُمّي بذلك؛ لأنه جمع عَرَقَة، وهي الضَّفِيرة من الْخُوص، وهو الزِّنْبِيلُ بكسر الزاي على رواية الطبريّ، وبفتح الزاي لغيره، وهما صَحِيحان، وسُمّي بذلك؛ لأنه يُحمل فيه الزبل، ذكره ابن دُريد، وهذا العرق تقديره عندهم خمسة عشر صاعًا، وهو مفسّر في الحديث، وقد تقدّم أن الصاع أربعة أمداد، فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مُدًّا، ولهذا قال الجمهور: إن مقدار ما يُدفع لكلّ مسكين من الستين مدٌّ، وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة والثوريّ؛ إذ قالا: لا يُجزئ أقلّ من نصف صاع لكلّ مسكين. انتهى . [تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ تفسير العرق، فقال: «والْعَرَقُ»: «الْمِكْتَل» - بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح المثناة، بعدها لام - قال في «الفتح»: زاد ابن عيينة عند الإسماعيليّ، وابن خزيمة: «الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ»، قال الأخفش: سُمِّي المكتل عَرَقًا؛ لأنه يُضَفَّر عَرَقَةً عَرَقَةً، فالعَرَق جمع عَرَقة، كعَلَق وعَلَقَة، والعَرَقة الضَّفِيرة من الْخُوص. وقوله: «والْعَرَقُ: الْمِكْتَل» تفسير من أحد رواته، وظاهر هذه الرواية أنه الصحابيّ، لكن في رواية ابن عيينة ما يُشعر بأنه الزهريّ، وفي رواية منصور عند البخاريّ: «فَأُتِي بعرق فيه تمر، وهو الزَّبِيل»، وفي رواية ابن أبي حفصة: «فأتي بزَبيل، وهو المكتل»، والزَّبِيل - بفتح الزاي، وتخفيف الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، بوزن رغيف -: هو المكتل، قال ابن دُريد: سُمّي زَبيلًا؛ لحمل الزبل فيه، وفيه لغة أخرى: زِنبيل - بكسر الزاي أوله، وزيادة نون ساكنة، وقد تدغم النون، فتشدَّد الباء، مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات الثلاث زَنابيل. [تنبيه آخر]: سيأتي في حديث عائشة - ﵂ - الآتي في الباب: «فجاءه عَرَقَان» بالتثنية، والمشهور في غيرها عَرَق، ورجحه البيهقيّ، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة، قال الحافظ: وهو جمع لا نرضاه؛ لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد، والذي يظهر أن التمر كان قدر عَرَق، لكنه كان في عَرَقين في حال التحميل على الدابة؛ ليكون أسهل في الحمل، فَيَحْتَمِل أن الآتي به لَفا وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرقٌ أراد ما آل إليه، والله أعلم. انتهى. (فَقَالَ) - ﷺ - («تَصَدَّقْ بِهَذَا») وفي رواية البخاريّ: «خُذْ هذا، فتصدق به»، قال في «الفتح»: كذا للأكثر، ومنهم من ذكره بمعناه، وزاد ابن إسحاق: «فتصدق به عن نفسك»، ويؤيده رواية منصور عند البخاريّ بلفظ: «أطعم هذا عنك»، ونحوه في مرسل سعيد بن المسيِّب، من رواية داود بن أبي هند عنه، عند الدارقطنيّ، وعنده من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة: «نحن نتصدق به عنك»، واستُدلّ بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده، دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: «هل تستطيع»، و«هل تجد»، وغير ذلك ، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «تصدّق بهذا» يلزم منه أن يكون قد ملّكه إياه؛ ليتصدّق به عن كفارته، ويكون هذا كقول القائل: أعتقت عبدي عن فلان، فإنه يتضمّن سبقيّة الملك عند قوم، وأباه أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمُعْتَق عنه، وأن الكفّارة تسقط بذلك. انتهى . (قَالَ) الرجل (أَفْقَرَ مِنَّا؟) قال النوويّ - ﵀ -: كذا ضبطناه «أَفْقَرَ» - بالنصب، وكذا نَقَل القاضي عياض أن الرواية فيه بالنصب، على إضمار فعل، تقديره: أَتَجِد أفقر منا، أو أتعطي، قال: ويصح رفعه على تقدير: هل أحدٌ أفقرُ منا؟، كما قال في الحديث الآخر بعده: «أغيرُنا»، كذا ضبطناه بالرفع، ويصح النصب على ما سبق، قال النوويّ: وقد ضبطنا الثاني بالنصب أيضًا، فهما جائزان، كما سبق توجيههما. انتهى. وفي رواية البخاريّ: «فقال الرجل: على أفقر مني»؛ أي أتصدق به على شخص أفقر مني، وهذا يشعر بأنه فَهِمَ الإذن له في المتصدق على من يتصف بالفقر، وقد بيّن ابن عمر في حديثه ذلك، فزاد فيه: «إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم»، أخرجه البزار، والطبرانيّ في «الأوسط»، وفي رواية إبراهيم بن سعد: «أعَلى أفقر من أهلي؟»، ولابن مسافر: «أعلى أهل بيتٍ أفقر مني؟»، وللأوزاعيّ: «أعَلى غير أهلي؟»، ولمنصور: «أعَلى أحوج منّا؟»، ولابن إسحاق: «وهل الصدقة إلَّا لي، وعليّ؟». (فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تثنية «لابة»، والضمير للمدينة، قال النوويّ - ﵀ -: «اللابتان»: هما الْحَرّتان، والمدينة بين حرتين، والْحَرَّة: هي الأرض الْمُلَبَّسة حجارةً سُودًا، ويقال: لابةٌ، ولُوبةٌ، ونُوبةٌ، بالنون، حكاهنّ أبو عبيد، والجوهريّ، ومن لا يُحصَى من أهل اللغة، قالوا: ومنه قيل للأسود: لُوبيّ، ونُوبيّ، با للام والنون، قالوا: وجمع اللابة لُوْبٌ، ولابٌ، ولاباتٌ، وهي غير مهموزة. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: اللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وهي الأرض ذات الحجارة السُّود، والجمع لَابٌ، مثلُ ساعة وسَاعٍ. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين»، وقوله: «يريد الحرّتين» من كلام بعض رواته، زاد في رواية ابن عيينة ومعمر: «والذي بعثك بالحق»، ووقع في حديث ابن عمر: «ما بين حرتيها»، وفي رواية الأوزاعيّ: «والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة»، وهو تثنية طُنُب، وهو بضم الطاء المهملة، بعدها نون، والطُّنُبُ أحد أطناب الخيمة، فاستعاره للطَّرَف. (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ) أي إلى هذا الطعام، فقوله: «أهلُ» بالرفع على أنه اسم «ما» النافية الحجازيّة، و«أحوج» بالنصب على أنه خبرها، ويَحْتَمِل أن تكون «ما» تميميّة، لا تعمل، فـ «أهلُ» بالرفع على الابتداء، و«أحوجُ» بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أفاده الزركشيّ وغيره. وقال البدر الدمامينيّ: وكذا إن جُعلت «ما» حجازيّة ملغاة من عمل النصب، (مِنَّا) وفي رواية البخاريّ: «أفقر من أهل بيتي»، وفي رواية عُقيل: «ما أحدٌ أحقّ به من أهلي، ما أحد أحوج إليه مني»، وفي مرسل سعيد، من رواية داود عنه: «والله ما لعيالي من طعام»، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: «ما لنا عشاءُ ليلة». (فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) بفتح الهمزة: جمع ناب، وهو السنّ الذي بعد الرَّبَاعية، وهي أربعة، وقال الفيّوميّ: الناب من الأسنان مذكّرٌ ما دام له هذا الاسم، والجمع أنيابٌ، وهو الذي يلي الرَّبَاعيات، قال ابن سينا: ولا يجتمع في حيوان نابٌ وقرنٌ. انتهى . وفي رواية ابن إسحاق: «حتى بدت نواجذه»، ولأبي قُرّة في «السنن»، عن ابن جريجٍ: «حتى بدت ثناياه»، قال الحافظ: ولعلها تصحيف من «أنيابه»، فإن الثنايا تَبين بالتبسم غالبًا، وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويُحْمَل ما ورد في صفته - ﷺ - أن ضحكه كان تبسمًا على غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلَّا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لَمْ يزد على التبسم، قيل: وهذه القضية تَعْكُر عليه، وليس كذلك، فقد قيل: إن سبب ضحكه - ﷺ - كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفًا على نفسه، راغبًا في فدائها، مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة، طَمِعَ في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة، وقيل: ضَحِكَ من حال الرجل في مقاطع كلامه، وحسن تأتّيه، وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. انتهى. (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ،) وفي رواية لابن عيينة:»أطعمه عيالك«، ولإبراهيم بن سعد:»فأنتم إذًا«، وقُدِّم على ذلك ذكر الضحك، ولأبي قرة، عن ابن جريجٍ:»ثم قال: كله«، ونحوه ليحيى بن سعيد، وعِراك، وجمع بينهما ابن إسحاق، ولفظه:»خذها، وكلها، وأنفقها على عيالك«، ونحوه في رواية عبد الجبار، وحجاج، وهشام بن سعد، كلهم عن الزهريّ، ولابن خزيمة في حديث عائشة - ﵂ -:»عُدْ به عليك، وعلى أهلك«، قاله في»الفتح«. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«فأطعمه أهلك» تخيّل قوم من هذا الكلام سقوط الكفّارة عن هذا الرجل، فقالوا: هو خاصّ به، وليس فيه ما يدلّ على ذلك، بل نقول: إن النبيّ - ﷺ - لَمَّا بيّن له ما يترتّب على جنايته من الكفّارة لزم الحكم، وتقرّر في الذمّة، ثم لَمّا تبيّن من حاله هذا أنه عاجزٌ عن الكفارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال، وبقي الحكم في الذمّة على ما رتّبه أَوّلًا، فبقيت الكفّارة عليه إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها، وهذا مذهب الجمهور، وأئمة الفتوى، وقد ذهب الأوزاعيّ، وأحمد إلى أن حكم من لَمْ يجد الكفّارة من سائر الناس سقوطها عنه. قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور عندي أرجح؛ لأنه - ﷺ - لَمْ يقل له: سقطت عنك الكفّارة، بل أمره بالجلوس فدلّ على أنَّها باقية؛ لأن أمره به؛ لكي يساعده عليها، فهذا دليل بقائها، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: ولم يتعرّض النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم، وأنه ليس عليه الكفّارة، والجمهور على لزوم القضاء مع الكفّارة؛ إذ الصوم المطلوب منه لَمْ يفعله، فهو باق عليه، كالصلوات وغيرها إذا لَمْ تُفعل بشروطها. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريبًا أنه - ﷺ - أمره بقضاء يوم، والحديث بمجموع طرقه يصلح للاحتاج به - كما أشار إليه الحافظ - فقول الجمهور بوجوب القضاء هو الحقّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٥٩٥ و٢٥٩٦ و٢٥٩٧ و٢٥٩٨ و٢٥٩٩ و٢٦٠٠] (١١١١)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٣٦ و١٩٣٧) و«الهبة» (٢٦٠٠) و«الأدب» (٦٠٨٧ و٦١٦٤) و«الكفّارات» (٦٧٠٩ و٦٧١٠ و٦٧١١) و«الحدود» (٦٨٢١)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣٩٠)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٢٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢١٣)، و(ابن ماجة) في «الصيام» (١٦٧١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ١٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٠٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٤٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٢٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٦٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٢٨١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٦١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٨٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٠٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٢١ و٢٢٢ و٢٢٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الكفّارة على من جامع في نهار رمضان. ٢ - (ومنها): السؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفًا للشرع، والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم. ٣ - (ومنها): استعمال الكناية فيما يُستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ لقوله: «واقعت، أوأصبت»، على أنه قد ورد في بعض طرقه كما تقدم: «وَطِئت»، قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر أنه من تصرف الرواة. ٤ - (ومنها): أن فيه الرفقَ بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألّف على الدين. ٥ - (ومنها): الندم على المعصية، واستشعار الخوف. ٦ - (ومنها): جواز الجلوس في المسجد لغير الصلاة، من المصالح الدينية، كنشر العلم. ٧ - (ومنها): جواز الضحك عند وجود سببه. ٨ - (ومنها): إخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة. ٩ - (ومنها): جواز الحلف؛ لتأكيد الكلام. ١٠ - (ومنها): قبول قول المكلَّف مما لا يُطَّلَع عليه إلَّا من قبله؛ لقوله في جواب قوله: «على أفقرَ منا؟»: «أطعمه أهلك»، ويَحْتَمِل أن يكون هناك قرينة لصدقه. ١١ - (ومنها): أن فيه التعاونَ على العبادة، والسعي في إخلاص المسلم، واعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفارة أهل بيت واحد. ١٢ - (ومنها): أن المضطرّ إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه، أو بعضه لمضطرّ آخر، قاله في «الفتح» . ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إعطاء الصدقة جميعها في صنف واحد، وفيه نظرٌ؛ لأنه لَمْ يتعيّن أن ذلك القدر هو جميع ما يجب على ذلك الرجل الذي أحضر التمر. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاءً بالكفارة؛ إذ لَمْ يقع التصريح في «الصحيحين» بقضائه، وهو مَحكيّ في مذهب الشافعيّ، وعن الأوزاعيّ: يقضي إن كفّر بغير الصوم، وهو وجه للشافعية أيضًا، قال ابن العربيّ: إسقاط القضاء لا يشبه مَنْصِب الشافعيّ؛ إذ لا كلام في القضاء؛ لكونه أفسد العبادة، وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم، قال: وأما كلام الأوزاعيّ، فليس بشيء. قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث، في رواية أبي أويس، وعبد الجبار، وهشام بن سعد، كلهم عن الزهريّ، وأخرجه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الليث، عن الزهريّ، وحديث إبراهيم بن سعد في «الصحيح»، عن الزهريّ نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهريّ في «الصحيحين» بدونها، ووقعت الزيادة أيضًا في مرسل سعيد بن المسيّب، ونافع بن جبير، والحسن، ومحمد بن كعب، وبمجموع هذه الطرق يُعرف أن لهذه الزيادة أصلًا، ويؤخذ من قوله: «صم يومًا» عدم اشتراط الفورية؛ للتنكير في قوله: «يومًا». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب القضاء هو مذهب الجمهور كما تقدّم قريبًا، وهو الحقّ؛ للزيادة المذكورة؛ لأنَّها صالحة للاحتجاج بها، كما أشار إلى ذلك الحافظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال الحافظ - ﵀ -: وقد اعتنى بعض المتأخّرين ممن أدركه شيوخنا، فتكلم على هذا الحديث في مجلّدين، جَمَع فيهما ألف فائدة وفائدةً، ومحصّله - إن شاء الله تعالى - فيما لخّصته مع زيادات كثيرة عليه، فلله الحمد على ما أنعم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضًا تَتبّعت ما لخّصه الحافظ - ﵀ -، فأوردته في هذا الشرح، ولله تعالى الحمد والمنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم كفّارة من جامع في نهار رمضان : قال النوويّ - ﵀ -: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة وجوب الكفارة عليه؛ إذا جامع عامدًا جماعًا أفسد به صوم يوم من رمضان، والكفارة عتق رقبة مؤمنة، سليمة من العيوب التي تضرّ بالعمل إضرارًا بَيّنًا، فإن عجز عنها فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز، فإطعام ستين مسكينًا، كلّ مسكين مُدّ من طعام، وهو رطل وثلث بالبغداديّ، فإن عجز عن الخصال الثلاث، فللشافعي قولان: [أحدهما]: لا شيء عليه، وإن استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه، واحتُجّ لهذا القول بأن حديث هذا المجامع ظاهر بأنه لَمْ يستقرّ في ذمته شيء؛ لأنه أخبر بعجزه، ولم يقل له رسول الله - ﷺ - أن الكفارة ثابتة في ذمته، بل أَذِن له في إطعام عياله. [والقول الثاني]: وهو الصحيح عند أصحابنا، وهو المختار أن الكفارة لا تسقط، بل تستقرّ في ذمته، حتى يُمَكَّن؛ قياسًا عَلى سائر الديون والحقوق، والمؤاخذات، كجزاء الصيد، وغيره، وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة، بل فيه دليلٌ لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبيّ - ﷺ - في الكفارة بأنه عاجز عن الخصال الثلاث، ثم أُتي النبيّ - ﷺ - بعرق التمر، فأمره بإخراجه، فلو كانت تسقط بالعجز، لَمْ يكن عليه شيء، ولم يأمره بإخراجه، فدل على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله؛ لأنه كان محتاجًا، ومضطرًّا إِلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي، فأذن له في أكله، وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته، وإنما لَمْ يُبَيِّن له بقاءها في ذمته؛ لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز، عند جماهير الأصوليين، وهذا هو الصواب في معنى الحديث، وحكمِ المسألة، وفيها أقوال، وتأويلات أُخَرُ ضعيفة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضعّف النوويّ القول بأن المحتاج له إنفاق كفّارته على عياله، كما أمره - ﷺ - بذلك، وأن كفّارته تسقط بذلك، مع أن هذا هو الموافق لظاهر النصّ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: تباينت في هذه القصة المذاهب، فقيل: إنه دلّ على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها؛ لأن الكفارة لا تُصْرَف إلى النفس، ولا إلى العيال، ولم يُبَيِّن النبيّ - ﷺ - استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، وقال الأوزاعيّ: يستغفر الله، ولا يعود، ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها، وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمدٌ تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها، فتستقر في الذِّمة، وليس في الخبر ما يدلُّ على إسقاطها، بل فيه ما يدلّ على استمرارها على العاجز. وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة، ثم اختلفوا، فقال الزهريّ: هو خاصّ بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورُدّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبيِّن قائله ناسخه. وقيل: المراد بالأهل الذين أُمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وهو قول بعض الشافعية، وضُعِّف بالرواية الأخرى التي فيها: «عيالك»، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك. وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حَمَل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بأن المرء لا يأكل من كفارة نفسه. قال الشيخ ابن دقيق العيد: وأقوى من ذلك أن يُجعل الإعطاء، لا على جهة الكفارة، بل على جهة المتصدق عليه، وعلى أهله بتلك الصدقة؛ لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث، وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدّم، ولم يرد في الحديث ما يدلُّ على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه، ثم أمره بإخراج العَرَق دلّ على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخّر البيان إلى وقت الحاجة، وهو القدرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله ابن دقيق العيد من التكلّف البعيد عن ظاهر الحديث، وأن من تأمّل بالإنصاف تبيّن له أن القول بأن المكفّر إذا كان محتاجًا يجوز له أن ينفق كفّارته على نفسه، وعلى عياله، كما هو ظاهر الحديث هو الأرجح. وقال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وقد ورد ما يدلّ على إسقاط الكفارة، أو على إجزائها عنه بإنفاقه إياها على عياله، وهو قوله في حديث عليّ - ﵁ -: «وكُلْه أنت وعيالك، فقد كفَّر الله عنك»، ولكنه حديث ضعيف، لا يُحتج بما انفرد به. قال: والحقّ أنه لما قال له - ﷺ -: «خذ هذا، فتصدق به»، لَمْ يقبضه، بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره، فأَذِنَ له حينئذ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكًا مشروطًا بصفة، وهو إخراجه عنه في كفارته، فينبني على الخلاف المشهور في التمليك المقيد بشرط، لكنه لما لَمْ يقبضه لَمْ يملكه، فلما أذن له - ﷺ - في إطعامه لأهله، وأكلِه منه كان تمليكًا مطلقًا بالنسبة إليه، وإلى أهله، وأخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدم أنه كان في مال الصدقة، وتصرّف النبي - ﷺ - فيه تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة، واحتَمَلَ أنه كان تمليكًا بالشرط الأول، ومن ثم نشأ الإشكال، والأول أظهر، فلا يكون فيه إسقاط، ولا أكل المرء من كفارة نفسه، ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد كلام الحافظ هذا من ظاهر النصّ، فلو كان ما ذكره مرادًا للنبيّ - ﷺ - لَمَا أهمله، بل بيّن له، وفصَّل له الأمر تفصيلًا لا غموض فيه، فلما قال له بعد أن بيّن له أنه أعطاه ليكفّر به: «اذهب به، فأطعمه أهلك»، وفي رواية ابن إسحاق: «خذها، وكلها، وأنفقها على عيالك»، دلّ على أنه إذا كان محتاجًا إليها أنفقها على نفسه، وعياله، وتكون كفّارته، فليس على ذمته شيء، والله تعالى أعلم. قال: وأما ترجمة البخاريّ بقوله: «باب المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج؟»، فليس فيه تصريح بما تضمنه حكم الترجمة، وإنما أشار إلى الاحتمالين المذكورين بإتيانه بصيغة الاستفهام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن صنيع البخاريّ - ﵀ - ظاهر في ترجيحه هذا القول من الاحتمالين؛ لأنه أورد فيه الحديث المذكور، ودلالته على هذا القول ظاهرة. والحاصل أن القول بجواز إطعام المكفّر كفّارته أهله هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم المجامع ناسيًا: قال النوويّ - ﵀ -: وأما المجامع ناسيًا فلا يفطر، ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ولأصحاب مالك خلاف في وجوبها عليه، وقال أحمد: يفطر، وتجب به الكفارة، وقال عطاء، وربيعة، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ: يجب القضاء، ولا كفارة، قال: دليلنا أن الحديث صحّ أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه، وأما الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هي في جماع العامد، ولهذا قال في بعضها: «هلكتُ»، وفي بعضها: «احترقتُ احترقتُ»، وهذا لا يكون إلَّا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: استَدَلّ الجمهور بهذا الحديث على أنه كان متعمّدًا، وقصروا الكفّارة على المتعمّد دون الناسي، وهو مشهور قول مالك، وأصحابه، وذهب أحمد، وبعض أهل الظاهر، وعبد الملك، وابن حبيب إلى إيجابها على الناسي، ورُوي ذلك عن عطاء، ومالك، متمسّكين بترك استفسار النبيّ - ﷺ - السائل، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال، وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم في المقال، قال القرطبيّ: وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك استفصاله لأنه قد تبيّن حاله، وهو أنه كان عامدًا، كما يدلّ عليه ظاهر قوله:«هلكت»، و«احترقت». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم وجوب الكفّارة على الناسي هو الأرجح عندي؛ لأن الحديث ظاهر في كونه عامدًا، فإن دلالة قوله:«هلكت»، و«احترقت»على أنه كان عامدًا عارفًا بالتحريم ظاهرٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في أنواع الكفّارة: قال القرطبيّ - ﵀ -: ذهب الجمهور إلى أن الكفّارة ثلاثة أنواع، كما جاء في هذا الحديث، وذهب الحسن وعطاء إلى أن المكفّر إن لَمْ يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة، وقال عطاء: أو بقرةً، وتمسّكوا بما رواه مالك في«الموطّأ»من مرسل سعيد بن المسيّب أن النبيّ - ﷺ - قال له:«هل تستطيع أن تُعتق رقبةً؟ »قال: لا، قال:«فهل تستطيع أن تُهدي بدنةً؟ »قال: لا، والصحيح المسند من الأحاديث، ليس فيه شيء من ذلك. انتهى . وقال في«الفتح»: في الحديث أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفّارة، وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد الصيام بإفساد الحجِّ، وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيِّب، عثد مالك في«الموطأ»، عن عطاء الخرسانيّ عنه، وهو مع إرساله قد رَدّه سعيد بن المسيِّب، وكذب من نقله عنه، كما روى سعيد بن منصور، عن ابن عُلَيّة، عن خالد الحذّاء، عن القاسم بن عاصم، قلت لسعيد بن المسيِّب: ما حديث حدّثناه عطاء الخرسانيّ عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يُعتق رقبة، أو يُهدي بدنة؟ فقال: كَذَبَ، فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث، عن عمرو بن الحارث، عن أيوب، عن القاسم بن عاصم، وتابعه همام، عن قتادة، عن سعيد، وذكر ابن عبد البرّ أن عطاء لَمْ ينفرد بذلك، فقد ورد من طريق مجاهد، عن أبي هريرة، موصولًا، ثم ساقه بإسناده، لكنه من رواية ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، وليث ضعيفٌ، وقد اضْطَرَب في روايته سندًا ومتنًا، فلا حجة فيه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ أن كفّارة الجماع في نهار رمضان هو المذكور في حديث الباب، وهو عتق رقبة، فإن لَمْ يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لَمْ يجد فإطعام ستين مسكينًا، وأما غير ذلك من البدنة، أو غيرها فلا يُجزئ؛ لضعف دليله، مع مخالفته للحديث الصحيح المذكور في الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الكفّارة كما ذُكر في هذا الحديث: قال القرطبيّ - ﵀ -: إن قوله: «هل تجد؟»، وبعده: «فهل تستطيع؟»، وبعده: «فهل تجد ما تُطعم؟» ظاهر في ترتيب هذه الخصال، بدليل عطف الْجُمَل بالفاء المرتِّبة الْمُعَقِّبة، وإليه ذهب الشافعيّ، والكوفيّون، وابن حبيب من أصحابنا، وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير في ذلك، إلَّا أنه استَحَمت الإطعام؛ لشدّة الحاجة إليه، وخُصوصًا بالحجاز، واستَدَلّ أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا، وهو أنه قال: أفطر رجلٌ في رمضان، فأمره النبيّ - ﷺ - أن يُعتق رقبةً، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكينًا، فخَيَّره بـ «أو» التي هي موضوعة للتخيير. انتهى . وقال في «الفتح»: وفي الحديث أيضًا أن الكفّارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور، قال ابن العربيّ: لأن النبيَّ - ﷺ - نقله مِن أمرٍ بعد عدمه لأمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك، فقال: إن مثل هذا السؤال قد يُستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن الْمُنَيِّر في «الحاشية» بأن شخصًا لو حَنِث فاستفتي، فقال له المفتي: أعتق رقبةً، فقال: لا أجد، فقال: صم ثلاثة أيام إلخ لَمْ يكن مخالفًا لحقيقة التخيير، بل يُحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفّارة، وقال البيضاويّ: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني، يدلُّ على عدم التخيير، مع كونها في معرض البيان، وجوابِ السؤال، فينزل منزلة الشرط للحكم. وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهريّ أكثر ممن روى التخيير. وتعقبه ابن التين بأن الذين رووا الترتيب: ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعيّ، والذين رووا التخيير: مالك، وابن جريجٍ، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان المخزوميّ، قال الحافظ: وهو كما قال في الثاني دون الأول، فالذين رووا الترتيب في البخاريّ الذي نحن في شرحه أيضًا: إبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وشعيب بن أبي حمزة، ومنصور، ورواية هذين في هذا الباب الذي نشرحه، وفي الذي يليه، فكيف غفل ابن التين عن ذلك، وهو ينظر فيه؟ بل روى الترتيب عن الزهريّ كذلك تمام ثلاثين نفسًا، أو أزيد. ورُجّح الترتيب أيضًا بأن راويه حَكَى لفظ القصة على وجهها، فمعه زيادة علم، من سورة الواقعة، وراوي التخيير حَكَى لفظ راوي الحديث، فدلّ على أنه من تصرّف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار، أو لغير ذلك. ويترجح الترتيب أيضًا بأنه أحوط؛ لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا، بخلاف العكس. وجمع بعضهم بين الروايتين كالمهلَّب والقرطبيّ بالحمل على التعدد، وهو بعيد؛ لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد. وبعضهم حمل الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم، فقال: «أو» في الرواية الأخرى ليست للتخيير، وإنما هي للتفسير، والتقدير: أَمَرَ رجلًا أن يعتق رقبة، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عنهما. وذكر الطحاويّ أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير، أن الزهريّ راوي الحديث قال في آخر حديثه: فصارت الكفّارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو الإطعام، قال: فرواه بعضهم مختصرًا مقتصِرًا على ما ذكر الزهريّ أنه آل إليه الأمر، قال: وقد قَصّ عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافر عن الزهريّ القصة على وجهها، ثم ساقه من طريقه، مثل حديث الباب إلى قوله: «أطعمه أهلك»، قال: فصارت الكفّارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. وكذلك رواه الدارقطنيّ في «العلل» من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، وقال في آخره: فصارت سنة عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو القول بكون الكفّارة على الترتيب المذكور في هذا الحديث؛ لظاهر النصّ. وأما حديث أبي هريرة الآتي الذي احتجّ به المالكيّة؛ لكونه بـ «أو»، فإن «أو» فيه للتقسيم، لا للتخيير؛ جمعًا بين الروايات، قال النوويّ - ﵀ -: لفظة «أو» فيه للتقسيم، لا للتخيير، تقديره: أن يُعتق، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يُطعم إن عجز عنهما، وتبيّنه الروايات الباقية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم، هل على المرأة كفّارة أم لا؟: قال القرطبيّ - ﵀ -: إن هذه الكفّارة هل هي على الجاني وحده؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور، أو عنه وعن موطوءته؟ كما صار إليه الشافعيّ، وأهل الظاهر، وليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، لكن الحديث إنما تعرّض للرجل، وسكت عن المرأة، فيؤخذ حكمها من دليل آخر، ولعله إنما سكت عنها؛ لأنَّها كانت غير صائمة؛ لأنَّها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم، أو كتابيّة، وعلى الجملة فحالها مجهولٌ، ولا سبيل إلى التحكّم بأنها كانت مكرهةً، أو مختارةً، أو غير ذلك، ومشهور مذهب مالك في المكرهة أن مكرِهها يكفّر عنها؛ لأنه هَتَكَ صومين بالنسبة إليها وإليه، فكأنه هتك يومين، قال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر ، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه القائلون بعدم وجوب الكفّارة على المرأة هو الأقرب؛ لأنه يدلّ عليه ظاهر الحديث، وأما القول بالوجوب، فيحتاج إلى دليل، ولذا قال في «الفتح»: واستُدِلّ بإفراد الرجل بذلك على أن الكفارة عليه وحده دودن الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: «هل تستطيع»، و«هل تجد» وغير ذلك، وهو الأصح من قولي الشافعية، وبه قال الأوزاعيّ، وقال الجمهور، وأبو ثور، وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضًا، على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرّة والأمة، والمطاوِعة والمكرَهة، وهل هي عليها، أو على الرجل عنها. واستَدلّ الشافعية بسكوته - ﷺ - عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك؛ لأنها لم تَعترف، ولم تُسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف، وبأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدلّ على الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة؛ لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقّها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم، كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حقّ بعض المكلفين كافٍ عن ذكره في حقّ الباقين. وَيحْتَمِل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. واستدلّ بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث: «هلكت، وأهلكت» وهي زيادة فيها مقال، فقال ابن الجوزي في قوله: «وأهلكت» تنبيه على أنه أكرهها، ولولا ذلك لم يكن مُهلكًا لها. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: «وأهلكت» إيجاب الكفارة عليها، بل يَحتمل أن يريد بقوله: «هلكت»: أَثِمت، وأهلكت: أي كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوِعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيبها، أو المعنى: «هلكتُ»: أي حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته، «وأهلكتُ»: أي نفسي بفعلي الذي جرّ عليّ الإثم. وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة، وقد ذكر البيهقيّ أن للحاكم في بطلانها ثلاثةَ أجزاء، ومُحَصَّل القول فيها أنها وردت من طريق الأوزاعيّ، ومن طريق ابن عيينة. أما الأوزاعيّ: فتفرد بها محمد بن المسيب، عن عبد السلام بن عبد الحميد، عن عمر بن عبد الواحد، والوليد بن مسلم، وعن محمد بن عقبة، عن علقمة، عن أبيه، ثلاثتهم عن الأوزاعيّ، قال البيهقيّ: رواه جميع أصحاب الأوزاعيّ بدونها، وكذلك جميع الرواة عن الوليد، وعقبة، وعمر، ومحمد بن المسيب كان حافظًا مكثرًا إلا أنه كان في آخر أمره عَمِي، فلعل هذه اللفظة أُدخلت عليه، وقد رواه أبو عليّ النيسابوريّ عنه بدونها، ويدلّ على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد، عن أبيه، قال: سئل الأوزاعيّ عن رجل جامع امرأته في رمضان؟، قال: عليهما كفارة واحدةٌ إلا الصيام، قيل له: فإن استكرهها؟ قال: عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة: فتفرد بها أبو ثور، عن معلى بن منصور، عنه، قال الخطابيّ: المعلى ليس بذاك الحافظ. وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يَعرف أحدًا طعن في المعلى، وغفل عن قول الإمام أحمد: إنه كان يخطئ كل يوم في حديثين أو ثلاثة، فلعله حدّث من حفظه بهذا، فوهم، وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب الصيام للمعلى بخط موثوق به، وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزيّ أن الدارقطنيّ أخرجه من طريق عُقيل أيضًا، وهو غلطٌ منه، فإن الدارقطنيّ لم يخرج طريق عُقيل في «السنن»، وقد ساقه في «العلل» بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزيّ بدونها. [تنبيه]: القائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته، يقول: يُعتبر حالهما، فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبةٌ، وإن كانا من أهل الإطعام، أطعم ما سبق، كمان كانا من أهل الصيام وإما جميعًا، فإن اختلف حالهما، ففيه تفريع، محله كتب الفروع. انتهى . قال الجامع عفا الله منه: قد تبيّن بما ذُكر أن زيادة: «وأهلكت» لا تصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): لم يُعَيَّن في هذه الرواية مقدار ما في الْمِكْتَل من التمر، بل ولا في شيء من طرق «الصحيحين» في حديث أبي هريرة - ﵁ -، ووقع في رواية ابن أبي حفصة: «فيه خمسة عشر صاعًا»، وفي رواية مؤمَّل، عن سفيان: «فيه خمسة عشر، أو نحو ذلك»، وفي رواية مِهران بن أبي عمر، عن الثوريّ، عند ابن خزيمة: «فيه خمسة عشر، أو عشرون»، وكذا هو عند مالك، وعبد الرزاق، في مرسل سعيد بن المسيِّب، وفي مرسله عند الدارقطنيّ الجزم بعشرين صاعًا، ووقع في حديث عائشة، عند ابن خزيمة: «فَأُتي بعَرَق فيه عشرون صاعًا»، قال البيهقيّ: قوله: «عشرون صاعًا»، بلاغٌ بلغ محمد بن جعفر؛ يعني بعض رواته، وقد بَيّن ذلك محمد بن إسحاق عنه، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال محمد بن جعفر: فحُدِّثتُ بعدُ أنه كان عشرين صاعًا من تمر. قال الحافظ: ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره، عند مسدد: «فأمر له ببعضه»، وهذا يَجْمَع الروايات، فمن قال: إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، وُيبَيِّن ذلك حديث عليّ عند الدارقطنيّ: «تطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين مدٌ»، وفيه: «فأُتي بخمسة عشر صاعًا، فقال: أطعمه ستين مسكينًا»، وكذا في رواية حجاج، عن الزهريّ عند الدارقطنيّ، في حديث أبي هريرة. وفيه رَدّ على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من الْقَمْح ثلاثون صاعًا، ومن غيره ستون صاعًا، ويقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعًا، وعلى أشهب في قوله: لو غدّاهم، أو عشّاهم كفى تصدق الإطعام ، ويقول الحسن: يُطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا، أو بالجماع: أطعم خمسة عشر. وفيه رد على الجوهريّ حيث قال في «الصحاح»: المكتل يشبه الزَّبِيل يسع خمسة عشر صاعًا؛ لأنه لا حصر في ذلك، وروى عن مالك أنه قال: يسع خمسة عشر، أو عشرين، ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصّة، فيوافق رواية مِهْران، وإلا فالظاهر أنه لا حصر في ذلك، والله أعلم. وأما ما وقع في رواية عطاء، ومجاهد، عن أبي هريرة عند الطبرانيّ في «الأوسط»: أنه أُتِي بمكتل فيه عشرون صاعًا فقال: «تصدق بهذا»، وقال قبل ذلك: «تصدق بعشرين صاعًا، أو بتسع عشرة، أو بإحدى وعشرين»، فلا حجة فيه«لما فيه من الشكّ، ولأنه من رواية ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف، وقد اضطَرَب فيه، وفي الإسناد إليه مع ذلك مَن لا يُحتَجّ به، ذكره في»الفتح«، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٦] (…) - (حَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ اَلزِّنْبِيلُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا قبل باب. و«الزهريّ» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ المذكور قبل هذا، وهو: عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (وَقَالَ: بِعَرَق فِيهِ تَمْرٌ) فاعل «قال» ضمير منصور. وقوله: (وَهُوَ الزِّنْبِيلُ) تقدّم أنه بكسر الزاي، بعدها نون، وفي نسخة: «وهو الزَّبِيل» بإسقاط النون، وعليه فتكون الزاي مفتوحة. [تنبيه]: رواية منصور، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (١٩٣٧) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جريرٌ، عن منصور، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن الأَخِرَ وَقَع على امرأته في رمضان، فقال: «أتجد ما تُحَرِّر رقبةً؟»، قال: لا، قال: «فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: لا، قال: «أفتجد ما تُطعم به ستين مسكينًا؟»، قال: لا، قال: فأُتِيَ النبيّ - ﷺ - بعَرَق، فيه تمرٌ - وهو الزبيل- قال: «أطعم هذا عنك»، قال: على أحوج منا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، قال: «فأطعمه أهلك». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٧] (…) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ) أي جامعها، وفي نسخة: «واقع امرأته». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكْ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّ رَجُلًا أفطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، ثُم ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطّبّاع، سَكَنَ أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في «صلاة الكسوف» ٣/ ٢١١٠. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (الزُّهْرِيُّ): ذُكر قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير مالك. [تنبيه]: رواية مالك، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٣/ ١٨٩) فقال: (٢٥١٣) - ثنا أبو بكر بن خلاد غير مرة، ثنا محمد بن غالب (ح) وثنا فاروق، ثنا أبو مسلم، قالا: ثنا القعنبيّ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد، فقال له: «اجلس»، فأتي رسول الله - ﷺ - بعَرَق تمر، فقال: «خذ هذا، فتصدق به»، فقال: يا رسول الله، ما أجد أحوج مني، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: «كله». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٩] (…) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَن أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ رَجُلًا أفطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أوْ يُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِينًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن هَمّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَن النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ رَجُلًا أفطَرَ فِي رَمَضَانَ إلخ) قال القرطبيّ ﵀: هذا متمسّك أصحابنا على أن الكفّارة معلّقة على كلّ فطر قُصِد به هَتْكُ الصيام على ما تقدّم، ووجه استدلالهم أنه علّق الكفّارة على من أفطر مجرّدًا عن القيود، فيلزم مطلقًا، وهذا على قول الشافعيّ في مسألة ترك الاستفصال، فإن قيل: فهذا الحديث هو الحديث الأول، والقضيّة واحدةٌ، فتُردّ إليها، قلنا: لا نسلّم، بل هما قضيّتان مختلفتان؛ لأن مساقهما مختلفٌ، وهذا هو الظاهر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الأولى حمل هذه الرواية على أن بعض الرواة اختصرها من الرواية الأولى، والقضيّة واحدة، فيتعيّن حملها عليها، فلا يكون الحديث دليلًا على وجوب الكفّارة في غير الجماع، فتنبّه. وقال في «الفتح»: ووقع في رواية مالك، وابن جريج، وغيرهما في أول الحديث: «أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي - ﷺ - …» الحديث، واستُدِلَّ به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقًا بأيّ شيء كان، وهو قول المالكية، والجمهور حَمَلُوا قوله: «أفطر» هنا على المقيَّد في الرواية الأخرى، وهو قوله: «وقعت على أهلي»، وكأنه قال: أفطر بجماع، وهو أولى من دعوى القرطبيّ وغيره تعدد القصة، واحتَجَّ من أوجب الكفارة مطلقًا بقياس الأكل على المجامع، بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم، وبأن من أُكره على الأكل فسد صومه، كما يفسد صوم من أكره على الجماع، بجامع ما بينهما. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد قياس من أفطر بغير الجماع على من أفطر بالجماع لمن تأمله، فالذي يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الكفّارة على من أفطر بغير الجماع هو الأقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وقد وقع في حديث عائشة - ﵂ - نظير ما وقع في حديث أبي هريرة - ﵁ -، فمعظم الروايات فيها: «وَطِئْتُ»، ونحو ذلك، وفي رواية ساق مسلم إسنادها، وساق أبو عوانة في «مستخرجه» متنها أنه قال: «أفطرت في رمضان»، والقصّة واحدة، ومخرجها مُتَّحِد، فَيُحْمَل على أنه أراد: أفطرت في رمضان بجماع، وقد وقع في مرسل ابن المسيَّب عند سعيد بن منصور: «أصبت امرأتي ظهرًا في رمضان»، وتعيين رمضان معمول بمفهومه، وللفرق في وجوب كفارة المجامع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر، وفي كلام أبي عوانة في «صحيحه» إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهارًا، سواء كان الصوم واجبًا عليه، أو غير واجب. انتهى . وحديث أبي هريرة - ﵁ - متّفقٌ عليه باللفظ الذي مضى، وأما بهذا اللفظ فمن أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٠٠] (…) - (حَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (مَعَمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضل [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨.
مصادر المؤلف (٤٢)

١. ترجم الإمام أبو نعيم - ﵀ - بنحو هذه الترجمة في«مستخرجه»(٣/ ١٨٨).

٢. وفي نسخة:«وماذا أهلكك؟ ».

٣. راجع: «الفتح» ٥/ ٣٠٨ كتاب «الصوم» رقم (١٩٣٦).

٤. «تنبيه المعلم» ص ٢٠٢.

٥. «الفتح»٥/ ٣٠٩.

٦. «الفتح» ٥/ ٣١١.

٧. «المجموع شرح المهذّب» ٦/ ٣٤٥.

٨. «المفهم» ٣/ ١٧٠.

٩. «المفهم» ٣/ ١٧٠.

١٠. «الفتح» ٥/ ٣١٢.

١١. «المفهم» ٣/ ١٧٠.

١٢. رواه أحمد من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وهو حديث صحيح، =

١٣. راجع: «الفتح» ٥/ ٣١٢ - ٣١٣.

١٤. «المفهم» ٣/ ١٧١.

١٥. «الفتح» ٥/ ٣١٦.

١٦. أي: مع حذف النون.

١٧. «المفهم» ٣/ ١٧١.

١٨. «الفتح» ٥/ ٣١٨.

١٩. «المفهم» ٣/ ١٧١.

٢٠. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٢٦.

٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٠.

٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٢.

٢٣. «الفتح» ٥/ ٣٢٠.

٢٤. «المفهم» ٣/ ١٧٢.

٢٥. «الفتح» ٥/ ٣٢٢ كتاب «الصوم» رقم (١٩٣٦).

٢٦. «الفتح» ٥/ ٣٢٣.

٢٧. قال في «الفتح»: الحديث دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافًا لمن شذّ، فقال: لا تجب؛ مستندًا إلى أنه لو كان واجبًا لما سقط بالإعسار، وتُعُقّب بمنع الإسقاط كما سيأتي البحث فيه.

٢٨. شرح النوويّ«٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥.

٢٩. «المفهم» ٣/ ١٦٩.

٣٠. «المفهم» ٣/ ١٧٣ - ١٧٤.

٣١. «المفهم» ٣/ ١٧٣.

٣٢. «الفتح» ٥/ ٣١٤ - ٣١٥.

٣٣. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٢٧.

٣٤. سيأتي في عبارة «الفتح» أن أبا ثور، وابن المنذر من القائلين بالوجوب على المرأة، فليُحرّر.

٣٥. «المفهم» ٣/ ١٧٢ - ١٧٣.

٣٦. «الفتح» ٥/ ٣١٨ - ٣١٩.

٣٧. كذا النسخة، ولعله: «كفى عن تصدّق الإطعام»، فليُحرّر.

٣٨. وفي نسخة: «وهو الزَّبيلُ».

٣٩. بهمزة غير ممدودة بعدها خاء معجمة مكسورة، وحكى ابن القوطية فيه مدّ الهمز.

٤٠. وفي نسخة: «واقع امرأته».

٤١. «المفهم» ٣/ ١٧٤.

٤٢. «الفتح» ٥/ ٣١٠ - ٣١١.